روايات رومانسية

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثالث 3 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثالث 3 بقلم تقي حامد 

انظر لي، تمعن النظر في عيني..
سترى التيه والضعف..
سترى الضلالة والخوف..
ستعلم حينها أنني اخترتك أنت من بينهم..
وأنك الوحيد القادر على تبديد الظُلمة، وهداية القلب بعد لوعته..
صباحًا جديد يُشرق الوجود، نهض الجميع إستعدادًا لبدء تحضيرات الخطبة، الجميع متحمس…إلا العروس!
نهضت قدر على الإفطار تلك المرة بعجلة ترتدي قميصًا مفتوح واسع يُظهر أسفله كنزة بيضاء اللون وبنطال چينز، وخصلاتها الحمراء النارية تتطاير حولها بمظهر جذّاب لأي شاب! خصوصًا ذلك الشارد بها يضع كفه على خده تاركًا طعامه ولأول مرة، يحدق فيها مسحورًا، يراها تعبث مع إبن خالها يامن إذ تهتف وهي تعبث بخصلاته:
-مروحتش المدرسة ليه انهارده يا شقي..
زمجر فريد غاضبًا:
-سيبي شعري يا قدر قولتلك مبحبش حد يلمسه.
1
ضحكت بمشاكسة ضحكة صاخبة سحرته أكثر، حتى جاءت ابنة يامن الصغيرة فرح تتدلل على قدر هاتفة:
-قدل بنت عمتي الحبيبة ممكن يا لوح قلب فلوحة تجيبيلي ألوان انهالدة وانتي لاجعة من الـhospital؟
1
قرصت قدر أنفها وهي تهتف عابثة:
-انطقي اسمي صح الأول يا فروحة، وبعدين اتكلمي زي الناس يا حبيبتي مش عشان دخلوكِ مدرسة لغات هتلويلنا بؤقك.
1
جاءت يمنى تحمل صينية الطعام هاتفة:
-طب ما إنتي كنتِ لغات برده!
زفرت قدر بضيقٍ:
-لازم تحرجيني كده يعني يا ماما!!!
لوت يمنى شفتيها ساخرة، فيما انقضت شهد تحتضن قدر أسفل ذراعها هاتفة بصخبٍ:
-محدش يزعل مرات إبني فاهمين!!
ضحكت قدر ضحكة مكتومة خفيفة، بينما ضحك فادي أيضًا قائلًا بينما يعاود الأكل:
-حد يعلمها الطبخ أنا مش هستحمل أعيش مع واحدة مبتعرفش تطبخ.
تحدثت يمنى بسخط:
-قولها يا حبيبي بدل ما هي كل يوم والتاني في سباقات عربيات وبتمشي تضرب في الناس.
هتفت قدر بنبرة حاولت جعلها هادئة:
-ماما أنا مبضربش حد! خلاص!!
ضحكت يمنى ضحكة خفيفة متهكمة دون أن تنظر لها، فانسحبت قدر تغادر هاتفة بضيق:
-أنا ماشية.
رمقها رعد وهي ترحل بنظرة ذات مغزى، نظرة غامضة كعادة نظراته قائلًا لها قبل الرحيل:
-اللي عملتيه في جمال البودي جارد بتاعك مش هيعدي بالساهل..
زفرت بنفاد صبرٍ وهي تُقلّب عينيها في محجريهما، واستدارت له تناظره بتحدٍّ:
-أنا مش عيلة صغيرة، وكل بودي جارد هتجيبهولي هطلع ميتين اللي جابوه.
شهقت يمنى بخضة من ألفاظ ابنتها البذيئة، بينما ابتسم كلًا من رعد وابنه، فادي المتيّم بشخصية قدر القوية، ورعد المُعجب بالتشابه العظيم بينها وبين قدر…صديقته القديمة!
تابع رعد تناول الطعام، أما فادي فهرول خلفها يناديها قبل أن تخرج من بوابة القصر:
-قدر استني.
استدارت له ووقفت تنتظر وصوله وهي تضع يديها في جيبي بنطالها، وقف أمامها تمامًا وهتف بينما يدفع بإصبعه نظارته الطبية المنزلقة بسبب العرق:
-هعدي عليكِ لما تخلصي شغلك عشان نروح نشوف الفستان.
رمشت بأهدابها عدة مراتٍ، ثم هتفت بأسفٍ:
-معلش يا فادو مش هينفع إنهارده خالص عندي شيفت ليلي مش عارفة هرجع إمتى، نظبطها وقت تاني إن شاء الله.
كادت ترحل فأوقفها بسرعة:
-أنا ممكن أجيبهولك بس ممكن ذوقي ميعجبكيش!
ابتسمت باصفرارٍ:
-فكرة حلوة جدًا، نقيه وأنا واثقة في ذوقك، طبعًا بلاش اللون الأصفر عشان مبحبهوش.
جذبته تُقبّل خده سريعًا وهرولت تشير له بكفها حتى استقلت سيارتها وانطلقت بها بأقصى سرعة تاركة إياه يقف ناظرًا لأثرها بخيبة أمل.
***
ابتسمت تالا بدلالٍ وهي تلف خصلة من شعرها على إصبعها وتهمس:
-مينفعش يا حبيبي والله إنهارده، أنا حتى منزلتش الدروس عشان بنت عمتي هتتخطب.
ضحكت بخفة وخجل حين سمعت تنهيدات إشتياقه، فهمست:
-متقلقش والله هحاول نتقابل بكرا.
وصوته الرجولي يهتف بموعد للقاء ومكان، فتتحدث:
-اللي تشوفه أنا هكون هناك في الـ….
ثم الباب يُفتح بسرعة وأمها تداهم المكان هاتفة بعجلة:
-تالا نادي أختك عشان الفطـ….بتكلمي مين!!
ارتبكت ووضعت الهاتف على الفراش تهتف بتلعثمٍ:
-أبدًا يا مامي دي واحدة صاحبتي بعتتلي ڤويس.
أومأت سارة عدة مراتٍ وأشار لها لتخرج وخرجت هي توصد الباب خلفها، فزفرت تالا زفرة ارتياح وعادت تمسك الهاتف فإذا به قد أغلق الخط، لتزفر تلك المرة بضيق!
إلى متى ستظل مقيدة بحبال العائلة بينما جميع زميلاتها ترافق هذا وتخرج مع هذا وتُعجَب بهذا وتترك هذا! سئمت كونها محط الأنظار..
لا تضعي أحمر شفاه
لا تتأخري..
لا تخرجي..
لا تذهبي..
تحكمات عائلتها التي لا تنتهي!!
1
خرجت تالين توأمها المماثل لها في كل شيء، إلا الطِباع! كانت تجفف خصلاتها متنهدة براحة وهي تبتسم باتساع:
-بجد يا تالا القعاد في البيت نعمة، الحمدلله إننا واخدين أجازة إنهارده من الدروس ربنا يخليها لينا قدر.
تركت المنشفة وتحركت صوب شقيقتها عاقدة حاجبيها بتعجبٍ حين وجدتها تنظر للفراغ بشرودٍ، ففرقعت بأصابعها أمامها لتجفل الأخيرة:
-إيه يا بنتي بكلمك!!!
انتبهت لها:
-قولتِ إيه!
جلست تالين أمامها:
-لا إنتِ مش معايا خالص، فيه إيه يا تالا؟
ناظرتها الأخيرة نظرة ذات مغزى، فعلمت تالين الأمر لذا عقبت:
-الزفت اللي اسمه أحمد ده! يا بنتي ارحمي نفسك كلامك مع الولاد مش هيجيب نتيجة! عيب عليكِ أوي اللي إنتِ بتعمليه ده.
زفرت تالا بضجرٍ وهي تُقلّب عينيها هنا وهناك بملل:
-بدأنا بقا وصلة النصايح، أنا قايمة أفطر.
نهضت فأوقفتها تالين حين أمسكتها من ذراعها بقوة ووقفت قبالتها تهتف بصرامة:
-تالا إنتِ بجد غلطانة! إحنا في سنة مصيرية وإنتِ بتكلمي ولاد! ويا ريتهم ولاد قدنا دول أكبر مننا كمان يعني في التلاتينات والأربعينات! إنتِ مش ناقصك حاجة يا تالا بابا بيحبنا وبيهتم بينا ومش مخلينا محتاجين حاجة فليه بتعملي كده في نفسك!
حررت تالا ذراعها بقوة ودفعت تالين في صدرها فسقطت الأخيرة على الفراش وهي تتابع صراخ أختها الفج بأعين جاحظة:
-مالكيش دعوة بيا، فاهمة! أنا مش صغيرة وإنتِ مش ولي أمري، وأقسم بالله يا تالين لو بابا وماما عرفوا لا أقولهم على بلوتك إنتِ كمان والمحلات اللي بتخشي تسرقيها وتطلعي وزمايلنا اللي كل شوية بتختفي منهم حاجة شكل ومصيرهم بيكون شنطتك!
2
ابتسمت تالا بقسوة وهي تربت على ذراع شقيقتها:
-محدش أحسن من حد يا baby.
وتركتها وغادرت الغرفة، فبقت تالين تتنفس بصعوبة بالغة وهي تضع كفها على صدرها مخافة افتضاح أمرها!!
***
المشفى! الصخب! الصرخات..
الدماء..
تلك هي حياتها المعتادة..
سارت حسناء بخطواتٍ سريعة ووجهٍ مقتضب في رواق المشفى، والممرضات يتهامسن عليها وينظرون لمشيتها بسخرية:
-أهي البومة وصلت.
1
-يباي عليها قفيلة بشكل.
-محسسانا إن محدش لبس خمار قبل كده غيرها.
تأففت إحداهن هامسة:
-محسسانا إن كلنا داخلين النار حدف وهي الوحيدة اللي فايزة بالجنة!
وهي؟ تسمعهن ولا تبالي..
هكذا اعتادت..
أن تصبح مصدر نميمة..
أن تكون جادة في العمل جعل الجميع يراها معقدة ومتشددة..
لم تكتسب أصدقاء طوال فترة تعليمها وكذلك عملها؛ لأنها شخص ملتزم، يراعي الله في عمله وتعامله، وهذا لا يضير الناس ولكنها لقمة سائغة في أفواه من لا عمل لهم…تمامًا كهؤلاء الممرضات عديمي الفائدة.
-حلا…تعاليلي ع المكتب من فضلك.
انتصبت في وقفتها المتلكأة بتوتر وهي تنظر لرفيقاتها بارتباك:
-حاضر يا دكتورة.
نظرت حسناء لإحدى هؤلاء الممرضات (التي قالت عنها أنها تشعرهم بأن النار لهم والجنة لها) وقالت ببسمة هادئة:
-چنى، فيه تكييفات في كل مكان في المستشفى، ابقي تقلي هدومك شوية عشان متاخديش برد، معلش عشان تعرفي تستحملي نار جهنم.
فغرت الأخيرة فاهها وحسناء ترمقها بنظرة مزدرية، فوقفت تعدّل من وضع ملابس عملها فقد كانت ترتديها دون أي شيء تحتها، فهي ليست محجبة حتى!
لطمت حلا على خدها وهي تهتف بخوف:
-شكلها سمعتنا.
عدّلت من وضع حجابها المهمل الذي يظهر جزء كبير من رقبتها وشعرها من الأمام كأغلب الفتيات تلك الفترة، وهرولت خلف حسناء التي دخلت مكتبها تضع حقيبتها على المكتب وتلتقط معطفها الطبي، ثم استدارت لحلا التي دخلت هاتفة:
-اتفضلي يا دكتورة حسناء.
-إنتِ قولتي إيه دلوقتي؟
عقدت حاجبيها بريبة تكرر الحديث:
-قولت لحضرتك اتفضلي يا دكتورة عايزة مني إيه؟
ابتسمت حسناء بهدوءٍ:
-يا دكتورة! يعني أنا دكتورة يا حلا مش كده؟
أومأت لها بغرابة، فتابعت حسناء وهي تربع ذراعيها أمامها:
-وهو فيه ممرضة محترمة شغالة في مكان محترم زي ده تاخد جنب وتقعد تنم على (دكتورة) مأذتهاش في حاجة ولا قالت لها كلمة وحشة في يوم من الأيام!
