روايات شيقة
رواية روح وريحان الفصل السابع والعشرين 27 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل السابع والعشرين 27 بقلم ايناس عادل
الفصل السابع والعشرون
( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
هل تدبرت قول “إنا لله وإنا إليه راجعون” .. هلا تدبرتها أثناء قولك إياها عند المصيبة .. أتعرف ماذا سيحدث لك .. صلوات ورحمة من ربك .. عن تجربة ويقين أخبرك أن هول المصيبة يصغر ويهون عند قول تلك الكلمات بقلبك .. وتجد نفسك متسلح بصبر لا تدري من أين جاءك .. ولكن تشعر أنك لبست حلل الصابرين .. وتزينت بقلب من قلوب المهتدين ..
“يوسف” كانت مصيبته في فقدان “رنيم” نفسها .. عندما وصل للمشفى ووجد “نهلة” منهارة .. توقف عن الحركة وتوقف الزمن حوله .. لماذا لا نعرف قيمة ما بين أيدينا حتى يضيع منا .. ولا نقدر ما نمتلكه إلا إذا أصبح ملكا لغيرنا ..
بمجرد ما رأته “نهلة” هرولت نحوه قائلة :
– رنيم من ساعة ما فاقت وعرفت اللي حصلها وهي بتصرخ جامد وبتنادي عليك ..
كغريق كان في أعماق البحر ثم فجأة رفع لأعلى حتى تطال أنفه الهواء .. ما سيفعله أنه سيأخذ شهيقا عميقا كأنما يحاول سحب الهواء الموجود على الكرة الأرضية بأكملها ..
– هي فين ..
أشارت له فهرول نحوها .. دخل غرفتها ليجدها كما تقول “نهلة” .. وقف مكانه ولم يتحرك .. لا يدري ماذا حدث لها .. لماذا تصرخ بهذه الطريقة .. رأته فزاد صراخها ونداءها .. تقدم نحوها .. بمجرد اقترابه جلس على فراشها لترتمي هي على صدره .. وبدأت تهدأ .. خرج كل من كان يحاول تهدئتها سواه .. وبقي وحده معها .. تمنى أن يفهم ما حدث حتى يستطيع تهدئتها .. ظنها هدأت ولكن عادت لنحيبها مجددا .. وأخذ يربت رأسها وظهرها بحنان خالص .. وظل هكذا حتى نامت .. فخرج لطبيبتها يطمأن على حالتها .. ولما أخبرته .. وقف قائلا :
– ازاي يعني كانت حامل من غير ما تعرف ..
ردت بهدوء :
– دكتورة رنيم حصلها خلل في الهرمونات هي اللي بوظت الدنيا عندها بالطريقة دي .. هي وصلت هنا وكان الجنين نزل فعلا .. ولو دة مكانش حصل كان المفروض احنا اللي نعمله .. حملها مكانش ينفع يكمل .. ودلوقتي المفروض انها محتاجة علاج علشان هرموناتها تتظبط تاني .. وكمان محتاجة دعم نفسي من حضرتك ..
عاد لغرفتها وجلس جوارها وظل ممسكا بيدها بعد أن بلغ والديها وأمه .. بين وقت وآخر تفتح عينيها ببطء لتراه من بين أهدابها فتطمئن وتعود إلى بحور نسيانها مجددا .. حتى جاء من عرف للاطمئنان عليها وبين مؤازرة وحزن كان حالهم .. ولم يتحرك هو من جوارها .. ولم يخرج لـ”باسل” الذي أراد ان يؤازره ويكن جواره .. هو لم يتحرك وهي لم تصحو .. حتى انفض الجمع وبقي هو معها .. ومرت ساعات تفعل ما تفعل تفتح عينيها لتراه جوارها فتغمضها بشبح ابتسامة .. وفي المرة الأخيرة .. قام ليجلس قبالتها قائلا :
– رنيم .. رنيم اصحي .. متناميش تاني ..
أغمضت عينيها بشدة لتهرب من الواقع .. لا تريد أن تعرف ما حدث لها .. لا تريد أن تسمع .. مسح بظهر كفه جبينها قائلا :
– حبيبتي علشان خاطري .. اللي بتعمليه دة غلط ..
بقيت تهز رأسها في عنف كأنما تنفي ما حدث .. أمسك رأسها قائلا :
– علشان خاطري يا رنيم .. طيب افتحي عنيكي بس .. والله ربنا هيعوضنا .. بس اصبري ..
سالت دموعها وهي تكتم شهقاتها .. إن هربت من واقعها ستنهار يوما كما حدث قبل .. هو يريدها أن تواجه حتى تستطيع تخطي ما حدث .. مسح دموعها قائلا :
– رنيم بصي لي .. علشان خاطري يا حبيبتي فتحي عيونك ..
ببطء سمحت لضوء الغرفة أن يتخلل أهدابها وينفذ لعينيها .. وقع نظرها عليه رأته باكيا .. فزاد بكاءها .. أجلسها ليجلس جوارها ويحيطها بذراعه لتستند برأسها على صدره .. وبقي هكذا حتى هدأت وهدأ .. فقط كلاهما من يستطيع مدواة جرحيهما .. وكلاهما بيده الألم والأمل للآخر ..
كان حديثه قريبا من أذنها حين همس قائلا :
– رددي يا حبيبتي ..
إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها ..
بقيت تردد خلفه ولم يفترا عن الترديد .. ثم أخذ يحدثها حتى يخفف وقع ما حدث عليها .. وبعدُ تركها لتسترح قليلا .. وقام هو ليصلي قيامه قبل الفجر وانتظر الفجر ونام هو الآخر ..
استيقظت صباحا .. فدارت عينيها تبحث عنه .. وجدته نائما وآثار التعب والحزن جلية على وجهه .. تنهدت وهي تبتسم ابتسامة حزينة .. رغم كل ما حدث ولكن “لعله خير” .. قد يكون كلاهما كان بحاجة لصفعة تفيقه مما يفعله ..
(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) .. (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) .. من نفسك .. تدبر !! ..
وكأنه شعر بنظراتها فتح عينيه فأغمضت هي عينيها ابتسم لما رآها وقام نحوها قائلا ببعض ضعف من أثر نومه :
– خلاص شفتك .. فتحي بقى ..
قتحت عينيها باسمة .. فاتسعت ابتسامته قائلا :
– عاملة ايه دلوقتي ..
أومات قائلة بصوت يكاد يسمع :
– الحمد لله احسن .. بس عاوزة امشي من هنا ..
رد قائلا :
– اول ما الدكتورة تيجي هنشوف هتقول ايه ان شاء الله ..
سكتت فجلس جوارها ممسكا يدها قائلا :
– عاوز اقولك على حاجة ..
انتبهت له فقال :
– احنا عاوزين نصلح حياتنا .. خلاص ننسى اللي فات وكل حاجة حصلت ونفكر في اللي جاي .. مش هنضيع من عمرنا اكتر من اللي ضاع .. عاوزين نبني حياتنا مع بعض ..
ابتسمت قائلة :
– انا كمان كنت بفكر في كدة ..
اتسعت ابتسامته وهو يقبل يدها قائلا :
– مش قلت لك طريقنا واحد ..
———————-
رآها حورية من الجنة .. كان طيفها عابرا ولكن لم يفارقه .. بقيت أسيرة عقله قبل قلبه .. ثم أخذ يتحرى عنها حتى عرف كل شئ يخصها .. ولما عرف أنها ضريرة أعاد تفكيره فيما نوى .. وبقيت في باله ليالٍ .. يشعر أنه بحاجة إليها أو أنها بحاجة إليه .. هو يحتاج لقلبها لا لعينيها .. هالة الجمال الهادئ التي تحيطها لا يمكن أن يتخلى عنها .. كما أن طفليه بحاجة إلى أم بحنانها .. لن يتراجع إذاً عن قراره الذي طال اتخاذه .. ولما هاتفته يقابلها شعر من صوتها أنها تريد رفضه لذلك كان حازما عنيفا معها .. هو لن يتركها لماذا تريد هي تركه بعد ما وجدها .. وأخيرا ذهب لمنزلها ليجلس معها .. أخير سيحاورها ويتحدث معها هادئا ..
