روايات شيقة
رواية الكوافير المقاتل الفصل السابع والعشرين 27 بقلم هناء النمر

رواية الكوافير المقاتل الفصل السابع والعشرين 27 بقلم هناء النمر
وقفت وهى تعقد زراعيها أمام صدرها تستمع لكل المعلومات التى استطاع الرجل جمعها عن أمجد ، عمله ، عائلته ، علاقاته النسائية ،
وبالطبع قد اندهشت كثيرا من كل ما سمعت ، بل الأكثر أنها قد حزنت أكثر من أجله ، وإستمرت على مدى حديث الرجل يعزو عقلها سؤال واحد ، هل من الممكن أن تكون هى السبب فى بقائه حتى الآن وحيدا بهذا الشكل ، وهل نزواته النسائية هذه حقيقية أم أنها مجرد أقاويل لا أكثر ، لكن لم لا ، فقد أقام معها علاقة وهو يعلم أنها متزوجة ، فهذا يعطى أحقية لحقيقية الأمر ، لكنه قد كان صغيرا فى هذا الوقت رغم نضوجه الزاخر عقليا وجسديا ، لكن فى النهاية لم يكن يتعدى عمره أكثر من تسعة عشر عاما ، وقد كان اللوم كله يقع عليها هى ، فقد كانت فى الخامسة والعشرين من عمرها .
… سلمى هانم ، سلمى هانم ، حضرتك كنتى سامعانى ولا ايه ؟
أمائت برأسها بالإيجاب ثم قالت … لكن متعرفش أى حاجة عن الفترة اللى قلتلك عليها دى …
قال الرجل … الفترة دى وغيرها يافندم ، مظهرش ولا حدش عرف عنه حاجة غير اول ما استلم شغله فى مستشفى ( ) العسكرى ، قبل كدة كان فى مدارس داخلية عسكرية لحد ما خلص كلية ، حتى الإجازات كان بينزل فيها قليل اوى …
… طيب ، روح انت ، وأول ما تعرف حاجة جديدة بلغنى بيها فورا …
… حاضر ياهانم ، بعد إذن حضرتك …
… اتفضل …
استدارت وعادت بإتجاه البيت وقد فاض عقلها بوابل من الأسئلة التى ليس لها إجابة والتى جعلت من أمجد لغز كبير بالنسبة لها ، لغز يجعلها لا تثق ابدا فيه ، أو تثق فى قدرته على مواجهة عدلى من أجلها ، أو حتى هى ، لم تكن قد قررت بعد هل من الممكن أن تجازف بعداوة عدلى من أجله ، ولم لا ، فهى تحبه ، قد تكون تعشقه ، مازالت تذكره وتذكر كل ما كان بينهما حتى الآن ، احتفظت بأبنائه رغم أنهم ثمرة خطيئة ، وعاشت بهم ولهم طوال حياتها ،
اختارت إحدى الشرفات الواسعة للدور الأرضى والتى يفصل بينها وبين الحديقة بضع درجات سلم لا أكثر ، جلست على أحد الكراسي العاجية البسيطة الملتفة حول طاولة صغيرة ، وهى تفكر فى ابنيها واللذان كالعادة ينقبض قلبها عند ذكرهما ، والرعب الذى تعيشه خوفا من افتضاح أمرها وكشف ستر الماضى امامهما يوما ما ، وما يزيد من رعبها أكثر أنها تشعر بقرب هذا اليوم .
وما يزيد ويزيد من هذا القلق والخوف ما تراه الآن نصب عينيها ، عدلى ، سيارته تدخل من باب الحديقة البعيد ، وتتوقف بالقرب من الباب الرئيسى للبيت ،
ابتسمت بسخرية وهى تقول لنفسها انه يبدوا انه لم يتحمل فقط تجاهله من ليلة أمس حتى الآن ، حتى يأتى إلى هنا بنفسه ،
إقترب منها من بعيد وعلى ملامحه شتى معالم الغضب تبدو واضحة تماما ، جلس فى الكرسى الذى يقابلها دون أن يلقى التحية حتى ، لم تهتم ولم تتحدث ، فقط انتظرت ما سيقوله بأريحية ،
أطال النظر لها لثوانى وحين لم يجد أى رد فعل وأنها قد تستمر فى هدوؤها هكذا الذى دائما ما يفتت ثباته أمامها رغم جبروته المشهور به مع الجميع ، فحاول تصنع نفس درجة ثباتها هذه وهو يقول
… ممكن افهم ايه اللى بيحصل هنا بالظبط ؟
اعتدلت فى جلستها وتنهدت ثم قالت … وبعدين بقى ، ايه اللى بيحصل ياعدلى ؟
…. الطريقة اللى مشيتوا بيها كأنكم هربانين ، أفهم منها ايه دى ، وكمان اختفيتوا كام ساعة معرفش فين ، ومن وقتها وانا برن عليكم مبتردوش ، زى ما يكون متفقين انتو التلاتة ، ها ، بتقويهم عليا ، بتقويهم عليا …
وعلى آخر جمله بدأ صوته يرتفع بعض الشئ ، لكن بدون أى تأثير عليها ، فلم تزل هادئة تماما وإستمرت هكذا طوال حديثها معه ،
قالت وهى ترفع قدم فوق الأخرى … ومن امتى الأوهام سابت دماغك ياعدلى …
مال ناحيتها قليلا وقال بصوت منخفض أكثر
… دى مش أوهام ياسلمى ، انتى فيكى حاجة غلط من فترة ، ومسيرى هعرف هى ايه ، وساعتها مضمنش رد فعلى هو ايه …
ثم عاد للخلف ثانية وسند على ظهر الكرسى ، بينما قالت بلهجة ساخرة
… اللى انت عايزه اعمله …
… قلبك بقى جامد أهو …
قالت بصورة شبه تقريرية … أنا قلبى طول عمره جامد ، وانت أكتر واحد فى الدنيا دى عارف كدة ، بلاش بقى ندخل فى حوارات ملهاش لازمة …
وقف وقد بدأ الغضب الذى يحمله داخله يظهر على ملامحه ، فقد تأكد الآن فقط أنها تخفى عنه شيئا ، وقد أراد أن يؤكد شكوكه بنفسه ، فقال
… أنا هقضى اليوم معاكم هنا ، عايز معاملة كويسة منك ، مش صد طول الوقت كدة ، ومش عايز أى خناق مع سيلا وإيان …
تطلعت له للحظة قبل أن تقول .. بالنسبة ليا ، ملكش علاقة بيا أساسا ، إنما هم ، المشكلة مش مشكلتهم ، مشكلتك انت ، دايما بتعارض أى حاجة يعملوها ، ومبتفكرش ابدا اذا كانت صح ولا غلط ، ونبهتك ألف مرة وقلتلك أنهم ناضجين جدا فى أفعالهم وكلامهم ، بس مفيش فايدة فيك ، مصر دايما تتعامل معاهم على أنهم أطفال ، هيتحركوا بالأمر …