احمر وجه حلا خجلًا ونكست رأسها بحياءٍ ثم رفعته هامسة بصوتٍ مبحوح:
-مكنش قصدي والله يا دكتورة دي البت چنى هي اللي…
قاطعتها بأن وضعت كفها أمام عينيها تمنعها من الإكمال هاتفة وهي تستدير لتجلس على مقعد مكتبها:
-على شغلك يا حلا..
رمقتها بإهتمامٍ وأكملت:
-شغلك اللي هو متابعة المرضى، مش النّميمة على خلق الله…اتفضلي، شكرًا لوقتك.
هرولت الفتاة من أمامها تتنفس الصعداء، وهي تشعر أن وجنتيها تكادا تنفجرا من تدفق الدماء فيهما، أحرجتها حسناء بحديثها الهادئ اللبق تمامًا ككل مرة! فإذا بها تهمس قبل أن ترحل بغيظ:
-بني أدمة قليطة.
1
سارت في الرواق وهي تعبث بهاتفها بلا مبالاة حتى سمعا صوت صراخ لرجل يحمل بين يديه فتاة في مقتبل العمر تنزف بشدة من بين ساقيها وكأنها على وشك الإجهاض! فهرولت إليه لتجده يصيح بغضب جم:
-أي بهيم هنا يساعدها، عايز دكتورة يا بهااايم.
وزميلتها چنى تحذره:
-يا فندم ميصحش كده حضرتك في مستشفى محترمة وفيها مرضى عيب كده.
صرخ بعنفٍ:
-ورحمة أمي لأقفلهالكوا لو ما جيبتو زفت يشوفها.
اقتربت حلا ومعها ممرض آخر يدفعان السرير النقّال، وضعها بحذر عليه وصرخ:
-انتو لسه واقفين! روحوا هاتوا الزفت!
وقفت أمامه حلا وقفة جادة:
-لو سمحت يا فندم وطي صوتك عشان المرضى..
فهدر:
-أنا هقفلكم المخروبة دي، إنتو لسه متعرفوش أنا مين..
فصرخت حلا هي الأخرى بانفعال:
-لا والله محصلناش الشرف ومش عايزة يحصلنا يا توطي صوتك وتتعامل بإحترامك يا تاخدها وتغوروا إحنا مش خدامين أبوكو ولا هنترمى تحت رجلك ونقولك اعتقنا يا بيه!!!
وكزتها چنى هامسة:
-إيه اللي بتهببيه ده.
فإذا به ينفعل ويرفع كفه وكاد يهوى به على وجنتها لولا تلك القبضة التي منعته بأن كلبشت ساعده، وفتاة ذات خصلات نارية قصيرة تعترض طريقه وتهتف بهدوء:
-إنت عامل دوشة ليه! مش زريبة أبوك هي.
حرر قبضته منها بعنفٍ هادرًا:
-إنتو متخلفين بقا!!!
أشهرت السبابة في وجهه محذرة:
-صوتك يوطى ونبرتك تهدى، إنت في مستشفى محترمة.
قهقه ساخرًا:
-والله أنا لا شايف مستشفى ولا شايف أي إحترام.
عقدت ذراعيها أمامها:
-ده لأنك مش محترمها ولا محترم اللي شغالين فيها، مستشفى يعني هدوء وإحترام.
أشار على الفتاة وهدر:
-أحسنلك..يا محترمة…تنقذيها وإلا..
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
-وإلا إيه؟ هتضربني بالعصاية على ضهر إيدي ولا هنقف وشنا للسبورة! اتفضل يا فندم برا المستشفى خالص ولما نعالجها وتفوق هنناديك.
زأر كالأسد:
-إنتِ اتجننتي هسيب مراتي!
عبثت بأظافرها ببرودٍ:
-والله دي مش مشكلتي، إنت اللي قليل الذوق.
قبض على ذراعها يهمس بفحيح:
-صدقيني هقتلك!
وكردة فعل طبيعية قبضت على كفه وبحركة سريعة نفضته وهي تضربه بباطن يدها على صدره بقوة آلمته فتراجع متوجعًا..
-لو عايز نقلبها مصارعة حرة ونسيب الغلبانة دي تتصفى خليك واقف قدامي.
تنهدت بعمقٍ وهي تعيد خصلاتها للخلف هاتفة:
-بصلي هنا، إحنا لو هنعالجها فهنعالجها عشان ده شغلنا مش عشان سواد عيونك، ودلوقتي اتفضل لم الدور ولم نفسك واخرج برا.
أشهر إصبعه في وجهها مهددًا:
-إنتِ كده بتلعبي في عداد عمرك!
ابتسمت بجمودٍ:
-ما ألعب براحتي هو عدادي ولا عدادك، اطلع برا المستشفى ومشوفش وشك غير لما الهانم تفوق، ولو فضلت واقف وكترت كلام هنسيبها تتصفى ولا هيتهزلنا جفن.
وقف أمامها يزأر في وجهها حتى تناثر لعابه على وجهها فإذا بها تغمض عينيها وتمسح وجهها ثم تفتحهما هاتفة:
-كمل كمل..كله من عمرها.
نقل بصره بقلق بين جسدها المسجى ينزف والطبيبة الحمقاء! سرعان ما قرر التراجع وهتف متوعدًا:
-همشي، بس قسمًا بالله لا أخسف بيكِ الأرض.
اقتربت الخطوات الفاصلة منه، وابتسمت ببرودٍ أهاج أعصابه وهمست بصلابة بينما تنظر لمستواه العالي:
-أحب أشوفك بتحاول.
تبادلا النظرات المتحدية للحظاتٍ، ثم انصرف غاضبًا يدفع في طريقه طاولة صغيرة، بينما هتفت قدر لحلا:
-دخليها العمليات وكلمي دكتورة إبتسام.
أومأت لها سريعا وهمست قبل أن ترحل:
-شكرًا يا دكتورة.
ودفعت الفراش المتنقل مع چنى والممرض إلى غرفة العمليات فيما تنهدت قدر بتعبٍ، فإذا بصوت تصفيق يأتيها من الخلف، استدارت سريعًا لتراه يستند بكتفه على الحائط المجاور له، يرتدي نظارته الشمسية والبسمة تزين ثغره ووجهه الحليق لا زال وسيمًا!
-أنا كبهير…انبهرت! إيه الحلاوة دي يا جدع، أنا خفت منك!
ابتسمت…
وكل شوائب الدنيا، تبخرت!!
تنهدت بارتياحٍ هامسة وهي تميل برأسها مشتاقة:
-يوسف!
3
اقترب منها يهمس أمام عينيها العسليتين المحببتين إلى عينيه:
-قدره!
1
***
هبط عباس من سيارته الرانج روڤر يتباهى في مشيته في الحرم الجامعي، يُلقي بالقبلات لتلك والغمزات لتلك، تعكس نظارته الشمسية نظرات عديدة لفتيات يتمنون فقط نظرة منه، فمن ذا الذي لا يقع في عشق عباس الحلواني!
استدار على نداء باسمه، فإذا به يرى تلك التي لا تمل من مطاردته، زفر بمللٍ على قولها المترجي:
-عبسو أنا آسفة، متسيبنيش عشان خاطري.
2
عقد حاجبيه يزيّف شفقته عليها ببراعة:
-اووه منة الغلبانة..
انحنى لمستواها متابعًا:
-مالكيش خاطر عندي يا روحي!
هزت رأسها نافية بجنون:
-لألأ، إنت بتهزر أنا عارفة..
تشبثت في كم قميصه مترجية:
عبسو، عبسو عشان خاطري والله مش هشك فيك تاني بس متسبنيش وحياتي عندك!
حرر ذراعه منها، واستدار ليرحل فأوقفته بقولها المنهك:
-متسيبنيش يا عباس أنا محتاجاك!
تنهد بعمقٍ، والتفت يحاوط وجنتيها بكفيه هامسًا بهدوءٍ أمام بسمتها المختلة الفرِحة بالتفاتته لها:
-منة حبيبتي أنا شخص توكسيك منفعكيش! مش عارف إنتِ حابة فيا إيه!!
تشبثت بكفه في قوة وإصرار:
-موافقة، موافقة بس خليك معايا.
1
نفخ بضيقٍ وسحب كفه يضرب كفيه ببعضهما:
-لا حول ولا قوة إلا بالله يا بنتي بقولك توكسيك! ريد فلاج! سادي! هجرجرك من شعرك وأمسح بيكِ بلاط الأرض!
أومأت بجنون:
-موافقة
-لا ده إنتِ هبلة بقا!
نادته فتاة أخرى تنتظره بعيدًا، فأشار لمنة مودعًا ببسمة:
-عيشي في أوهامك مع نفسك، ورايا شغل، يلا take care.
اختنقت بعبراتها وهي تراه ينسحب لأخرى، دبدبت على الأرض بقدميها، وانفجرت باكية وهي تهرول خارج الجامعة تمامًا، إلى أن ارتطمت بفتاة، فابتسمت الأخيرة لها وسألتها:
-معلش آسفة، ممكن بس تقوليلي أروح فين عشان أنا دفعة أولى ومش عارفة حاجة هنا خالـ…
صرخت منة فيها بوجهٍ أحمر من شدة البكاء:
-هي نقصاكِ إنتِ كمان! غوري من وشي.
وتابعت ركضها، فيما وقفت الفتاة عاقدة الحاجبين تتابع ركضها بريبة..
***
بصرها في المرآة تقف خلفه تستند بكتفها على إطار باب المرحاض، مرر عينيه على قميصه المنساب على جسدها بنعومة، فكانت تغوص فيه بجسدها، وخاصةً ببطنها المنتفخة، عاود حلاقة ذقنه ممررًا الآلة لينمقها بطريقته هاتفًا بعبث:
-خدتي على قمصاني من ساعة ما حملتِ يا صغنن.
1
تأففت بضيقٍ وهي تقترب منه ساحبة الآلة من بين يديه برفق فتركها لها ناظرًا إليها بهدوء:
-متعصبنيش بقا يا شاهين قولت بلاش صغنن دي ذكرياتي معاها مش حلوة.
دفعته ليجلس على المقعد جوار الحوض، فانصاع وفعل مفرقًا ساقيه لتقف بينهما وهي تمرر الآلة برفق على ذقنه، وهو ينظر بشغفٍ لملامحها المكفهرة وحاجبيها المعقودين متأكدًا أنها الآن تتذكر أول لقاءٍ لهما، فضحك بخفة مما جعلها تتأفف صارخة:
-متضحكش عشان متتعورش وأنا بصراحة بتلكك.
مد ذراعيه يحاوط خصرها جاذبًا إياها إليه أكثر فتلتصق به هامسًا بنبرته التي تُذيبها:
-أهون عليك يا عم يُسري؟
أغمضت عينيها لبرهة مبتسمة بومضة سريعة، سرعان ما عادت تنصّب تركيزها على ذقنه، فتابع همسه بمشاكسة:
-بس إيدك كانت ناشفة أوي يا يُسر، اللي يشوفك يومها وإنتِ بتضربي بعزم ما فيكِ ميقولش إن هي دي اللي بتحسس على دقني دلوقتي عشان متعورنيش.
تأتأت بضيقٍ تبرق له بتحذير:
-إنت اللي كنت قليل الذوق إنت وأخوك شفيق.
رفع حاجبه بحدة:
-يا راجل!
استكلمت حديثها بذات النبرة وهي تعود فتكمل ما تفعله:
-احمد ربنا إن هي جت على قد كده.
اعتلى ثغره بسمة ساخرة:
-إيه كنتِ هتشعلقينا من شعورنا ولا هتسلقينا بماية مغلية!
رمقته بغضبٍ قائلة:
-لأ، كنت هرميكم بماية نار بدل ماية المسح.
ضحك يائسًا، فتسببت تلك الضحكة في جرح صغير أسفل شفتيه، مما جعلها تتأف بضيق:
-عاجبك كدا! أديك اتعورت.
فصلت الآلة ووضعتها جانبًا بينما تجذب الكحول وترش منه القليل على الجرح، وربتت عليه بإصبعها تنظر له بقلق:
-بيوجعك؟
أومأ عدة مراتٍ:
-أوي أوي.
ضيقت عينيها بشكٍ، فاحتال عليها بنظرة حزينة متألمة، لتتنهد بقلة حيلة، ثم تنحنى طابعة قبلة خفيفة موضع الجرح، ثم عادت تنظر له هامسة:
-لسه بيوجع؟
هز رأسه نافيًا وهو يبتسم بهدوء دافنًا وجهه في عنقها، فاستندت بمرفقيها على كتفيه هامسة جوار أذنه:
-إنت أروب وسوسة ومُستغِل.