لتصدمه هي بأول سؤال :
– انت ازاي بتكذب عادي كدة ..
ابتسم “مازن” قائلا :
– انا مكذبتش .. قولي لي كذبت في ايه ..
ردت “جميلة” بنفس حزمها المتوتر :
– قلت لي انك عندك ولد وبنت .. طلعوا اخواتك مش ولادك ..
رد “مازن” مبتسما :
– انا عندي ولد وبنت اخواتي .. وولد وبنت ولادي .. وكنت هقولك لان من الضروري انك تعرفي حاجة زي دي قبل ارتباطنا ..
عقدت ما بين حاجبيها قائلة :
– هو انت ليه فاكر اني هوافق عليك .. يعني علشان مبشوفش بقى هتكون عريس لقطة لواحدة زيي ..
اختفت ابتسامته قائلا :
– لا طبعا .. انتي اللي عروسة لقطة بالنسبة لي .. ومش بقول كدة شفقة ولا علشان صعبانة عليا .. ومتبنيش احكام من غير ما عندك اساس ليها ..
سكتت لبرهة ثم قالت :
– بس انا مش مناسبة ليك .. صدقني لو كنت بشوف كان ممكن افكر في الموضوع .. لكن مش هقدر اكون ام لولادك ..
ثم تذكرت شيئا فقالت :
– بس ولادك ازاي .. خالد قالي انك متجوزتش قبل كدة ..
ابتسم قائلا :
– انتي مديتينيش فرصة اشرح لك .. امير واميرة ولادي بالتبني .. وانتي طبعا عارفاهم كنتي بتزوريهم قبل كدة في دار الايتام .. قبل ما انا اتبناهم ..
وقفت “جميلة” قائلة بغضب :
– يعني انت اللي اخدتهم .. كنت شايفني متعلقة بيهم فأخدتهم وحرمتني منهم .. يعني علشان موافقوش في الدار ان انا اللي اتبناهم تاخدهم انت ..
نظر لها قائلا :
– انا مش عارف انتي ليه منفعلة كدة .. انا كنت فاكرك بتزوريهم عادي زي ما بتزوري الاطفال كلهم .. انا اصلا مكنتش اعرف انهم توأم وكنت هاخد امير بس .. لكن هو اللي قالي ان اميرة اخته ومش هيوافق ييجي معايا من غيرها .. وسبب اني اتبنيتهم اني مكنتش ناوي اتجوز ..
وسكت لبرهة ثم قال :
– لغاية ما شوفتك ..
جلست ولم تنطق .. لا تعرف ما سر خوفها رغم أنه إلى الآن كما تريد .. ولكن كيف ستتعامل معه وكيف سيعاملها .. هي اعتادت على حياتها هنا بين أهلها .. اعتادت عليهم واعتادوا عليها .. تعرف كل شبر في البيت دون مساعدة .. لا يحركون شيئا من مكانه إلا بمعرفتها .. ولأجلها .. كيف بها تذهب لبيت جديد وحياة جديدة .. وهل ستعرف كل شبر فيه كما هنا .. وهل سيتحملها هو .. هل سيكون داعما لها أو معايرا لها بابتلائها ..
فقالت :
– انت عارف انت داخل على ايه .. فكر كويس قبل ما تندم ..
ابتسم قائلا :
– قلت لك قبل كدة انا مباخدش خطوة غير لما ادرسها كويس ..
تنهدت وهي تومئ برأسها وشردت بعيدا ..
———————–
تركها ليصلي ولما عاد وجدها تجلس تحمل رضيعا .. اقترب منها وهو يقول مبتسما :
– مين دة وجبتيه منين ..
رفعت “رنيم” نظرها له مبتسمة لتقول :
– دة ابن الممرضة اللي كانت هنا .. وراها شغل وهو مدوخها فأخدته منها لغاية ما تخلص ..
ضحك “يوسف” قائلا :
– انا قلت الستات ملهمش غير القعدة في البيوت ..
قالت وهي تنظر للرضيع الذي تحتويه بين ذراعيها :
– يا سلام .. كانوا اشتكوا لحضرتك ..
لاحظ نظراتها للرضيع فقال :
– لا طبعا الواد دة اكيد بيدعي لامه دلوقتي علشان سابته معاكي ..
كانت تداعب وجهه بيدها وهي تقول :
– ما شاء الله ربنا يبارك فيه عسول خالص ..
نظر لها قائلا :
– يعني مش كفاية سامح له يبصلك كدة .. كمان هتعاكسيه قدامي ..
ابتسمت قائلة :
– تفتكر ابننا كان هيبقى شبهك ولا شبهي ..
رد مبتسما :
– ابننا اللي جاي ان شاء الله هيبقى شبهي طبعا مش راجل .. انتي متخيلة يعني ايه ولد يبقى شبهك .. دة هيبقى بنوتة خالص .. واقعد في البيت بقى واستنى البنات ييجوا يطلبوه مني ..
ضحكت وسعد بضحكتها .. ثم خفتت ضحكتها قائلة :
– كنت هتسميه ايه ..
تنهد قائلا :
– ابننا اللي جاي ان شاء الله .. الاول باسل والتاني والتالت علي او احمد .. زي ما تحبي .. بس الاول لازم يكون باسل ..
نظرت له قائلة :
– تفتكر هيكون فيه جاي ..
قام ليجلس جوارها لتستند بظهرها على صدره .. ثم أخذ يمسح على رأسها بيده قائلا :
– مش احنا قلنا هنصلح حياتنا .. وحياتنا مش هتتصلح غير واحنا من جوانا عندنا امل في كل حاجة .. وشايفين حياتنا الجاية احسن في كل حاجة .. فيه حاجات كتير لسة معملنهاش مع بعض .. شدي حيلك بقا علشان نعملها ..
أومأت باسمة وهي تعود بنظرها للرضيع تداعب وجهه وتهزه في مهده ..
———————–
وقفتا كلتاهما أمامه وعيونهما منتفخة من أثر البكاء .. نظر لهما ثم تنهد قائلا :
– لو هتروحولها كدة .. يبقى تفضلوا هنا احسن ..
نظرت له “ريم” وهي تغالب البكاء قائلة :
– لا يا باسل علشان خاطري عاوزين نطمن عليها ..
نظر لها “باسل” قائلا :
– طيب بطلوا تعيطوا .. المفروض انكم رايحين تخففوا عنها .. مش تزودوها عليها ..
أومأت “ريحانة” برأسها دون أن ترد .. فحديثها وحده سيبكيها .. بالإضافة إلى أنها لم تنم طوال الليل .. وفي الصباح أصر جدها على ذهابها لعملها أولا ..علها تنشغل فيه ..
نظر “باسل” لها وتمنى ان يسمع صوتها .. ولكن لم ترد ولم تتحدث معهما طوال الطريق .. حتى وصلوا لـ”يوسف” و”رنيم” .. دخلتا لـ”رنيم” وبقي هو مع “يوسف” في الاستراحة .. في هذا الوقت كان مع “رنيم” أمها وأم “يوسف” .. كن جلوسا بينما ذهبت “ريحانة” جوار “رنيم” ومالت تستند برأسها على صدرها .. ربتت “رنيم” رأسها قائلة :
– المفروض انا اللي اعمل كدة ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تتشبث بها أكثر قائلة :
– انا كدة هكون مطمنة عليكي اكتر .. عندك اعتراض ..
ابتسمت “رنيم” قائلة :
– وانا اقدر .. بس كدة هتقلقيني عليكي .. مالك يا قلبي ..
ابتعدت عنها “ريحانة” وهي تنظر لها بعيون دامعة لتقول :
– انتي في ايه ولا في ايه بس .. قولي لي انتي حاسة بإيه .. في حاجة بتوجعك .. طيب زعلانة اوي ولا زعلانة نص نص .. متزعليش علشان خاطري ربنا هيعوضك والله باحسن من اللي راح ..
ابتسمت “رنيم” وهي تقول :
– الحمد لله .. انا كنت امبارح حالتي حالة .. بس النهاردة بقيت احسن شوية .. الحمد لله اكيد خير ..