اقترب منها وهو يرفع يده ويشير لها بإصبعه بتهديد ، حتى أصبح لا يفصل بينهم إلا الطاولة الخشبية وقال
… متستفزنيش أكتر من كدة ياسلمى ، انا اللى فيا مكفينى ويزيد ، مشاكل فى الشغل والبيت ، مش ناقص ابدا انك تضغطى عليا انتى وولادك …
عادت للخلف وسندت ظهرها لظهر الكرسى ووضعت قدم فوق الأخرى ، وقالت بكامل الثقة والهدوء … اللى فيك مش قضيتى انا ولا اولادى ، ولو تاخد بالك أن احنا سبنالك الدنيا كلها هناك وجينا هنا ، وانتى اللى جاى لينا برجليك ، محدش اجبرك ، وبعدين انت مش ملاحظ ياعدلى انك بقيت تهددنى كتير اوى ، والكلام ده مش بينفع معايا ، وانت عارف كدة …
كان غضبه يتفاقم مع كل كلمة تنطق بها حتى وصل إلى حد لم يعد قادرا على التحكم فيما يصدر عنه ، فقد كان الجميع بالنسبة له فى كفة ميزان واحدة ، وسلمى وحدها فى الكفة الأخرى ،
وجد نفسه ودون أن يشعر أطاح بيده الطاولة التى تفصله عنها وفى لحظة كان أمامها مباشرة بعض ان أنزلت قدمها عن الأخرى من فزعها مما فعل ، وقبل أن تقف قبض على رقبتها بأصابعه وضغط بقوة وغضب عليها وهى تتلوى بجسدها تحاول فك أصابعه بيدها ، لكن هيهات ، صحيح أنها قوية جدا ويهابها الجميع لكن لشخصيتها وليس لقوتها الجسدية ، وكلما قاومت كلما اشتدت قبضته على رقبتها وهو يقول
… أنا عارف انك بتعملى حاجة من ورايا ، وهعرفها ، ووقتها متلومينيش ياسلمى ، مش عارف ليه اصلا بتضغطى عليا بالشكل ده ، وانتى عارفة انه لما بفقد اعصابى ، مبعرفش اتحكم فى تصرفاتى ، واضح انك مبقتيش خايفة منى ، ولا بقيتى خايفة على أولادك ليعرفوا حقيقتهم ، وراكى ايه ياسلمى قوى قلبك بالشكل ده ، وناوية على ………..
وقبل أن يكمل كلمته الأخيرة فوجئ بضربة قوية جدا على معصمه فكت قبضته عن رقبتها وارجعته للخلف بضع سنتيمترات وهو يمسك زراعه مكان الضربة من الألم ،
……………………………
فى نفس الوقت تقريبا ، أو قبلها بدقائق ، كان إيان فى طريقه للخروج من غرفة سيلا النائمة بعد أن اطمئن عليها ، حينما رأى سيارة والده تدخل من باب المزرعة ، انعقدت جبهته بضيق ، فدائما ما كانت تنتهى زيارات والده للمزرعة بشكل درامى جدا ، وأحيانا بشكل كارثى ، لكنه منى نفسه أن تعب سيلا قد يغير هذه المرة ، وأنه هنا فقط ليطمئن عليها ، خاصة بعد اختفائهم من هناك ليلة أمس بشكل غير مبرر ، لهذا فكر أن يتجنب اللقاء بينه وبين والده و قرر أن يبقى فى غرفته ، لكن هذا سيجعل عدلى يصعد إلى هنا ليطمئن عليها ، وهو لا يريده أن يوقظها ، فخرج متأففا من غرفته متجها لأسفل ليخبرهم بأنها نائمة ، عبر الرواق متجها للشرفة المفتوحة ليتجمد مكانه من رؤيته لمنظر عدلى وهو يميل على سلمى مقبضا بيده على رقبتها وهى تتلوى بين يديه ، فار الدم فر عروق جسده كله حتى وصل لعقله الذى أمره بالتقدم لتخليصها من يده ، وبدون أن يشعر وفى لحظات كان قد اختزل مسافة أمتار بخطوات رياضية معدودة ، ليرفع قدمه ويضرب بها معصم عدلى ، وقد أصابت هدفها تماما ، فهو حاصل على مراكز واحزمة متقدمة فى رياضة الكونغ فو القتالية مما أهله للتعامل مع مواقف أصعب من ذلك بل وعدد رجال أكثر من مجرد رجل واحد ،
وقد كان على وشك التقدم لضربة أخرى وهو يقف فى وضع قتالى وعينيه تتضح نارا وهو يتطلع لعدلى الذى تسمر مكانه على بعد خطوات منه ممسكا بزراعه مكان ضربة إيان ،
هم بالتقدم أكثر ، لكنه توقف على صوت سلمى التى كانت قد انتبهت لماهية ما حدث بعد أن التقطت بضع أنفاس متتالية بعد تحرير رقبتها ، وقد وقفت تتطلع ﻹيان بإشفاق لتعرضه لمثل هذا الموقف ،
كانت صوتها ونظرتها كفيلة لأن توقف إيان الذى تخلى عن وضعه القتالى وتوقف مكانه تقديرا لأمر والدته ،
كل هذا تم فى لحظات بسيطة ، لحظات جمعت الثلاثة فى موقف لا يحسد عليه كل منهم ،
إيان الذى لم يتخيل ابدا انه قد يفعلها ، يضرب والده ، ومهما احتد الخلاف بينهما ، لكنه كان أمرا محتوما ، فعند والدته وأخته وكل الخطوط الحمراء تضاء ، فهو على استعداد ان يعادى اى مخلوق من اجلهما ، وأن وصل الأمر للتضحية بحياته وبدون تفكير .
وسلمى التى اشفقت على ابنها من كل هذا ، وخوفها من أن يكون قد سمع شيئا مما تفوه به عدلى ، وأيضا لومها لنفسها أنها سمحت لعدلى أن يتمادى حتى وصل لهذه المرحلة ، رفع يده عليها ، بل والاقدام وفعلها ،
وعدلى أيضا الذى انتبه من حالته الجنونية و الذى شعر أنها كانت تتلبسه حينما جن ومد يده على سلمى ، والذى خرج منها على ضربة فتى فى الرابعة عشر من عمره ، والذى من المفترض انه ابنه ،
الآن ، هو ضرب سلمى ، وإبن سلمى قد قام بضربه ، وهذا هو الوصف الدقيق للموقف بالنسبة له ، والذى جعل انتباهه من حالته الجنونية لم يدوم طويلا والذى عاد له بقوله ، موجها كلامه لإيان
…. انت اتجننت ، اتجرأت ازاى وعملتها ، بتضربنى !
