روايات رومانسية
رواية عرف صعيدي كامله وحصريه بقلم تسنيم المرشدي

رواية عرف صعيدي كامله وحصريه بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الأولي
( إمتناع )
______________________________________
هل تسمعني؟ هل تكترث لأمري؟
أنا هنا أحتاجك وبشدة، لقد خُلقت من ضلعك ،
فأنا المغلوبة علي أمري أناديك من ثنايا قلبي ،
مُد يدك لتخرجني من تلك البقعة التي انحدرت داخلها ،
أصبحت شريك حياتي إذاً فلتحقق لي أهدافي ،
لطالما حلمت بالحرية انت كنت ملجئ الوحيد
ها أنا أمامك الآن فهل سنغدوا سوياً إن أمنت لي حقوقي ؟.
______________________________________
_ صدحت أصوات الزغاريد عالياً في أرجاء السرايا ، تعالت هتافات الشباب وازدادت المباركات مهللين بسعادة
_ يتوسط أدراج سُلم السرايا شاب في مقتبل العشرين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ناصع البياض يعلوه عباءة سوداء ، يلوح بيده الي أقاربه وأصدقائه وباليد الأخري يحتضن يد عروسه المصُون التي ترتدي فستان زفافها الأبيض لا يظهر منها أي انش حتي وجهها مغطي بوشاح أبيض
_ اقترب منه أخيه بإبتسامة هامساً في أذنه :-
بجولك ايه اطلع انت علي اوضتك العالم ديي مهتمشيش واصل طول ما انت واجف لهم اكده
_ أماء له الآخر موافقاً إياه علي إقتراحه ، ثم استدار وأولي ظهره للجميع وانطلق علي عُشه الجديد مرفرفاً بجناحته إلي حياته الزوجية التي ستبدأ للتو فور غلقه لباب غرفتهم
_ تنفس الصعداء حينما وصل إلي غرفته ، لم يعد هناك المزيد وأخيراً سيمتع نظريه برؤية عروسه لطلاما تمني رؤيتها بفروغ صبر
_ خلع عبائته ووضعها أعلي الأريكة المجاورة له واقترب بخطاه نحو تلك الهادئة التي لا يصدر منها أي صوت ، تقوس ثغره بإبتسامة حماسية لأنه لم يعد يستطيع الإنتظار ، رفع يده وأزاح ذلك الوشاح ليُفأجئ بزرقاوتاها تحملق به
_ اتسع ثغره بإبتسامة عريضة حينما وقع بصره علي شفتيها الوردية المنتفخة وردد مبدي إعجابه بجمال خلقتها :-
‘ بيضاء تكحلت سلبت النظر ، وخديها الوردي سبحان الذي خلج ‘
_ لم يصدر منها أي ردة فعل الي الآن ، حسناً ربما منعها حيائها ، رفع يده وتحسس وجهها الناعم بأنامله قائلاً :-
طلعتي كيف الجمر أحلي ما توجعت كماني ، يابختي بيكي
_ تفاجئ بنفورها منه وتراجعها للخلف رافعة سبابتها في وجهه معنفة إياه :-
إياك تفكر تجرب مني وإلا هموت نفسي وأجيب لك مصيبة
_ اتسعت مقلتيه بصدمة جلية تشكلت علي تقاسيمه من خلف تحذيراتها ، حاول أن يتحلي بالصبر معللاً سبب ذعرها :-
متخافيشي أنا لا يمكن أمسك بسوء ، أكيد طبعاً انتي كيف البنتة خايفة في ليلة زي ديي بس أني مبخوفش صدجيني
_ اقترب منها محاولاً طمئنتها لكنها تراجعت بخطوات أسرع حتي لا يصل إليها محذرة إياه :-
جولتلك متجرِبش مني ، خليك عِندك يا ” هلال “
_ كز الآخر علي أسنانه بغضب بدي علي ملامحه واندفع فيها عندما لم يتحمل تحذيراتها التي ليست في أوقاتها الأن :-
بجولك ايه النهاردة دخلتنا مستوعبة انتي يعني ايه ؟ بكفياكي عاد الخبل اللي في مخك ديه واهدي اكده عشان مطربجش حيطان الاوضة ديي عليكي
_ صُعق ” هلال ” حينما رآها تسحب سكين من داخل فستانها ، رفعته في وجهه ورددت بما يدور في عقلها :-
أني اتچوزتك عشان تچيبلي حجي من عمي ، معلوم انت ابن العمدة ويدك طايلة وهتعرِف ترچع لي ورثي من نن عنيه
_ ضرب ” هلال ” كفه علي الآخر بذهول شديد ، ليس بحين يسمح فيه سماع تلك الهراءات الأن ، أعاد تكرار محاولته معها مراراً علي أمل أن تستمتع له :-
استهدي بالله يا ورد ، ورث ايه بس في ليلة زي ديي ، النهاردة فرحنا يعني أني العريس وانتي العروسة وديي بداية علاجتنا يا نمشوها علي كيفنا ونتبسموا لما نفتكروها بعدين يا هتكون ليلة مطينة بطين مهتنسيهاش عمرك كلياته
_ لم تهتز خصلة من ” ورد ” بل ثبتت أقدامها بالأرض ولم ترفع يدها من أمامه لكي يكون حصن منيع يمنعه من الاقتراب منها
_ أصدر ” هلال ” صوتاً بتذمجر :-
يا صبر أيوب ، اعجلي يابنت الناس وفوتي الليلة علي خير
_ هزت ” ورد ” رأسها برفض وأجابته بإصرار :-
مههداشي جبل ما تاخدلي ورثي اللي عمي نهبوا مني وعيجول أنه مهيورثش بِنِتة
_ أزفر الآخر أنفاسه بضجر واضح وأردف بإندفاع :-
أنا مليش صالح عاد بعمك يا ورد انتوا أهل وتصطفلوا مع بعضيكم اني مهدخلش بيناتكم
_ رمقته ” ورد ” شزراً محاولة التقليل من شأنه :-
وأني اللي جولت ضل راجل ولا ضل..
_ سخرت منه مقهقهة وتابعت حديثها مضيفة :-
دي الحيطة طلعت ليها جيمة عنك
_ ألقي ” هلال ” بحديثه مختصراً :-
يعني ده اخر حديت عندك يا بنت الناس؟
_ أماءت له مؤكدة سؤاله :-
رجوعك لورثي جصاد جربك مني!
_ حرك ” هلال ” رأسه لاستيعابه حقيقة الأمر الأن ، دلف خارج الغرفة معلناً نهاية الحديث معها ، توقفت قدميه حينما سمع نداء والدته :-
أباه! ايه اللي مخرجك في وجت زي ديه يا ولدي وليه لساتك مبدلتش خلجاتك ؟
_ أخذ ” هلال ” شهيقاً وأخرجه ببطئ لأنه لم يرتب لتلك المواجهة ، نظر إليها محاولاً الهروب من نظراتها التي حتماً سيدلي بما يخفيه في جوفه أمامها
_ عقدت الأخري ما بين حاجبيها مستفسرة :-
بتفكر عاد هتجولي ايه؟ ما تنطج يواد ايه اللي مخرجك في ساعة زي ديي؟
_ لم يكن أمامه سوي المواجهة لكن حتماً ليست المواجهة الحقيقة بل المزيفة ، شكل إبتسامة علي ثغره حتي يطمئنها وأجابها قائلاً :-
مفيش ياست الكل أني نازل أجيب مُية لأن مفيش في الاوضة
_ صوبت عينيها عليه بعدم اقتناع فهي بذاتها من تممت علي الطعام والشراب قبل دخولهما الغرفة ، مالت برأسها للجانب مرددة بنبرتها الحادة التي يخشاها الجميع :-
بجي مفيش مُية في اوضتك؟ كانك بتستخفلني يا هلال أني بنفسي اللي متممة علي وكلك وشربك جبل ما تدخلوا الاوضة يبجي كيف؟
_ وقف أمامها مطأطأ الرأس ، بدي كأنه أبله يبحث عن كلمات ليقنعها بها ، فتح فاهه ليبدأ بالحديث الذي لا يعرف له سبيل فأنقذته هي بحديثها :-
بكفياك تفكير عاد واخرتها مش لاجي حچة تجولها روح شوف انت رايح فين بس متعوجش
_ كلماتها كانت بمثابة طوق نجاته الذي تشبث بهم وفر هارباً من أمامها ، بينما نظرت الأخري علي باب غرفته مرددة :-
عملتي في الواد ايه خلتيه يطفش من أول دجيجة
_ ضربت الأرض بتلك العصا التي تناولتها من زوجها عند عودتهم للغرفة ثم تحركت عائدة الي غرفتها ، وما أن أغلقت الباب خلفها حتي أتاها سؤاله :-
ماله هلال يا نادرة خارج في ساعة زي ديي ليه ؟
_ اقتربت منه بخطي ثابتة ، تركت عصاه الخاصة بجوار الفراش وأجابته وهي تستلقي بجانبه :-
مخابراش بس أني مش همرر الموضوع اكده عادي لازم أعرفوا عملت فيه ايه بنت سنية ووعاك يا خليل توجفني أني مش مچوزاه عشان يتسحب في نصاص الليالي كيف الحرامية ليلة دخلته
_ استنكر ” خليل ” حديثها وحرك رأسه بإيماءات تدل علي رفضه التام لتدخلها بينهم وحذرها قائلاً :-
اوعاكِ انتي تدخلي بيناتهم انتي جوزتيه وخلصنا ملكيش صالح عاد بلي يوحصل
_ رمقته بنظرات حادة رافضة ما يؤمرها به وأردفت بهجوم :-
لاه يا خليل لاه اني چوزته صغير عشان يتهني بشبابه مع بت صغيرة وميعملش كيف خوه اللي عنده تشجه بخنجر ولا تجيبله سيرة الچواز ، أني اللي وافجت عليها من بين بنتة البلد كلاتهم بعد ما أنت عرفتني عليها يبجي تدلع وتهنن ولدي متخلهوش يهرب منيها ليلة دخلتهم ، أني من الصبح بدري هدج بابهم وأطلب المراد ، جبهولي كان بيها لجيت في لوع الله في سماه لكون فضحاها في البلد كلاتها
_ ضرب ” خليل ” كفه علي الاخر بغضب شديد قد تملك منه وهدر بها شزراً :-
الله الوكيل لو عملتي اي حاجة تضايج البت لأكون أني بنفسي اللي واجف جصادك البت لساتها صغيرة ويمكن خايفة وانتي داريه صوح ولدك وعمايله أكيد خافت منه
_ هدرت به متذمرة غير متقبلة إلقائه للحديث عن فلذة كبدها وصغيرها :-
أبني معيخاوفش يا خليل هو عفوي ومش كل اللي يجدر عفويته ديي وهي طلاما وافجت تبجي كنة لعيلة الجبلاوي تبجي تطاطي راسها لابني والا اني مش هسكت لها واصل
_ رمقها ” خليل ” بنظرات مشتعلة وهو يومئ برأسه في حالة ذهول شديد من حديثها الذي فاجئه ، هو علي دراية تامة عن أولوية حبها لوالديها لكن لم يدري انها بتلك العقلية الصغيرة تجاه من يقف أمام اولادها ، لم يكن ليغلق ذلك الحوار قبل أن يضع النقاط علي الأحرف وأردف بنبرة متحشرجة :-
يا ولية اهمدي ، بوها موصيني عليها جبل ما يموت يبجي نعاملوها بالجسوة دي؟ فين احترام الوصية ولا نسيتي تجاليدنا يا نادرة عشان خاطر عيون سي هلال!