عادت “ريحانة” لتستند عليها .. فقالت “فاطمة” :
– يا بنتي الوقتي تعبانة .. ابعدي عنها شوية ..
ابتعدت “ريحانة” بسرعة قائلة :
– بجد .. انا تعباكي كدة ..
أشارت “رنيم” برأسها أن لا .. ولكن “ريحانة” ابتعدت تجلس على مقعدها المجاور .. وظلت تحاورها وتحدثها وانشغلت كلتاهما عن الجلوس ومعهما “ريم” ..
————————–
ذهبت مع “طارق” ليريها الأشياء التي اختارتها حين وضعت في منزلهما الجديد .. منذ عقد قرانهما وهو يأخذ رأيها في كل شئ يختاره سواء لمنزلهما أو لنفسه .. ويأخذ رأيها في أي قرار سيتخذه .. وليس فقط بل يعمل بقرارها .. لم يعد لها فرصة لتتردد .. ولم يعد لها وقت لتفكر .. يريد رأيها في كل شئ وأحيانا تأخذ دقائق معدودة لتفكيرها ..
نظرت لأثاث منزلها قائلة :
– حاسة انه محتاج يتغير .. بيتهيألي ناقص حاجة مش كدة ..
وقف أمامها قائلا :
– انا قلت لك اول ما يوصل البيت مش هيتغير تاني .. انتي عارفة احنا غيرناه كم مرة قبل ما يوصل هنا ..
أبعدته بيدها عن مرمى بصرها قائلة :
– يعني حلو .. كان ممكن يبقى احلى من كدة ..
وقف أمامها ثانية قائلا :
– حلو جدا .. كفاية انه اختيارك ..
ابتسمت قائلة :
– بجد ..
جلس على كرسي وراءه قائلا :
– ياااااااه .. أخيرا شفت ابتسامتك .. من يوم ما رنيم تعبت وانتي مكشرة ..
ابتسمت هي الأخرى وهي تجلس قائلة :
– اضحك ازاي بس ورنيم تعبانة ..
نظرلها قائلا :
– يعني لو انا اللي تعبان كنتي هتقلقي عليا كدة ..
نظرت لعينيه قائلة بلهفة :
– بعد الشر عنك .. حرام عليك تقول كدة ..
أمسك يدها قائلا :
– بجد ..
رفعت إحدى حاجبيها قائلة :
– لا بهزر معاك .. قوم يا طارق .. قوم روحني ..
ضحك قائلا :
– فصلتيني .. ايه دة معرفش اقول كلمتين ابدا ..
ابتسمت وهي تقف قائلة :
– طيب يلا .. قوم ورانا حاجات كتير عاوزين نخلصها ..
اصطنع النوم قائلا :
– حرام عليكي .. سيبيني ارتاح شوية .. انا زي جوزك والله ..
ضحكت قائلة :
– قوم يا طارق .. هو احنا لسة اشترينا حاجة ..
حملق فيها قائلا :
– نعم .. قصدك هو احنا لسة مشتريناش حاجة ..
جذبت يده قائلة :
– اوك .. يلا بقى ..
———————–
عاد “باسل” من صلاة العشاء .. وجد “ريحانة” وجده يجلسان تحت مظلة في الحديقة .. كان الجو يمطر بشدة رغم قرب دخول الصيف .. اقترب نحوهما .. فوجد ابنته تجلس معهما .. ابتسم قائلا :
– السلام عليكم .. بتعملوا ايه هنا..
ردوا السلام وقال جده :
– البنات كانوا عاوزين يشوفوا المطر .. رجعت انا ويوسف من الصلاة لقيناهم قاعدين كدة .. انت ايه اللي اخرك ..
اقترب “باسل” يجلس معهم قائلا :
– كنت واقف مع واحد صاحبي ..
ثم نظر لابنته قائلا :
– ايه اللي منزلك يا حبيبتي في الجو دة ..
ابتسمت قائلة :
– نزلت مع ريحان نشوف المطر وندعي يارب يارب يارب ..
ابتسم قائلا :
– ودعيتيلي ولا دعيتي لنفسك بس ..
أجابت :
– لا ريحان قالت لي مدعيش لنفسي وبس .. وادعي ليك ولماما ..
نظر لـ”ريحانة” التي لم تكن تنظر له وكانت منشغلة بالنظر في هاتفها .. فنظر لابنته قائلا :
– ودعيتي لمين تاني ..
ابتسمت قائلة :
– دعيت لكله كله ودعيت لطنط رنيم .. ريحان قالت لي ..
ابتسم من ترديدها “ريحان” وليست “ريحانة” .. فربت جده على قدمه قائلا :
– مش هتتجوز بقى يا باسل وتفرحنا بيك ..
ضحك قائلا :
– ايه يا جدي شايف لي عروسة ..
نظر له جده بشدة .. فالمتوقع أن يغضب من هذا الحديث .. وكذلك “ريحانة” وجلت من ضحكته .. كانت مطمئنة أنه لا يفكر في الزواج .. ولكن هل قرر أن يكسرها ثانية .. رفعت نظرها إليه وعينيها توشي بما تفكر .. وكذلك ابنته نظرت له بخوف حذر .. نظر لعينيهما ليشعر كأنما بين نارين .. وكأن قلبه مقسم بين هاتين الفتاتين ..
رد جده :
– لا المرة دي هسيبك تشاور ع اللي انت عاوزها ..
ابتسم وهو ينظر أرضا قائلا :
– ما هو انا اللي اخترت بردو المرة اللي فاتت .. بس يا ريتني سيبتك تختار لي .. المرة دي بقى خلاص معدش ينفع لا اختار ولا تختار لي ..
نظر له الجد قائلا :
– ليه يابني العمر لسة قدامك طويل ..
نظر له “باسل” قائلا :
– ويمكن اللي راح اكتر من اللي جاي ..
قال الجد بشبه غضب :
– ايه يابني اليأس دة .. دة انا اللي عمري اكتر من ضعف عمرك مبقولش كدة ..
كان هو حينها ينظر للأربعة عيون التي تكاد تبكي من حديثه المبهم الذي هو نفسه لا يدري معناه .. ولكن أحيانا يداهمنا شعور لا ندريه ولا ندري كيف أتانا .. ولا نعلم كيف استرسل على ألسننا .. ولكن هو نتاج ما يعتمل في نفوسنا وعصير ما نتج عن ما تحويه قلوبنا ..
ولأن ما قاله ليس له أي داعي وليس محله .. وليس له سبب .. فقط آذى قلوب أحبته ..
نظر لجده وهو يقول مبتسما :
– خلاص يبقى ندور لك احنا على عروسة .. بما انك شايف نفسك لسة شباب ..
ضحكت “ريحانة” وهي تمسح دمعتين خانتاها وخرجتا من محجريهما .. وكذلك ضحكت ابنته وهي تشعر بمرح من حديث أبيها .. وضحك الجد قائلا :
– لو عندك عروسة انا موافق ..
وقفت “روح” وهي تصفق بمرح قائلة :
– خلاص يا جدو اتجوزني .. بس انا متجوزة بابا ينفع اتجوزكم انتم الاتنين .. ولا اقولك اتجوز ريحان .. هي مش متجوزة .. او تيتا .. هي كمان مش متجوزة ..
ضحك الجد بشدة قائلا :
– ايه يا بنت باسل هتشتغلي خاطبة ولا ايه ..
دبدبت بقدميها أرضا قائلة :
– كدة يا جدو مش هتتجوز ريحان .. طيب خلاص هخلي بابا يجيب لها عريس وانت لا ..
أخذتها “ريحانة” جوارها قائلة :
– هو انا اشتكيت لك يا بنتي .. خليكي في حالك ..
أخيرا سمع صوتها .. نظر لها مبتسما .. ثم نظر لابنته التي حين تكلمت اقترحت زواجها بغيره .. ما زالت السماء تمطر رفع نظره للسماء وأخذ يدعو ..
————————–
أحضر مشروبين ساخنين وبحث عنها وجدها تقف في شرفتهما تشاهد المطر .. ذهب ليقف جوارها .. ثم مد يده بإحداهما .. التفتت “رنيم” تنظر للكوب الذي تتصاعد منه الأبخرة .. ابتسمت وهي تأخذه منه قائلة :
– مقلتليش ليه وانا اعمل ..