رد إياد بهدوء وثقة … زى ما انت اتجرأت تانى وضربتها ، ولو فكرت مرة تانية وعملتها ، ساعتها مش هكتفى بضربة واحدة ، داأنا هرقدك مكانك …
تحولت عينا عدلى لجمرتى نار حمراء ، وبالفعل قد فقد تحكمه فى نفسه وتقدم ناحية إيان ، ليجد فجأة سلمى أمامه تفصل المسافة بينه وبين إيان ،
وأن كان ما يرى على وجه عدلى هو النار ، فقد كان وجه سلمى قد تحول للجحيم نفسه ، نظراتها التى ترمقها بها لم يرها فى حياته كلها من قبل ، مما جعله يتوقف ثانية فى مكانه يتطلع لها ،
وبدون أن تلتفت لإيان قالت
… إيان ، لو سمحت ، إطلع فوق …
لم يتحرك إيان من مكانه وحمل على وجهه نظرات مستفسرة وقلقة ،
فقالت بصوت أعلى … قلت ، إطلع فوق …
انسحب إيان بتردد ، لكنه مجبر على تنفيذ أمر والدته ، لكنه قرر أن يبقى قريبا منها ، فدخل لبهو البيت وجلس على أحد درجات السلم حتى تثنت له رؤيتهما من خلال الزجاج لكنه لم يكن يسمع ما يقال بينهما الآن ، يكفيه الجملة الغير مفهومة التى تدوى فى عقله الآن
….. ولا بقيتى خايفة على ولادك ليعرفوا حقيقتهم …
…………………………………………………………………………………
… زين ، زين ، اصحى …
عدل وجهه وفتح عينيه بصعوبة ، فلم ينم غير بضع ساعات بسيطة ، يكفيه ماحدث أمس والذى قد يؤرق منامه لأيام وشهور قادمة ،
تطلع بصعوبة لوجه زينة الشاحب وعينيها اللامعة بالدموع ، مما اجبره على الانتباه وهو يقول
… فى إيه يازينة ، مالك ؟
قالت بصوت حزين دامع … ميرنا …
كان الاسم والطريقة التى نطق بها كفيلة بأن تجعله ينتفض معتدلا وهو يقول
… مالها ؟
… لمت هدومها كلها ومصممة أنها تسيب البيت ، ومفيش حد عارف يوقفها ، لا أنا ولا ماما ولا حتى سيرين …
انتصب واقفا من على فراشه ، ارتدى خفه البيتى فى نفس الوقت الذى كانت يده تلتقت تيشيرت البيجامة التى كان ينام ببنطالها فقط ، وارتداه ليغطى به جسده العارى وهو متجها لباب غرفته وزينة تتبعه ،
وفى خلال دقيقتين كان يقف أمام زينة وحدهما فى غرفتها بعد إن إستأذن والدته وزوجه عمه وسيرين وزينة أن يتركوه وحده معها ،
تأمل هيئتها الجاهزة للخروج ، ثم انتقل بعينيه لحقيبتين قامعتين فى أحد جوانب الغرفة ،
وقال معلقا … واضح انك منمتيش لسة ، قضيتى الليلة تجهزى فى حاجتك كلها ، ايه ، مش ناوية ترجعى هنا تانى ولا إيه ؟
لم تجيبه ميرنا بشئ ، اكتفت بالصمت وحادت بعينها عنه وهى تضع يديها فى جيب بنطالها ، فقال
… مش عاجبك كلامى ، ولا انتى قررتى خلاص …
تنهدت وقالت … أرجوك يازين ، بلاش انت بالذات ، انت الوحيد اللى متأكد ان مبقاش ليا مكان هنا …
… بالعكس ، انا بالذات اللى لازم اصمم انك متتحركيش من هنا ، انتى لو فعلا مش اختى ، فإنتى بنت عمتى ، وبنت أخت الناس اللى تحت دول يعنى ده بيتك اصلا …
… لأ مش بيتى ، وانت فعلا قلتها ، انا بنت اختهم ، مش بنتهم …
اقترب منها ومد يده يتلمس خدها بحنان وهو يقول
… خدى حقك وانتى هنا ، كدة كدة انتى اسمك ميرنا عبد الرحمن ، ولحد ما نتصرف فى الاسم ، مينفعش تخرجى من البيت ، مينفعش ، خروجكمو هيجيب ميت الف سؤال …
مدت يدها وامسكت بكف يده ، ثبتتها عن حركتها فوق خدها وقالت
… بعد كل ده ولسة شايل هم كلام الناس …
ثم تركته وابتعدت ، جلست على كرسى قريب منها ورفعت عينيها التى تشع حزن له وتأملته قليلا حتى طالت النظرة بينهما ، وفجأة ابتسمت بسخرية وهى تخفض عينيها وتبعدها عنه ،
عقد ما بين حاجبيه واقترب منها ، جلس على الكرسى الذى يجاورها وهو يقول
… ده ايه ده بقى ، ايه الضحكة العبيطة دى …
التفتت له وهى تقول … فى حاجات كتير اوى كانت بتحصل زمان مكانش لها تفسير عندى ، مظهرش تفسيرها غير دلوقتى …
… مش فاهم تقصدى ايه …
كانت ابتسامتها واهنة حزينة وكأنها مجبرة عليها ، لكن بشرة وجهها بدأت تتلون باللون الوردي مما زاد من حيرته هو حول ما قصدته بما قالت ، فحثها أكثر على الحديث بقوله … ما تنطقى يابت ، انا قلت حاجة تضحك …
رفعت يدها وأشارت بإصبعها على وجهه وشعره المبعثر ثم رداء نومه الذى يحدد كافة عضلات جسده الواضحة ،
ظهرت الدهشة على وجهه من حركة عينيها لدرجة أنه اخفض عينيه ودار بها على جسده دون فهم
ثم رفع عينيه لها وهو يقول … ايه اللى عملتيه ده بقى ، انا كدة فهمت ايه …
ابتسمت وقالت
… أصل زمان كنت بحب اطلع اصحيك اوى ، عشان كنت بحب شكلك وانت صاحى من النوم ، وكنت بحب اتفرج عليك وانت نايم ، مع انك كنت دايما تدايق وتزعقلى عشان بتحب تنام من غير هدوم ، انما زينة مكنتش تدايق منها ، ولا حتى اى واحدة من ولاد عمك لو طلعت تصحيك ….
ابتسم زين بحنان فائض واقترب منها وجلس بجانبها ومد يده يتلمس شعرها ، رفعت عينيها الدامعة له وقالت … كان المفروض نفهم من زمان اوى يازين …
جذبها بيده ليريح رأسها على صدره بعدما بدأت دموعها فى الظهور واضحة ، وهو يقول
… اوقات كتير تلاقى حقائق واضحة فى حياتنا ، لكن للأسف مع كتر الكدب فيها ، بقينا نصدق الكدبة ونكدب الحقيقة ….