_ تأففت السيدة ” نادرة ” بصوت مرتفع مبدية تذمرها كما رفعت إحدي حاجبها بتهكم لحديثه الذي ليس له أساس من الصحة معارضه إياه :-
وصاك كيف بالله عليك وهو كان حتة عامل في أرضك لا فيه جرابة بينا ولا بيناتكم اي حديت سابج؟
_ أجابها وهو يعيد بذاكرته آخر حوار دار بينهم :-
الله يرحمه آخر أيامه كان علي طول تعبان ومش جادر يصلب طوله كيف العجوز مع أنه مش كابير في العمر ، لاحظت تغيره وسألته ايه اللي غير احوالك يا صابر رد جالي أنه المرض اللي ما يتسمي ديه اتملك منه وملوش علاچ ويدوبك أيام جليلة وعمره ينتهي ، هو موصانيش مباشر بس حديته كله كان بيستنچد بحد يغيته من اخوه وعمايله ، جعد كيف الحريم يولول علي حال بته ومرته من بعده ، كانه بيقولي خليهم أمانة عنديك يابا خليل وعشان اكده انا طلبت نجوزها لهلال لما لجيتك بدوري له علي عروسة
_ قلبت ” نادرة ” عينيها بعدم إعجاب ورددت مستهتره أهمية حديثه :-
ميهمنيش ، كل اللي يهمني عيالي وبس
_ أوصد ” خليل ” عينيه بنفاذ صبر وأردف بنبرة يريد بها الخلاص من ذلك الحوار العقيم الذي لا فائدة منه :-
أنا عارفك لما تجفلي مخك ، جفلة ولا السد العالي ، لايمكن يتفتح الا في معاده
_ أولاها ظهره وأغمض عينيه في محاولة منه علي النعاس قبل أن تشتعل مشادة قوية بينهم هاتفاً بحنق :-
أهاه وأدي نومة
_ رمقته بغيظ عارم مرسوم علي تقاسميها مستاءة منه :-
نام ياخويا نام
_ أدارت ظهرها هي الأخري له متمتمة بإصرار علي ما نوت فعله :-
بكرة هيظهر المتسخبي
_ أخذت تزفر أنفاسها ببطئ شديد وكانت تلك طريقتها لتنعم بالنوم الهادئ بكل سهولة ..
______________________________________
_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً من وقوف أخيه في ردهة السرايا في تلك الأثناء ، لم يتردد في النزول إليه حتماً هناك تفسير منطقي لوجوده خارج غرفته في تلك الليلة المباركة التي ينتظرها العريس بفروغ صبر
‘ مالك يا خوي واجف الساعة دي برا الدار ليه ؟ ‘
_ أردفهم متسائلاً بقلق معانق للإهتمام ، أغمض ” هلال ” عينيه بضيق فتلك هي ليلته الأولي مع عروسه بالله ماذا يفعل الأن في تلك الردهة التي تطبق علي صدره رغم اتساع مساحتها ، أخذ يلهو بحديثه لكي يبعد أخيه عن سؤاله :-
لساك صاحي! غريبة ده انت بتنام من العشية
ً_ ضيق مقلتيه علي أخيه عندما استشف هروبه من سؤاله ، أحترم خصوصته في عدم إخباره بحقيقة الأمر وأجابه موضحاً :-
بكرة اجازة حلاوة فرحتنا بيك
_ أماء ” هلال ” رأسه متفهماً وهتف وهو ينوي الرحيل :-
آه جولتلي ، طيب تصبح علي خير ياخوي
_ تركه واقفاً بمفرده وعاد للداخل وهو يرمق الطابق العلوي بسودتاه ، لا يعي كيفية مواجهة تلك الفتاة العنيدة ، شهيق وزفير فعل هو ثم صعد للأعلي غير مستعد لخلق أي حوار بينهما بعد أن منعته من خوض تجربته الأولي معها ..
_ ولج داخل غرفته متعمد عدم النظر إليها ، لكنه فوجئ بعدم وجودها في الغرفة ، ازدادت نبضات قلبه خوفاً من هروبها فالذي عاشه منذ قليل لن يكون بعيداً لمحاولاتها في الهرب ..
_ بحث عنها في أرجاء الغرفة ولم يكن أمامه سوي الدخول والبحث عنها في المرحاض ، تنهد ببعض الراحة عندما وجد بابه مغلق من الداخل ، إذاً هي من أوصدته ، لا يهم الأهم الأن أنها لم تهرب وتفتح أبواب جهنم في وجهه
_ خلع عبائته ومن ثم جلبابه واكتفي ببنطاله الابيض وصدريته الخاصة بالجلباب ، استلقي علي الفراش واضع ذراعيه أسفل رأسه محملقاً في سقف الغرفة عله يصل الي فكرة ما تقربه من ذات الزرقاوتين ..
في الخارج ،
‘ محتاچ حاجة يا مصطفي يا ولدي ‘
_ أردفهم شيخ الغفر متسائلاً باهتمام ممزوج بالقلق لأنه يعلم جيداً موعد نومه المبكر ، استدار إليه ” مصطفي ” مشكلاً ابتسامة علي ثغره وأجابه :-
لا يا عسران متشكر أني مش محتاچ حاچة هطلع أنام تصبح علي خير
_ عاد الي غرفته وأستلقي علي فراشه غير آبِه لأي شئ فالغد إجازة من العمل ولن يستيقظ باكراً كعادته ..
______________________________________
_ سبحان من أشرقت الشمس بقدرته وملئت الأرض بنورها ودفئها ، زقزقت العصافير فوق الأشجار معلنا عن نهار آخر يحمل للجميع أقدار جديدة ،
_ صدح صوتها في أرجاء السرايا تأمر خادمتها لتسرع من حركتها :-
همي يابت يا صفية نطلعوا الفطور وهو سخن اكده
_ خرجت “صفية” من المطبخ حاملة صنية الطعام الذي لا تدري أين بدايتها من نهايتها ملبية أمرها :-
جيت أهو ياستي
_ صعدت “نادرة” درجتين من السُلم قبل أن يناديها زوجها فتوفقت ونظرت إليه في انتظار سماع ما يريده ، وقف “خليل” أمام السُلم من الأسفل ورفع نظره نحوها متابعاً حديثه بحدة :-
انتي بردك هتعملي اللي علي كيفك وتصحيهم ، ياست انتي اختشي وحسي علي دمك ، همليهم لحالهم يصحوا إبراحتهم
_أضاقت مقليتها عليه بغيظ عارم رافضة لحديثه وهتفت مبررة تصرفاتها الغير منطقية :-
أني هوصلهم الوكل وننزلوا طوالي
_ أولاته ظهرها ما أن أنهت جملتها لكي تمنع أي اعتراض ستواجهه منه ، وقفت أمام باب الغرفة ولم تتردد في الطرق عليه ، كانت تقف كمن يقف علي جمر متقد ، لا تطيق الانتظار تريد الدخول ومعرفة ما حدث ليلة أمس ، هل سارت علي النهج المعروف أم هناك أمراً تجهله؟
_ استيقظ “هلال” علي طرقات الباب ، مال برأسه إلي الجانبين مصدراً صوت طقطقة عنقه ، نهض من مكانه وتوجه إلي الباب مباشرةً ، تفاجئ بوجود والدته وخلفها تقف “صفية” حاملة للطعام
_ تعالت الزغاريد في المكان من قِبل “صفية” عندما رأت هلال مهللة بسعادة :-
صباحية مباركة يا عريس
_ لوهلة استوعب “هلال” فداحة ما اقترفه ، فهو لم ينتبه لثيابه الذي بات عليها كما أن الأخري لم تبرح المرحاض منذ البارحة يا لها من ورطة قد أوقع نفسه بها ، رمقته “نادرة” بتفحص وأمرت صفية “قائلة” :-
دخلي الوكل يا صفية چوا وهملينا لحالنا
_ أماءت لها بالقبول وفعلت ما أمرتها به وهمت بمغادرة الغرفة سريعاً ، انتظر “هلال” مغادرة والدته لكنه تفاجئ بعينيها ترمقان الغرفة بتفحص ، حمحم ليجذب انتباهها هاتفاً :-
صباح الخير ياما
_ ثبتت أنظارها عليه مُشكلة إبتسامة متهكمة علي ثغرها وأجابته بفتور :-
صباح الخير يا ولدي ، فينها عروستك مش ظاهرة ليه؟
_ ابتلع “هلال” لعابه وهرب من نظراتها الثاقبة بدخوله الغرفة ثم قال :-
في الحمام ياما لساتها داخلة وانتوا عتخبطوا مخابرش هتخرج ميتي
_ رفعت “نادرة” إحدى حاجبيها متمتمة بعدم اقتناع :-
ااه جولتلي ، لا إبراحتها خالص دي عروسة بردك ومن حجها تدلع
_ مدت يدها أمامه منتظرة إعطائها المراد التي جائت من أجله ، ظهوره سيحدد أسلوب المعاملة مع تلك العروس ، هز “هلال” رأسه بعدم فهم عندما نظر إلي يدها الممدودة إليه متسائلاً باستفسار :-
محتاچة حاچة ياما؟
_ رمقته بطرف عينيها مستاءة من سذاجته ، سحبت نفساً وحدثته في أذنه ، رُسمت الدهشة تلقائياً علي ملامح “هلال” لسماعه تلك الهراءات والأدهي أنه لم يخطر علي باله قط إذاً ما العمل الأن ؟
_ حاول أن يلهيها ويبعدها عن طلبها باندفاعه ورفضه للأمر :-
آيه اللي عتطلبيه ده ياما؟!