ابتسم وهو ينظر للمطر قائلا :
– مفيش مشكلة انا وانتي واحد .. وبعدين انا كنت بعمل لنفسي فأشفقت عليكي انك غلبانة وعيانة فقلت اعمل لك ..
ضحكت قائلة :
– متشكرة لخدماتك .. بس الجو مش برد علشان اشرب سحلب ..
نظر لها قائلا :
– انا متعود اشربه وانا بتفرج ع المطر .. مش ذنبي بقى ان الدنيا مطرت على دخول الصيف ..
جلست على أريكة خلفها .. تذوقته ثم نظرت له .. فقال :
– اه اعملي لي فيها بقى ذواقة وقولي لي ناقصة كذا وناقصه كذا ..
ابتسمت قائلة :
– انا .. لا خالص .. دة ان كنت هقول انه حلو .. بس..
قاطعها قائلا :
– مش قلت لك .. بدات ببس .. يبقى هتنتهي بمعدتش تدخل المطبخ تاني ..
ضحكت وهي تقول :
– لا طبعا انا مجنونة علشان اقولك كدة .. ياريت تدخل المطبخ علطول ..
ابتسم وهو يقول :
– لا متاخديش على كدة ..
ثم كمن تذكر شيئا قال :
– اه اخدتي الدواء ولا نسيتي ..
ابتسمت وهي تومئ برأسها .. فجلس جوارها لتستند برأسها على صدره .. أصبحت جلستهما المفضلة .. سكتا قليلا يحتسيان مشروبيهما .. ثم قالت :
– يوسف ..
– نعم ..
– انت تعرف موضوع باسل وريحانة ..
– اعرفه من اي اتجاه ؟؟ ..
ابتعدت عنه ووضعت كوبها على الطاولة أمامها قائلة :
– من اتجاه ان ريحانة بتحب باسل .. انا عارفة انك عارف ..
ابتسم قائلا :
– بس انا معرفش انك عارفة ..
نظرت له قائلة :
– مش مهم .. المهم انت ايه رايك في الموضوع دة .. يعني انت عارف ان ريحانة بتحبه من زمان .. طيب طالما كنت شايف ان مفيش امل من حبها ليه .. ليه منصحتهاش .. ليه متكلمتش معاها ..
نظر أمامه قائلا :
– لاني كنت شايف ان هما الاتنين بيحبوا بعض وهيتجوزوا عادي يعني .. لغاية ما اتفاجئت ان باسل هيتجوز واحدة غيرها .. باسل للاسف هو كمان بيحبها .. وبيحبها فوق ما هي تتخيل .. بس هو مكانش فاهم كدة .. ومكتشفش كدة غير بعد ما اتجوز .. بس ساعتها قرر انه ينساها علشان ميظلمش مراته .. واعتبرها اخته وبنته زي ما بيقول .. وصدق نفسه .. علشان كدة مكانش بيلاقي مبرر لتصرفاته .. لانه مصدق انه معدش بيحبها ..
عقدت ما بين حاجبيها قائلة :
– بس مراته ماتت من زمان .. يعني ليه مفكرش يتجوز ريحانة ..
تنهد قائلا :
– تقدري تقولي انه اتعقد من الجواز .. او انه لسة مقتنع انه معدش بيحب ريحانة وهي اخته وبنته بس .. او فيه حاجة تالتة هي اللي منعاه .. وانا نفسي معرفش الحاجة دي .. بس رغم انه بيقول اختي اختي .. الا انه بيرفض اي عريس يتقدملها وبيطلع فيه القطط الفطسانة .. وفالح بس يقولي اصله ميستحقهاش .. ريحانة محتاجة فارس .. لغاية ما كرهني في كل واحد اسمه فارس ..
ضحكت “رنيم” وهي تنظر للمطر قائلة :
– ربنا يهديه .. ويحنن قلبه ع الغلبانة دي ..
نظر هو الآخر للمطر قائلا :
– هو كمان غلبان .. انتم مش عارفين عنه حاجة .. ربنا يفرح قلبه .. ربنا يفرحهم هما الاتنين ويجمع بينهم على خير ..
———————–
– هاه يا جميلة قلتي ايه ..
كانت تبكي وهي تستمع لحديث أخيها .. وما إن انتهى حتى قالت :
– مش عارفة .. مش عارفة .. انا مش بلغت بابا رفضي .. ليه مقلتلوش بس يا خالد ..
احتضن وجهها بكفيه قائلا :
– يا حبيبتي يا عمري كله .. انا لو كنت شايف انه مش مناسب ليكي بنسبة واحد في المية كنت رفضته من غير ما اخد رايك .. ولو كنت عارف انك فعلا رافضاه مكنتش جيت اتكلمت معاكي تاني .. انتي بس خايفة من التجربة .. ومش هتعرفي تحكمي على نفسك فيها غير لما تخوضيها .. وكمان انا عاوزك تخلصي من الموضوع دة علشان تعملي العملية ..
أشارت برأسها أن لا وهي تقول :
– طيب ليه عاوز كتب كتاب علطول ..
رد قائلا :
– هو مكانش هيعمل كدة غير لما عرف ان عمليتك بعد اسبوعين .. هو عاوز يثبت انه شاريكي سواء العملية نجحت او لا قدر الله لا ..
حتى هذه الصفة تمنتها .. ولكن قالت :
– طيب افرض ان العملية ..
قاطعها قائلا :
– مفرضش .. العملية ان شاء الله هتنجح .. وترجعي تنوري الدنيا تاني بعيونك ..
عادت لبكاءها قائلا :
– بس انا خايفة ..
احتضنها قائلا :
– لو كل حاجة خايفين منها هنبعد عنها .. يبقى هنخسر كتير اوي .. هي تجربة .. جربي مش هتخسري حاجة .. ووقت ما تحسي انك مش قادرة تكملي هتلاقيني في ضهرك ..
———————
– صباح الخير ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تنظر له قائلة :
– صباح النور .. مبارك الاكتشاف الجديد .. كنت لسة بقرأ الخبر في المجلة ..
ابتسم “باسل” قائلا :
– غريبة .. من امتى وانتي بتتابعي المجلات العلمية ..
رفعت كتفيها قائلة :
– لا معلومات عامة مش اكتر .. وبعدين لقيت اسمك وصورتك بالصدفة ..
كاذبة .. كل أسبوع تأتي بتلك المجلة تتفحصها وتدقق النظر في كل ما هو جديد علها تجد اسمه أو خبر عنه .. ثم حين تنتهي تضعها في مكتبتها .. حتى إذا ما تحدث عن موضوع يخص عمله أو المجال الذي يحب الحديث عنه تكون مستعدة لحواره ومناقشته .. هذه عادتها منذ اختار هذا المجال في عامه الجامعي الأول .. تطلع على كل ما يخص مجاله ..
نظر لها قائلا :
– ماشي الله يبارك فيكي .. بس كدة من غير هدية ..
كانت في يدها باقة ورد خاصة بـ”يوسف” نظرت لها ثم له قائلة :
– طيب ممكن تستنى اجيب لك ورد ..
نظر للباقة التي يعلم أنها تخص “يوسف” قائلا :
– انا كدة هتأخر ممكن اتنازل واخد دي ..
ترددت لبرهة ثم أعطتها له قائلة :
– تتنازل !! .. انا ممكن اعمل ليوسف واحدة تانية اصلا ..
أخذها منها قائلا :
– بس مش هتتوصي بيها زي دي .. وعموما هدية مقبولة .. بس مستني هدية قيمة بقى ..
ردت قائلة :
– ايه الطمع دة .. معملتش اكتشاف عظيم ولا حاجة .. اي حد كان ممكن يعمله ..
تخطاها وهو يبتعد عنها قائلا :
– الاكتشاف دة بالذات مش بقيمته نفسه .. دة بقيمة الشخص اللي اتعمل علشانه .. ومش قادر اوصف لك الشخص دة غالي عندي اد ايه ..