سندت بيدها على صدره وتشبثت بقميصه القطنى وكانت على وشك ان تعلق على كلامه بشئ لولا هاتفها الى صدع برناته ، اعتدلت من على كتفه وسحبت الهاتف من جيب السترة التى كانت ترتديها وظهر التوتر على وجهها حين لمحت اسم امجد على شاشته والمسجل على هاتفها بإسم د/ أمجد أبو النصر
، قررت ان تلغى المكالمة وتؤجلها لوقت اخر لولا زين الذى فاجئها بصوته الذى يملأه الضيق
… ردى …
قالت … بعدين …
فقال بلهجة حازمة ..ردى ياميرنا …
قالت بتوتر … مش مشكلة دلوقتى …
وبدون اذن منها ، مد يده واخذ الهاتف من يدها وفتح خط المكالمة وشغل مكبر الصوت لياتيه صوت امجد الرنان قائلا … أيوة ياميرنا …
لم ترد وعينيها على زين بضيق وملامة ، ان كان هذا فى وقت اخر ، فلن تكن تسمح له بفعلها ، لكن داخلها هاجس دائم فى الاونة الاخيرة يصرخ بها بان زين هو الشخص الوحيد الباقى لها ، وانها بالفعل فى طور خصارة الجميع ، لهذا وبدون إرادة منها يعقد لسانها عن التفوه بأى ما يعكر علاقتها به ،
صدع صوت امجد ثانية وبشكل اقوى وهو يقول … الو …
اجابت وهى على بعد من الهاتف الذى لم يتركه زين من يده وعينيه عليها
… أيوة يادكتور …
قال مباشرة وبلهجة غاضبة … إنتى فين ؟
حولت ميرنا عينيها بدهشة من على زين للهاتف الذى بيده وهى تقول … نعم ؟ !
وبنفس اللهجة الغاضبة مما جعل زين يندهش هو الاخر
… ايه ، سؤالى مش واضح ولا ايه ؟ بقول انتى فين ؟
قالت … فى البيت …
قال بسخرية … وبتعملى ايه فى الببت يادكتورة ، انتى مش عندك شغل دلوقتى ، وامبارح واول اتعملك اعتيادى ، انتى فاكرة نفسك شغالة فين ، فى طابونة ، انتى فى مكان عسكرى يادكتورة ، كان المفروض دلوقتى اجازتك تترفض وتتحولى لمجلس تأديبى ،
الساعة دلوقتى عشرة الا خمسة ، وانا قلت لزمايلك يعملولك اذن صباحى ، عشر دقايق بالظبط تكونى فى شغلك ، ولو انتى مش قد المستشفى العسكرى ، اول ما توصلى تجهزى أوراق نقلك لأى مستشفى مدنى ، سلام …
قطع الخط بينهما دون ان ينتظر حتى ردها ، ألقى اعيرته النارية على مسامعها ومسامع زين ايضا ، لكنها لم تكن تلومه ، فقد اهملت عملها فى اليومين الماضيين تحت وطأة ظروفها الشخصية والنفسية دون أى مراعاة لعواقب ذلك ،
سحبت الهاتف من يد زين بغضب ، ووقفت ، اتجهت للمرآه ، تعدل من شكلها ، ثم التفتت حقيبتها وخرجت مسرعة دون اى تعليق ، بينما كان زين على وضعه صامتا يتابعها حتى خرجت من باب الغرفة امام ناظريه ،
رغم ضيقه من طريقة حديث امجد لها ، الا انه قد اطمئن على عدم قيمة ما مر بينهما ، فلن يحدثها ابدا بهذه الطريقة ان كان بينهما اى علاقة ولو كانت من طرف واحد ،
تحولت عينيه لحقيبتيها المغلقتين وهو يقول لنفسه انه على الاقل قد تشتت عقلها عن ما كانت تنتويه فى مغادرة المنزل ، ولو حتى لفترة مؤقتة ، حتى يتثنى له التصرف فى الامر .
…………………………………………………………………………………
وعلى جانب اخر وفى نفس الوقت ، كان امجد يلقى هاتفه على الطاولة امامه وهو يفكر فى الغبية التى قد تتسبب فى ضياع مستقبلها بسبب هذه الترهات الشخصية الباهتة ، فقد كان له طوال حياته القدرة على الفصل التام بين عمله وبين حياته الشخصية ، وقد تخيل أن ميرنا تمتلك نفس هذه الملكة ، فلم يرى منها الا ما يؤكد ذلك .
ضاق به عقله وقلبه معا ، فلم يرد ابدا ان ينتهى أمره مع ميرنا بهذا الشكل ، رغم انه قد فكر طويلا فى رد فعلها عما حدث بينهما ، لكن مهما وصل بعقله ، فلم يصل ابدا لهذا الاختفاء ، هل من المعقول ان يكون هذا الاختفاء بسبب قبلته لها ،، ياليته ما فعلها ،، قد كان هذا هو رد فعله الوحيد على ما تم ، الندم ، فهى تستحق افضل منه بكثير ، تستحق رجلا مازال يملك قلبا وعقلا يهديهم لها ، وليس بقايا قلب امتلكته منه امراة يوما ما ، ولا يعلم حتى ان كان له نصيب معها ام سيقضي باقى حياته كما هو .
قام وارتدى ملابسه وترك مسكنه وخرج ، حتى سيارته ، لم ياخذها ، فقد اراد استنشاق بعض الهواء النقى بعيدا عن اساسيات حياته ،
طال به السير طويلا ولا ي يدور فى عقله الا الفتى والفتاة اللذان لم يكونا فى حساباته ابدا ، كان كان من الصعب ، بل المستحيل ، ان يتخيل اى رجل ظهور ابناء له من العدم ، من خطأ ارتكبه ولم بشعر بأى ندم على ارتكابه الا الأن ، أبناء من صلبه وليسوا بإسم ، بإسم رجل أخر ، وقد يكون من المستحيل تسجيلهم بإسمه هو ،
وعند هذه النقطة شعر بدوار مفاجئ أطاح بتوازنه ، فلم يكن قد خلا من أعراض ضربة راسه حتى الان ، سند على حائط أحد المبانى ، واغلق عينيه للحظات ، ثم فتحها عندما تذكر شقة ذياد الخاصة التى يمتلك مفتاح لها فى سلسلة مفاتيحه والتى تبعد عنه بثلاثة مبانى فقط ،
تحامل على نفسه حتى وصل اليها وقد بلغ الم راسه مبلغه معه ،
عندما دخل ، حاول الوصول لأقرب كرسى للباب ، جلس عليه وهو لا يستطيع حتى فتح عينيه، لكنه أجبر نفسه على التركيز عندنا وصل لأذنيه بعض الضحكات الانثوية الصاخبة ،
هز راسه بأسف ، فهو يعلم ذياد وطريقته فى التعامل مع النساء ،
قرر ان يترك الشقة ويغادر لكن الصوت قد ارتفع بعض الشئ ليميز صاحبته الى حد ما ،
وقف واقترب من غرفة النوم الداخلية بخطوات متباطئة ومترددة ، والصوت يرتفع مع اقترابه ويؤكد ظنونه اكثر وأكثر ، حتى فتح الباب فجأة ، ليصطدم بزوجين من الاعين التى ارتفعت له والرعب يملأها ،،،،،،
يتبع
وبالطبع قد اندهشت كثيرا من كل ما سمعت ، بل الأكثر أنها قد حزنت أكثر من أجله ، وإستمرت على مدى حديث الرجل يعزو عقلها سؤال واحد ، هل من الممكن أن تكون هى السبب فى بقائه حتى الآن وحيدا بهذا الشكل ، وهل نزواته النسائية هذه حقيقية أم أنها مجرد أقاويل لا أكثر ، لكن لم لا ، فقد أقام معها علاقة وهو يعلم أنها متزوجة ، فهذا يعطى أحقية لحقيقية الأمر ، لكنه قد كان صغيرا فى هذا الوقت رغم نضوجه الزاخر عقليا وجسديا ، لكن فى النهاية لم يكن يتعدى عمره أكثر من تسعة عشر عاما ، وقد كان اللوم كله يقع عليها هى ، فقد كانت فى الخامسة والعشرين من عمرها .