_ شهقت “نادرة” بصوت عالٍ ضاربة صدرها بيدها وهدرت به شزراً :-
وااه كانك متعرِفش أعرافنا وتجاليدنا إياك؟ أومال لو مكنتش معجون بتربية البلد ديي كنت هتعملوا ايه؟ نادي علي عروستك وانا أطلبو منيها بنفسي طلاما مستحي تطلبه انت
_ أسرع “هلال” في الرد عليها رافضاً لتلك التقاليد والأعراف المهينة :-
ياما بلاها الطلب دييه البت هتستحي منك
_ رمقته “نادرة” لثوانٍ ثم توجهت نحو المرحاض لكي تنهي تلك المسألة بذاتها ، ركض خلفها “هلال” يحاول منعها مما تريد الوصول إليه لكن هيهات لإصرار “نادرة” فهي لن تتراجع قبل أن تري المراد رؤيته
_ تفاجئ كليهما بفتح باب المرحاض وظهور “ورد” من خلفه ، تراجع “هلال” للخلف وهو يشير إليها بنظراته التي تحثها علي عدم التحدث وإخبار والدته بحقيقة الأمر
_ لم تكترث “ورد” لنظراته ووجهت بصرها الي نادرة مُشكلة إبتسامة ودودة علي شفتيها قائلة بلطافة :-
صباح الخير يا ست نادرة
_ بادلتها “نادرة” إبتسامة متهكمة فهي لم تعد تستطيع تحمل تلك السخافات بعد ، كانت ستطالبها بما طالبت به هلال لكن ورد فاجئتها بتلك المنشفة الملطخة بالدماء
_ لم تكن “نادرة” من تفاجئت بمفردها بل تفاجئ “هلال” هو الآخر بل وصعق ، لمن تعود تلك الدماء إذا لم يحدث بينهما شئ ؟!
_ ظل عقله في الذهاب والإياب لعله يصل الي فكرة جذرية حول تصرف “ورد” لكنه فشل ولم يستطع الوصول إلي أي فكرة
_ اتسع ثغر “نادرة” بإبتسامة عريضة تدل علي رضاها الكامل عن العروس الجديدة ، أخذت منها المنشفة ودلفت خارج الغرفة مهللة بالزغاريد التي جمعت كل من في السرايا أثرها متسائلين عما يحدث حتي تزغرد سيدة السرايا بذاتها
_ هبطت “نادرة” أمرة شيخ الغفر بحماس شديد :-
أضربوا نار يا شيخ الغفر ، سمعوا أهل البلد كلاتهم أن المراد خلاص حوصل
_ أماء لها شيخ الغفر بقبول مردداً :-
أمرك ياستي الحاچة
_ دلف خارج السرايا مهللاً بنبرة مرتفعة حتي يسمعه جميع الرجال المحاوطين للسرايا :-
أضرب نار يا وِلد منك لييه
_ ارتفعت أصوات النيران في الخارج ليبلغوا أهل القرية بإتمام زيجة “هلال” من عروسه ، وقفت “نادرة” في منتصف السرايا تتمايل وتتغنج بسعادة واضحة للجميع ، كما لم تتوقف الزغاريد منذ هطول السيدة “نادرة” من الأعلي بأمر منها ..
_ وقف “هلال” في شرفة غرفته يطالع ما يحدث باستنكار شديد داخله ، فكل ما يحدث ماهو إلا أكذوبة افتعلتها تلك الفتاة ، سحب نفساً داخله وأزفره وهو يعود بأدراجه إليها ، وقف أمامها يطالعها باسيتاء لتصرفها وسألها بنبرة مندفعة :-
ممكن أعرف اتصرفتي كيف ؟ طلع منين الدم دييه ؟
_ رمقته “ورد” بأعين تتلالأ فيهم العبرات التي تتهدد بالسقوط ، ابتعدت عنه وجلست اعلي الفراش ممددة ساقها اليسري أمامها ثم سحبت ثوبها القطني إلي الأعلي حيث تفاجئ “هلال” ببقعة الدماء التي تتوسط منشفة محاوطة فخذها
_ جهشت في البكاء بألم شديد شعرت به ما أن أزاحت المنشفة من عليها ، شهق “هلال” بصدمة عندما رأي عُمق الجرح التي افتعلته هي ، ركض نحوها معنفاً إياها :-
ليه إكده يابنت الحلال ليه تعملي في نفسك إكده
_ أجابته من بين بكائها بنبرة متحشرجة :-
كنت عايزني اعملوا ايه وأمك عتسألك فين المراد ؟
_ حرك رأسه مستنكراً تصرفها الأرعن وهتف عالياً :-
وليه يوحصل كل ديه من أساسه ليه تمنعي نفسك عني ده انا چوزك حلالك ليه تمنعي اللي ربنا أمر بيه ونوصله للوضع اللي وجعنا فيه دييه
_ ضغطت ورد أعلي جرحها ربما تشعر بالقليل من الراحة وأردفت موضحة سبب امتناعها عنه :-
عايزاك تردلي حجي لاول وبعدها تاخد عمري كلاته مش هرفضك بس انت رچعهولي أحب علي يدك
_ نهض من مكانه غير آبِه لهرائتها التي ليست في محلها الآن وردد بأمر :-
جومي نروحوا المستوصف جرحك عايزله خياطة
_ رمقته “ورد” بملامح تعكس مدي الألم التي تشعر به قائلة :-
هنجولوا ليهم ايه ؟ أكيد مهتخبرهمش الحجيجة
_ رد عليها “هلال” وهو يسحب جلبابه من علي الأريكة :-
مش مهم ايه اللي هيتجال المهم نلحجوا المصيبة اللي انتي عملتيها ديي
_ أنهي ارتدائه سريعاً وعاد إليها ، أحضر لها وشاحها وحرص علي ألا يلمس جرحها وهو يساعدها في ارتدائها للثياب ، تعلقت هي في ذراعه ودلف كليهما إلي الخارج
_ تعجبت “نادرة” من نزولهما وشعرت أن هناك أمراً ما عندما رأت ثيابهم التي تدل علي خروجهم من السرايا ، اقتربت منهم عاقدة حاجبيها متسائلة بحدة :-
علي فين العزم؟ لساتكم عرسان ملكوش خروج
_ رد عليها “هلال” بنبرة غير قابلة للنقاش موضحاً :-
ورد بتنزف لازم نروحوا المستوصف حالاً ، خلي عسران يجهز العربية بسرعة
_ لم تتحرك “نادرة” من مكانها بل نادت بصوت عالٍ :-
بت يا صفية انتي بت
_ جائتها تلهث بسبب ركضها فأمرتها قائلة :-
اطلعي خبري سيدك مصطفي ينزل طوالي ، جوام يابت
_ تبادلا هلال وورد النظرات بينهما ثم تجرأ “هلال” وسأل والدته عن سبب منادتها لأخيه :-
عتنادي علي مصطفي ليه ، أني هروح مع عسران
_ ضربت السيدة “نادرة” علي صدرها مستاءة وهتفت بحنق :-
يادي الفاضيحة عسران ايه اللي ياجي معاكم في وضع زي ديه ، خوك سترك يا ولدي
_ تأفف “هلال” بتزمجر لا يطيق الانتظار حتي يصل الي المشفي لينقذ ما يمكن إنقاذه ، كان ينفخ بنفاذ صبر حينما تضغط ورد علي ذراعه بألم لا يمكنها البوح عنه ، تحملت وتحملت إلي أن وصل أخيراً مصطفي يهرول بقلق قد انتابه من خلف لهفة صفية في حديثها ، مرر أنظاره بين الجميع وتسائل في قلق :-
في ايه ياما حوصل حاچة؟
_ هلال منع والدته من الهراء التي سوف تختلقه الآن وأجابه بنبرة تريد اللحاق بتلك المسكينة التي تتألم في صمت :-
هنروحوا المستوصف ورد بتنزف
_ رمقته “نادرة” شزراً ومن ثم هتفت ونظرها يتابع خروجهم من السرايا :-
ابجوا طمنوني الله يطمن جلبكم
_ جهز “مصطفي” السيارة وقادها بسرعة عالية ما أن استلقي أخيه وزوجته في الخلف ، كان يظهر منها أنين مكتوم من حين لآخر حينما لا تستطيع تحمل الألم بينما كان يرتجف قلب “هلال” كلما تذكر عُمق جرحها ..
_ أوصد عينيه في محاولة منه علي إلقاء تلك الذكرة خارج عقله لكنه كان يفشل كلما شعر بألامها التي تحاول إخفائهم ، وصلا إلي المشفي في وقت قياسي ، ترجل ثلاثتهم وتحركوا بخطي سريعة داخل المشفي ، نادي “هلال” بنبرة جهورية عند وصولهم الي الاستقبال :-
داكتورة يا ناس يلي هنا داكتورة بسرعة الله لا يسيئكم
_ حاول “مصطفي” أن يهدئ من روع أخيه قائلا :-
اهدي يا هلال الخلج عيتفرجوا علينا
_ لم يكترث الآخر لحديثه وضرب بيده علي الحاجز الذي بينه وبين موظف الاستقبال معنفاً إياه بحنق :-
مستني ايه بجولك اطلب داكتورة تاجي إهنه
_ موظف الاستقبال أماء برأسه وسأله بعملية :-
داكتورة تخصص ايه يا فندم؟
_ رد عليه بنبرة ملهوفه :-
چراحة!!
_ حرك الموظف رأسه حينما فهم طلبه وأحضر له طبيبة جراحية ، وقف “مصطفي” مستنداً علي الحائط المقابل لتلك الغرفة التي اختفي خلف بابها هلال بمرافقة زوجته وطلب أخيه يتردد في عقله ، علي قدر علمه بأنه فمن المفترض أن يطلب طبيبة نسائية وليست تخصص جراحة ، حرك رأسه يميناً ويساراً يطرد كل أفكاره التي لا داعي لها ، عدل من وقفته يتابع المارة في إنتظار خروج أخيه ..