نظرت لظهره الذي يبتعد .. امتطى سيارته ثم نظر لها مبتسما فابتسمت دون شعور .. ولكن في قلبها أمل نابض .
( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
هل تدبرت قول “إنا لله وإنا إليه راجعون” .. هلا تدبرتها أثناء قولك إياها عند المصيبة .. أتعرف ماذا سيحدث لك .. صلوات ورحمة من ربك .. عن تجربة ويقين أخبرك أن هول المصيبة يصغر ويهون عند قول تلك الكلمات بقلبك .. وتجد نفسك متسلح بصبر لا تدري من أين جاءك .. ولكن تشعر أنك لبست حلل الصابرين .. وتزينت بقلب من قلوب المهتدين ..
“يوسف” كانت مصيبته في فقدان “رنيم” نفسها .. عندما وصل للمشفى ووجد “نهلة” منهارة .. توقف عن الحركة وتوقف الزمن حوله .. لماذا لا نعرف قيمة ما بين أيدينا حتى يضيع منا .. ولا نقدر ما نمتلكه إلا إذا أصبح ملكا لغيرنا ..
بمجرد ما رأته “نهلة” هرولت نحوه قائلة :
– رنيم من ساعة ما فاقت وعرفت اللي حصلها وهي بتصرخ جامد وبتنادي عليك ..
كغريق كان في أعماق البحر ثم فجأة رفع لأعلى حتى تطال أنفه الهواء .. ما سيفعله أنه سيأخذ شهيقا عميقا كأنما يحاول سحب الهواء الموجود على الكرة الأرضية بأكملها ..
– هي فين ..
أشارت له فهرول نحوها .. دخل غرفتها ليجدها كما تقول “نهلة” .. وقف مكانه ولم يتحرك .. لا يدري ماذا حدث لها .. لماذا تصرخ بهذه الطريقة .. رأته فزاد صراخها ونداءها .. تقدم نحوها .. بمجرد اقترابه جلس على فراشها لترتمي هي على صدره .. وبدأت تهدأ .. خرج كل من كان يحاول تهدئتها سواه .. وبقي وحده معها .. تمنى أن يفهم ما حدث حتى يستطيع تهدئتها .. ظنها هدأت ولكن عادت لنحيبها مجددا .. وأخذ يربت رأسها وظهرها بحنان خالص .. وظل هكذا حتى نامت .. فخرج لطبيبتها يطمأن على حالتها .. ولما أخبرته .. وقف قائلا :
– ازاي يعني كانت حامل من غير ما تعرف ..
ردت بهدوء :
– دكتورة رنيم حصلها خلل في الهرمونات هي اللي بوظت الدنيا عندها بالطريقة دي .. هي وصلت هنا وكان الجنين نزل فعلا .. ولو دة مكانش حصل كان المفروض احنا اللي نعمله .. حملها مكانش ينفع يكمل .. ودلوقتي المفروض انها محتاجة علاج علشان هرموناتها تتظبط تاني .. وكمان محتاجة دعم نفسي من حضرتك ..
عاد لغرفتها وجلس جوارها وظل ممسكا بيدها بعد أن بلغ والديها وأمه .. بين وقت وآخر تفتح عينيها ببطء لتراه من بين أهدابها فتطمئن وتعود إلى بحور نسيانها مجددا .. حتى جاء من عرف للاطمئنان عليها وبين مؤازرة وحزن كان حالهم .. ولم يتحرك هو من جوارها .. ولم يخرج لـ”باسل” الذي أراد ان يؤازره ويكن جواره .. هو لم يتحرك وهي لم تصحو .. حتى انفض الجمع وبقي هو معها .. ومرت ساعات تفعل ما تفعل تفتح عينيها لتراه جوارها فتغمضها بشبح ابتسامة .. وفي المرة الأخيرة .. قام ليجلس قبالتها قائلا :
– رنيم .. رنيم اصحي .. متناميش تاني ..
أغمضت عينيها بشدة لتهرب من الواقع .. لا تريد أن تعرف ما حدث لها .. لا تريد أن تسمع .. مسح بظهر كفه جبينها قائلا :
– حبيبتي علشان خاطري .. اللي بتعمليه دة غلط ..
بقيت تهز رأسها في عنف كأنما تنفي ما حدث .. أمسك رأسها قائلا :
– علشان خاطري يا رنيم .. طيب افتحي عنيكي بس .. والله ربنا هيعوضنا .. بس اصبري ..
سالت دموعها وهي تكتم شهقاتها .. إن هربت من واقعها ستنهار يوما كما حدث قبل .. هو يريدها أن تواجه حتى تستطيع تخطي ما حدث .. مسح دموعها قائلا :
– رنيم بصي لي .. علشان خاطري يا حبيبتي فتحي عيونك ..
ببطء سمحت لضوء الغرفة أن يتخلل أهدابها وينفذ لعينيها .. وقع نظرها عليه رأته باكيا .. فزاد بكاءها .. أجلسها ليجلس جوارها ويحيطها بذراعه لتستند برأسها على صدره .. وبقي هكذا حتى هدأت وهدأ .. فقط كلاهما من يستطيع مدواة جرحيهما .. وكلاهما بيده الألم والأمل للآخر ..
كان حديثه قريبا من أذنها حين همس قائلا :
– رددي يا حبيبتي ..
إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها ..
بقيت تردد خلفه ولم يفترا عن الترديد .. ثم أخذ يحدثها حتى يخفف وقع ما حدث عليها .. وبعدُ تركها لتسترح قليلا .. وقام هو ليصلي قيامه قبل الفجر وانتظر الفجر ونام هو الآخر ..
استيقظت صباحا .. فدارت عينيها تبحث عنه .. وجدته نائما وآثار التعب والحزن جلية على وجهه .. تنهدت وهي تبتسم ابتسامة حزينة .. رغم كل ما حدث ولكن “لعله خير” .. قد يكون كلاهما كان بحاجة لصفعة تفيقه مما يفعله ..
(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) .. (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) .. من نفسك .. تدبر !! ..
وكأنه شعر بنظراتها فتح عينيه فأغمضت هي عينيها ابتسم لما رآها وقام نحوها قائلا ببعض ضعف من أثر نومه :
– خلاص شفتك .. فتحي بقى ..
قتحت عينيها باسمة .. فاتسعت ابتسامته قائلا :
– عاملة ايه دلوقتي ..
أومات قائلة بصوت يكاد يسمع :
– الحمد لله احسن .. بس عاوزة امشي من هنا ..
رد قائلا :
– اول ما الدكتورة تيجي هنشوف هتقول ايه ان شاء الله ..
سكتت فجلس جوارها ممسكا يدها قائلا :
– عاوز اقولك على حاجة ..
انتبهت له فقال :
– احنا عاوزين نصلح حياتنا .. خلاص ننسى اللي فات وكل حاجة حصلت ونفكر في اللي جاي .. مش هنضيع من عمرنا اكتر من اللي ضاع .. عاوزين نبني حياتنا مع بعض ..
ابتسمت قائلة :
– انا كمان كنت بفكر في كدة ..
اتسعت ابتسامته وهو يقبل يدها قائلا :
– مش قلت لك طريقنا واحد ..
———————-
رآها حورية من الجنة .. كان طيفها عابرا ولكن لم يفارقه .. بقيت أسيرة عقله قبل قلبه .. ثم أخذ يتحرى عنها حتى عرف كل شئ يخصها .. ولما عرف أنها ضريرة أعاد تفكيره فيما نوى .. وبقيت في باله ليالٍ .. يشعر أنه بحاجة إليها أو أنها بحاجة إليه .. هو يحتاج لقلبها لا لعينيها .. هالة الجمال الهادئ التي تحيطها لا يمكن أن يتخلى عنها .. كما أن طفليه بحاجة إلى أم بحنانها .. لن يتراجع إذاً عن قراره الذي طال اتخاذه .. ولما هاتفته يقابلها شعر من صوتها أنها تريد رفضه لذلك كان حازما عنيفا معها .. هو لن يتركها لماذا تريد هي تركه بعد ما وجدها .. وأخيرا ذهب لمنزلها ليجلس معها .. أخير سيحاورها ويتحدث معها هادئا ..