… سلمى هانم ، سلمى هانم ، حضرتك كنتى سامعانى ولا ايه ؟
أمائت برأسها بالإيجاب ثم قالت … لكن متعرفش أى حاجة عن الفترة اللى قلتلك عليها دى …
قال الرجل … الفترة دى وغيرها يافندم ، مظهرش ولا حدش عرف عنه حاجة غير اول ما استلم شغله فى مستشفى ( ) العسكرى ، قبل كدة كان فى مدارس داخلية عسكرية لحد ما خلص كلية ، حتى الإجازات كان بينزل فيها قليل اوى …
… طيب ، روح انت ، وأول ما تعرف حاجة جديدة بلغنى بيها فورا …
… حاضر ياهانم ، بعد إذن حضرتك …
… اتفضل …
استدارت وعادت بإتجاه البيت وقد فاض عقلها بوابل من الأسئلة التى ليس لها إجابة والتى جعلت من أمجد لغز كبير بالنسبة لها ، لغز يجعلها لا تثق ابدا فيه ، أو تثق فى قدرته على مواجهة عدلى من أجلها ، أو حتى هى ، لم تكن قد قررت بعد هل من الممكن أن تجازف بعداوة عدلى من أجله ، ولم لا ، فهى تحبه ، قد تكون تعشقه ، مازالت تذكره وتذكر كل ما كان بينهما حتى الآن ، احتفظت بأبنائه رغم أنهم ثمرة خطيئة ، وعاشت بهم ولهم طوال حياتها ،
اختارت إحدى الشرفات الواسعة للدور الأرضى والتى يفصل بينها وبين الحديقة بضع درجات سلم لا أكثر ، جلست على أحد الكراسي العاجية البسيطة الملتفة حول طاولة صغيرة ، وهى تفكر فى ابنيها واللذان كالعادة ينقبض قلبها عند ذكرهما ، والرعب الذى تعيشه خوفا من افتضاح أمرها وكشف ستر الماضى امامهما يوما ما ، وما يزيد من رعبها أكثر أنها تشعر بقرب هذا اليوم .
وما يزيد ويزيد من هذا القلق والخوف ما تراه الآن نصب عينيها ، عدلى ، سيارته تدخل من باب الحديقة البعيد ، وتتوقف بالقرب من الباب الرئيسى للبيت ،
ابتسمت بسخرية وهى تقول لنفسها انه يبدوا انه لم يتحمل فقط تجاهله من ليلة أمس حتى الآن ، حتى يأتى إلى هنا بنفسه ،
إقترب منها من بعيد وعلى ملامحه شتى معالم الغضب تبدو واضحة تماما ، جلس فى الكرسى الذى يقابلها دون أن يلقى التحية حتى ، لم تهتم ولم تتحدث ، فقط انتظرت ما سيقوله بأريحية ،
أطال النظر لها لثوانى وحين لم يجد أى رد فعل وأنها قد تستمر فى هدوؤها هكذا الذى دائما ما يفتت ثباته أمامها رغم جبروته المشهور به مع الجميع ، فحاول تصنع نفس درجة ثباتها هذه وهو يقول
… ممكن افهم ايه اللى بيحصل هنا بالظبط ؟
اعتدلت فى جلستها وتنهدت ثم قالت … وبعدين بقى ، ايه اللى بيحصل ياعدلى ؟
…. الطريقة اللى مشيتوا بيها كأنكم هربانين ، أفهم منها ايه دى ، وكمان اختفيتوا كام ساعة معرفش فين ، ومن وقتها وانا برن عليكم مبتردوش ، زى ما يكون متفقين انتو التلاتة ، ها ، بتقويهم عليا ، بتقويهم عليا …
وعلى آخر جمله بدأ صوته يرتفع بعض الشئ ، لكن بدون أى تأثير عليها ، فلم تزل هادئة تماما وإستمرت هكذا طوال حديثها معه ،
قالت وهى ترفع قدم فوق الأخرى … ومن امتى الأوهام سابت دماغك ياعدلى …
مال ناحيتها قليلا وقال بصوت منخفض أكثر
… دى مش أوهام ياسلمى ، انتى فيكى حاجة غلط من فترة ، ومسيرى هعرف هى ايه ، وساعتها مضمنش رد فعلى هو ايه …
ثم عاد للخلف ثانية وسند على ظهر الكرسى ، بينما قالت بلهجة ساخرة
… اللى انت عايزه اعمله …
… قلبك بقى جامد أهو …
قالت بصورة شبه تقريرية … أنا قلبى طول عمره جامد ، وانت أكتر واحد فى الدنيا دى عارف كدة ، بلاش بقى ندخل فى حوارات ملهاش لازمة …
وقف وقد بدأ الغضب الذى يحمله داخله يظهر على ملامحه ، فقد تأكد الآن فقط أنها تخفى عنه شيئا ، وقد أراد أن يؤكد شكوكه بنفسه ، فقال
… أنا هقضى اليوم معاكم هنا ، عايز معاملة كويسة منك ، مش صد طول الوقت كدة ، ومش عايز أى خناق مع سيلا وإيان …
تطلعت له للحظة قبل أن تقول .. بالنسبة ليا ، ملكش علاقة بيا أساسا ، إنما هم ، المشكلة مش مشكلتهم ، مشكلتك انت ، دايما بتعارض أى حاجة يعملوها ، ومبتفكرش ابدا اذا كانت صح ولا غلط ، ونبهتك ألف مرة وقلتلك أنهم ناضجين جدا فى أفعالهم وكلامهم ، بس مفيش فايدة فيك ، مصر دايما تتعامل معاهم على أنهم أطفال ، هيتحركوا بالأمر …
اقترب منها وهو يرفع يده ويشير لها بإصبعه بتهديد ، حتى أصبح لا يفصل بينهم إلا الطاولة الخشبية وقال
… متستفزنيش أكتر من كدة ياسلمى ، انا اللى فيا مكفينى ويزيد ، مشاكل فى الشغل والبيت ، مش ناقص ابدا انك تضغطى عليا انتى وولادك …