______________________________________
_ داخل الغرفة ، قامت الطبيبة بما يلزم فعله ثم نهضت متمنية لها الشفاء العاجل وغادرت الغرفة ، نظر “هلال” لتلك الزرقاوتين التي ينسدل منهما الدموع معاتباً بلطف :-
اوعديني متتصرفيش من راسك تاني يا ورد أني مهتحملش يصيبك مكروه
_ رفعت نظرها عليه متمتمة بسؤال يتردد داخل عقلها :-
ليه مهتتحملش ، لساتك شايفني امبارح لحجت تحبني؟
_ عاتبها بنظراته ومن ثم جلس مقابلها وأوضح قائلاً :-
انتي مرتي يعني واجب علي أخاف عليكي حتي لو كنتي رفضاني
_ أخفضت ورد رأسها كما أوصدت عينيها بتعب وأردفت بنبرة منهمكة :-
أني مش رفضاك اني عايزة حجي وبس
_ وضع “هلال” أصابعه علي ذقنها رافعاً وجهها نحوه وأجابها مستاءً :-
وهو حجك مهيجيش إلا برفضك ليا؟
_ أماءت برأسها وهتفت مؤكدة حديثه :-
أيوة ، انت وجت ما هتاخد غرضك من الچوازة ديي هتهمل الموضوع
_ تفاجئ الآخر من عقليتها المغلقة ، ضرب كف علي الآخر مستاءً وردد معارضاً تفكيرها الساذج :-
مخبولة في عجلك إياك ، أني متچوز عشان واحدة تشاركيني حياتي وأشاركها حياتها بمشاكلها بكل بلاويها تجومي تجولي أكده أنا بجول تجفلي الخشم ديه أحسن
_ انتفض من مكانه بذهن مشغول بحديثها الذي أثر فيه وسبب له الضيق ، هتف وبصره بعيداً عنها لا يريد رؤيتها الآن :-
هطلعوا اجيب العلاج والضمادات دي عشان مناچيش إهنه تاني متخرجيش برا الاوضة
_ اماءت له بالموافقة فأسرع هو الي الخارج دون أن ينظر خلفه ، اقترب منه “مصطفي” ما أن وقع بصره عليه وسأله باهتمام :-
ايه الاخبار يا خوي ؟
_ تنهد “هلال” بضجر بائن علي تقاسيمه وأجابه مختصراً :-
خير ان شاء الله
_ صمت لبرهة ثم أضاف :-
هجيبوا العلاج ديه وأعاود طوالي
_ رفض “مصطفي” الوقوف بمفرده وصمم أن يرافقه إلي حيث يذهب ، لم يستطيع أن يكتم ذلك الحديث الذي يود الافصاح عنه وسأله بحدة :-
ليه توصلها للحالة ديي غشيم إياك؟
_ توقف “هلال” فجاءة ومال برأسه للجانب غير مصدق ما تفوه به أخيه ، لوهلة كان سيفصح عن حقيقة الأمر لكنه تراجع في اخر لحظة وأردف بجمود :-
أديك جولتها .. غشيم
_ أنهي “هلال” جملته وتابع سيره حيث ‘ أجزخانة ‘ المشفي ، عاد الي ورد بعد دقائق معدودة وغادر ثلاثتهم المشفي عائدين الي السرايا ، أسندت “ورد” رأسها علي نافذة السيارة تتمني مرور تلك الأزمات التي لا تنتهي أبدا منذ وفاة والدها بينما لم يبعد “هلال” نظره عنها علي الرغم من أنه لم يستطيع رؤيتها بوضوح بسب ذلك الوشاح الذي يغطيها بالكامل إلا أنه يكتفي بسكونها التي تعيشه الآن ..
______________________________________
_ أوقف ” مصطفي ” سيارته أمام باب السرايا ، ترجل هلال وفتح الباب المجاور لورد كما ساعدها علي النزول ، دخلا الي السرايا وتفاجئ بحضور جميع عائلة ورد
_ نظر إليها نظرة مطولة استشف عدم قبولها لتلك الزيارة حينما لم تخطوا خطوة واحدة الي الداخل بعد أن رأتهم ، هرولت السيدة ” سنية ” الي ابنتها بقلق عارم مرسوم علي ملامحها وسألتها بنبرة تهدد بالبكاء :-
مالك يابتي فيكي أيه انطجي؟
_ حاول ” هلال ” طمئنتها بحديثه :-
متجلجيش يا خالة هي كويسة
_ انحني عليها هامساً :-
ياريت نتكلموا فوج بعيد عن العيون اللي هتطلع علينا ديي
_ اؤمات سنية بقبول ومن ثم توقفت جانباً لتسمح لهم بالمرور ، اقتربت منها بنظرات متشفية مُشكلة ابتسامة عريضة علي شفتيها الغليظة ، انحنت بقرب أذنها هامسة :-
مش كد الجواز بتتجوزي ليه؟
_ قلبت ” ورد ” عينيها بضيق شديد لتلك البغيضة التي لا تحبها وأجابتها بنبرة صارمة :-
انتي اللي مش كده يا بنت عمي مش أني والدليل إني واجفة في سراية ابن العمدة اللي هو نفسه چوزي وانتي لساتك في بيت بوكي ولا انتي اتعميتي يا صباح؟
_ رمقتها بنظرات مشتعلة ودت لو تحرقها وتنفيها من علي الأرض عامة ربما حينها تشعر ببعض الراحة ، مرت ” ورد ” من جانبها متعمدة خبطها في كتفها بإمتعاض
_ تحدث عمها متسائلاً باهتمام زائف :-
اخبارك ايه يابتي أن شالله تكوني بخير
_ رمقته ” ورد ” بكُره شديد واختصرت حديثها معه :-
بخير
_ هللت زوجة عمها متصنعة الخوف :-
جلبنا وجع في رجلينا اول ما الست نادرة خبرتنا أنكم في المستوصف حمد لله علي سلامتك يا حبيبتي
_ ردت عليها “ورد ” بنبرة جامدة :-
أني بخير بس محتاچة أرتاح وهبجي زي الفل عن اذنكم
_ هتفت بهم معلنا انتهاء الحوار بينهم ومن ثم صعدت الأدراج سريعاً علي الرغم من الألم التي شعرت به بسبب حركتها العفوية التي أثرت علي جرحها إلا أنها لم تبالي فقط تريد الهروب من الجميع ، وأخيراً استلقت علي الفراش بعدما ألقت بوشاحها بعيداً
_ أخرجت تنهيدة متعبة كما أوصدت عينيها تستكين بعض الوقت لعل ألم جرحها يهدأ قليلاً ، لم تفرح طويلاً فطرقات الباب لم تتركها وشأنها ، اعتدلت في جلستها سامحة للطارق بالدخول قائلة :-
ادخل
_ ظهرت والدتها من خلف الباب بملامح حزينة ، أغلقت الباب واقتربت منها ، لم تستطع سؤالها عن ما حدث فقط هي تحمل ذاتها ما حدث لها فهي من أجبرتها علي الزواج منه
_ تنهدت بصوت عالٍ ظاهرة مدي حزنها ، استشفت ورد ما خلف تلك التنهيدة وحاولت طمئنتها :-
متخافيش ياما أنا زينة نحمدوا ربنا
_ ترقرت العبرات في عيناي السيدة ” سنية ” وهي تلوم ذاتها :-
أني السبب ، اني اللي فضلت وراكي عشان توافجي عليه وأدي اخرتها وداكي المستوصف من تاني يوم مني لله علي اللي عملته فيكي سامحيني يابتي
_ استنكرت ورد حديثها ومعاتبتها المستمرة ، رفضت سماع المزيد من كلماتها التي ينفطر قلبها ألماً أثرها مرددة :-
ياما هو ملوش ذنب هلال حنين جوي واحد غيره مكنش عاملني بالحنية دي بعد ما رفضت أنه يجرب مني
_ توقفت ” سنية ” عن النواح وصوبت بصرها علي ورد متسائلة بعدم استعياب :-
كيف يعني مجربش منك؟
_ شهيق وزفير فعلت ” ورد ” لكي تواصل الحديث رغم إرهاقها البادي علي ملامحها وكذلك نبرتها التي خرجت متحشرجة :-
أني جولتله يرجع لي ورثي اللي عمي ناهبوا جصاد جُربه مني
_ ضربت ” سنية ” علي صدرها غير مصدقة ما أخبرتها به ” ورد ” للتو ، حملقت بها لبرهة ثم أردفت معاتبة :-
أني خليتك توافجي عليه عشان تخلصي من ظلم عمك وجرف مرته وبته لكن بلي بتعمليه دييه كانك بتقولي للجرف اتوحشتك وكلها أيام وعاود لك تاني ، يابتي طلاما الواد حنين حابي عليه بكفيانا ظلم وجهرة وحجنا عند اللي خلجنا لو مخدنهوش في الدنيا هناخده في الأخرة
_ حركت ” ورد ” رأسها برفض شديد وصاحت بحنق :-
أني مهرتاحش واصل إلا لما اطمن علي أرضي إنها رجعت لي واطمن ابويا في تُربته وأجوله خلفت اللي يرد لك حجك يا بوي حتي لو كان تمنه حياتي
_ هدرت بها ” سنية ” شزراً :-
يابتي بلاش تفكيرك اللي هيودي في داهية دييه الله لا يسيئك ركزي في حياتك مع چوزك ومتمنعيش نفسك منه حرام يابتي دي الملايكة تلعنك لما ترفضي تعطيه حجوجه ارجعي لعجلك يا ورد وعيشي حياتك يابتي وهملي كل اللي فات ورا ضهرك
_ تأففت ” ورد ” لأنها لم تقتنع بكلام والدتها وأصرت علي إتمام ما بدأته مرددة بعناد :-
والله لأجلعهم من عنيه التنين هو والعجربة مرته اللي ماشي علي كيفها كانه نسي أنه راچل له هيبته
_ لم تعرف السيدة ” سنية ” للحديث طريق بعدما حاولت تحذيرها بشتي الطرق وبائت محاولاتها بالفشل الذريع ، كادت أن تهم بالمغادرة لكنها تراجعت وسألتها باستفسار :-
علي اكده كنتي في المستوصف بتعملي اييه؟
_ رفعت ورد نظرها علي والدتها وأجابتها بفتور :-
متشغليش عجلك انتي ياما
_ استأذنت ” سنية ” وغادرت الغرفة سريعاً لكي يعود هلال إلي جانب زوجته لعله ينجح فيما فشلت هي فيه ، لا تعلم أن هلال يحاول هو الآخر من الجهة الأخري حتي يرضيها وتسمح له في بدأ حياة جديدة معها ..
_ طلب ” هلال ” من ” حمدان ” عم ورد أن يحادثه علي انفراد ، لبي حمدان طلبه وخرج خلفه بخطي ثابتة ، أخذ هلال نفساً عميقاً حتي يستطيع فتح الحوار معه بسهولة ، حمحم وابتلع ريقه في محاولة منه أن يخرج مافي جوفه لكنه يقابل صعوبة في الحديث كلما حاول التحدث وكأن الكلمات انحشرت داخله ..
_ قهقه ” حمدان ” عالياً علي ارتباكه الواضح وردد ساخراً :-
ايه يا عريس رائد تجول ايه وصعب عليك بالشكل ديه؟
_ تقوس ثغر ” هلال ” إلي الجانب مشكلاً ابتسامة خجولة ، لا مفر من الحديث في ذلك الموضوع الذي أخذ علي نفسه عهداً بأن يتممه من أجل ذات الزرقاوتين ، لم يطيل أكثر وقال :-
ورد طالبة ورثها من ابوها وموكلاني اتحدت معاك
_ تفاجئ هلال بقهقه ” حمدان ” التي ارتفع صداها في الارجاء ، توقع منه أن يثور مثلاً أو يستنكر حديثه في ذلك الأمر العائلي وفي النهاية سيكون أفضل من ضحكاته المبهمة التي لا معني لها
_ توقف “حمدان” عن الضحك فجاءة وسحب من جيب جلبابه سلاحه الخاص وصوبه في وجه “هلال ” و..
