رواية ياسين ونور الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
رواية ياسين ونور الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
استمر التوتر القوي بين ياسين ونور لأيام، والكل في الموقع يتابع هذا الصدام اليومي بين “الصرامة الحديدية” و”الأصالة والنقاء”. ورغم قسوة ياسين الظاهرية وجفائه بـ العمل، إلا أن نور استطاعت بفضل حرصها المخلص وعذوبتها الشريفة أن تكسب ثقة ومحبة كل عمال وفلاحي الموقع الطيبين بـ الأصول الطيبة.
وفي عصر أحد الأيام، ثارت فجأة عاصفة ترابية وهوجاء متبوعة بأمطار رعدية غزيرة تسببت في انسداد قنوات الري وغرق مستودعات تخزين البذور الحساسة بوسط المزارع. أصدر ياسين أوامره الصارمة بسحب العمال فوراً لـ غرف الإيواء بسرعة وحذر. وقف خلف زجاج مكتبه يتابع تراجع الآليات بـ صمت، وشعر بانقباض مفاجئ وعارم في صدره عندما أخبره المشرف برعب أن نور لم تعد لمكتبها، وأنها توجهت بمفردها للمستودع الشرقي لإنقاذ عينات البذور النادرة التي عكفت على تطويرها لأشهر.
تحركت في ياسين الشهامة، والمروءة، والرجولة الأصيلة لـ ابن البلد بلمح البصر؛ خلع سترته الرسمية واندفع خارج المقر وسط الرياح والسيول العاتية غير مبالٍ بالخطر الذي يهدد حياته. قاد سيارته الدفع الرباعي وسط انعدام الرؤية، والقلب الذي ظنه حديدياً وصخرياً طوال حياته كان ينبض برعب عارم خوفاً على سلامتها ونقائها الشامخ.
بعد بحث شاق وسط الرياح والمياه المتدفقة داخل المستودع، وجدها تقف بشجاعة تحاول رفع الصناديق بـ يدها الرقيقة والنظيفة. هبط ياسين كـ الإعصار بغضب مرعب؛ وببنيته القوية وعضلاته المفتولة دفع الصناديق وأحكم رفعها، ثم التفت نحو نور وبحسم غاضب تملؤه اللهفة والعشق الخفي، أمسك بـ يدها وسحبها لـ صدره ليركبها بجانبه بالأمان بـ السيارة.
بمجرد دخولهم السيارة الدافئة، صاح ياسين بغضب مكتوم يخفي وراءه خوفاً جارفاً وقاتلاً عليها:
“هل جننتِ يا باشمهندسة؟ بقاؤكِ هنا وسط هذه السيول لأجل بذور كان سيكلفكِ حياتكِ بهذه البساطة! الشجاعة لا تعني التهور بأرواحنا النظيفة!”
نظرت نور إلى عيونه الصقريتين الحادتين بدموع حبيسة تفيض بالنبل والعزة، وقالت بصوت عذب وقوي زلزل حصون قسوته:
“يا ياسين بيه.. هذه البذور هي شرف أمانتي العلمية، وحياتي ليست أغلى من مبادئي. شهامتك التي جعلتك تخاطر بحياتك لتنقذني الآن، تثبت أن خلف قناع صرامتك وجفائك المصطنعة رجلاً شهماً يعرف معنى التضحية بالفطرة، فلماذا تحارب أصلك الطيب باسم النفوذ؟”
صمت ياسين بصدمة وعجز عن الرد لأول مرة، ونفذت كلماتها النظيفة إلى سويداء قلبه بـ ساحة الحق.