عادت للخلف وسندت ظهرها لظهر الكرسى ووضعت قدم فوق الأخرى ، وقالت بكامل الثقة والهدوء … اللى فيك مش قضيتى انا ولا اولادى ، ولو تاخد بالك أن احنا سبنالك الدنيا كلها هناك وجينا هنا ، وانتى اللى جاى لينا برجليك ، محدش اجبرك ، وبعدين انت مش ملاحظ ياعدلى انك بقيت تهددنى كتير اوى ، والكلام ده مش بينفع معايا ، وانت عارف كدة …
كان غضبه يتفاقم مع كل كلمة تنطق بها حتى وصل إلى حد لم يعد قادرا على التحكم فيما يصدر عنه ، فقد كان الجميع بالنسبة له فى كفة ميزان واحدة ، وسلمى وحدها فى الكفة الأخرى ،
وجد نفسه ودون أن يشعر أطاح بيده الطاولة التى تفصله عنها وفى لحظة كان أمامها مباشرة بعض ان أنزلت قدمها عن الأخرى من فزعها مما فعل ، وقبل أن تقف قبض على رقبتها بأصابعه وضغط بقوة وغضب عليها وهى تتلوى بجسدها تحاول فك أصابعه بيدها ، لكن هيهات ، صحيح أنها قوية جدا ويهابها الجميع لكن لشخصيتها وليس لقوتها الجسدية ، وكلما قاومت كلما اشتدت قبضته على رقبتها وهو يقول
… أنا عارف انك بتعملى حاجة من ورايا ، وهعرفها ، ووقتها متلومينيش ياسلمى ، مش عارف ليه اصلا بتضغطى عليا بالشكل ده ، وانتى عارفة انه لما بفقد اعصابى ، مبعرفش اتحكم فى تصرفاتى ، واضح انك مبقتيش خايفة منى ، ولا بقيتى خايفة على أولادك ليعرفوا حقيقتهم ، وراكى ايه ياسلمى قوى قلبك بالشكل ده ، وناوية على ………..
وقبل أن يكمل كلمته الأخيرة فوجئ بضربة قوية جدا على معصمه فكت قبضته عن رقبتها وارجعته للخلف بضع سنتيمترات وهو يمسك زراعه مكان الضربة من الألم ،
……………………………
فى نفس الوقت تقريبا ، أو قبلها بدقائق ، كان إيان فى طريقه للخروج من غرفة سيلا النائمة بعد أن اطمئن عليها ، حينما رأى سيارة والده تدخل من باب المزرعة ، انعقدت جبهته بضيق ، فدائما ما كانت تنتهى زيارات والده للمزرعة بشكل درامى جدا ، وأحيانا بشكل كارثى ، لكنه منى نفسه أن تعب سيلا قد يغير هذه المرة ، وأنه هنا فقط ليطمئن عليها ، خاصة بعد اختفائهم من هناك ليلة أمس بشكل غير مبرر ، لهذا فكر أن يتجنب اللقاء بينه وبين والده و قرر أن يبقى فى غرفته ، لكن هذا سيجعل عدلى يصعد إلى هنا ليطمئن عليها ، وهو لا يريده أن يوقظها ، فخرج متأففا من غرفته متجها لأسفل ليخبرهم بأنها نائمة ، عبر الرواق متجها للشرفة المفتوحة ليتجمد مكانه من رؤيته لمنظر عدلى وهو يميل على سلمى مقبضا بيده على رقبتها وهى تتلوى بين يديه ، فار الدم فر عروق جسده كله حتى وصل لعقله الذى أمره بالتقدم لتخليصها من يده ، وبدون أن يشعر وفى لحظات كان قد اختزل مسافة أمتار بخطوات رياضية معدودة ، ليرفع قدمه ويضرب بها معصم عدلى ، وقد أصابت هدفها تماما ، فهو حاصل على مراكز واحزمة متقدمة فى رياضة الكونغ فو القتالية مما أهله للتعامل مع مواقف أصعب من ذلك بل وعدد رجال أكثر من مجرد رجل واحد ،
وقد كان على وشك التقدم لضربة أخرى وهو يقف فى وضع قتالى وعينيه تتضح نارا وهو يتطلع لعدلى الذى تسمر مكانه على بعد خطوات منه ممسكا بزراعه مكان ضربة إيان ،
هم بالتقدم أكثر ، لكنه توقف على صوت سلمى التى كانت قد انتبهت لماهية ما حدث بعد أن التقطت بضع أنفاس متتالية بعد تحرير رقبتها ، وقد وقفت تتطلع ﻹيان بإشفاق لتعرضه لمثل هذا الموقف ،
كانت صوتها ونظرتها كفيلة لأن توقف إيان الذى تخلى عن وضعه القتالى وتوقف مكانه تقديرا لأمر والدته ،
كل هذا تم فى لحظات بسيطة ، لحظات جمعت الثلاثة فى موقف لا يحسد عليه كل منهم ،
إيان الذى لم يتخيل ابدا انه قد يفعلها ، يضرب والده ، ومهما احتد الخلاف بينهما ، لكنه كان أمرا محتوما ، فعند والدته وأخته وكل الخطوط الحمراء تضاء ، فهو على استعداد ان يعادى اى مخلوق من اجلهما ، وأن وصل الأمر للتضحية بحياته وبدون تفكير .
وسلمى التى اشفقت على ابنها من كل هذا ، وخوفها من أن يكون قد سمع شيئا مما تفوه به عدلى ، وأيضا لومها لنفسها أنها سمحت لعدلى أن يتمادى حتى وصل لهذه المرحلة ، رفع يده عليها ، بل والاقدام وفعلها ،
وعدلى أيضا الذى انتبه من حالته الجنونية و الذى شعر أنها كانت تتلبسه حينما جن ومد يده على سلمى ، والذى خرج منها على ضربة فتى فى الرابعة عشر من عمره ، والذى من المفترض انه ابنه ،
الآن ، هو ضرب سلمى ، وإبن سلمى قد قام بضربه ، وهذا هو الوصف الدقيق للموقف بالنسبة له ، والذى جعل انتباهه من حالته الجنونية لم يدوم طويلا والذى عاد له بقوله ، موجها كلامه لإيان
…. انت اتجننت ، اتجرأت ازاى وعملتها ، بتضربنى !