لتصدمه هي بأول سؤال :
– انت ازاي بتكذب عادي كدة ..
ابتسم “مازن” قائلا :
– انا مكذبتش .. قولي لي كذبت في ايه ..
ردت “جميلة” بنفس حزمها المتوتر :
– قلت لي انك عندك ولد وبنت .. طلعوا اخواتك مش ولادك ..
رد “مازن” مبتسما :
– انا عندي ولد وبنت اخواتي .. وولد وبنت ولادي .. وكنت هقولك لان من الضروري انك تعرفي حاجة زي دي قبل ارتباطنا ..
عقدت ما بين حاجبيها قائلة :
– هو انت ليه فاكر اني هوافق عليك .. يعني علشان مبشوفش بقى هتكون عريس لقطة لواحدة زيي ..
اختفت ابتسامته قائلا :
– لا طبعا .. انتي اللي عروسة لقطة بالنسبة لي .. ومش بقول كدة شفقة ولا علشان صعبانة عليا .. ومتبنيش احكام من غير ما عندك اساس ليها ..
سكتت لبرهة ثم قالت :
– بس انا مش مناسبة ليك .. صدقني لو كنت بشوف كان ممكن افكر في الموضوع .. لكن مش هقدر اكون ام لولادك ..
ثم تذكرت شيئا فقالت :
– بس ولادك ازاي .. خالد قالي انك متجوزتش قبل كدة ..
ابتسم قائلا :
– انتي مديتينيش فرصة اشرح لك .. امير واميرة ولادي بالتبني .. وانتي طبعا عارفاهم كنتي بتزوريهم قبل كدة في دار الايتام .. قبل ما انا اتبناهم ..
وقفت “جميلة” قائلة بغضب :
– يعني انت اللي اخدتهم .. كنت شايفني متعلقة بيهم فأخدتهم وحرمتني منهم .. يعني علشان موافقوش في الدار ان انا اللي اتبناهم تاخدهم انت ..
نظر لها قائلا :
– انا مش عارف انتي ليه منفعلة كدة .. انا كنت فاكرك بتزوريهم عادي زي ما بتزوري الاطفال كلهم .. انا اصلا مكنتش اعرف انهم توأم وكنت هاخد امير بس .. لكن هو اللي قالي ان اميرة اخته ومش هيوافق ييجي معايا من غيرها .. وسبب اني اتبنيتهم اني مكنتش ناوي اتجوز ..
وسكت لبرهة ثم قال :
– لغاية ما شوفتك ..
جلست ولم تنطق .. لا تعرف ما سر خوفها رغم أنه إلى الآن كما تريد .. ولكن كيف ستتعامل معه وكيف سيعاملها .. هي اعتادت على حياتها هنا بين أهلها .. اعتادت عليهم واعتادوا عليها .. تعرف كل شبر في البيت دون مساعدة .. لا يحركون شيئا من مكانه إلا بمعرفتها .. ولأجلها .. كيف بها تذهب لبيت جديد وحياة جديدة .. وهل ستعرف كل شبر فيه كما هنا .. وهل سيتحملها هو .. هل سيكون داعما لها أو معايرا لها بابتلائها ..
فقالت :
– انت عارف انت داخل على ايه .. فكر كويس قبل ما تندم ..
ابتسم قائلا :
– قلت لك قبل كدة انا مباخدش خطوة غير لما ادرسها كويس ..
تنهدت وهي تومئ برأسها وشردت بعيدا ..
———————–
تركها ليصلي ولما عاد وجدها تجلس تحمل رضيعا .. اقترب منها وهو يقول مبتسما :
– مين دة وجبتيه منين ..
رفعت “رنيم” نظرها له مبتسمة لتقول :
– دة ابن الممرضة اللي كانت هنا .. وراها شغل وهو مدوخها فأخدته منها لغاية ما تخلص ..
ضحك “يوسف” قائلا :
– انا قلت الستات ملهمش غير القعدة في البيوت ..
قالت وهي تنظر للرضيع الذي تحتويه بين ذراعيها :
– يا سلام .. كانوا اشتكوا لحضرتك ..
لاحظ نظراتها للرضيع فقال :
– لا طبعا الواد دة اكيد بيدعي لامه دلوقتي علشان سابته معاكي ..
كانت تداعب وجهه بيدها وهي تقول :
– ما شاء الله ربنا يبارك فيه عسول خالص ..
نظر لها قائلا :
– يعني مش كفاية سامح له يبصلك كدة .. كمان هتعاكسيه قدامي ..
ابتسمت قائلة :
– تفتكر ابننا كان هيبقى شبهك ولا شبهي ..
رد مبتسما :
– ابننا اللي جاي ان شاء الله هيبقى شبهي طبعا مش راجل .. انتي متخيلة يعني ايه ولد يبقى شبهك .. دة هيبقى بنوتة خالص .. واقعد في البيت بقى واستنى البنات ييجوا يطلبوه مني ..
ضحكت وسعد بضحكتها .. ثم خفتت ضحكتها قائلة :
– كنت هتسميه ايه ..
تنهد قائلا :
– ابننا اللي جاي ان شاء الله .. الاول باسل والتاني والتالت علي او احمد .. زي ما تحبي .. بس الاول لازم يكون باسل ..
نظرت له قائلة :
– تفتكر هيكون فيه جاي ..
قام ليجلس جوارها لتستند بظهرها على صدره .. ثم أخذ يمسح على رأسها بيده قائلا :
– مش احنا قلنا هنصلح حياتنا .. وحياتنا مش هتتصلح غير واحنا من جوانا عندنا امل في كل حاجة .. وشايفين حياتنا الجاية احسن في كل حاجة .. فيه حاجات كتير لسة معملنهاش مع بعض .. شدي حيلك بقا علشان نعملها ..
أومأت باسمة وهي تعود بنظرها للرضيع تداعب وجهه وتهزه في مهده ..
———————–
وقفتا كلتاهما أمامه وعيونهما منتفخة من أثر البكاء .. نظر لهما ثم تنهد قائلا :
– لو هتروحولها كدة .. يبقى تفضلوا هنا احسن ..
نظرت له “ريم” وهي تغالب البكاء قائلة :
– لا يا باسل علشان خاطري عاوزين نطمن عليها ..
نظر لها “باسل” قائلا :
– طيب بطلوا تعيطوا .. المفروض انكم رايحين تخففوا عنها .. مش تزودوها عليها ..
أومأت “ريحانة” برأسها دون أن ترد .. فحديثها وحده سيبكيها .. بالإضافة إلى أنها لم تنم طوال الليل .. وفي الصباح أصر جدها على ذهابها لعملها أولا ..علها تنشغل فيه ..
نظر “باسل” لها وتمنى ان يسمع صوتها .. ولكن لم ترد ولم تتحدث معهما طوال الطريق .. حتى وصلوا لـ”يوسف” و”رنيم” .. دخلتا لـ”رنيم” وبقي هو مع “يوسف” في الاستراحة .. في هذا الوقت كان مع “رنيم” أمها وأم “يوسف” .. كن جلوسا بينما ذهبت “ريحانة” جوار “رنيم” ومالت تستند برأسها على صدرها .. ربتت “رنيم” رأسها قائلة :
– المفروض انا اللي اعمل كدة ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تتشبث بها أكثر قائلة :
– انا كدة هكون مطمنة عليكي اكتر .. عندك اعتراض ..
ابتسمت “رنيم” قائلة :
– وانا اقدر .. بس كدة هتقلقيني عليكي .. مالك يا قلبي ..
ابتعدت عنها “ريحانة” وهي تنظر لها بعيون دامعة لتقول :
– انتي في ايه ولا في ايه بس .. قولي لي انتي حاسة بإيه .. في حاجة بتوجعك .. طيب زعلانة اوي ولا زعلانة نص نص .. متزعليش علشان خاطري ربنا هيعوضك والله باحسن من اللي راح ..
ابتسمت “رنيم” وهي تقول :
– الحمد لله .. انا كنت امبارح حالتي حالة .. بس النهاردة بقيت احسن شوية .. الحمد لله اكيد خير ..
عادت “ريحانة” لتستند عليها .. فقالت “فاطمة” :
– يا بنتي الوقتي تعبانة .. ابعدي عنها شوية ..
