Uncategorized
رواية وللقلوب موعد الفصل الثالث 3 بقلم ملك عبدالله احمد

رواية وللقلوب موعد الفصل الثالث 3 بقلم ملك عبدالله احمد
أمـك لـو ما علّمتكش إن الراجل عمره ما يمد إيده على ست، فأحب أعرفك أنا.
اللِ بيمد إيده على واحدة ست، ميبقاش راجل.
_يـونـس!
_أنتِ كويسة؟!
هزيت راسي برفض، وأنا حاسة إني بحلم معرفش إزاي وصل لـ هِنا… إمتى؟ وليه؟ وإزاي؟
آه زمان، لما كان لسه بينا صلة، كان بينا حاجات كتير أوي كتير لدرجة إني لحد النهارده بعيش على ذكرياتها.
لكن من سنتين، كل حاجة اتقطعت بينا.
قطّع علي شرودي وهو بيقول بحدة:
_أنت مين أنت، وبتتكلم في اللي ملككش فيه ليه؟
_علي!
كان صوت عمي، اللي اتقدم بخطوات هادية وقال:
_أهلًا وسهلًا يا يونس، نورتنا. أحم… ده يـ علي، ابن خاله مراتك.
ابتسم علي ابتسامة ساخرة وقال:
_آه من زمان أوي وأنا نفسي أتعرف عليك يا يونس بيه.
الجو كان متوتر من قبل ما ييجي لكن دلوقتي، حسيت إن البيت كله بقى واقف على شعرة.
بص عمي لـِ علي وقال:
_خد مراتك يلا وطلّعها فوق، واتصافوا مع بعض.
وأنا هضيف يونس. أنت عارف بقى يـ يونس قبل الفرح الكل بيكون متوتر، خصوصًا العروسة.
قرب مني علي وهو بيمد إيده ناحيتي.
اتراجعت بفزع لكن قبل ما يلمسني
تحرك يونس كام خطوة، ووقف بيني وبينه.
وقف ثابت لا رفع صوته، ولا حتى بص لـِ علي، لكن وجوده لوحده كان كفاية يمنع أي حد يقرب.
من غير ما أفكر، لقيت نفسي باستخبى وراه، ومسكت طرف الجاكيت بتاعه بإيديا المرتعشة وكأني أخيرًا لقيت مكان آمن.
رفع يونس صوته وهو بيبص لعمي، متجاهل علي تمامًا رغم إنه كان واقف بيغلي من العصبية.
_حضرتك، أنا مش جاي أضايف ولا أقعد، أنا جاي لبنت خالتي.
اتوتر عمي، لكنه حاول يحافظ على هدوئه وقال:
_أه أه يا حبيبي، طبعًا. اتفضل، البيت بيتك.
هز يونس راسه وقال بنبرة ثابتة:
_كان هيبقى البيت بيتي فعلًا قبل ما أعرف إن بنت خالتي بتتهان في بيتها يا أستاذ عمرو.
ساد الصمت و كمل وهو بيبص في عيون عمه مباشرة:
_لولا إني وصلت في الوقت المناسب كان زمان ابنك، اللي عامل فيها راجل وبيستقوى على مراته، كمل عليها.
لف راسه ناحيتي، وعينه وقعت على خدي اللي لسه ظاهر عليه أثر الصفعة.
ورجع بص لـِ علي، والغضب واضح في عينه رغم هدوء صوته:
_بس باين إنه عملها فعلًا.
ولا حد نطق البيت كله سكت، حتى علي نفسه كان مستغرب إن أبوه واقف ساكت بالشكل ده.
لكن مقدرش يتمالك أعصابه أكتر، فاتقدم ناحيتي وهو بيقول بعصبية:
_خدي هِنا يا غُفران إنتِ بتستخبي ورا مين؟
وأشار ليونس بازدراء:
_وأنت مالك؟ ضربتها ولا موتها إنت مالك؟ واحد ومراته، داخل بينا ليه؟ وكمان أنا مش عايز مراتي تكلمك أصلًا.
و أمرني بحدة:
_يلا يا غُفران تعالي هِنا.
هزيت راسي برفض، وتمسكت أكتر بطرف جاكيت يونس، وخرج صوتي مرتعش:
_لأ.
اتغيرت ملامح علي، واتحرك ناحيتي بسرعة.
لكن في نفس اللحظة، مد يونس إيده ومنعه من يقرب خطوة واحدة.
وقال بنبرة هادئة، لكنها كانت حادة بما يكفي توقفه:
_هي قالت إنها مش عايزة تروح معاك
يبقى هتروح معاك على أي أساس؟
ابتسم علي بسخرية وقال:
_دي مراتي وأنت ملكش دعوة بينا.
رد يونس من غير ما يهتز، وعينه ثابتة في عينه:
_من اللحظة اللي رفعت فيها إيدك عليها… بقى ليّا دعوة.
ضحك علي باستفزاز، و الجو كان متكهرب، والكل حاسس إن أي كلمة زيادة ممكن تقلب البيت.