رد إياد بهدوء وثقة … زى ما انت اتجرأت تانى وضربتها ، ولو فكرت مرة تانية وعملتها ، ساعتها مش هكتفى بضربة واحدة ، داأنا هرقدك مكانك …
تحولت عينا عدلى لجمرتى نار حمراء ، وبالفعل قد فقد تحكمه فى نفسه وتقدم ناحية إيان ، ليجد فجأة سلمى أمامه تفصل المسافة بينه وبين إيان ،
وأن كان ما يرى على وجه عدلى هو النار ، فقد كان وجه سلمى قد تحول للجحيم نفسه ، نظراتها التى ترمقها بها لم يرها فى حياته كلها من قبل ، مما جعله يتوقف ثانية فى مكانه يتطلع لها ،
وبدون أن تلتفت لإيان قالت
… إيان ، لو سمحت ، إطلع فوق …
لم يتحرك إيان من مكانه وحمل على وجهه نظرات مستفسرة وقلقة ،
فقالت بصوت أعلى … قلت ، إطلع فوق …
انسحب إيان بتردد ، لكنه مجبر على تنفيذ أمر والدته ، لكنه قرر أن يبقى قريبا منها ، فدخل لبهو البيت وجلس على أحد درجات السلم حتى تثنت له رؤيتهما من خلال الزجاج لكنه لم يكن يسمع ما يقال بينهما الآن ، يكفيه الجملة الغير مفهومة التى تدوى فى عقله الآن
….. ولا بقيتى خايفة على ولادك ليعرفوا حقيقتهم …
…………………………………………………………………………………
… زين ، زين ، اصحى …
عدل وجهه وفتح عينيه بصعوبة ، فلم ينم غير بضع ساعات بسيطة ، يكفيه ماحدث أمس والذى قد يؤرق منامه لأيام وشهور قادمة ،
تطلع بصعوبة لوجه زينة الشاحب وعينيها اللامعة بالدموع ، مما اجبره على الانتباه وهو يقول
… فى إيه يازينة ، مالك ؟
قالت بصوت حزين دامع … ميرنا …
كان الاسم والطريقة التى نطق بها كفيلة بأن تجعله ينتفض معتدلا وهو يقول
… مالها ؟
… لمت هدومها كلها ومصممة أنها تسيب البيت ، ومفيش حد عارف يوقفها ، لا أنا ولا ماما ولا حتى سيرين …
انتصب واقفا من على فراشه ، ارتدى خفه البيتى فى نفس الوقت الذى كانت يده تلتقت تيشيرت البيجامة التى كان ينام ببنطالها فقط ، وارتداه ليغطى به جسده العارى وهو متجها لباب غرفته وزينة تتبعه ،
وفى خلال دقيقتين كان يقف أمام زينة وحدهما فى غرفتها بعد إن إستأذن والدته وزوجه عمه وسيرين وزينة أن يتركوه وحده معها ،
تأمل هيئتها الجاهزة للخروج ، ثم انتقل بعينيه لحقيبتين قامعتين فى أحد جوانب الغرفة ،
وقال معلقا … واضح انك منمتيش لسة ، قضيتى الليلة تجهزى فى حاجتك كلها ، ايه ، مش ناوية ترجعى هنا تانى ولا إيه ؟
لم تجيبه ميرنا بشئ ، اكتفت بالصمت وحادت بعينها عنه وهى تضع يديها فى جيب بنطالها ، فقال
… مش عاجبك كلامى ، ولا انتى قررتى خلاص …
تنهدت وقالت … أرجوك يازين ، بلاش انت بالذات ، انت الوحيد اللى متأكد ان مبقاش ليا مكان هنا …
… بالعكس ، انا بالذات اللى لازم اصمم انك متتحركيش من هنا ، انتى لو فعلا مش اختى ، فإنتى بنت عمتى ، وبنت أخت الناس اللى تحت دول يعنى ده بيتك اصلا …
… لأ مش بيتى ، وانت فعلا قلتها ، انا بنت اختهم ، مش بنتهم …
اقترب منها ومد يده يتلمس خدها بحنان وهو يقول
… خدى حقك وانتى هنا ، كدة كدة انتى اسمك ميرنا عبد الرحمن ، ولحد ما نتصرف فى الاسم ، مينفعش تخرجى من البيت ، مينفعش ، خروجكمو هيجيب ميت الف سؤال …
مدت يدها وامسكت بكف يده ، ثبتتها عن حركتها فوق خدها وقالت
… بعد كل ده ولسة شايل هم كلام الناس …
ثم تركته وابتعدت ، جلست على كرسى قريب منها ورفعت عينيها التى تشع حزن له وتأملته قليلا حتى طالت النظرة بينهما ، وفجأة ابتسمت بسخرية وهى تخفض عينيها وتبعدها عنه ،
عقد ما بين حاجبيه واقترب منها ، جلس على الكرسى الذى يجاورها وهو يقول
… ده ايه ده بقى ، ايه الضحكة العبيطة دى …
التفتت له وهى تقول … فى حاجات كتير اوى كانت بتحصل زمان مكانش لها تفسير عندى ، مظهرش تفسيرها غير دلوقتى …
… مش فاهم تقصدى ايه …
كانت ابتسامتها واهنة حزينة وكأنها مجبرة عليها ، لكن بشرة وجهها بدأت تتلون باللون الوردي مما زاد من حيرته هو حول ما قصدته بما قالت ، فحثها أكثر على الحديث بقوله … ما تنطقى يابت ، انا قلت حاجة تضحك …
رفعت يدها وأشارت بإصبعها على وجهه وشعره المبعثر ثم رداء نومه الذى يحدد كافة عضلات جسده الواضحة ،
ظهرت الدهشة على وجهه من حركة عينيها لدرجة أنه اخفض عينيه ودار بها على جسده دون فهم
ثم رفع عينيه لها وهو يقول … ايه اللى عملتيه ده بقى ، انا كدة فهمت ايه …
ابتسمت وقالت
… أصل زمان كنت بحب اطلع اصحيك اوى ، عشان كنت بحب شكلك وانت صاحى من النوم ، وكنت بحب اتفرج عليك وانت نايم ، مع انك كنت دايما تدايق وتزعقلى عشان بتحب تنام من غير هدوم ، انما زينة مكنتش تدايق منها ، ولا حتى اى واحدة من ولاد عمك لو طلعت تصحيك ….
ابتسم زين بحنان فائض واقترب منها وجلس بجانبها ومد يده يتلمس شعرها ، رفعت عينيها الدامعة له وقالت … كان المفروض نفهم من زمان اوى يازين …
جذبها بيده ليريح رأسها على صدره بعدما بدأت دموعها فى الظهور واضحة ، وهو يقول
… اوقات كتير تلاقى حقائق واضحة فى حياتنا ، لكن للأسف مع كتر الكدب فيها ، بقينا نصدق الكدبة ونكدب الحقيقة ….