أعاقت بطنها المنتفخة قربه أكثر منها، فتمتم بضيق:
-أنا كل ده؟ دا أنا حتى مش عارف أقربلك من البطيخة اللي شايلاها دي!!
ابتعدت عنه ترمقه بحدة، فاستطرد حانقًا:
-تصدقي الخمس سنين اللي فاتوا كانوا أحلى أيام من غير ما تقرري تحملي!
رفعت حاجبها بإستنكار:
-شاهين! وبعدين دي إرادة ربنا أولًا، ثانيًا مين اللي كان عمّال يزن عليا عايز بيبي عايز بيبي!
أشار على نفسه بذهول مزيف:
-أنا!
ابتسمت متهكمة:
-أومال أنا!! دا أنت ليلة الدخلة بس كنت عايز توأم!
اسودت عيناه بغضبٍ وارتجف جسده أسفل كفيها حين تذكر تلك الليلة المشئومة هاتفًا بحذر:
-متجيبيش السيرة دي تاني.
كتمت ضحكة كادت تفلت وتفضحها هاتفة بدلالٍ:
-ليه بس يا شهشوهتي دي كانت أحلى ليلة.
وحذرها بحدة:
-يُسرااااا
وذكر الألف في إسمها يعني أنه حقًّا غاضب، فتراجعت عن عبثها وانحنت تحتضنه بإحتواءٍ هامسة:
-ما عوضتهالك يا شاهين خلاص بقا.
تهكم بسخرية:
-عوضتيهالي بعد سنة ونص مش كده!
عضت على شفتها السفلية بحرجٍ، فتابع بينما يمرر كفه على ظهرها بحنوٍ مكملًا بوعيد:
-سنة ونص بحاول أعودك عليا والبعيدة لوح تلج.
ضحكت ضحكة عالية قطعت صوتها سريعًا، فعض على شفته السفلية هامسًا بصوتٍ أجش:
-بتضحكي! مين فينا اللي سوسة دلوقتي!
ابتعدت عن أحضانه تقرص أنفه بإصبعيها:
-إنت أكبر سوسة في الدنيا أصلًا.
تنهد بتعبٍ حين تذكر كم عانى معها:
-طلعتي روحي يا يُسر.
حاوطت وجنتيه بكفيها مداعبة أنفه بخاصتها:
-لا عاش ولا كان اللي يطلع روحك يا قلب يُسر.
-أنا قلب يُسر بس ولا قلبها وروحها؟
سألها بنبرة ملهوفة كالأطفال، فضحكت بعلوٍ وقالت:
-إنت قلب يسر وروحها وعقلها وفشتها وكبدتها ومُهجتها وكل حاجة حلوة في حياة يُسر.
3
تنهد بارتياحٍ، يُريح رأسها على صدرها، فتضمه إليها بقوة مربتة على ظهره العريض بحنوٍ..
***
-سوسو…البيتزا هتبرد!
نادتها رفيقتها وهي تُشير لها بكفها لتأتي، فاعتلى ثغرها الصغير بسمة حماس، وهي تميل برأسها فيظهر من خلف اللوحة، تشير لها بالإبهام وتعود لتنظر للفتاة الصغيرة القاطنة أمامها تهمس لها برقة:
-غمضي عينك.
ففعرت الصغيرة بحماس، لتُدير لها اللوحة هاتفة:
-فتحي.
فتفتحهما، وتشهق بقوة منبهرة، تغمزها الفتاة بعبثٍ:
-أي خدمة.
انتفضت الصغيرة تُقبّلها:
-شكرًا يا طنط، هوريها لبابا وماما.
أخرجتها من الحامل وهي تُعطيها للصغيرة وقبل أن تأخذها همست لها:
-بلاش طنط دي، اسمي سوسو.
أومأت الصغيرة ببسمة بريئة:
-شكرًا يا سوسو.
وأخذت منها اللوحة وهرولت إلى والديها بسعادة، بينما نهضت الفتاة تتحرك صوب الطاولة الصغيرة على الكورنيش حيث ينتظرها رفاقها، وشابٌ في عمرها يهتف بمشاكسة:
-سوسو بقت celebrity أوي يا شباب.
قلّبت عينيها بمللٍ هاتفة:
-لولو بليز It’s not a joke!!
1
زم شفتيه بضيق:
-You are boring!
التقطت شريحة من البيتزا، واشتمت رائحتها بقلبها لا بأنفها، قطمت منها قطعة تلذذت بها في متعة، بينما ضحكت صديقتها قائلة:
-إدمان سعاد الحلواني، البيتزا!!
ابتسمت سعاد بمرحٍ، والأخيرة تكمل:
-لو حد حب يخطفك وجابلك بيتزا أراهنك هتروحي معاه وش.
ضحك الجميع بتفكهٍ، ومنهم سعاد، سرعان ما تركت الشريحة وهي تنفض أناملها وتلتقط الهاتف من جيب بنطالها الخلفي، بصرت على الشاشة رقم والدتها، فأجابت على الفور:
-سوسو الكبيرة hi!!
-سعاد إنتِ خدتي فلوس من الدرج!
أومأت الفتاة وهي تلتقط شريحة البيتزا مغمغمة، قطمت منها وأمها تهتف بقسوة:
-من غير إذني يا سعاد! إنت خدتي على الدلع أوي بجد!
زفرت بضيقٍ:
-Come on mom!
يعني أنا لازم أقولك كل كبيرة وصغيرة بعملها!
That’s my own life على فكرة!!
-يور أون لايف دي لما تبقي بنت بارم ديله، لكن إنتِ بنت حليم الحلواني يا سوسو هانم.
ابتسمت بمجاملة لرفاقها وهي تنهض تبتعد عن سمعهم وتهمس من بين أسنانها بغضب:
-ماما بابا قالي خدي اللي إنتِ عاوزاه في أي وقت، دي فلوس بابا وهو سمحلي إنتِ إيه مشكلتك!
وصوتها العالي أزعج أذن الصغيرة التي أبعدت الهاتف عن أذنها تتأفف بضجرٍ:
-دلوقتي فلوس بابا! ماشي يا روح أبوكِ، لما ترجعي ليا تصرف تاني معاكِ.
وأغلقت الهاتف في وجهها، فتنهدت سعاد بنزقٍ، وعادت ترسم البسمة المرحة على وجهها وتلتفت لتعود لمجلسها.
***
سارت قدر في حديقة المستشفى تبتسم كالبلهاء، فبعد كل مرة تلتقي به لا تكن على ذات الحالة! لا تدري ما يفعله بها لكنه بشكل أو بآخر…يروّح عنها..
استدارت بحدة عندما سمعت صوت خطواتٍ خلفها، رفعت حاجبها بقسوة وهي تنظر حولها بدقة، سرعان ما التفتت تعاود السير بهدوءٍ ويديها في جيبي معطفها الطبي، وصوت الخطوات يعود من جديد، فعجلت خطواتها بسرعة حتى وصلت لمفترق طرقٍ دخلت من أحده واختبأت خلف الحائط، لحظاتٍ ومر ظل ضخم الجثة جواره ووقف ينظر حوله باحثًا بالتأكيد عنها، فقفزت بسرعة فوقه تحاوط رقبته بذراعها وتضغط عليه بالذراع الأخرى حتى تململ بين يديها بقوة يحاول الإفلات وهي تُحكِم الإطباق على عنقه هامسة:
-إنت مين يالا؟؟؟
تململ بعنفٍ فإذا بها تهزه صارخة:
-انطق بدل ما اطلع روحك في إيدي.
همس بأنفاسٍ مختنقة:
-اديـ…اديني فرصـ…فرصة أتكلم.
حررته فالتقط أنفاسه بصعوبة وهو يسعل بعنفٍ، فسألته مجددًا بصرامة:
-انطق!!!
نظر لها بأعين حمراء وهتف بصوتٍ مبحوح:
-إنتِ قدر؟
زمجرت بضجرٍ:
-أنا زفتة إنت مين!!!
انتصب في وقفته يرتدي قناع الصرامة هاتفًا بجدية:
-أنا مؤمن، الحارس الجديد يا هانم.
ابتسمت بسخرية وهي تمرر عينيها على جسده الذي لم يأخذ بين يديها دقيقتين حتى كادت أن تُنهيه، هو ليس بالقوي، جسده بالكاد به عضلة أو اثنين بارزتين، أطول منها بالقليل، والأكيد أنه أضعف منها بمراحل:
-يوغتي! ومالك خِرع كده ليه؟!
رمقها بذات النظرة الجامدة وهو يقف أمامها كجندٍّ تم تجنيده قريبًا! هزت رأسها بلا أملٍ وعادت تسير ناحية المستشفى وما إن كادت تدخل حتى توقفت حين رأته يدخل معها وهتفت:
-إنت رايح فين إن شاء الله!
-أنا ورا حضرتك في كل مكان.
رفعت حاجبها بحدة:
-كل مكان! يعني هتخش تخضلي المرضى ولا إيه! تفضل هنا ومتتحركش من مكانك ويا ريت لو تقعد مع الأمن برا خالص.
التفتت تدخل المشفى وهي تهمس بضيق:
-ماشي يا أنكل رعد، يا أنا يا إنت.
***
فُتِح باب الشقة على مصرعيه، وخرجت منه تبرق بعينيها بنظرة مرعبة، وتصرخ بكل ما أوتيت من قوة:
-وليك عين تيجي هنا يا زبالة يا كلب!!
وبنبرة منكسرة هتف مترجيًا:
-يا فادية أبوس إيدك أنا آسف والله حقك عليا، مش همد إيدي عليها تاني، تتقطع لو اتمدت عليها تاني بس متفشكلوش الخطوبة بالله عليكِ!
تخصرت ومصمصت شفتيها ساخرة:
-يا عيني ع الحلو لما تبهدله الأيام، مقطعتهاش ليه يا أخويا قبل ما تتمد عليها!
تحدث بتوسل:
-يا فادية أنا..
بصقت عليه وصرخت بعدها بإزدراء:
-اخرس، اسفخس على دي رباية منتنة، عشان البت ضليعة ومكسورة الجناح تعمل فيها كده يا إبن هياتم! طب ورحمة أمي الخطوبة دي ما هتكمل، أصل اللي يمد إيده مرة يمدها تاني، واللي بيمد إيده على مرا ميستاهلش يتقال عليه راجل يا سوسن!
قالت لقبه الأخير ساخرة، فأكمل توسلاته:
-يا فادية قولت آسف أعمل إيه أكتر من كده!
ضرب بصره للخلف إليها، تلك الساكنة في ركنٍ قصي لا تتحدث ولا تنظر إليه حتى، فصاح لعل صوته يصلها:
-يا نادية، يا نادية أنا آسف والله معرفش عملت كده إزاي مكنتش في وعيي.
وضعت فادية كفها على إطار الباب تمنعه من الرؤية، وتهدده بنبرة خطرة:
-بص يالا، إنت تلم بعضك وتغور من خلقتي، أحسن واللي خلقني لا أصوت وألِم عليك رجالة الحارة يروقوك تاني، وأقولهم بيتهجم على الولايا، وكفاية سُمعتك اللي بقت زي الطين وخاف على نفسك.
ناظرها بشرٍ، فابتسمت بظفرٍ وتراجعت تصفع الباب في وجهه بغلٍ، والتفتت لتلك المنكوبة متمتمة بإزدراء:
-صحيح، الرجالة ماتوا في الحرب.
جلست جوارها، وما إن جلست حتى انفجرت الأخيرة تبكي حظها التعس، وتنوح قلبها الأحمق الذي اختاره هو من بين جميع الرجال!
لوت شفتيها بسخرية:
-بتعيطي على إيه يا موكوسة! هو ده اللي مدلوقة عليه أوي! حِبو سواق التوكتوك المعفن إبن هياتم!
همهمت من بين شهقاتها:
-بحبه يا فادية!
شهقت الأخيرة بتهكم:
-يا أختي حبك برص! حابة في إيه؟! دا شبه العِرسة!
انفجرت شقيقتها باكية أكثر، فانتفضت فادية تحتضنها هامسة:
-بس يا بت مش راجل اللي يعيطك إحنا هنخيب ولا إيه، بكرا يجيلك سيد سيده المعفن إبن هياتم ده.