( إمتناع )
______________________________________
هل تسمعني؟ هل تكترث لأمري؟
أنا هنا أحتاجك وبشدة، لقد خُلقت من ضلعك ،
فأنا المغلوبة علي أمري أناديك من ثنايا قلبي ،
مُد يدك لتخرجني من تلك البقعة التي انحدرت داخلها ،
أصبحت شريك حياتي إذاً فلتحقق لي أهدافي ،
لطالما حلمت بالحرية انت كنت ملجئ الوحيد
ها أنا أمامك الآن فهل سنغدوا سوياً إن أمنت لي حقوقي ؟.
______________________________________
_ صدحت أصوات الزغاريد عالياً في أرجاء السرايا ، تعالت هتافات الشباب وازدادت المباركات مهللين بسعادة
_ يتوسط أدراج سُلم السرايا شاب في مقتبل العشرين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ناصع البياض يعلوه عباءة سوداء ، يلوح بيده الي أقاربه وأصدقائه وباليد الأخري يحتضن يد عروسه المصُون التي ترتدي فستان زفافها الأبيض لا يظهر منها أي انش حتي وجهها مغطي بوشاح أبيض
_ اقترب منه أخيه بإبتسامة هامساً في أذنه :-
بجولك ايه اطلع انت علي اوضتك العالم ديي مهتمشيش واصل طول ما انت واجف لهم اكده
_ أماء له الآخر موافقاً إياه علي إقتراحه ، ثم استدار وأولي ظهره للجميع وانطلق علي عُشه الجديد مرفرفاً بجناحته إلي حياته الزوجية التي ستبدأ للتو فور غلقه لباب غرفتهم
_ تنفس الصعداء حينما وصل إلي غرفته ، لم يعد هناك المزيد وأخيراً سيمتع نظريه برؤية عروسه لطلاما تمني رؤيتها بفروغ صبر
_ خلع عبائته ووضعها أعلي الأريكة المجاورة له واقترب بخطاه نحو تلك الهادئة التي لا يصدر منها أي صوت ، تقوس ثغره بإبتسامة حماسية لأنه لم يعد يستطيع الإنتظار ، رفع يده وأزاح ذلك الوشاح ليُفأجئ بزرقاوتاها تحملق به
_ اتسع ثغره بإبتسامة عريضة حينما وقع بصره علي شفتيها الوردية المنتفخة وردد مبدي إعجابه بجمال خلقتها :-
‘ بيضاء تكحلت سلبت النظر ، وخديها الوردي سبحان الذي خلج ‘
_ لم يصدر منها أي ردة فعل الي الآن ، حسناً ربما منعها حيائها ، رفع يده وتحسس وجهها الناعم بأنامله قائلاً :-
طلعتي كيف الجمر أحلي ما توجعت كماني ، يابختي بيكي
_ تفاجئ بنفورها منه وتراجعها للخلف رافعة سبابتها في وجهه معنفة إياه :-
إياك تفكر تجرب مني وإلا هموت نفسي وأجيب لك مصيبة
_ اتسعت مقلتيه بصدمة جلية تشكلت علي تقاسيمه من خلف تحذيراتها ، حاول أن يتحلي بالصبر معللاً سبب ذعرها :-
متخافيشي أنا لا يمكن أمسك بسوء ، أكيد طبعاً انتي كيف البنتة خايفة في ليلة زي ديي بس أني مبخوفش صدجيني
_ اقترب منها محاولاً طمئنتها لكنها تراجعت بخطوات أسرع حتي لا يصل إليها محذرة إياه :-
جولتلك متجرِبش مني ، خليك عِندك يا ” هلال “
_ كز الآخر علي أسنانه بغضب بدي علي ملامحه واندفع فيها عندما لم يتحمل تحذيراتها التي ليست في أوقاتها الأن :-
بجولك ايه النهاردة دخلتنا مستوعبة انتي يعني ايه ؟ بكفياكي عاد الخبل اللي في مخك ديه واهدي اكده عشان مطربجش حيطان الاوضة ديي عليكي
_ صُعق ” هلال ” حينما رآها تسحب سكين من داخل فستانها ، رفعته في وجهه ورددت بما يدور في عقلها :-
أني اتچوزتك عشان تچيبلي حجي من عمي ، معلوم انت ابن العمدة ويدك طايلة وهتعرِف ترچع لي ورثي من نن عنيه
_ ضرب ” هلال ” كفه علي الآخر بذهول شديد ، ليس بحين يسمح فيه سماع تلك الهراءات الأن ، أعاد تكرار محاولته معها مراراً علي أمل أن تستمتع له :-
استهدي بالله يا ورد ، ورث ايه بس في ليلة زي ديي ، النهاردة فرحنا يعني أني العريس وانتي العروسة وديي بداية علاجتنا يا نمشوها علي كيفنا ونتبسموا لما نفتكروها بعدين يا هتكون ليلة مطينة بطين مهتنسيهاش عمرك كلياته
_ لم تهتز خصلة من ” ورد ” بل ثبتت أقدامها بالأرض ولم ترفع يدها من أمامه لكي يكون حصن منيع يمنعه من الاقتراب منها
_ أصدر ” هلال ” صوتاً بتذمجر :-
يا صبر أيوب ، اعجلي يابنت الناس وفوتي الليلة علي خير
_ هزت ” ورد ” رأسها برفض وأجابته بإصرار :-
مههداشي جبل ما تاخدلي ورثي اللي عمي نهبوا مني وعيجول أنه مهيورثش بِنِتة
_ أزفر الآخر أنفاسه بضجر واضح وأردف بإندفاع :-
أنا مليش صالح عاد بعمك يا ورد انتوا أهل وتصطفلوا مع بعضيكم اني مهدخلش بيناتكم
_ رمقته ” ورد ” شزراً محاولة التقليل من شأنه :-
وأني اللي جولت ضل راجل ولا ضل..
_ سخرت منه مقهقهة وتابعت حديثها مضيفة :-
دي الحيطة طلعت ليها جيمة عنك
_ ألقي ” هلال ” بحديثه مختصراً :-
يعني ده اخر حديت عندك يا بنت الناس؟
_ أماءت له مؤكدة سؤاله :-
رجوعك لورثي جصاد جربك مني!
_ حرك ” هلال ” رأسه لاستيعابه حقيقة الأمر الأن ، دلف خارج الغرفة معلناً نهاية الحديث معها ، توقفت قدميه حينما سمع نداء والدته :-
أباه! ايه اللي مخرجك في وجت زي ديه يا ولدي وليه لساتك مبدلتش خلجاتك ؟
_ أخذ ” هلال ” شهيقاً وأخرجه ببطئ لأنه لم يرتب لتلك المواجهة ، نظر إليها محاولاً الهروب من نظراتها التي حتماً سيدلي بما يخفيه في جوفه أمامها
_ عقدت الأخري ما بين حاجبيها مستفسرة :-
بتفكر عاد هتجولي ايه؟ ما تنطج يواد ايه اللي مخرجك في ساعة زي ديي؟
_ لم يكن أمامه سوي المواجهة لكن حتماً ليست المواجهة الحقيقة بل المزيفة ، شكل إبتسامة علي ثغره حتي يطمئنها وأجابها قائلاً :-
مفيش ياست الكل أني نازل أجيب مُية لأن مفيش في الاوضة
_ صوبت عينيها عليه بعدم اقتناع فهي بذاتها من تممت علي الطعام والشراب قبل دخولهما الغرفة ، مالت برأسها للجانب مرددة بنبرتها الحادة التي يخشاها الجميع :-
بجي مفيش مُية في اوضتك؟ كانك بتستخفلني يا هلال أني بنفسي اللي متممة علي وكلك وشربك جبل ما تدخلوا الاوضة يبجي كيف؟
_ وقف أمامها مطأطأ الرأس ، بدي كأنه أبله يبحث عن كلمات ليقنعها بها ، فتح فاهه ليبدأ بالحديث الذي لا يعرف له سبيل فأنقذته هي بحديثها :-
بكفياك تفكير عاد واخرتها مش لاجي حچة تجولها روح شوف انت رايح فين بس متعوجش
_ كلماتها كانت بمثابة طوق نجاته الذي تشبث بهم وفر هارباً من أمامها ، بينما نظرت الأخري علي باب غرفته مرددة :-
عملتي في الواد ايه خلتيه يطفش من أول دجيجة
_ ضربت الأرض بتلك العصا التي تناولتها من زوجها عند عودتهم للغرفة ثم تحركت عائدة الي غرفتها ، وما أن أغلقت الباب خلفها حتي أتاها سؤاله :-
ماله هلال يا نادرة خارج في ساعة زي ديي ليه ؟
_ اقتربت منه بخطي ثابتة ، تركت عصاه الخاصة بجوار الفراش وأجابته وهي تستلقي بجانبه :-
مخابراش بس أني مش همرر الموضوع اكده عادي لازم أعرفوا عملت فيه ايه بنت سنية ووعاك يا خليل توجفني أني مش مچوزاه عشان يتسحب في نصاص الليالي كيف الحرامية ليلة دخلته
_ استنكر ” خليل ” حديثها وحرك رأسه بإيماءات تدل علي رفضه التام لتدخلها بينهم وحذرها قائلاً :-
اوعاكِ انتي تدخلي بيناتهم انتي جوزتيه وخلصنا ملكيش صالح عاد بلي يوحصل
_ رمقته بنظرات حادة رافضة ما يؤمرها به وأردفت بهجوم :-
لاه يا خليل لاه اني چوزته صغير عشان يتهني بشبابه مع بت صغيرة وميعملش كيف خوه اللي عنده تشجه بخنجر ولا تجيبله سيرة الچواز ، أني اللي وافجت عليها من بين بنتة البلد كلاتهم بعد ما أنت عرفتني عليها يبجي تدلع وتهنن ولدي متخلهوش يهرب منيها ليلة دخلتهم ، أني من الصبح بدري هدج بابهم وأطلب المراد ، جبهولي كان بيها لجيت في لوع الله في سماه لكون فضحاها في البلد كلاتها
_ ضرب ” خليل ” كفه علي الاخر بغضب شديد قد تملك منه وهدر بها شزراً :-
الله الوكيل لو عملتي اي حاجة تضايج البت لأكون أني بنفسي اللي واجف جصادك البت لساتها صغيرة ويمكن خايفة وانتي داريه صوح ولدك وعمايله أكيد خافت منه
_ هدرت به متذمرة غير متقبلة إلقائه للحديث عن فلذة كبدها وصغيرها :-
أبني معيخاوفش يا خليل هو عفوي ومش كل اللي يجدر عفويته ديي وهي طلاما وافجت تبجي كنة لعيلة الجبلاوي تبجي تطاطي راسها لابني والا اني مش هسكت لها واصل
_ رمقها ” خليل ” بنظرات مشتعلة وهو يومئ برأسه في حالة ذهول شديد من حديثها الذي فاجئه ، هو علي دراية تامة عن أولوية حبها لوالديها لكن لم يدري انها بتلك العقلية الصغيرة تجاه من يقف أمام اولادها ، لم يكن ليغلق ذلك الحوار قبل أن يضع النقاط علي الأحرف وأردف بنبرة متحشرجة :-
يا ولية اهمدي ، بوها موصيني عليها جبل ما يموت يبجي نعاملوها بالجسوة دي؟ فين احترام الوصية ولا نسيتي تجاليدنا يا نادرة عشان خاطر عيون سي هلال!