ابتعدت “ريحانة” بسرعة قائلة :
– بجد .. انا تعباكي كدة ..
أشارت “رنيم” برأسها أن لا .. ولكن “ريحانة” ابتعدت تجلس على مقعدها المجاور .. وظلت تحاورها وتحدثها وانشغلت كلتاهما عن الجلوس ومعهما “ريم” ..
————————–
ذهبت مع “طارق” ليريها الأشياء التي اختارتها حين وضعت في منزلهما الجديد .. منذ عقد قرانهما وهو يأخذ رأيها في كل شئ يختاره سواء لمنزلهما أو لنفسه .. ويأخذ رأيها في أي قرار سيتخذه .. وليس فقط بل يعمل بقرارها .. لم يعد لها فرصة لتتردد .. ولم يعد لها وقت لتفكر .. يريد رأيها في كل شئ وأحيانا تأخذ دقائق معدودة لتفكيرها ..
نظرت لأثاث منزلها قائلة :
– حاسة انه محتاج يتغير .. بيتهيألي ناقص حاجة مش كدة ..
وقف أمامها قائلا :
– انا قلت لك اول ما يوصل البيت مش هيتغير تاني .. انتي عارفة احنا غيرناه كم مرة قبل ما يوصل هنا ..
أبعدته بيدها عن مرمى بصرها قائلة :
– يعني حلو .. كان ممكن يبقى احلى من كدة ..
وقف أمامها ثانية قائلا :
– حلو جدا .. كفاية انه اختيارك ..
ابتسمت قائلة :
– بجد ..
جلس على كرسي وراءه قائلا :
– ياااااااه .. أخيرا شفت ابتسامتك .. من يوم ما رنيم تعبت وانتي مكشرة ..
ابتسمت هي الأخرى وهي تجلس قائلة :
– اضحك ازاي بس ورنيم تعبانة ..
نظرلها قائلا :
– يعني لو انا اللي تعبان كنتي هتقلقي عليا كدة ..
نظرت لعينيه قائلة بلهفة :
– بعد الشر عنك .. حرام عليك تقول كدة ..
أمسك يدها قائلا :
– بجد ..
رفعت إحدى حاجبيها قائلة :
– لا بهزر معاك .. قوم يا طارق .. قوم روحني ..
ضحك قائلا :
– فصلتيني .. ايه دة معرفش اقول كلمتين ابدا ..
ابتسمت وهي تقف قائلة :
– طيب يلا .. قوم ورانا حاجات كتير عاوزين نخلصها ..
اصطنع النوم قائلا :
– حرام عليكي .. سيبيني ارتاح شوية .. انا زي جوزك والله ..
ضحكت قائلة :
– قوم يا طارق .. هو احنا لسة اشترينا حاجة ..
حملق فيها قائلا :
– نعم .. قصدك هو احنا لسة مشتريناش حاجة ..
جذبت يده قائلة :
– اوك .. يلا بقى ..
———————–
عاد “باسل” من صلاة العشاء .. وجد “ريحانة” وجده يجلسان تحت مظلة في الحديقة .. كان الجو يمطر بشدة رغم قرب دخول الصيف .. اقترب نحوهما .. فوجد ابنته تجلس معهما .. ابتسم قائلا :
– السلام عليكم .. بتعملوا ايه هنا..
ردوا السلام وقال جده :
– البنات كانوا عاوزين يشوفوا المطر .. رجعت انا ويوسف من الصلاة لقيناهم قاعدين كدة .. انت ايه اللي اخرك ..
اقترب “باسل” يجلس معهم قائلا :
– كنت واقف مع واحد صاحبي ..
ثم نظر لابنته قائلا :
– ايه اللي منزلك يا حبيبتي في الجو دة ..
ابتسمت قائلة :
– نزلت مع ريحان نشوف المطر وندعي يارب يارب يارب ..
ابتسم قائلا :
– ودعيتيلي ولا دعيتي لنفسك بس ..
أجابت :
– لا ريحان قالت لي مدعيش لنفسي وبس .. وادعي ليك ولماما ..
نظر لـ”ريحانة” التي لم تكن تنظر له وكانت منشغلة بالنظر في هاتفها .. فنظر لابنته قائلا :
– ودعيتي لمين تاني ..
ابتسمت قائلة :
– دعيت لكله كله ودعيت لطنط رنيم .. ريحان قالت لي ..
ابتسم من ترديدها “ريحان” وليست “ريحانة” .. فربت جده على قدمه قائلا :
– مش هتتجوز بقى يا باسل وتفرحنا بيك ..
ضحك قائلا :
– ايه يا جدي شايف لي عروسة ..
نظر له جده بشدة .. فالمتوقع أن يغضب من هذا الحديث .. وكذلك “ريحانة” وجلت من ضحكته .. كانت مطمئنة أنه لا يفكر في الزواج .. ولكن هل قرر أن يكسرها ثانية .. رفعت نظرها إليه وعينيها توشي بما تفكر .. وكذلك ابنته نظرت له بخوف حذر .. نظر لعينيهما ليشعر كأنما بين نارين .. وكأن قلبه مقسم بين هاتين الفتاتين ..
رد جده :
– لا المرة دي هسيبك تشاور ع اللي انت عاوزها ..
ابتسم وهو ينظر أرضا قائلا :
– ما هو انا اللي اخترت بردو المرة اللي فاتت .. بس يا ريتني سيبتك تختار لي .. المرة دي بقى خلاص معدش ينفع لا اختار ولا تختار لي ..
نظر له الجد قائلا :
– ليه يابني العمر لسة قدامك طويل ..
نظر له “باسل” قائلا :
– ويمكن اللي راح اكتر من اللي جاي ..
قال الجد بشبه غضب :
– ايه يابني اليأس دة .. دة انا اللي عمري اكتر من ضعف عمرك مبقولش كدة ..
كان هو حينها ينظر للأربعة عيون التي تكاد تبكي من حديثه المبهم الذي هو نفسه لا يدري معناه .. ولكن أحيانا يداهمنا شعور لا ندريه ولا ندري كيف أتانا .. ولا نعلم كيف استرسل على ألسننا .. ولكن هو نتاج ما يعتمل في نفوسنا وعصير ما نتج عن ما تحويه قلوبنا ..
ولأن ما قاله ليس له أي داعي وليس محله .. وليس له سبب .. فقط آذى قلوب أحبته ..
نظر لجده وهو يقول مبتسما :
– خلاص يبقى ندور لك احنا على عروسة .. بما انك شايف نفسك لسة شباب ..
ضحكت “ريحانة” وهي تمسح دمعتين خانتاها وخرجتا من محجريهما .. وكذلك ضحكت ابنته وهي تشعر بمرح من حديث أبيها .. وضحك الجد قائلا :
– لو عندك عروسة انا موافق ..
وقفت “روح” وهي تصفق بمرح قائلة :
– خلاص يا جدو اتجوزني .. بس انا متجوزة بابا ينفع اتجوزكم انتم الاتنين .. ولا اقولك اتجوز ريحان .. هي مش متجوزة .. او تيتا .. هي كمان مش متجوزة ..
ضحك الجد بشدة قائلا :
– ايه يا بنت باسل هتشتغلي خاطبة ولا ايه ..
دبدبت بقدميها أرضا قائلة :
– كدة يا جدو مش هتتجوز ريحان .. طيب خلاص هخلي بابا يجيب لها عريس وانت لا ..
أخذتها “ريحانة” جوارها قائلة :
– هو انا اشتكيت لك يا بنتي .. خليكي في حالك ..
أخيرا سمع صوتها .. نظر لها مبتسما .. ثم نظر لابنته التي حين تكلمت اقترحت زواجها بغيره .. ما زالت السماء تمطر رفع نظره للسماء وأخذ يدعو ..
————————–
أحضر مشروبين ساخنين وبحث عنها وجدها تقف في شرفتهما تشاهد المطر .. ذهب ليقف جوارها .. ثم مد يده بإحداهما .. التفتت “رنيم” تنظر للكوب الذي تتصاعد منه الأبخرة .. ابتسمت وهي تأخذه منه قائلة :
– مقلتليش ليه وانا اعمل ..