خرج والدهما من الغرفة يسير بصعوبة بالغة بظهرٍ محني وساقين تحملانه بصعوبة وهو يتحدث بقسوة:
-بكرا نرجعله شبكته على الجزمة، وإنتِ يا نادية دمعتك غالية يا بنتي، مش كل يوم تتخانقوا بلاها سيرة أحسن.
لوت فادية شفتيها، فأبوها لا يعلم أن ذلك الأرعن ضرب نادية صغيرتهم، يعلم فقط أنهما تشاجرا ولكن أن يتطاول عليها ذلك ما يخفيانه عنه فأبوهم مريض القلب لن يتحمل!
وضعت شقيقتهما الثالثة طبق الفول على الطاولة الصغيرة ووقفت متخصرة تهتف بسخرية:
-بتعيطي على راجل يا خايبة؟ طب عيطي على شنطة غالية اتسرقت ولا جزمة دفعتِ فيها دم قلبك واتقطعت، لكن راجل! اسفخس على الرجالة.
همست فادية لها:
-أهي كارهة الرجال مش هترحمك.
ضحكت نادية من بين شهقاتها ضحكة خفيفة، فيما جلس أبوهم يتناول طعامه برضا، وإن كان الطعام قليل، فغيرهم لا يجده!
وضعت طبق الجبن على الطاولة وجلست تهمس لأبيها:
-ما كفاية يا أبا شغل، جتتك نحست ومعدتش قادر تشيل نفسك.
-طول ما لسه فيا النَفس هشتغل وأجيب فلوس، أومال هتعيشوا منين يا شادية!
تحركت فادية من الخلف تقترب منهما:
-شادية معاها حق يا أبا، كفاية عليك كده وأنا من بكره هنزل أدور على شغلانة إن شالله أي بيت أكنس وأمسح.
تدخلت شادية بإصرارٍ:
-وأنا كمان، جنب شغلي في محل الهدوم والمطعم.
ألقى قطعة الخبز وضرب على الطاولة بغضبٍ تمكن منه:
-والله عال يا بنات لطفي! الناس تقول إيه! لطفي منزل بناته يشتغلوا في البيوت!
تمتمت شادية بحرجٍ:
-يا أبا بس..
نهض بصعوبة يستند على الطاولة بكامل قوته يقاطع حديثها:
-بلا بس بلا مبسش، أنا رايح الشغل.
سار لباب البيت وفتحه وخرج، بينما جلست فادية مكانه وهي تنظر لأختها بخيبة أمل:
-هنعمل إيه!
تنهدت شادية:
-ولا أي حاجة، خليه يعمل اللي هو عايزه.
-بس أبوكِ كبر في السن!
وقفت تنظر لأختها بنفاد صبر:
-وهنعمل إيه يعني يا فادية! ما أديكِ شايفة حالف علينا ما واحدة فيكم تنزل تشتغل، لولا محايلتي عليه كان زماني قاعدة جنبكم ومش لاقيين حتة الجبنة وطبق الفول دول نفطر بيهم.
اقتربت شادية من نادية لتطمئن على حالتها، فوجدتها قد تعافت نوعًا ما وبدأت تفتح إحدى علب الحلويات التي يأتي بها أبيهم من العمل وتأكل بلا شهية، ثم أغلقت العلبة ووضعتها على الطاولة..
وظلت شادية شاردة في الإسم المكتوب على العلبة بخطٍ كبير وعريض..
(الحـلـوانـيـة)
***
دق باب الغرفة دقاتٍ بسيطة، دخل بعدها شاهين لتلك الغرفة المظلمة، وجده قاطنًا على الفراش متكورًا على نفسه كطفلٍ صغير، يهتز ويرتجف كورقة شجر في مهب الريح، اقترب منه بخطواتٍ بطيئة هامسًا:
-عمّار! إنت صاحي؟
هز جسده فنهض الأخير ببطءٍ زاممًا شفتيه كطفلٍ يتحدث:
-أنا زعلان منك متكلمنيش.
ابتسم شاهين بحنوٍ وجلس أمامه على الفراش:
-ليه بس يا عمّار! أنا زعلتك في إيه؟
عقد ذراعيه أمامه بتذمر طفولي:
-وعدتني هتوديني المعمورة امبارح.
-معلش حقك عليا، رجعت من الشغل هلكان ومش شايف قدامي، أوعدك هننزل أنا وإنت ويسرا انهارده بليل.
التمعت عينيه بفرح:
-يُسر هتيجي معانا؟
أومأ شاهين برفقٍ وهتف:
-طبعًا، بس…اسمها يُسرا يا عمّار يا حبيبي، يُسر دي بتاعتي أنا…تمام؟
ناظره الشاب ببراءة:
-يُسرا كلها بتاعت شاهين؟
أومأ بقوة:
-كلها.
أومأ عمّار موافقًا، فربت شاهين على كتفه وتركه وخرج من الغرفة، تنهد بحزنٍ..
أخوه الصغير الذي تخطى حاجز الثلاثون ولا زال يعاني من ذلك المرض، تأخر ذهني!
هياج غير مبرر فجأةً، ووحدة دائمة! يُحزنه ذلك ولكنه فعل المستحيل! علاج وأطباء، ولا حياة لمن تنادي..
ظل شاردًا وهو يهبط الدرج، رأى تلك الخادمة تصعد بصينية الطعام إلى عمّار، فابتسم مطمئنًا، وتحدث مع أم فاطمة كبيرة الخدم:
-يُسرا هانم تعبانة إنهارده مش هتقدر تنزل، أكلها يطلعلها.
أومأت بطاعة واستأذنته لتنصرف، بينما جلس شاهين على رأس الطاولة يتناول إفطاره سريعًا، تحت نظرات فضيلة القاتمة..
تحدثت درة أخته بحماسٍ:
-شاهين بقولك إيه، عايزة أجي أتدرب عندك في المحل ع الحسابات وكده.
ابتسم لها بهدوءٍ:
-في أي وقت تنوري.
ابتسمت درة برضا، وتابعت إفطارها، فتحدثت فضيلة لتنغص عليها فرحتها:
-عملتِ إيه مع الدكتور إمبارح؟
عقد شاهين حاجبيه ونظر لأخته متسائلًا:
-إنتِ روحتي للدكتور؟
هزت درة رأسها نافية وأردفت بضيق:
-لأ، مرات أبوك جابتلي عريس، بس راجل عرة، متجوز تلاتة وعايزني الرابعة وقال إيه هيسكني فوقهم.
رمقتها فضيلة بغلٍ:
-مش أحسن ما تقعديلي في البيت زي قرد قطع وإنتِ بقيتي 28 سنة وقربتِ تعنسي!
تجاهل شاهين فضيلة وأردفت:
-بكره يا دُرة هستناكِ في المحل ومُحسن موجود يعلمك كل اللي عايزاه، بس بشرط تجتهدي وتثبتي نفسك وتنفضي الكسل ده.
أومأت بحماسٍ، لا تدري من أين جاء ولكن… تعترف أنها غيّرت مبدأها منذ لقاءها مع ذلك المتصابي صاحب الثلاث زوجات…
أن تعتمد على نفسها وتعمل خيرًا من أن تعتمد على من يتزوج عليها ثلاث مرات!
***
ظلت تعبث في هاتفها بمللٍ وهي تربت على بطنها المنتفخة، حتى رن هاتفها فعقدت حاجبيها بتعجبٍ، ثم أجابت:
-ألو..ازيك يا سالي.
-هالو يا يسرا، أخبارك إيه؟!
-الحمدلله تمام، إنتِ إيه أخبارك؟ وجوزك الدكتور محمد أخباره إيه؟
-بخير الحمدلله، إحنا لسه واصلين حالًا من مارينا وقولت لازم أكلمك ونتقابل.
ابتسمت. يسرا باصفرار:
-نتقابل! آه طبعًا وماله، تحبي امتى؟
غمغمت الأخيرة ثم قالت:
-ممكن انهارده بليل، يعني على عشرة كده وهبعتلك لوكيشن الـrestaurant في مسدچ، ومتنسيش تقولي لشاهين بيه.
هزت رأسها عدة مرات وودعتها وأغلقت، ثم تأففت بضيقٍ:
-كانت نقصاكِ هي كمان!!
سالي المحمدي! الفتاة التي لطالما تنمرت عليها وعلى أحلامها ورغبتها في أن تكون مصممة أزياء! وحين تزوجت شاهين جاءتها تلك الـ (سالي) وسخرت منها بكلماتٍ مبطنة فيما معناها أنها لا تستحقه وأنه أفضل منها! حينها كانت يُسرا لا زالت تمقت شاهين، فكان حديثها مع سالي هو الذي أشعل الفتيل!
***
خرجت قدر من المشفى وسارت باتجاه سيارتها، لتجد الحارس خلفها يسير معها خطوة بخطوة فتأففت بحنقٍ..
مد كفه ليلتقط منها المفتاح، فرمقته بنظرة جانبية محذرة وشريرة، تتجاهل يده الممدودة، وتفتح السيارة وتدخلها قائلة:
-اترمي ع الكنبة اللي ورا ومسمعش حِسك طول الطريق.
تساءل بجبين مقطب:
-طب إحنا رايحين فين؟
صرخت بعنفٍ:
-رايحين في داهية! مش عينوك حارس شخصي، يبقى تمشي ورايا ومتفتحش بؤقك.
انطلقت بالسيارة تشق غبار الطريق، وفي غضون خمس دقائق كانت قد وصلت للمشرحة القريبة من المشفى، ترجلت ودخلت وهي تُري الحارس الكارنيه الخاص بها، فأدخلها ودخل هو خلفها..
اقتربت من إحدى الغرف المغلقة وفتحت بابها ببطءٍ، وعندما دخلت هبت رائحة كريهة جعلته يكاد يتقيأ، اشمئز خصوصًا عندما رأها تدقق النظر بجثمان شاحب لرجل عجوز منحور الرقبة، تأفف بضيقٍ من الرائحة النتنة، فالتفتت له هامسة بعنف:
-إنت هتقعد تتأففلي! اطلع استنى برا على ما أخلص.
كاد يعترض، فبرقت بعينيها صارخة بصوتٍ منخفض:
-برا !!
خرج بطاعة ووقف أمام الباب، يشعر بمعدته تمتعض، فهرول يبحث عن أي مكانٍ يتقيأ فيه!
لحظاتٍ وخرجت قدر من الغرفة، نظرت حولها فلم تجده فابتسمت بظفرٍ، إلى أن أوقفها نداء:
-إنتِ مين!
استدارت للطبيب الشرعي تناظره بتوترٍ، هي فقط جاءت هنا لتستطيع جعل ذلك الحارس يشمئز ويهرب! والآن هي في مأزق، حمحمت وقالت:
-منقلتش الجثة المستشفى ليه؟
عقد حاجبيه بريبة:
-الراجل كان جاي منحور وخلصان بتقرير من المستشفى أصلًا!
قالت بغضبٍ مزيف:
-إنت بتعلّي عليا كمان!
رمقها بارتيابٍ فتابعت بعد زفرة:
-ما علينا، أما تقارير الطب الشرعي تطلع ابقى قولي.
تحدث منفعلًا:
-أقولك ليه إنتِ مين أصلًا!!!
تململت بضيقٍ:
-شوف بيكتر كلام معايا إزاي! اتفضل خش شوف الجثة زمانها صحيت…
وعندما ظل واقفًا يرمقها بشكٍ صرخت:
-خش بقولك!
أجفل ودخل مذهولًا منها يرمقها بغرابة..
في حين ابتسمت قدر بخبث حين تأكدت أنها تقريبًا استطاعت تطفيش الحارس الجديد الذي لم تجده في أي مكان حولها..
سارت في الرواق تبتسم بفخر إنتصارٍ جديد حتى رن هاتفها فأخرجته من جيب بنطالها، زفرت بنزقٍ وهي تجيب:
-ازيك يا جوز عمتي.
هتف رعد بهدوء:
-أخبار مؤمن معاكِ إيه؟ ماشي كويس؟
عقدت حاجبيها بتساؤل:
-مؤمن مين؟
-الحارس الجديد!
هزت رأسها متذكرة:
-آه، معرفش.
عقد رعد حاجبيه بتعجب:
-هو مش جنبك!
زمت شفتيها بمرحٍ:
-لأ مش جنبي، غالبًا بيرَّجع في أي كورنر.
اتسعت عينيه هادرًا:
-بيرَّجع!!!