_ تأففت السيدة ” نادرة ” بصوت مرتفع مبدية تذمرها كما رفعت إحدي حاجبها بتهكم لحديثه الذي ليس له أساس من الصحة معارضه إياه :-
وصاك كيف بالله عليك وهو كان حتة عامل في أرضك لا فيه جرابة بينا ولا بيناتكم اي حديت سابج؟
_ أجابها وهو يعيد بذاكرته آخر حوار دار بينهم :-
الله يرحمه آخر أيامه كان علي طول تعبان ومش جادر يصلب طوله كيف العجوز مع أنه مش كابير في العمر ، لاحظت تغيره وسألته ايه اللي غير احوالك يا صابر رد جالي أنه المرض اللي ما يتسمي ديه اتملك منه وملوش علاچ ويدوبك أيام جليلة وعمره ينتهي ، هو موصانيش مباشر بس حديته كله كان بيستنچد بحد يغيته من اخوه وعمايله ، جعد كيف الحريم يولول علي حال بته ومرته من بعده ، كانه بيقولي خليهم أمانة عنديك يابا خليل وعشان اكده انا طلبت نجوزها لهلال لما لجيتك بدوري له علي عروسة
_ قلبت ” نادرة ” عينيها بعدم إعجاب ورددت مستهتره أهمية حديثه :-
ميهمنيش ، كل اللي يهمني عيالي وبس
_ أوصد ” خليل ” عينيه بنفاذ صبر وأردف بنبرة يريد بها الخلاص من ذلك الحوار العقيم الذي لا فائدة منه :-
أنا عارفك لما تجفلي مخك ، جفلة ولا السد العالي ، لايمكن يتفتح الا في معاده
_ أولاها ظهره وأغمض عينيه في محاولة منه علي النعاس قبل أن تشتعل مشادة قوية بينهم هاتفاً بحنق :-
أهاه وأدي نومة
_ رمقته بغيظ عارم مرسوم علي تقاسميها مستاءة منه :-
نام ياخويا نام
_ أدارت ظهرها هي الأخري له متمتمة بإصرار علي ما نوت فعله :-
بكرة هيظهر المتسخبي
_ أخذت تزفر أنفاسها ببطئ شديد وكانت تلك طريقتها لتنعم بالنوم الهادئ بكل سهولة ..
______________________________________
_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً من وقوف أخيه في ردهة السرايا في تلك الأثناء ، لم يتردد في النزول إليه حتماً هناك تفسير منطقي لوجوده خارج غرفته في تلك الليلة المباركة التي ينتظرها العريس بفروغ صبر
‘ مالك يا خوي واجف الساعة دي برا الدار ليه ؟ ‘
_ أردفهم متسائلاً بقلق معانق للإهتمام ، أغمض ” هلال ” عينيه بضيق فتلك هي ليلته الأولي مع عروسه بالله ماذا يفعل الأن في تلك الردهة التي تطبق علي صدره رغم اتساع مساحتها ، أخذ يلهو بحديثه لكي يبعد أخيه عن سؤاله :-
لساك صاحي! غريبة ده انت بتنام من العشية
ً_ ضيق مقلتيه علي أخيه عندما استشف هروبه من سؤاله ، أحترم خصوصته في عدم إخباره بحقيقة الأمر وأجابه موضحاً :-
بكرة اجازة حلاوة فرحتنا بيك
_ أماء ” هلال ” رأسه متفهماً وهتف وهو ينوي الرحيل :-
آه جولتلي ، طيب تصبح علي خير ياخوي
_ تركه واقفاً بمفرده وعاد للداخل وهو يرمق الطابق العلوي بسودتاه ، لا يعي كيفية مواجهة تلك الفتاة العنيدة ، شهيق وزفير فعل هو ثم صعد للأعلي غير مستعد لخلق أي حوار بينهما بعد أن منعته من خوض تجربته الأولي معها ..
_ ولج داخل غرفته متعمد عدم النظر إليها ، لكنه فوجئ بعدم وجودها في الغرفة ، ازدادت نبضات قلبه خوفاً من هروبها فالذي عاشه منذ قليل لن يكون بعيداً لمحاولاتها في الهرب ..
_ بحث عنها في أرجاء الغرفة ولم يكن أمامه سوي الدخول والبحث عنها في المرحاض ، تنهد ببعض الراحة عندما وجد بابه مغلق من الداخل ، إذاً هي من أوصدته ، لا يهم الأهم الأن أنها لم تهرب وتفتح أبواب جهنم في وجهه
_ خلع عبائته ومن ثم جلبابه واكتفي ببنطاله الابيض وصدريته الخاصة بالجلباب ، استلقي علي الفراش واضع ذراعيه أسفل رأسه محملقاً في سقف الغرفة عله يصل الي فكرة ما تقربه من ذات الزرقاوتين ..
في الخارج ،
‘ محتاچ حاجة يا مصطفي يا ولدي ‘
_ أردفهم شيخ الغفر متسائلاً باهتمام ممزوج بالقلق لأنه يعلم جيداً موعد نومه المبكر ، استدار إليه ” مصطفي ” مشكلاً ابتسامة علي ثغره وأجابه :-
لا يا عسران متشكر أني مش محتاچ حاچة هطلع أنام تصبح علي خير
_ عاد الي غرفته وأستلقي علي فراشه غير آبِه لأي شئ فالغد إجازة من العمل ولن يستيقظ باكراً كعادته ..
______________________________________
_ سبحان من أشرقت الشمس بقدرته وملئت الأرض بنورها ودفئها ، زقزقت العصافير فوق الأشجار معلنا عن نهار آخر يحمل للجميع أقدار جديدة ،
_ صدح صوتها في أرجاء السرايا تأمر خادمتها لتسرع من حركتها :-
همي يابت يا صفية نطلعوا الفطور وهو سخن اكده
_ خرجت “صفية” من المطبخ حاملة صنية الطعام الذي لا تدري أين بدايتها من نهايتها ملبية أمرها :-
جيت أهو ياستي
_ صعدت “نادرة” درجتين من السُلم قبل أن يناديها زوجها فتوفقت ونظرت إليه في انتظار سماع ما يريده ، وقف “خليل” أمام السُلم من الأسفل ورفع نظره نحوها متابعاً حديثه بحدة :-
انتي بردك هتعملي اللي علي كيفك وتصحيهم ، ياست انتي اختشي وحسي علي دمك ، همليهم لحالهم يصحوا إبراحتهم
_أضاقت مقليتها عليه بغيظ عارم رافضة لحديثه وهتفت مبررة تصرفاتها الغير منطقية :-
أني هوصلهم الوكل وننزلوا طوالي
_ أولاته ظهرها ما أن أنهت جملتها لكي تمنع أي اعتراض ستواجهه منه ، وقفت أمام باب الغرفة ولم تتردد في الطرق عليه ، كانت تقف كمن يقف علي جمر متقد ، لا تطيق الانتظار تريد الدخول ومعرفة ما حدث ليلة أمس ، هل سارت علي النهج المعروف أم هناك أمراً تجهله؟
_ استيقظ “هلال” علي طرقات الباب ، مال برأسه إلي الجانبين مصدراً صوت طقطقة عنقه ، نهض من مكانه وتوجه إلي الباب مباشرةً ، تفاجئ بوجود والدته وخلفها تقف “صفية” حاملة للطعام
_ تعالت الزغاريد في المكان من قِبل “صفية” عندما رأت هلال مهللة بسعادة :-
صباحية مباركة يا عريس
_ لوهلة استوعب “هلال” فداحة ما اقترفه ، فهو لم ينتبه لثيابه الذي بات عليها كما أن الأخري لم تبرح المرحاض منذ البارحة يا لها من ورطة قد أوقع نفسه بها ، رمقته “نادرة” بتفحص وأمرت صفية “قائلة” :-
دخلي الوكل يا صفية چوا وهملينا لحالنا
_ أماءت لها بالقبول وفعلت ما أمرتها به وهمت بمغادرة الغرفة سريعاً ، انتظر “هلال” مغادرة والدته لكنه تفاجئ بعينيها ترمقان الغرفة بتفحص ، حمحم ليجذب انتباهها هاتفاً :-
صباح الخير ياما
_ ثبتت أنظارها عليه مُشكلة إبتسامة متهكمة علي ثغرها وأجابته بفتور :-
صباح الخير يا ولدي ، فينها عروستك مش ظاهرة ليه؟
_ ابتلع “هلال” لعابه وهرب من نظراتها الثاقبة بدخوله الغرفة ثم قال :-
في الحمام ياما لساتها داخلة وانتوا عتخبطوا مخابرش هتخرج ميتي
_ رفعت “نادرة” إحدى حاجبيها متمتمة بعدم اقتناع :-
ااه جولتلي ، لا إبراحتها خالص دي عروسة بردك ومن حجها تدلع
_ مدت يدها أمامه منتظرة إعطائها المراد التي جائت من أجله ، ظهوره سيحدد أسلوب المعاملة مع تلك العروس ، هز “هلال” رأسه بعدم فهم عندما نظر إلي يدها الممدودة إليه متسائلاً باستفسار :-
محتاچة حاچة ياما؟
_ رمقته بطرف عينيها مستاءة من سذاجته ، سحبت نفساً وحدثته في أذنه ، رُسمت الدهشة تلقائياً علي ملامح “هلال” لسماعه تلك الهراءات والأدهي أنه لم يخطر علي باله قط إذاً ما العمل الأن ؟
_ حاول أن يلهيها ويبعدها عن طلبها باندفاعه ورفضه للأمر :-
آيه اللي عتطلبيه ده ياما؟!