ابتسم وهو ينظر للمطر قائلا :
– مفيش مشكلة انا وانتي واحد .. وبعدين انا كنت بعمل لنفسي فأشفقت عليكي انك غلبانة وعيانة فقلت اعمل لك ..
ضحكت قائلة :
– متشكرة لخدماتك .. بس الجو مش برد علشان اشرب سحلب ..
نظر لها قائلا :
– انا متعود اشربه وانا بتفرج ع المطر .. مش ذنبي بقى ان الدنيا مطرت على دخول الصيف ..
جلست على أريكة خلفها .. تذوقته ثم نظرت له .. فقال :
– اه اعملي لي فيها بقى ذواقة وقولي لي ناقصة كذا وناقصه كذا ..
ابتسمت قائلة :
– انا .. لا خالص .. دة ان كنت هقول انه حلو .. بس..
قاطعها قائلا :
– مش قلت لك .. بدات ببس .. يبقى هتنتهي بمعدتش تدخل المطبخ تاني ..
ضحكت وهي تقول :
– لا طبعا انا مجنونة علشان اقولك كدة .. ياريت تدخل المطبخ علطول ..
ابتسم وهو يقول :
– لا متاخديش على كدة ..
ثم كمن تذكر شيئا قال :
– اه اخدتي الدواء ولا نسيتي ..
ابتسمت وهي تومئ برأسها .. فجلس جوارها لتستند برأسها على صدره .. أصبحت جلستهما المفضلة .. سكتا قليلا يحتسيان مشروبيهما .. ثم قالت :
– يوسف ..
– نعم ..
– انت تعرف موضوع باسل وريحانة ..
– اعرفه من اي اتجاه ؟؟ ..
ابتعدت عنه ووضعت كوبها على الطاولة أمامها قائلة :
– من اتجاه ان ريحانة بتحب باسل .. انا عارفة انك عارف ..
ابتسم قائلا :
– بس انا معرفش انك عارفة ..
نظرت له قائلة :
– مش مهم .. المهم انت ايه رايك في الموضوع دة .. يعني انت عارف ان ريحانة بتحبه من زمان .. طيب طالما كنت شايف ان مفيش امل من حبها ليه .. ليه منصحتهاش .. ليه متكلمتش معاها ..
نظر أمامه قائلا :
– لاني كنت شايف ان هما الاتنين بيحبوا بعض وهيتجوزوا عادي يعني .. لغاية ما اتفاجئت ان باسل هيتجوز واحدة غيرها .. باسل للاسف هو كمان بيحبها .. وبيحبها فوق ما هي تتخيل .. بس هو مكانش فاهم كدة .. ومكتشفش كدة غير بعد ما اتجوز .. بس ساعتها قرر انه ينساها علشان ميظلمش مراته .. واعتبرها اخته وبنته زي ما بيقول .. وصدق نفسه .. علشان كدة مكانش بيلاقي مبرر لتصرفاته .. لانه مصدق انه معدش بيحبها ..
عقدت ما بين حاجبيها قائلة :
– بس مراته ماتت من زمان .. يعني ليه مفكرش يتجوز ريحانة ..
تنهد قائلا :
– تقدري تقولي انه اتعقد من الجواز .. او انه لسة مقتنع انه معدش بيحب ريحانة وهي اخته وبنته بس .. او فيه حاجة تالتة هي اللي منعاه .. وانا نفسي معرفش الحاجة دي .. بس رغم انه بيقول اختي اختي .. الا انه بيرفض اي عريس يتقدملها وبيطلع فيه القطط الفطسانة .. وفالح بس يقولي اصله ميستحقهاش .. ريحانة محتاجة فارس .. لغاية ما كرهني في كل واحد اسمه فارس ..
ضحكت “رنيم” وهي تنظر للمطر قائلة :
– ربنا يهديه .. ويحنن قلبه ع الغلبانة دي ..
نظر هو الآخر للمطر قائلا :
– هو كمان غلبان .. انتم مش عارفين عنه حاجة .. ربنا يفرح قلبه .. ربنا يفرحهم هما الاتنين ويجمع بينهم على خير ..
———————–
– هاه يا جميلة قلتي ايه ..
كانت تبكي وهي تستمع لحديث أخيها .. وما إن انتهى حتى قالت :
– مش عارفة .. مش عارفة .. انا مش بلغت بابا رفضي .. ليه مقلتلوش بس يا خالد ..
احتضن وجهها بكفيه قائلا :
– يا حبيبتي يا عمري كله .. انا لو كنت شايف انه مش مناسب ليكي بنسبة واحد في المية كنت رفضته من غير ما اخد رايك .. ولو كنت عارف انك فعلا رافضاه مكنتش جيت اتكلمت معاكي تاني .. انتي بس خايفة من التجربة .. ومش هتعرفي تحكمي على نفسك فيها غير لما تخوضيها .. وكمان انا عاوزك تخلصي من الموضوع دة علشان تعملي العملية ..
أشارت برأسها أن لا وهي تقول :
– طيب ليه عاوز كتب كتاب علطول ..
رد قائلا :
– هو مكانش هيعمل كدة غير لما عرف ان عمليتك بعد اسبوعين .. هو عاوز يثبت انه شاريكي سواء العملية نجحت او لا قدر الله لا ..
حتى هذه الصفة تمنتها .. ولكن قالت :
– طيب افرض ان العملية ..
قاطعها قائلا :
– مفرضش .. العملية ان شاء الله هتنجح .. وترجعي تنوري الدنيا تاني بعيونك ..
عادت لبكاءها قائلا :
– بس انا خايفة ..
احتضنها قائلا :
– لو كل حاجة خايفين منها هنبعد عنها .. يبقى هنخسر كتير اوي .. هي تجربة .. جربي مش هتخسري حاجة .. ووقت ما تحسي انك مش قادرة تكملي هتلاقيني في ضهرك ..
———————
– صباح الخير ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تنظر له قائلة :
– صباح النور .. مبارك الاكتشاف الجديد .. كنت لسة بقرأ الخبر في المجلة ..
ابتسم “باسل” قائلا :
– غريبة .. من امتى وانتي بتتابعي المجلات العلمية ..
رفعت كتفيها قائلة :
– لا معلومات عامة مش اكتر .. وبعدين لقيت اسمك وصورتك بالصدفة ..
كاذبة .. كل أسبوع تأتي بتلك المجلة تتفحصها وتدقق النظر في كل ما هو جديد علها تجد اسمه أو خبر عنه .. ثم حين تنتهي تضعها في مكتبتها .. حتى إذا ما تحدث عن موضوع يخص عمله أو المجال الذي يحب الحديث عنه تكون مستعدة لحواره ومناقشته .. هذه عادتها منذ اختار هذا المجال في عامه الجامعي الأول .. تطلع على كل ما يخص مجاله ..
نظر لها قائلا :
– ماشي الله يبارك فيكي .. بس كدة من غير هدية ..
كانت في يدها باقة ورد خاصة بـ”يوسف” نظرت لها ثم له قائلة :
– طيب ممكن تستنى اجيب لك ورد ..
نظر للباقة التي يعلم أنها تخص “يوسف” قائلا :
– انا كدة هتأخر ممكن اتنازل واخد دي ..
ترددت لبرهة ثم أعطتها له قائلة :
– تتنازل !! .. انا ممكن اعمل ليوسف واحدة تانية اصلا ..
أخذها منها قائلا :
– بس مش هتتوصي بيها زي دي .. وعموما هدية مقبولة .. بس مستني هدية قيمة بقى ..
ردت قائلة :
– ايه الطمع دة .. معملتش اكتشاف عظيم ولا حاجة .. اي حد كان ممكن يعمله ..
تخطاها وهو يبتعد عنها قائلا :
– الاكتشاف دة بالذات مش بقيمته نفسه .. دة بقيمة الشخص اللي اتعمل علشانه .. ومش قادر اوصف لك الشخص دة غالي عندي اد ايه ..
نظرت لظهره الذي يبتعد .. امتطى سيارته ثم نظر لها مبتسما فابتسمت دون شعور .. ولكن في قلبها أمل نابض .