قلّبت عينيها بمللٍ:
-سلام دلوقتي يا أنكل، ورايا شغل.
أغلقت الهاتف وهي تضحك بصوتٍ كاد يعلو لولا أنها تداركت كونها في مكانٍ لا يصلح فيه ذلك، خرجت وكادت تدلف السيارة لولا أن رأته يقف أمام السيارة يتأرجح بين الوعي واللاوعي، فزفرت بمللٍ واقتربت أكثر تسأله:
-انت كنت فين؛ وبتتمطوح كده ليه!
وقف مشدودًا ورغم ذلك لا زال يتأرجح بعدم إتزان:
-مفيش انا كويس.
أومأت هاتفة:
-طب يلا
وابتسمت بمكرٍ تلتفت وتفتح باب السيارة..
***
ترجل فهد من سيارته وسار ناحية العمارة المنشودة، مرتديًا نظارته الشمسية وقف أسفلها فإذا بصديقه يهبط مرتديًا ثيابًا رياضية وكذلك نظارة شمسية، احتضنا بعضهما بعزمٍ، وسارا معًا في الشارع يتحدثان:
-بقولك إيه إنهارده هكسبك يعني هكسبك.
قالها بلال بتحدٍّ، فقهقه فهد ساخرًا:
-يا ابني راعي فرق الطول اللي بيني وبينك!
بلال كان أقصر قليلًا من فهد، ربما بعدة سنتيمترات..
-إيه دخّل كرة السلة بالطول مش فاهم!
هز الآخر منكبيه:
-كرة السلة الأساس فيها الطول، مين اللي هيوصل للسلة الأول؟!
قلّب بلال عينيه بمللٍ وأكملا سيرهما..
فيما ناظره فهد بتفحصٍ لبرهة ثم عاد ينظر أمامه هاتفًا:
-مش المفروض تكون بتجهز للعملية؟
تنهد بلال بعمقٍ:
-اتأجلت.
عقد فهد حاجبيه بغرابة:
-ليه!
زم شفتيه مجيبًا:
-غيروا مكان التسليم، بدل ما كان في المحطة هيبقى في مكان مقطوع ع الصحراوي.
ابتسم فهد باتساعٍ:
-جت من عند ربنا، أقدم طلب نقلي معاكم بقا
رفع بلال حاجبه بمكرٍ يناظره:
-والله لو جدع خلي اللوا جمال يوافق
وبعندٍ هتف:
-هخلي هدير تتوسطلي.
توقف بلال فجأةً يوقف صديقه من ذراعه ويشهر إصبعه في وجهه محذرًا:
-اوعى! سامع! اوعى! هدير متعرفش إني طالع عملية، لو عرفت تروح فيها وأبوها محلفني.
تخصر فهد زافرًا بحنقٍ وتفوه:
-ولما ترجعلها على نقالة مش هتروح فيها! دي هتطين عيشتك لما ترجع.
أشاح بكفه في مرحٍ:
-يا عم، لما أرجع هبقى أسفرها أفسحها هتنسى كل حاجة.
ابتسم الأخير بسماجةٍ:
-يا عسل! هتاكل عقلها بكلمتين يعني.
أومأ بلال ضاحكًا بتفكه، فسأله فهد:
-طب والمعاد الجديد امتى؟
-قدمناها يومين، يعني على آخر الأسبوع على ما نجهز القوات ونعدّل الخطة.
أومأ فهد عدة مراتٍ وهو يعبث بلحيته:
-خير إن شاء الله.
أشار له بلال محذرًا:
-أنا عايز أما أرجع ألاقيك حلقت دقنك دي! مكبراك وإنت صغير لسه.
رفع حاجبيه لبرهة وأخفضهما وهو يتعنت:
-لا انسى…دقني ميتمدش فيها مقص.
-يا ابني الدفعة كلها حالقة إلا إنت! خايف على دقنك لا تعيط ولا إيه!
قهقه فهد بسماجةٍ مغمغمًا:
-دمك ما شاء الله سِم.
هز بلال رأسه يمنى ويسرى بقلة حيلة:
-نفسي أشوف مين هيخليك تحلقها في يوم من الأيام.
اقتربا من المكان ودفع فهد الباب قائلًا:
-دقني دي محدش يقربلها، محلقهاش إلا لو مُت وداخلين يكفنوني غير كده لأ.
لكزه بلال في ظهره وهو يندفع خلفه:
-فال الله ولا فالك إيه جاب سيرة الموت دلوقتي كرهتني في عيشتي يا متشائم.
تعالت ضحكات فهد بمرحٍ وهما يدخلان صالة كرة السلة، خلع فهد سترته وبقى بتيشرت أزرق اللون بنصف كُمٍ وبدأ يمرر الكرة بينه وبين بلال، ينتصر عليه تارة ويُهزم تارة أخرى، وتتعالى ضحكاتهم في مرحٍ وسعادة، يبترها قول فهد المفاجئ:
-أبويا عرف إني في مصر.
توقفا عن اللعب..
واقترب منه بلال عاقدًا حاجبيه بتعجب:
-وبعدين؟
هز منكبيه بعدم إهتمام يلاعب الكرة أسفل قدمه:
-ولا قبلين، هزأني طبعًا وعِرف إني اتجوزت وخلفت، شدني غصب عني البيت، روحت قعدت شوية، طبعًا معاملة زي الزفت، وروحت وجيتلكم اليوم اللي بعده.
تخصر بلال مغتاظًا:
-وأنا آخر من يعلم ولا إيه؟
ضحك فهد بمرحٍ وعاد يراقص الكرة وهو يغمزه:
-واحدة بواحدة.
زفر بضيقٍ وعاد يسأله:
-وهتعمل إيه؟
هز منكبيه ببساطة وألقى الكرة:
-هعيش..
وسقطت الكرة..
في السلة!
***
ترجل من سيارته واقترب يقف أمام الرجال الجالسين على قطعة أرضٍ عارية تمامًا في منتصف طريقٍ سريع، كانا يتضاحكان ويفترشان الأرض بأغطية للنوم، خالعين معظم ملابسهم وكأنهم في منازلهم الخاصة!
همس أحد العاملين لذلك الرجل:
-والله يا باشا كنا هنبدأ نبني لولا لقيناهم، جينا نطردهم ضربوا العمال وقلوا أدبهم علينا وادّعوا إن هما من عيلة الحلواني والأرض دي بتاعتهم.
لم يُزيح بصره عنهم، واقترب أكثر وبطرف حذاءه وكز أحد الرجال المتسطحين، فزفر الأخير وتقلب على ظهره ناظرًا له بملل:
-خير يا أخينا؟
-الأرض اللي مبرطعين فيها دي هتتبنى دلوقتي، قوموا بالذوق في أي داهية خلينا نشوف شغلنا.
قهقه الأخير ساخرًا ولم يكلف نفسه عناء النهوض:
-وإنت مين بقا إن شاء الله علشان تؤمرني!!
أشار على نفسه متعجبًا:
-أنا؟ أنا بني آدم بسيط جدًا، أنا يا سيدي شفيق
صاحب الأرض اللي إنت واقف عليها دي.
رفع حاجبه بحذرٍ:
-بس دي مِلك الحلوانية!
-اعذرني، نسيت أكملك الإسم..
وقف مشدود القامة وهو يخلع نظارته الشمسية:
-شفيق…الحلواني.
قالها وغمز له بمكرٍ، فاتسعت عيني الأخير ولم ينبس ببنت شفة من هول الصدمة، بل انتفض واقفًا وهو وجميع من معه ينظرون له بذهولٍ، إلى أن تحدث كبيرهم:
-إحنا…إحنا كنا بنرتاح بس!
ارتفع ثغره ببسمة ساخرة:
-بترتاحوا هنا بقالكم أكتر من أسبوع؟
ازدرد الآخر لعابه بتوجسٍ، فاقترب منه شفيق هامسًا:
-عشان تعرف إن الحلوانية متسامحين جدًا، هسيبكم تمشوا، لكن…لو لمحت طرف حد فيكم ولو صدفة…
اقترب أكثر هامسًا جوار أذنه بلفظٍ جعل عيني الآخر تجحظ صدمةً وهو يرمق شفيق برعبٍ، انتفض يلملم كل شيء هو ورجاله وهرعا يركضون على الطرق عُراة الأقدام بشكلٍ أضحك العمال…
أشار شفيق للعمال ببدء العمل، وأخرج هاتفه الذي يرن من جيب بنطاله فإذا به يبتسم باستمتاعٍ ويجيب:
-مخدتش بوسة إنهارده!
شهقت على الطرف الآخر بخضةٍ:
-اخرس يا شفيق أنا فاتحة الإسبيكر!
عقد حاجبيه بغرابة:
-وفاتحاه ليه!
نظرت للسيدة الكبيرة الجالسة جوارها بتوترٍ:
-مـ…ماما جت البيت وكانت عايزة تكلمك تسلم عليك قبل ما تسافر تاني.
أومأ متحدثًا:
-آآه، ازيك يا حماتي..
ابتسمت أمها بسعادةٍ:
-بخير يا حبيبي طول ما إنتو بخير.
-مقولتيش ليه كنت قعدت إنهارده منزلتش!
نظرت لإبنتها بفخرٍ وفرحة:
-لأ مالوش لزوم، متتعبش نفسك يا غالي كفاية عليا أسمع صوتك.
دخل سيارته وأدار المحرك:
-رشا متخليهاش تنزل قبل ما أجي، هاجي أخدها للقطر.
شهقت أمها برفضٍ:
-لا يا حبيبي متتعبش نفسك!
-لا تعب ولا حاجة يا حماتي إحنا عنينا ليكِ، ربع ساعة بالكتير وأبقى عندكم.
ابتسمت أمها:
-ماشي يا حبيبي توصل بالسلامة.
أغلقت أمها الهاتف ونظرت للطفلين شروق وسليمان اللذان يلعبان في نهاية الجناح، وعادت تنظر لإبنتها التي تقطع لها الفاكهة وتضعها في طبقٍ:
-أنا كل مرة بحمد ربنا على جوزك يا رشا، أبوكِ الله يرحمه اختارلك صح.
توقفت يدها عن تقطيع الفاكهة، ونظرت أمامها لبرهة بشرودٍ، هي…لم تختار! هي أُجبِرَت!
وكزتها أمها في كتفها هاتفة:
-بت يا رشا بكلمك! سرحتِ مني ليه!!
ابتسمت بمجاملة وهزت رأسها أن لا شيء، ولكن أمها أمسكت ما فكرت فيه وهتفت بلومٍ:
-لسه برده فاكرة إن أبوكِ أجبرك على الجوازة؟ بقا عندك عيلين أكبر واحد فيهم عنده 9 سنين ولسه مصممة إنك مجبورة!
ابتسمت رشا ساخرة وهي تضع الطبق أمام أمها، استندت بكوعها على ظهر الكنبة وقالت:
-وهو مأجبرنيش!
هزت رأسها نافية تدافع عن زوجها بضراوة:
-لأ مأجبركيش يا رشا! وبعدين ماله شفيق! راجل ملو هدومه وبيحبك وفارشلك الأرض ورد! أبوكِ شاف مصلحتك فين..
انفعلت الأخيرة وكادت تصرخ بعلوٍ ولكن وجود أطفالها جعلها تتدارك الأمر هامسة:
-مصلحتي! مصلحتي ولا مصلحته هو! شاف إن سليمان الحلواني راجل ميتسابش، وإن الجوازة دي هتعود عليه بالنفع كون إن المحلات بتاعته كانت بتقع في السوق من ساعة ما عيلة الحلوانية ظهروا! نسب ميتعوضش! وشراكة بينهم متتسابش! إزاي يسيب العيلة اللُقطة دي!
ضحكت بمرارةٍ وشردت في نقطة وتابعت:
-والدليل إنه كان عايز يجوزني شاهين! بس للأسف شاهين بيه وقتها كان خاطب رنيم هانم بنت خالته، وملقاش ساعتها غير شفيق الحلواني، تاني أكبر فرد في عيلة الحلواني بعد شاهين، تتجوزه رشا العيلة، وتخلف منه زي الأرنبة، يقعدها في البيت ويمنعها من شغلها، تربيله العيال وفي بؤقها جزمة قديمة.
هدأت تلهث بانفعالٍ وقد احمر وجهها، وأصبحت أمها تنظر لها بصمتٍ ونظراتِ لومٍ وعتاب، سرعان ما نهضت تلتقط حقيبتها وتودع أحفادها، وتغادر الجناح دون أن توّجه أي كلمةٍ لابنتها..