سندت بيدها على صدره وتشبثت بقميصه القطنى وكانت على وشك ان تعلق على كلامه بشئ لولا هاتفها الى صدع برناته ، اعتدلت من على كتفه وسحبت الهاتف من جيب السترة التى كانت ترتديها وظهر التوتر على وجهها حين لمحت اسم امجد على شاشته والمسجل على هاتفها بإسم د/ أمجد أبو النصر
، قررت ان تلغى المكالمة وتؤجلها لوقت اخر لولا زين الذى فاجئها بصوته الذى يملأه الضيق
… ردى …
قالت … بعدين …
فقال بلهجة حازمة ..ردى ياميرنا …
قالت بتوتر … مش مشكلة دلوقتى …
وبدون اذن منها ، مد يده واخذ الهاتف من يدها وفتح خط المكالمة وشغل مكبر الصوت لياتيه صوت امجد الرنان قائلا … أيوة ياميرنا …
لم ترد وعينيها على زين بضيق وملامة ، ان كان هذا فى وقت اخر ، فلن تكن تسمح له بفعلها ، لكن داخلها هاجس دائم فى الاونة الاخيرة يصرخ بها بان زين هو الشخص الوحيد الباقى لها ، وانها بالفعل فى طور خصارة الجميع ، لهذا وبدون إرادة منها يعقد لسانها عن التفوه بأى ما يعكر علاقتها به ،
صدع صوت امجد ثانية وبشكل اقوى وهو يقول … الو …
اجابت وهى على بعد من الهاتف الذى لم يتركه زين من يده وعينيه عليها
… أيوة يادكتور …
قال مباشرة وبلهجة غاضبة … إنتى فين ؟
حولت ميرنا عينيها بدهشة من على زين للهاتف الذى بيده وهى تقول … نعم ؟ !
وبنفس اللهجة الغاضبة مما جعل زين يندهش هو الاخر
… ايه ، سؤالى مش واضح ولا ايه ؟ بقول انتى فين ؟
قالت … فى البيت …
قال بسخرية … وبتعملى ايه فى الببت يادكتورة ، انتى مش عندك شغل دلوقتى ، وامبارح واول اتعملك اعتيادى ، انتى فاكرة نفسك شغالة فين ، فى طابونة ، انتى فى مكان عسكرى يادكتورة ، كان المفروض دلوقتى اجازتك تترفض وتتحولى لمجلس تأديبى ،
الساعة دلوقتى عشرة الا خمسة ، وانا قلت لزمايلك يعملولك اذن صباحى ، عشر دقايق بالظبط تكونى فى شغلك ، ولو انتى مش قد المستشفى العسكرى ، اول ما توصلى تجهزى أوراق نقلك لأى مستشفى مدنى ، سلام …
قطع الخط بينهما دون ان ينتظر حتى ردها ، ألقى اعيرته النارية على مسامعها ومسامع زين ايضا ، لكنها لم تكن تلومه ، فقد اهملت عملها فى اليومين الماضيين تحت وطأة ظروفها الشخصية والنفسية دون أى مراعاة لعواقب ذلك ،
سحبت الهاتف من يد زين بغضب ، ووقفت ، اتجهت للمرآه ، تعدل من شكلها ، ثم التفتت حقيبتها وخرجت مسرعة دون اى تعليق ، بينما كان زين على وضعه صامتا يتابعها حتى خرجت من باب الغرفة امام ناظريه ،
رغم ضيقه من طريقة حديث امجد لها ، الا انه قد اطمئن على عدم قيمة ما مر بينهما ، فلن يحدثها ابدا بهذه الطريقة ان كان بينهما اى علاقة ولو كانت من طرف واحد ،
تحولت عينيه لحقيبتيها المغلقتين وهو يقول لنفسه انه على الاقل قد تشتت عقلها عن ما كانت تنتويه فى مغادرة المنزل ، ولو حتى لفترة مؤقتة ، حتى يتثنى له التصرف فى الامر .
…………………………………………………………………………………
وعلى جانب اخر وفى نفس الوقت ، كان امجد يلقى هاتفه على الطاولة امامه وهو يفكر فى الغبية التى قد تتسبب فى ضياع مستقبلها بسبب هذه الترهات الشخصية الباهتة ، فقد كان له طوال حياته القدرة على الفصل التام بين عمله وبين حياته الشخصية ، وقد تخيل أن ميرنا تمتلك نفس هذه الملكة ، فلم يرى منها الا ما يؤكد ذلك .
ضاق به عقله وقلبه معا ، فلم يرد ابدا ان ينتهى أمره مع ميرنا بهذا الشكل ، رغم انه قد فكر طويلا فى رد فعلها عما حدث بينهما ، لكن مهما وصل بعقله ، فلم يصل ابدا لهذا الاختفاء ، هل من المعقول ان يكون هذا الاختفاء بسبب قبلته لها ،، ياليته ما فعلها ،، قد كان هذا هو رد فعله الوحيد على ما تم ، الندم ، فهى تستحق افضل منه بكثير ، تستحق رجلا مازال يملك قلبا وعقلا يهديهم لها ، وليس بقايا قلب امتلكته منه امراة يوما ما ، ولا يعلم حتى ان كان له نصيب معها ام سيقضي باقى حياته كما هو .
قام وارتدى ملابسه وترك مسكنه وخرج ، حتى سيارته ، لم ياخذها ، فقد اراد استنشاق بعض الهواء النقى بعيدا عن اساسيات حياته ،
طال به السير طويلا ولا ي يدور فى عقله الا الفتى والفتاة اللذان لم يكونا فى حساباته ابدا ، كان كان من الصعب ، بل المستحيل ، ان يتخيل اى رجل ظهور ابناء له من العدم ، من خطأ ارتكبه ولم بشعر بأى ندم على ارتكابه الا الأن ، أبناء من صلبه وليسوا بإسم ، بإسم رجل أخر ، وقد يكون من المستحيل تسجيلهم بإسمه هو ،
وعند هذه النقطة شعر بدوار مفاجئ أطاح بتوازنه ، فلم يكن قد خلا من أعراض ضربة راسه حتى الان ، سند على حائط أحد المبانى ، واغلق عينيه للحظات ، ثم فتحها عندما تذكر شقة ذياد الخاصة التى يمتلك مفتاح لها فى سلسلة مفاتيحه والتى تبعد عنه بثلاثة مبانى فقط ،
تحامل على نفسه حتى وصل اليها وقد بلغ الم راسه مبلغه معه ،
عندما دخل ، حاول الوصول لأقرب كرسى للباب ، جلس عليه وهو لا يستطيع حتى فتح عينيه، لكنه أجبر نفسه على التركيز عندنا وصل لأذنيه بعض الضحكات الانثوية الصاخبة ،
هز راسه بأسف ، فهو يعلم ذياد وطريقته فى التعامل مع النساء ،
قرر ان يترك الشقة ويغادر لكن الصوت قد ارتفع بعض الشئ ليميز صاحبته الى حد ما ،
وقف واقترب من غرفة النوم الداخلية بخطوات متباطئة ومترددة ، والصوت يرتفع مع اقترابه ويؤكد ظنونه اكثر وأكثر ، حتى فتح الباب فجأة ، ليصطدم بزوجين من الاعين التى ارتفعت له والرعب يملأها ،،،،،،
يتبع