_ شهقت “نادرة” بصوت عالٍ ضاربة صدرها بيدها وهدرت به شزراً :-
وااه كانك متعرِفش أعرافنا وتجاليدنا إياك؟ أومال لو مكنتش معجون بتربية البلد ديي كنت هتعملوا ايه؟ نادي علي عروستك وانا أطلبو منيها بنفسي طلاما مستحي تطلبه انت
_ أسرع “هلال” في الرد عليها رافضاً لتلك التقاليد والأعراف المهينة :-
ياما بلاها الطلب دييه البت هتستحي منك
_ رمقته “نادرة” لثوانٍ ثم توجهت نحو المرحاض لكي تنهي تلك المسألة بذاتها ، ركض خلفها “هلال” يحاول منعها مما تريد الوصول إليه لكن هيهات لإصرار “نادرة” فهي لن تتراجع قبل أن تري المراد رؤيته
_ تفاجئ كليهما بفتح باب المرحاض وظهور “ورد” من خلفه ، تراجع “هلال” للخلف وهو يشير إليها بنظراته التي تحثها علي عدم التحدث وإخبار والدته بحقيقة الأمر
_ لم تكترث “ورد” لنظراته ووجهت بصرها الي نادرة مُشكلة إبتسامة ودودة علي شفتيها قائلة بلطافة :-
صباح الخير يا ست نادرة
_ بادلتها “نادرة” إبتسامة متهكمة فهي لم تعد تستطيع تحمل تلك السخافات بعد ، كانت ستطالبها بما طالبت به هلال لكن ورد فاجئتها بتلك المنشفة الملطخة بالدماء
_ لم تكن “نادرة” من تفاجئت بمفردها بل تفاجئ “هلال” هو الآخر بل وصعق ، لمن تعود تلك الدماء إذا لم يحدث بينهما شئ ؟!
_ ظل عقله في الذهاب والإياب لعله يصل الي فكرة جذرية حول تصرف “ورد” لكنه فشل ولم يستطع الوصول إلي أي فكرة
_ اتسع ثغر “نادرة” بإبتسامة عريضة تدل علي رضاها الكامل عن العروس الجديدة ، أخذت منها المنشفة ودلفت خارج الغرفة مهللة بالزغاريد التي جمعت كل من في السرايا أثرها متسائلين عما يحدث حتي تزغرد سيدة السرايا بذاتها
_ هبطت “نادرة” أمرة شيخ الغفر بحماس شديد :-
أضربوا نار يا شيخ الغفر ، سمعوا أهل البلد كلاتهم أن المراد خلاص حوصل
_ أماء لها شيخ الغفر بقبول مردداً :-
أمرك ياستي الحاچة
_ دلف خارج السرايا مهللاً بنبرة مرتفعة حتي يسمعه جميع الرجال المحاوطين للسرايا :-
أضرب نار يا وِلد منك لييه
_ ارتفعت أصوات النيران في الخارج ليبلغوا أهل القرية بإتمام زيجة “هلال” من عروسه ، وقفت “نادرة” في منتصف السرايا تتمايل وتتغنج بسعادة واضحة للجميع ، كما لم تتوقف الزغاريد منذ هطول السيدة “نادرة” من الأعلي بأمر منها ..
_ وقف “هلال” في شرفة غرفته يطالع ما يحدث باستنكار شديد داخله ، فكل ما يحدث ماهو إلا أكذوبة افتعلتها تلك الفتاة ، سحب نفساً داخله وأزفره وهو يعود بأدراجه إليها ، وقف أمامها يطالعها باسيتاء لتصرفها وسألها بنبرة مندفعة :-
ممكن أعرف اتصرفتي كيف ؟ طلع منين الدم دييه ؟
_ رمقته “ورد” بأعين تتلالأ فيهم العبرات التي تتهدد بالسقوط ، ابتعدت عنه وجلست اعلي الفراش ممددة ساقها اليسري أمامها ثم سحبت ثوبها القطني إلي الأعلي حيث تفاجئ “هلال” ببقعة الدماء التي تتوسط منشفة محاوطة فخذها
_ جهشت في البكاء بألم شديد شعرت به ما أن أزاحت المنشفة من عليها ، شهق “هلال” بصدمة عندما رأي عُمق الجرح التي افتعلته هي ، ركض نحوها معنفاً إياها :-
ليه إكده يابنت الحلال ليه تعملي في نفسك إكده
_ أجابته من بين بكائها بنبرة متحشرجة :-
كنت عايزني اعملوا ايه وأمك عتسألك فين المراد ؟
_ حرك رأسه مستنكراً تصرفها الأرعن وهتف عالياً :-
وليه يوحصل كل ديه من أساسه ليه تمنعي نفسك عني ده انا چوزك حلالك ليه تمنعي اللي ربنا أمر بيه ونوصله للوضع اللي وجعنا فيه دييه
_ ضغطت ورد أعلي جرحها ربما تشعر بالقليل من الراحة وأردفت موضحة سبب امتناعها عنه :-
عايزاك تردلي حجي لاول وبعدها تاخد عمري كلاته مش هرفضك بس انت رچعهولي أحب علي يدك
_ نهض من مكانه غير آبِه لهرائتها التي ليست في محلها الآن وردد بأمر :-
جومي نروحوا المستوصف جرحك عايزله خياطة
_ رمقته “ورد” بملامح تعكس مدي الألم التي تشعر به قائلة :-
هنجولوا ليهم ايه ؟ أكيد مهتخبرهمش الحجيجة
_ رد عليها “هلال” وهو يسحب جلبابه من علي الأريكة :-
مش مهم ايه اللي هيتجال المهم نلحجوا المصيبة اللي انتي عملتيها ديي
_ أنهي ارتدائه سريعاً وعاد إليها ، أحضر لها وشاحها وحرص علي ألا يلمس جرحها وهو يساعدها في ارتدائها للثياب ، تعلقت هي في ذراعه ودلف كليهما إلي الخارج
_ تعجبت “نادرة” من نزولهما وشعرت أن هناك أمراً ما عندما رأت ثيابهم التي تدل علي خروجهم من السرايا ، اقتربت منهم عاقدة حاجبيها متسائلة بحدة :-
علي فين العزم؟ لساتكم عرسان ملكوش خروج
_ رد عليها “هلال” بنبرة غير قابلة للنقاش موضحاً :-
ورد بتنزف لازم نروحوا المستوصف حالاً ، خلي عسران يجهز العربية بسرعة
_ لم تتحرك “نادرة” من مكانها بل نادت بصوت عالٍ :-
بت يا صفية انتي بت
_ جائتها تلهث بسبب ركضها فأمرتها قائلة :-
اطلعي خبري سيدك مصطفي ينزل طوالي ، جوام يابت
_ تبادلا هلال وورد النظرات بينهما ثم تجرأ “هلال” وسأل والدته عن سبب منادتها لأخيه :-
عتنادي علي مصطفي ليه ، أني هروح مع عسران
_ ضربت السيدة “نادرة” علي صدرها مستاءة وهتفت بحنق :-
يادي الفاضيحة عسران ايه اللي ياجي معاكم في وضع زي ديه ، خوك سترك يا ولدي
_ تأفف “هلال” بتزمجر لا يطيق الانتظار حتي يصل الي المشفي لينقذ ما يمكن إنقاذه ، كان ينفخ بنفاذ صبر حينما تضغط ورد علي ذراعه بألم لا يمكنها البوح عنه ، تحملت وتحملت إلي أن وصل أخيراً مصطفي يهرول بقلق قد انتابه من خلف لهفة صفية في حديثها ، مرر أنظاره بين الجميع وتسائل في قلق :-
في ايه ياما حوصل حاچة؟
_ هلال منع والدته من الهراء التي سوف تختلقه الآن وأجابه بنبرة تريد اللحاق بتلك المسكينة التي تتألم في صمت :-
هنروحوا المستوصف ورد بتنزف
_ رمقته “نادرة” شزراً ومن ثم هتفت ونظرها يتابع خروجهم من السرايا :-
ابجوا طمنوني الله يطمن جلبكم
_ جهز “مصطفي” السيارة وقادها بسرعة عالية ما أن استلقي أخيه وزوجته في الخلف ، كان يظهر منها أنين مكتوم من حين لآخر حينما لا تستطيع تحمل الألم بينما كان يرتجف قلب “هلال” كلما تذكر عُمق جرحها ..
_ أوصد عينيه في محاولة منه علي إلقاء تلك الذكرة خارج عقله لكنه كان يفشل كلما شعر بألامها التي تحاول إخفائهم ، وصلا إلي المشفي في وقت قياسي ، ترجل ثلاثتهم وتحركوا بخطي سريعة داخل المشفي ، نادي “هلال” بنبرة جهورية عند وصولهم الي الاستقبال :-
داكتورة يا ناس يلي هنا داكتورة بسرعة الله لا يسيئكم
_ حاول “مصطفي” أن يهدئ من روع أخيه قائلا :-
اهدي يا هلال الخلج عيتفرجوا علينا
_ لم يكترث الآخر لحديثه وضرب بيده علي الحاجز الذي بينه وبين موظف الاستقبال معنفاً إياه بحنق :-
مستني ايه بجولك اطلب داكتورة تاجي إهنه
_ موظف الاستقبال أماء برأسه وسأله بعملية :-
داكتورة تخصص ايه يا فندم؟
_ رد عليه بنبرة ملهوفه :-
چراحة!!
_ حرك الموظف رأسه حينما فهم طلبه وأحضر له طبيبة جراحية ، وقف “مصطفي” مستنداً علي الحائط المقابل لتلك الغرفة التي اختفي خلف بابها هلال بمرافقة زوجته وطلب أخيه يتردد في عقله ، علي قدر علمه بأنه فمن المفترض أن يطلب طبيبة نسائية وليست تخصص جراحة ، حرك رأسه يميناً ويساراً يطرد كل أفكاره التي لا داعي لها ، عدل من وقفته يتابع المارة في إنتظار خروج أخيه ..