فانحنت رشا تضع رأسها بين كفيها، تبكي بعنفٍ!
وأثناء نزولها الدرج تقابلت مع فضيلة التي رمقتها بازدراءٍ وهتفت ساخرة:
-واخدة في وشك ونازلة ليه يا منيرة هانم، رشا حبيبة بابا طردتك ولا إيه!
رمقتها منيرة من أعلاها لأسفلها بكراهيةٍ واشمئزاز، وتابعت نزولها تستند على طرابزين الدرج، تفكر في حديث ابنتها وانفعالها، ابنتها لم تنسَ، ولن تفعل، ابنتها ستظل تعافر حتى تُخرِب بيتها بيدها!
كادت تخرج من بوابة القصر حتى وقفت سيارة بورش أمامها، هبط منها شفيق، رجلٌ “ملو هدومه”..
حُلته غالية سوداء، وشعره أسود فحمي وعينيه بدُجنة الليل، أما حنانه…فهي تتمنى لو كان زوجها يغدقها بكل هذا الحب، تمنت لإبنتها الأفضل، وها هو الأفضل أتاها ولكن إبنتها الغبية تظنه إجبار القدر!
-إيه ده يا حماتي مش قولتلك تستنيني!
قالها بلومٍ، فابتسمت ببهوتٍ هاتفة:
-لا يا حبيبي بس خالك منير كلمني واستعجلني قولت أنزل أنا.
أشار لها بإحترامٍ لتركب السيارة:
-طب اتفضلي.
فتح لها باب السيارة فصعدت وهي تبتسم له بحزنٍ، تولى القيادة وسار بها على الطريق ببطءٍ يسألها:
-شروق كل يوم تسألني هنروح لتيتة منيرة إمتى، وسليمان مبيبطلش يسأل عليكِ، بتعملي للعيال إيه يا منيرة!
قالها بمشاكسة وهو يغمزها، فضحكت بسعادة حقيقة وأردفت:
-ولا حاجة والله يا شفيق، كل اللي بعمله بحسه قليل عليهم وعلى رشا، إنت عارف هي بنتي الوحيدة، عايزة أعملها الحلو كله قبل ما أموت..
غمغم بصوتٍ خفيض سمعته فتبسمت:
-بعد الشر عليكِ.
وتابعت وهي تتنهد بعمقٍ:
-ولاد رشا دول في قلبي من جوا، لو أطول أجيبلهم نجمة من السما لا أجيبلهم، دول ولاد الغالية.
ابتسم ولا زال بصره منصبًا على الطريق:
-ربنا يخليكِ لينا يا حجة.
ناظرته لبرهة بحزنٍ، كيف لرشا ألا ترى كم هو حنون! كم هو مرح ولطيف! كيف لإبنتها أن ترى بعد مرور كل تلك السنون أنها…سُيّرت لا خُيّرت!
تنهدت بتعبٍ وهي تستند برأسها على ظهر المقعد، أغمضت عينيها تنال قسطًا من الراحة، ولا زال عقلها يدور كالطاحونة.
***
خرج بلال وفهد من المكان بعد آذان العصر، يتضاحكان بمرحٍ ويتبادلان أطراف الحديث بمشاكسة.
-مراتك عارفة إنك رايح تتغدى عند أمك؟
قالها فهد بعبثٍ، فلكمه بلال بقوة في كتفه هاتفًا بضحكة:
-يا ابني اطفي البوتجاز ده شوية ما صدقنا طاقوا بعض.
نظر فهد أمامه قائلًا:
-كل ما افتكر إن أمك كانت عايزة تحبسها في الحمّام عشان غيّرت مكان الشاي بدل ما حطته في الدرج الأول حطته في التاني أضحك!
ثم نظر لصديقه نظرة ذات مغزى، فانفجر الإثنان ضحكًا وبقوة، احتضن بلال كتف صديقه وسار به هاتفًا بجدية مزيفة:
-اسمع يا فهد يا ابني، الجواز ده زي البطيخة…يا قرعة..يا حمرا.
ناظره فهد بنصف عينٍ متسائلًا:
-وإنت بطيختك طلعت إيه؟
تنهد الأخير بحسرة:
-اتخميت فيها وطلعت أناناسة صفرا!
وعادا يضحكان بقوة من جديد، حتى وصلا لمدخل العمارة وقبل أن يدخلا أوقفه بلال هاتفًا:
-استنى قبل ما نطلع.
ناظره فهد بتساؤل، فقال الأول:
-بقولك إيه، طالما أبوك عِرف إنك هنا يبقى ترجع البيت.
تأفف فهد بنزقٍ فتابع بلال:
-لا متهوفليش! أبوك عنده حق يزعل ويموتك كمان، دول سبع سنين مش لعبة، واتجوزت وخلفت من وراه ده بقا فجور، أنا صاحبك آه بس الحق حق، إنت أكتر واحد عارف معنى إنك تخسر إبنك قدام عينك إيه.
لقد…اخترق بذلك قلب فهد بشدة!
-وعارف معنى الخذلان إيه فبلاش تدوّق أبوك وأمك منه.
نكس رأسه وابتسم ساخرًا:
-مش لما يبقوا طايقيني الأول.
شد بلال على عضده حين قال ناظرًا بداخل عينيه:
-مفيش أهل بيكرهوا ولادهم، فيه أهل بيحبوهم أوي وبيحرصوا عليهم أوي لدرجة تخنق، وفيه أهل مبيحبوش يبينوا الحب ده خوف منهم مش كره! اللي حصل زمان مش سهل وإنت عارف، بس مهما كان…خليك فاكر…مفيش أهل بيكرهوا ولادهم يا صديقي.
ابتسم له فهد، ذلك الشعور الدافئ الذي يتواتر عليه حين يكون مع صديقه الوحيد..
لقد عوّضه بلال عن فقد الأهل..
عوّضه للغاية!
-شكرًا يا بلال.
لكمه الأخير في كتفه بخفة:
-شكرًا إيه، إنت أخويا يالا.
ضحك فهد ضحكة مرحة، فتابع بلال وهو يعانق رقبته متحركًا به للداخل:
-ملاكش غيري يا كلب.
فضحك وضحك بلال، ووقفا ينتظران المصعد، كاد يدخلا ويُوصد الباب لولا ذلك الذي ركض إليهما صارخًا:
-استنوا..
وقف أمام المصعد يستند على إطاريه يمنعه من الإغلاق، رفع رأسه إليهما هاتفًا بلهاثٍ وابتسامة:
-نسيتوا ديناصور!
ضحك فهد بمرحٍ وجذبه يربت على كتفه:
-دكتور يوسف! عاش من شافك يا راجل.
جذب فهد شعره من ذقن يوسف فتأوه الأخير، نظر فهد لبلال هاتفًا بغرابة:
-إنت أخوك بَلَغ امتى يا ابني!
1
هز بلال منكبيه متعجبًا:
-صحينا مرة واحدة لقيناه طالعله شعر في دقنه وصوته اخشن وبيعلي صوته علينا.
غمغم فهد بتفكير:
-عشان كده.
تململ يوسف بين جسديهما صارخًا:
-انتو هتتحظوا عليا بقا! أنا دكتور والله! وداخل ع التلاتين أهو.
حاوط بلال عنقه وشدد عليها هاتفًا من بين أسنانه:
-دكتور على نفسك.
فانحنى جسده وتأوه بحنقٍ متململًا وهادرًا:
-يا عم سيب بقا متقرفناش في الكام يوم أجازة بتوعك!
أشار بلال عليه ناظرًا لصديقه بذهول:
-ده بيعلي صوته عليا! مش قولتلك عامل نفسه كبير.
وزاد من ضغطه على عنقه هاتفًا بضحكة:
-يالا الله يرحم ما كنت بغيرلك البامبرز وبدخلك الحمام يالا.
زفر يوسف بضيق وناظره من أسفل ذراع بلال الذي لا زال يحاوط عنقه:
-إنت مكنتش بتعمل حمام وبتلبس بامبرز ولا ايه؟ وبعدين ما تصيعش دول كلهم 6 سنين.
انفتح باب المصعد وخرجوا منه، بلال يتقدمهم ويوسف يفرك عنقه مستمعًا بحنق لحديث أخيه الساخر:
-مكنتش بعملها ع السجاد يا معفن.
فتح بلال الباب بمفتاحه ودخل ينادي على أمه:
-ماما…احنا جينا.
-تعالى يا حبيبي أنا في المطبخ.
دخل في طريقه للمطبخ، بينما سار يوسف لغرفته، أما فهد فخلع حذاءه ووضع يده في جيبي معطفه، وسار في الممر المملوء بصور لبلال وهو طالب، وهو ظابط، وهو يتخرج، وكذلك يوسف وأختهم الصغيرة لارا، وصور أمهم وأبيهم، وقف كعادته ينظر لتلك الصور بابتسامة خفيفة تعلو ثغره، خصوصًا تلك الصورة لوالدة بلال وهي طفلة وشقيقتها الصغرى تحتضنها بقوة أمام مسبح كبير، تلك الصورة كانت دومًا تُثير مشاعره وتجذبه!
1
اقترب بلال منه خارجًا من المطبخ هاتفًا:
-سمسمة مدلعالك يا عم وعملالك البشاميل اللي بتحبه، والواد يوسف صرّفلنا شوية شيبسيات.
مر يوسف من جوارهما بعدما أنهى تبديل ملابس الخروج هاتفًا بغيظ:
-أيوه أيوه فهد حبيب القلب يتعمله المحمر والمشمر وأنا آكل عيش وجبنة.
اقتحم المطبخ هاتفًا:
-كده يا ماما؟ دي أخرة العِشرة؟
التفتت له تناظره بحنقٍ، ثم على كتفه هاتفة بتوبيخ:
-غور من وشي يا يوسف.
زفر بحنق:
-دي مبقتش عيشة بقا اكمني الوسطاني هتعامل المعاملة الدنيئة دي!
جذبه أخيه بلال للخارج ساخرًا:
-طب يلا يا دنيء خلينا ناكل.
جلس بلال على السفرة وكذلك فهد ويوسف، سأل بلال أخيه وهو يتناول القليل من السلطة:
-أختك فين؟!
أجاب يوسف وهو يشمر عن ساعديه:
-راحت عند هايدي صاحبتها وهتبات معاها إنهارده
-تبات! إنتِ مقولتليش إن هي هتبات يا ماما!
وضعت الصينية على السفرة وربتت على كتف فهد هاتفة بحبور:
-منور يا حبيبي.
ثم نظرت لبلال واستطردت:
-يا حبيبي اختكو مش صغيرة، وبعدين هي عايزة تحس إنها مش محبوسة، كفاية اللي الزفت صابر عمله فيه الله يجحمه مطرح ما هو.
تأفف بلال بغضبٍ:
-أيوه يا ماما بس لارا دلوقتي مطلقة! يعني الكلام عليها كتير مش عايزين حد يقول عليها كلمة وحشة!
ربتت على كتفه وهي تضع قطعة في طبقه:
-متقلقش يا حبيبي محدش يقدر يجيب سيرة بنت كمال الشامي بكلمة حتى.
التقط بلال هاتفه وخرج للشرفة، فلوت أمه شفتيها حانقة وصفعت يوسف على كتفه:
-كان لازم تتكلم ده إنت عيل بارد.
تذمر الأخير:
-هو مفيش غيري بقا!
رمقته بازدراءٍ ودخلت المطبخ..
وفي الشرفة كانت معركة دائرة بين بلال وشقيقته على الهاتف إذ يصرخ فيها:
-كلمة ومش هكررها يا لارا، ربع ساعة وألاقيكِ قدامي في البيت، ركبتي دماغك ومجيتيش هاجي أخدك أنا وبفضيحة وإنتِ عارفة إني ميهمنيش!
ثم أغلق الخط بوجهها بغضبٍ، وعاد للداخل…
فيما نهضت هي تلملم ثيابها من على الأرض جوار الفراش هاتفة بارتباكٍ:
-شوفت قولتلك بلال مش هيخليني أبات برا
وفيما ترتدي ثيابها نهض الآخر من على الفراش متلمسًا كتفها العاري هامسًا جوار أذنها:
-مش معقول يا لولا، مراتي ومش عارف أقعد معاها يوم على بعضه!
التفتت له بشفقةٍ واحتوت وجهه بين كفيها هاتفة بعشقٍ يفيض من عينيها:
-معلش يا صابر، والله يا حبيبي أوعدك أول ما بلال يرجع تاني شغله هنقضي وقت كتير مع بعض، بس دلوقتي لأ هما فاكرين إننا اتطلقنا خلاص مش عايزينهم يشكوا.
ابتسم بهدوءٍ وقبّل ثغرها برقةٍ، ثم نظر لوجهها وهو يعيد خصله شاردة خلف أذنها:
-عشان خاطرك بس.
ابتسمت بسعادةٍ وقبّلت وجنته، ثم نهضت تلتقط حقيبتها وتغادر الغرفة مسرعة، بينما عاد بظهره ليستند على ظهر الفراش، وهو يُشغل لفافة تبغٍ، ويبتسم بمكرٍ.
***
أنهت نارين الكشف عن الصغير، ونهضت عن المقعد تتجخ لمكتبها وتكتب له الأدوية في ورقة هاتفة للسيدة الواقفة أمامها:
-متقلقيش دول شوية بغد وهيغوحوا، المهم بصي..
أشارت على دواء في الورقة هاتفة:
-دي ياخدها بعد كل وجبة، ودا خافض لو تعب جامد.
وأشارت على آخر هاتفة:
-دي بقا تخليه يتغغغغ بيها 3 مغات بعد كل وجبة.
عقدت السيدة حاجبيها بتعجبٍ متسائلة:
-يتإيه؟!
هتفت نارين باستغراب:
-يتغغغغ!!
فغرت الأخرى شفتيها هاتفة بذهولٍ:
-يعني إيه!
احمر وجه نارين غضبًا:
-يتمضمض ويتغغغغ بيها إيه اللي مش مفهوم في كلامي!
-والله أنا مش عارفة أمغغغغه إزاي يعني!! يعني إيه أصلًا!
زفرت نارين بحنقٍ متمتمة:
-أوف بقا اللدغة اللي جيبالي الكلام..
ثم كتبتها في الورقة وأعطتها لها فهتفت المرأة:
-آآه قصدك يتغرغر!!
ابتسم نارين بسمة سمجة وهي تهنئها بسخرية:
-بغافو عليكِ إيه الشطاغة دي!
اعتذرت منها بحرجٍ:
-حقك عليا والله مخدتش بالي إنك لدغة.
فأشارت لها على الباب لتخرج:
-طيب يا ستي شكغًا ، خدي ابنك واطلعي بغا يلا.
ففعلت الأخيرة وهي ترمق نارين بريبةٍ وتلتقط كف ابنها خارجة من الغرفة وهي تحوقل، تزامنًا مع دخول قدر الغرفة وهي تنظر للسيدة وابنها بحاجبين معقودين، دخلت موصدة الباب تنظر لنارين هاتفة:
-فيه إيه يا بنتي إنتِ بتشتمي المرضى ولا إيه!
هتفت نارين بغضبٍ:
-اسكتي يا قدغ أنا زهقت من اللدغة دي هغوح أعمل عملية وأخلص.
ضحكت قدر بمرحٍ وجلست على المقعد أمام المكتب:
-عملية إيه هتقطعي لسانك مثلًا؟
ناظرتها نارين بغضبٍ حارق فازدادت ضحكات قدر مرحًا، فتفت نارين:
-إنتِ إيه اللي جايبك مش وغاكِ شغل وعمليات؟ اتفضلي يلا..
تنهدت قدر بضيقٍ وأردفت:
-عمك رعد جابلي بودي جارد جديد.
اتسعت حدقتي نارين بصدمة:
-غيغ جمال؟
أومأت قدر، فتابعت نارين:
-يا نهاغ أزغق يا قدغ! صحيح جمال إيه اللي حصله!
1
أشاحت قدر بكفها بعدم إكتراث:
-راح في داهية بقا وأنا مالي.
-إنتِ بجد لحد امتى هتفضلي تطفشي البودي جاغدز كده!
قالتها نارين بلومٍ، فتلاعبت قدر بحاجبيها عابثةً:
-لحد ما أخليهم يحرموا يشتغلوا عند رعد العزاوي.
هزت نارين رأسها يمنى ويسرى بقلة حيلة:
-إنتِ مجنونة بجد!
ضحكت قدر ضحكتها الشريرة، ونارين تضحك ضحكتها المرحة!
***
دخل شاهين الغرفة بعد نداءٍ عاجل من يُسرا على الهاتف أنهم قد عُزِموا على العشاء عند أصدقائها، وجدها تقف أمام المرآة تتزين، وأشارت له على الفراش حيث ثيابًا أكثر أريحية:
-حضرتلك الهدوم أهي البس بسرعة وأنا هخلص وألبس الفستان وننزل على طول.
رمقها بأعين تلتمع بخيالها، جلس على الفراش ناظرًا لكل حركة تفعلها بمنتهى الدقة، ابتسم بهدوءٍ ومال برأسه يتشرب تفاصيلها، يُسرا هي الماء الذي لا يُشبَع منه، والبحر الذي لا ينتهي عطاؤه.
التقط ثيابه واتجه للمرحاض، وفي طريقه مال يُقبّل وجنتها قبلة خفيفة حتى لا يُخرِب مجهودها، فابتسمت بخفة وأكملت ما تفعل..
وقف أمام مرآة الحمام متنهدًا، يستعد ليخلع ثيابه ثم فجأة تذكر…لقد وعد عمّار!
انتفض يفتح باب المرحاض وقال ليُسرا:
-إحنا هنطول عند أصحابك دول؟
هزت منكبيها بعدم معرفة ونظرت له:
-معرفش…ليه؟!
استند على إطار الباب وأطرق مفكرًا:
-وعدت عمّار انهارده أوديه المعمورة، ودي المرة التانية اللي أوعده وموفيش.
زمت يسرا شفتيها بشفقة، وأطرقت لبرهة ثم قالت:
-خلاص قوله يجهز نروح نقعد معاهم شوية لحد حداشر كده أو عشرة، نخلّص ونطلع ع المعمورة بسيطة.
ناظرها بامتنانٍ، اقترب يلتقط كفيها يقبّلهما بالتتابع هامسًا أمام عينيها بعشقٍ جارف:
-يا بختنا بيكِ.
رفعت اصابعها تقرص وجنته هاتفة:
-يا بختي أنا بيك..
ثم دفعته للمرحاض:
-يلا بقا عشان منتأخرش.
واستجاب!
وبعد دقائق كان عمّار قد ارتدى أفضل ما عنده، ونزل برفقة يُسرا التي تتأبط ذراع شاهين، وفي طريقهما للخروج اصطدما بوجه فضيلة المقطّب، لم يبالي شاهين أو يُسرا إلا عمّار الذي قال بصوتٍ عالٍ بريء:
-العقربة وبناتها.
1
جزت فضيلة على أسنانها بغيظٍ وكذلك بناتها سناء ووفاء، أما دُرة التي كانت جالسة معهم كتمت ضحكة كادت تنفلت منها رُغم أنها ابنة لتلك العقربة!
وصلت السيارة بعد مدة إلى المطعم، ترجلوا منها ودخلوا، عمّار ينظر للمكان بذهول وإنبهار فتلك أول مرة يدخل مكانٍ كهذا بعد عُزلة! ويسرا تبحث بعينيها عن سالي حتى وجدتها تُشير لها فاقتربت منها وتبادلتا القبلات، نظرت سالي بانبهارٍ لشاهين هامسة:
-ده جوزك؟
أومأت الأخيرة بتجهمٍ، فأردفت سالي:
-واو!
He is so handsome!
مدت كفها لتُسلّم عليه مبتسمة باتساع:
-هاي أنا سالي.
رفعت يُسرا حاجبها تنظر لزوجها تنتظر ردة فعله، فإذا به يبتسم بمجاملة لسالي هاتفًا:
-معلش والله مش هينفع.
-هو إيه اللي مش هينفع!
قالتها سالي متعجبة، كادت يُسرا في تلك اللحظة أن تهشم أسنان تلك الخرقاء، ولكنها تماسكت على آخر لحظة حين اقترب منهم زوج سالي مرّحبًا بحبور بشاهين ويسرا..
جلسوا على الطاولة فيما تحدث محمد زوج سالي وهو ينظر لها بحبٍ ملتقطًا كفها يقبّله:
-الحقيقة أنا فرحت جدًا لما سالومي قالتلي إن اصحابها هيشرفونا، أي حد يقربلها أشيله فوق دماغي.
رفع شاهين حاجبها باشمئزازٍ بينما رفعت يُسرا طرف شِفتها العلوية بازدراءٍ متمتمة:
-سالومي!
إومأت سالي هاتفة:
-محاميحو ميحبش يناديني غير بسالومي، متعرفيش ليه.
1
تحدث محمد بعشقٍ:
-سالومي كانت بنت جميلة يهودية، لما طلبت بس راس راجل جتلها في ثانية، وأنا مش بس راسي فدا سالومي، ده جسمي وروحي وكلي.
ضحكت سالي بمرحٍ وهي تميل على كتفه تحتضنه، بينما اقترب شاهين هامسًا ليُسرا باشمئزاز:
-أنا هرّجع!
1
وكزته في كتفه وناظرته بحدة ليصمت، فيما تحدثت سالي وهي تشير على عمّار الذي ينظر حوله بانبهار:
-مين ده يا يُسرا؟
ابتسمت الأخيرة وقالت:
-ده عمّار أخو شاهين.
رمقته سالي شزرًا وعادت تنظر لصديقتها بسخرية:
-بس باين عليه كبير يعني، أومال ليه حساه أهبل!
اشتعلت عيني شاهين بالغضب، وكاد يضرب الطاولة بكفيه وينهض مُشعلًا النيران، لكن يُسرا أمسكت بكفه ومنعته بلمسة وقالت بقوة:
-سالي من فضلك، أي إهانة هتتوجه لعمّار في القعدة دي هعتبرها ليا وصدقيني ساعتها هتزعلي أوي!
تراجعت الأخيرة وقالت بتوجس:
-اهدي أنا مقصدش، I’m sorry..
جاء الطعام ووُضع أمامهما في وجود اثنين من العاملين يضعان الأصناف، تحدث محمد محاولًا تخفيف حدة الأجواء:
-اتفضلوا الأكل ده معمول Special عشان خاطركم، نورتوا مطعمنا.
ناظرته يُسرا متسائلة:
-ده بتاعك؟!
أومأ مجيبًا:
-آه، اشتريته في مزاد عشان خاطر سالومي، كان نفسها تدير مطعم مقدرتش أقولها لأ..
مد يده بالشوكة لها أمام فمها هاتفًا:
-يلا يا روحي كُلي دي من إيدي.
وفعلت! بينما شاهين يرمقهما بنظراتٍ باردة مشمئزة كانت يُسرا تحسدها على إهتمام زوجها بها! تتذكر أن شاهين لم يقل لها ولو لمرة “يا روحي”، وإنما فقط يناديها بـ ” يُسر”! بلقب لم تفهم معناه ولماذا موجه لها حتى الآن!
همست لزوجها بغيظٍ وهي تلكزه في كتفه:
-شايف الدلع مش إنت اللي يوم ما تدلعني تقولي يا عم يُسري!
1
رمقها شزرًا وأكمل طعامه في هدوءٍ، بينما ابتسمت يسرا في وجوههم بمجاملة..
وفي تلك الجلسة اهتمت يُسرا بإطعام عمّار، وكان شاهين يقطّع لها اللحم من طبقه ويضعه في طبقها، لتلتفت وتأكله بسرعة ثم تعود لتعاون عمّار من جديد، فيما نظرت سالي لها ساخرة وأردفت:
-مكنتش متخيلة إنك ممكن تتجوزي وتبقي بيبي سيتر لأخو جوزك يا يُسرا! ده إنتِ كنتِ برنسس الجامعة!
أغمضت يُسرا عينيها تتمالك أعصابها، فتحتهما تبتسم لعمّار بحبٍ وهي تمسح بفمه بالمنشفة، فيبتسم لها ببراءة، عادت تنظر لسالي بذات البسمة المستفزة:
-وأنا مكنتش متخيلة إن هيتدهور بيكِ الحال لإنك تتجوزي واحد معندوش شخصية سايبك تنطحي في الكلام كده!