______________________________________
_ داخل الغرفة ، قامت الطبيبة بما يلزم فعله ثم نهضت متمنية لها الشفاء العاجل وغادرت الغرفة ، نظر “هلال” لتلك الزرقاوتين التي ينسدل منهما الدموع معاتباً بلطف :-
اوعديني متتصرفيش من راسك تاني يا ورد أني مهتحملش يصيبك مكروه
_ رفعت نظرها عليه متمتمة بسؤال يتردد داخل عقلها :-
ليه مهتتحملش ، لساتك شايفني امبارح لحجت تحبني؟
_ عاتبها بنظراته ومن ثم جلس مقابلها وأوضح قائلاً :-
انتي مرتي يعني واجب علي أخاف عليكي حتي لو كنتي رفضاني
_ أخفضت ورد رأسها كما أوصدت عينيها بتعب وأردفت بنبرة منهمكة :-
أني مش رفضاك اني عايزة حجي وبس
_ وضع “هلال” أصابعه علي ذقنها رافعاً وجهها نحوه وأجابها مستاءً :-
وهو حجك مهيجيش إلا برفضك ليا؟
_ أماءت برأسها وهتفت مؤكدة حديثه :-
أيوة ، انت وجت ما هتاخد غرضك من الچوازة ديي هتهمل الموضوع
_ تفاجئ الآخر من عقليتها المغلقة ، ضرب كف علي الآخر مستاءً وردد معارضاً تفكيرها الساذج :-
مخبولة في عجلك إياك ، أني متچوز عشان واحدة تشاركيني حياتي وأشاركها حياتها بمشاكلها بكل بلاويها تجومي تجولي أكده أنا بجول تجفلي الخشم ديه أحسن
_ انتفض من مكانه بذهن مشغول بحديثها الذي أثر فيه وسبب له الضيق ، هتف وبصره بعيداً عنها لا يريد رؤيتها الآن :-
هطلعوا اجيب العلاج والضمادات دي عشان مناچيش إهنه تاني متخرجيش برا الاوضة
_ اماءت له بالموافقة فأسرع هو الي الخارج دون أن ينظر خلفه ، اقترب منه “مصطفي” ما أن وقع بصره عليه وسأله باهتمام :-
ايه الاخبار يا خوي ؟
_ تنهد “هلال” بضجر بائن علي تقاسيمه وأجابه مختصراً :-
خير ان شاء الله
_ صمت لبرهة ثم أضاف :-
هجيبوا العلاج ديه وأعاود طوالي
_ رفض “مصطفي” الوقوف بمفرده وصمم أن يرافقه إلي حيث يذهب ، لم يستطيع أن يكتم ذلك الحديث الذي يود الافصاح عنه وسأله بحدة :-
ليه توصلها للحالة ديي غشيم إياك؟
_ توقف “هلال” فجاءة ومال برأسه للجانب غير مصدق ما تفوه به أخيه ، لوهلة كان سيفصح عن حقيقة الأمر لكنه تراجع في اخر لحظة وأردف بجمود :-
أديك جولتها .. غشيم
_ أنهي “هلال” جملته وتابع سيره حيث ‘ أجزخانة ‘ المشفي ، عاد الي ورد بعد دقائق معدودة وغادر ثلاثتهم المشفي عائدين الي السرايا ، أسندت “ورد” رأسها علي نافذة السيارة تتمني مرور تلك الأزمات التي لا تنتهي أبدا منذ وفاة والدها بينما لم يبعد “هلال” نظره عنها علي الرغم من أنه لم يستطيع رؤيتها بوضوح بسب ذلك الوشاح الذي يغطيها بالكامل إلا أنه يكتفي بسكونها التي تعيشه الآن ..
______________________________________
_ أوقف ” مصطفي ” سيارته أمام باب السرايا ، ترجل هلال وفتح الباب المجاور لورد كما ساعدها علي النزول ، دخلا الي السرايا وتفاجئ بحضور جميع عائلة ورد
_ نظر إليها نظرة مطولة استشف عدم قبولها لتلك الزيارة حينما لم تخطوا خطوة واحدة الي الداخل بعد أن رأتهم ، هرولت السيدة ” سنية ” الي ابنتها بقلق عارم مرسوم علي ملامحها وسألتها بنبرة تهدد بالبكاء :-
مالك يابتي فيكي أيه انطجي؟
_ حاول ” هلال ” طمئنتها بحديثه :-
متجلجيش يا خالة هي كويسة
_ انحني عليها هامساً :-
ياريت نتكلموا فوج بعيد عن العيون اللي هتطلع علينا ديي
_ اؤمات سنية بقبول ومن ثم توقفت جانباً لتسمح لهم بالمرور ، اقتربت منها بنظرات متشفية مُشكلة ابتسامة عريضة علي شفتيها الغليظة ، انحنت بقرب أذنها هامسة :-
مش كد الجواز بتتجوزي ليه؟
_ قلبت ” ورد ” عينيها بضيق شديد لتلك البغيضة التي لا تحبها وأجابتها بنبرة صارمة :-
انتي اللي مش كده يا بنت عمي مش أني والدليل إني واجفة في سراية ابن العمدة اللي هو نفسه چوزي وانتي لساتك في بيت بوكي ولا انتي اتعميتي يا صباح؟
_ رمقتها بنظرات مشتعلة ودت لو تحرقها وتنفيها من علي الأرض عامة ربما حينها تشعر ببعض الراحة ، مرت ” ورد ” من جانبها متعمدة خبطها في كتفها بإمتعاض
_ تحدث عمها متسائلاً باهتمام زائف :-
اخبارك ايه يابتي أن شالله تكوني بخير
_ رمقته ” ورد ” بكُره شديد واختصرت حديثها معه :-
بخير
_ هللت زوجة عمها متصنعة الخوف :-
جلبنا وجع في رجلينا اول ما الست نادرة خبرتنا أنكم في المستوصف حمد لله علي سلامتك يا حبيبتي
_ ردت عليها “ورد ” بنبرة جامدة :-
أني بخير بس محتاچة أرتاح وهبجي زي الفل عن اذنكم
_ هتفت بهم معلنا انتهاء الحوار بينهم ومن ثم صعدت الأدراج سريعاً علي الرغم من الألم التي شعرت به بسبب حركتها العفوية التي أثرت علي جرحها إلا أنها لم تبالي فقط تريد الهروب من الجميع ، وأخيراً استلقت علي الفراش بعدما ألقت بوشاحها بعيداً
_ أخرجت تنهيدة متعبة كما أوصدت عينيها تستكين بعض الوقت لعل ألم جرحها يهدأ قليلاً ، لم تفرح طويلاً فطرقات الباب لم تتركها وشأنها ، اعتدلت في جلستها سامحة للطارق بالدخول قائلة :-
ادخل
_ ظهرت والدتها من خلف الباب بملامح حزينة ، أغلقت الباب واقتربت منها ، لم تستطع سؤالها عن ما حدث فقط هي تحمل ذاتها ما حدث لها فهي من أجبرتها علي الزواج منه
_ تنهدت بصوت عالٍ ظاهرة مدي حزنها ، استشفت ورد ما خلف تلك التنهيدة وحاولت طمئنتها :-
متخافيش ياما أنا زينة نحمدوا ربنا
_ ترقرت العبرات في عيناي السيدة ” سنية ” وهي تلوم ذاتها :-
أني السبب ، اني اللي فضلت وراكي عشان توافجي عليه وأدي اخرتها وداكي المستوصف من تاني يوم مني لله علي اللي عملته فيكي سامحيني يابتي
_ استنكرت ورد حديثها ومعاتبتها المستمرة ، رفضت سماع المزيد من كلماتها التي ينفطر قلبها ألماً أثرها مرددة :-
ياما هو ملوش ذنب هلال حنين جوي واحد غيره مكنش عاملني بالحنية دي بعد ما رفضت أنه يجرب مني
_ توقفت ” سنية ” عن النواح وصوبت بصرها علي ورد متسائلة بعدم استعياب :-
كيف يعني مجربش منك؟
_ شهيق وزفير فعلت ” ورد ” لكي تواصل الحديث رغم إرهاقها البادي علي ملامحها وكذلك نبرتها التي خرجت متحشرجة :-
أني جولتله يرجع لي ورثي اللي عمي ناهبوا جصاد جُربه مني
_ ضربت ” سنية ” علي صدرها غير مصدقة ما أخبرتها به ” ورد ” للتو ، حملقت بها لبرهة ثم أردفت معاتبة :-
أني خليتك توافجي عليه عشان تخلصي من ظلم عمك وجرف مرته وبته لكن بلي بتعمليه دييه كانك بتقولي للجرف اتوحشتك وكلها أيام وعاود لك تاني ، يابتي طلاما الواد حنين حابي عليه بكفيانا ظلم وجهرة وحجنا عند اللي خلجنا لو مخدنهوش في الدنيا هناخده في الأخرة
_ حركت ” ورد ” رأسها برفض شديد وصاحت بحنق :-
أني مهرتاحش واصل إلا لما اطمن علي أرضي إنها رجعت لي واطمن ابويا في تُربته وأجوله خلفت اللي يرد لك حجك يا بوي حتي لو كان تمنه حياتي
_ هدرت بها ” سنية ” شزراً :-
يابتي بلاش تفكيرك اللي هيودي في داهية دييه الله لا يسيئك ركزي في حياتك مع چوزك ومتمنعيش نفسك منه حرام يابتي دي الملايكة تلعنك لما ترفضي تعطيه حجوجه ارجعي لعجلك يا ورد وعيشي حياتك يابتي وهملي كل اللي فات ورا ضهرك
_ تأففت ” ورد ” لأنها لم تقتنع بكلام والدتها وأصرت علي إتمام ما بدأته مرددة بعناد :-
والله لأجلعهم من عنيه التنين هو والعجربة مرته اللي ماشي علي كيفها كانه نسي أنه راچل له هيبته
_ لم تعرف السيدة ” سنية ” للحديث طريق بعدما حاولت تحذيرها بشتي الطرق وبائت محاولاتها بالفشل الذريع ، كادت أن تهم بالمغادرة لكنها تراجعت وسألتها باستفسار :-
علي اكده كنتي في المستوصف بتعملي اييه؟
_ رفعت ورد نظرها علي والدتها وأجابتها بفتور :-
متشغليش عجلك انتي ياما
_ استأذنت ” سنية ” وغادرت الغرفة سريعاً لكي يعود هلال إلي جانب زوجته لعله ينجح فيما فشلت هي فيه ، لا تعلم أن هلال يحاول هو الآخر من الجهة الأخري حتي يرضيها وتسمح له في بدأ حياة جديدة معها ..
_ طلب ” هلال ” من ” حمدان ” عم ورد أن يحادثه علي انفراد ، لبي حمدان طلبه وخرج خلفه بخطي ثابتة ، أخذ هلال نفساً عميقاً حتي يستطيع فتح الحوار معه بسهولة ، حمحم وابتلع ريقه في محاولة منه أن يخرج مافي جوفه لكنه يقابل صعوبة في الحديث كلما حاول التحدث وكأن الكلمات انحشرت داخله ..
_ قهقه ” حمدان ” عالياً علي ارتباكه الواضح وردد ساخراً :-
ايه يا عريس رائد تجول ايه وصعب عليك بالشكل ديه؟
_ تقوس ثغر ” هلال ” إلي الجانب مشكلاً ابتسامة خجولة ، لا مفر من الحديث في ذلك الموضوع الذي أخذ علي نفسه عهداً بأن يتممه من أجل ذات الزرقاوتين ، لم يطيل أكثر وقال :-
ورد طالبة ورثها من ابوها وموكلاني اتحدت معاك
_ تفاجئ هلال بقهقه ” حمدان ” التي ارتفع صداها في الارجاء ، توقع منه أن يثور مثلاً أو يستنكر حديثه في ذلك الأمر العائلي وفي النهاية سيكون أفضل من ضحكاته المبهمة التي لا معني لها
_ توقف “حمدان” عن الضحك فجاءة وسحب من جيب جلبابه سلاحه الخاص وصوبه في وجه “هلال ” و..