احمر وجه سالي وأشهرت إصبعها في وجه يُسرا محذرة:
-الزمي حدودك يا يسرا جوزي مش عديم الشخصية!
نهضت غاضبة تضرب الطاولة بكفيها وتصرخ:
-وأنا مش بيبي سيتر لحد وقولتلك أي إهانة هتتوجه لعمار هزعلك يا سالي!
نهض محمد يقطع نظراتهما الشرسة لبعض هاتفًا بتوتر:
-ميصحش كده يا بنات، سالومي يا قلبي اهدي، شاهين بيه هدّي مراتك من فضلك.
2
مسح شاهين فمه بالمحرمة من بقايا الطعام واتكأ على ظهر مقعده هاتفًا ببرود:
-مراتي مش مجنونة عشان أهديها، اللي محتاج يهدى هنا هو المدام سلامي بتاعتك.
1
أما عمار فقال:
-يُسرا البنت دي مستفزة وقليلة الأدب ونوتي.
1
ناظرته سالي بغضبٍ حارق:
-أنا قليلة الأدب يا غبي يا متخلف! ما أنا اللي غلطانة إني عزمت الأشكال دي…
ثم نظرت ليسرا واستطردت بصياح:
-فعلًا زي ما كانوا بيقولوا عليكِ…معقدة وسايكو!
ثم أشارت سالي بإصبعها تطردهم باحتقار:
-اطلعوا برا، دي غلطتي إني سمحت لأشكالكم يخشوا مطعمي…براااا.
وهنا نهض شاهين ببطءٍ بقامته الطويلة المشدودة، فوقفت سالي تتطلع له بريبةٍ وكذلك محمد الذي كان كالقزم أمامه، تحدث شاهين بصوتٍ مبحوح أرعبهما وكذلك نظرته القاتمة:
-كلمة زيادة في حق مراتي أو أخويا وليلتك هتبقى زي خلقتك…
وقف يناظرهما بنظرته القاتمة، فتوجسا خشيةً منه، ثم أخرج من جيبه محفظته وألقى رزمة أموال على الطاولة قائلًا بينما يعيد محفظته في جيبه:
-ده تمن الطفح، وردي على جليطتكم هيوصل بكره الصبح متقاطعوش بس.
أشار لزوجته:
-يلا يا يُسر.
سحبها من كفها وبدورها سحبت عمّار الذي نظر لسالي يُخرج لها لسانه بطفولية، فدبدبت بقدميها على الأرض بحقدٍ وقد أصبح وجهها كتلة من الدماء!
ربما كان غرضها من تلك العزومة أن تهين يُسرا كما اعتادت دومًا أن تفعل ولكن….وجود ذلك الشاهين في حيز يُسرا جعلها أقوى وأقوى!
***
فتحت لارا باب الشقة، ودخلت فوجدتهم يجلسون أمام التلفاز، جلست جوار أمها دون أن تنطق، فقال بلال ساخرًا:
-داخلة على يهود ولا إيه!
رمقته بغيظٍ هادرة:
-إنت تسكت خالص! ليه مش مسموحلي أبات عند صاحبتي هو أنا في سجن!
1
أردفت والدته مهدأة:
-أخوكِ خايف عليكِ! حقه يا بنتي.
وجهت لارا حديقها لفهد وقالت:
-يرضيك كده يا فهد تصرفات صاحبك! أنا حاسة نفسي إرهابية من الإرهابيين اللي بتتعاملوا معاهم وعايزة حراسة مشددة!
وضع فهد كوب العصير على الطاولة أمامه قائلًا بهدوء:
-حقه، أخوكِ وخايف عليكِ.
غضبت وصاحت:
-برده هيقولي خايف عليا! ده مش خوف ده هوس!
أشارت على والدتها هاتفة:
-طب ما ماما بتخاف عليك أكتر واحد فينا، منعتك تشتغل شغلانة خطر زي دي؟ قاعدة خايفة كل يوم لا تسمع خبرك! وممنعتكش!
استند بلال على ظهر الأريكة هاتفًا بسخرية:
-انتي هتجيبي نفسك ليا! أنا ظابط يا ماما…وفوق كل ده..أنا راجل!
ثم نظر لأمه بمرح غامزًا:
-وبعدين دي أمك نفسها تسمع خبري، وتبقى أم الشهيد!
انقبض قلبها وشحب لونها فجأة صارخة برعب:
-اسكت يا بلال، مقدرش أستحملها دي يا ابني!
ولإنهاء الجدال أشارت لابنتها على الطاولة:
-وإنتِ يا موكوسة، قومي غداكِ أهو.
أشاحت بكفها ونهضت لغرفتها:
-مش عايزة أطفح.
تنهدت أمها بحسرة، بينما تابع بلال مشاهدة التلفاز بذهنٍ شارد، أما فهد فكان يتجاهل كل مكالمات والدته التي وصلت حتى الآن لأربعة عشر مرة!
***
وضعت فايا طبق الفشار أمام أخيها وهي تهتف بحنق:
-ربنا يصبرني على دي عيشة، عمّالين نعلف فيك ولا بيبان عليك.
قهقه فادي ساخرًا:
-عشان أنا راجل يا ماما.
هزت رأسها بعدم فهم ضاحكة بتهكم:
-إيه اللي دخل ده في ده بجد! هو أي جملة تعرفنا فيها إنك راجل يعني!
-يا بنتي لمي نفسك إنتِ بتكلمي وكيل نيابة دلوقتي!
قلبت فايا عينيها بمللٍ، بينما تحدث رعد:
-إنت يالا إنت وهي، خفوا كلام شوية مش ناقصين صداع!
ثم صرخ مناديًا:
-القهوة يا شــــــــهــــــــــد.
خرجت شهد من المطبخ تتبعها سارة التي تحمل طبق كبير من الفاكهة:
-طيب طيب هو مفيش غيري هنا اللي بيعمل قهوة يعني!
وضعتها أمامه فأمسك كفها وقبّله غامزًا لها وهامسًا:
-القهوة من إيد الحلوة غير.
1
احمرت وجنتيها بخجلٍ، بينما صفّر فادي وصفقت فايا هاتفين في ذات اللحظة:
-اديله ادي.
هبطت تالا خلف أبيها تحايله بدلالٍ:
-يا بابي عشان خاطري يا بابي والله ما هتأخر، هرجع الساعة تسعة وهنزل تمانية وافق بس.
ويامن يهتف بصرامة وهو يجلس جوار فادي على الأربكة:
-قولت لأ يا تالا، أعياد ميلاد ومرواح بيوت الناس لأ.
تأففت حانقة ونظرت لشهد تهاتفها برجاءٍ:
-اقنعيهم يا مرات خالي بالله عليكِ!
فقالت شهد:
-ما توديها يا يامن هي قصة! البت هتروح ساعة وترجع أهي.
صمت يامن قليلًا برفض، فتدّخل رعد وهو يرتشف من فنجان القهوة:
-تروح وترجع مع البودي جارد بتاعها وتاخد نور ولا فادي معاها.
صاحت تالا رافضة:
-لأ فادي لأ، فادي آخر مرة فضحني قدام أصحابي وخلّص التورتة كلها ومسابش غير 3 بُقسماتات بالعدد!
تحدث فادي من خلفها وفمه مليء بالطعام:
-دلوقتي فادي كُخة؟ ماشي يا كلبة أدي دقني أهي لو جيبتلك شوكلتات تاني وأنا راجع من الشغل.
أشاحت بكفها بلا مبالاة:
-يا عم ما إنت بتاكل نصهم وتيجي تقولي وقعوا مني يا كداب.
تأفف يامن وأردف:
-بس بقا ده إنتو صداع، خلاص خدي نور.
تدّخل نور هادرًا:
-نور مين يا عم يامن صباح الفل إنتو ناسيين إني خاطب ولا إيه؟
تخصرت تالا بحنق:
-يا سلام؟ وهي ست جوز هند بتاعتك دي إيه حشرها دلوقتي؟؟
عاد بظهره للخلف واضعًا ساقًا فوق الآخر وقائلًا بتسلط:
-خارجين بكره طبعًا وإحنا فاضيين لسيادتك، نازلين ندورلها على فستان تحضر بيه خطوبة فادي وقدر.
نفخت تالا أوداجها وربعت ذراعيها أمامها بضيق:
-وبعدين دلوقتي أعمل إيه؟!!
تدخلت شهد فجأةً وقالت:
-ممكن فهد يوديها..
نظر الجميع لشهد بصمت، فتوجست من نظراتهم وخاصةً نظرات يمنى الحادة، بينما تحدثت فايا مقطبة الجبين:
-فهد مين؟
قال رعد وهو ينظر أمامه بشرود:
-أخوكِ.
اتسعت حدقتيها صارخة بصدمة:
-أخويا! أنا ليا أخ غيرك!!
1
قالتها لفادي الذي تنهد بعمقٍ، بينما قالت تالا بتعجب:
-صحيح يا عمو رعد إنتو مخلفين غير فادي؟
اعتلى ثغر يمنى بسمة ساخرة:
-اتفضلي يا ست شهد، ميعرفوش إبن خالهم هيروحوا معاه فين؟؟
ناظرتها شهد بتحذير، ثم عادت تنظر لتالا مبتسمة:
-إنتو مش فاكرينه بس، كنتو صغيرين آخر مرة جيه هنا، كان هنا اول إمبارح بس إنتو كنتو في المدرسة.
رفعت شهد هاتفها وابتسمت بتوتر:
-هكلمه يجي تتعرفوا عليه.
ونهضت، بينما لوت يمنى شفتيها ساخرة، بينما صمت الجميع، ولم يدم ذلك الصمت طويلًا حتى تعالى صوت بوق سيارة حارج القصر، فنهض الجميع قلقًا للبهو، وتفاجئوا بدخول ثلاث سيارات خلف بعضهم البعض، توقفت تلك السيارات وهبط منها بالتتابع..
فتاة طويلة القامة ذات شعر أسود يتطاير حولها..
وأخرى قصيرة قليلًا شعرها أسود معكوص للخلف..
ثم فتى طويل القامة مبتسمًا بهدوء، وآخر مشاكسًا بنظراته وبكفه تتشبث فتاة صغيرة تبتسم بحماسٍ..
ثم وأخيرًا…فتى أصغر منهم جميعًا، يهرول ليقف في منتصف البهو فاتحا ذراعيه على وسعهما يبتسم بمرح:
-وحشتوني يا عيلة خُلل.
تمتمت فرح الصغيرة بيأسٍ:
-ها قد وثل الأحمق التعيث.
مالت تالا على توأمتها تهمس لها بغيظٍ:
-مش هستحمله صدقيني.
جزت تالين على أسنانه تبتسم بمجاملة:
-دمه سِم، بس مضطرين.
لطمت سارة هامسة بحسرة:
-يالاهوووي الواد دا أيه اللي جابه.
جز يامن على أسنانه كإبنته مقطبًا الجبين:
-قولتله يجيب مراته وعياله ميجيبش الواد ده!
امتعضت ملامح رعد ولم يتحدث، أما زهد فهمس ليمنى:
-الواد دا بيشلني.
وردت هي عليه وهي تضع يدها على قلبها:
-وبيجلطني ده محدش جابلي السكر غيره!
وتدخلت قدر متنهدة بيأس:
-وبيعصبني.
وامتعض وجه فادي:
-وبياكل أكلي!
1
ناظرته قدر بازدراء وعادت تنظر لهم بقلة حيلة، أما شهد فقد خرجت من الشرفة بعد محاولات عديدة للإتصال بإبنها، سرعان ما ابتسمت بسعادة ورحبت بهم بحماس سارخة:
-ســــــــاجد!
والأخير يبتسم بعبثٍ ويرتمي في أحضانها:
-قلبه من جوا!
ثم صوت إمرأة رقيق يخرج من خلف جمع الأولاد، يفرقهم ويقف في المنتصف، تعدّل وضع حجابها الملتف حول وجهها الملائكي:
-مين اللي مش مرحب بوجود إبني ده!!
ابتسمت شهد بسعادة وصاحت بحماس:
-آيـــــــــات.
وتلك هي آيات..
أكبر سوء تفاهم في بدايات حياة سارة ويامن..
وشقيقة للحب الأول له، الشقيقة التوأم، ومُشكلته الأكبر…
فهي عدوة زوجته الأولى، وحبيبة شهد الأولى…
والأهم…أنها الزوجة الثانية لحُسام العزاوي!
_________
زر الذهاب إلى الأعلى