وقبل ما أي مواجهة تحصل بينهم، تدخل عمي بسرعة، ومسَك علي من دراعه وهو بيقول محاولًا يهدّي الوضع:
_يونس يا حبيبي، إحنا مقدرين موقفك طبعًا، وإنت في الآخر ابن خالتها، وبمثابة أخوها الكبير.
لكن زي ما قلتلك دي مجرد مشكلة بين راجل ومراته، وهتتحل.
وإحنا في الأول والآخر أهلها، دي بنت أخويا وأكيد فاهم قصدي.
سِكت لحظة، و كمل وهو بيحاول يبرر:
_وعلي بس عصبي شوية، ومتوتر بسبب تجهيزات الفرح. وفي لحظة غضب خرجت منه الحركة دي، لكنه أصلًا كان هيعتذرلها دي مهما كان مراته، وحبيبته، وبنت عمه.
وحاول يخفف الجو وهو بيضحك:
_وبعدين إنت عارف الستات أكيد والدك في مرة اتعصب على والدتك وضربها، هزار يعني.
رفع يونس عينه وبصله نظرة خلت ابتسامته تختفي، وقال بهدوء شديد:
_لأ…
_أبويا راجل وحط تحت كلمة راجل مليون خط
وعمره ما مد إيده على أمي.
وأضاف، ونبرة صوته بقت أكثر حدة:
_لأن اللي يرفع إيده على ست ضعيفة قدامه، ميبقاش غضبان يبقى ضعيف.
_ومتحاولوش تقنعوني إن الإهانة اسمها لحظة غضب أو عصبية
_وأنا اتربيت على حاجة واحدة إن ستات بيتنا أمانة.
والأمانة لما حد يفرط فيها مبنرجعهاش لنفس الشخص مرة تانية.
مال بجسمه خطوة لقدام، وعينه ثابتة في عين علي:
_ومن النهارده محدش هيقرب منها وهي مش موافقة.
نفخ علي بضيق، وقال بنفاد صبر وهو بيبص ليونس:
_آه وبعدين يعني؟ بعد كل ده عايز إيه؟ مش فاهم.
رد يونس ببرود، من غير حتى ما يبصله:
_أنا مش بتكلم مع عيال صغيرة، ليك كبير بتكلم معاه.
احتدت ملامح علي، وشد فكه بعصبية:
_لأ بقى أنا سِكت بما فيه الكفاية. امشي من هنا يلا، وملكش دعوة بينا عشان ما أمدش إيدي عليك ونقلبها دم هنا.
أول ما سمعت نبرة صوته، والخيط الرفيع اللي كان ماسك أعصاب يونس، خوفت.
قلبي كان بيدق بعنف.
لكن حاولت آخد نفس.
_أنا مش ضعيفة مش ضعيفة.
كررتها جوايا أكتر من مرة.
_هقدر أتكلم وهقدر أواجه.
ويـونـس هِنا.
خرجت من وراه، ووقفت جنبه، قصاد علي مباشرة.
صرخت في وشه، وكل كلمة كانت طالعة من وجع سنين:
_إنت إيـه؟! إيـه يا أخي إنت؟!
معندكش دم؟! معندكش كرامة؟! معندكش نخوة؟!
فرحان بنفسك وإنت واقف بتتكلم، ولا كأنك صاحب حق؟!
اتكلم!
قولهم إنك خنتني مرة، واتنين، وألف مرة.
قولهم إنك ضربتني عشان واجهتك وعرفتهم حقيقتك.
قولهم إنك واحد زبالة، ومفيش غير البنات في دماغك.
رفعت إيدي أشاور على كل اللي واقفين.
_وإنتوا بتدافعوا عنه ليه؟!
عشان إيه كل ده؟!
عشان شوية فلوس؟!
لا أنا عارفة إن الفلوس مش كل الحكاية بالنسبالك.
بصيت لعلي بقرف، وقُلت:
_إنت مش هامك الورث
إنت هامك تذلني.
هامك تحسسني إني ملكك، وإن مليش حق أقول لأ.
بس اسمعني كويس أنا مش هسكت وهتطلق منك.
ومستحيل… مستحيل أأمن عمري وحياتي مع واحد شبهك.
سِكت، حاولت ألقط أنفاسي، وأحبس سيل الدموع اللي كان بيحرق عيني.
لأ…
مش هعيط
مش قدامهم
مش هديهم إحساس إني ضعيفة، ولا إني هنهار، ولا إني ممكن أرجع في كلامي.
كفاية سنين كنت بكسر فيها نفسي عشان أرضيهم.
النهارده لأول مرة، أنا اللي اخترت نفسي.
ساد صمت ثقيل، محدش نطق فيه بحرف.
وفجأة اتكلم يونس:
_أنا شايف إن إجابة كل أسئلتي وصلت خلاص.
لف وشه ناحية عمي، وكمل بنفس الثبات:
_وحاليًا دوري أنا.
بنت أخوك يا أستاذ عمرو في حمايتي
وهتفضل معايا لحد ما يتحقق اللي هي عايزاه.
لف ناحيتي، ومد إيده وهو بيقول بهدوء:
_يلا يا غُفران.
بصيت لإيده لحظة…
إيد واحدة، لكنها كانت بالنسبالي الفرق بين سجن كنت عايشة فيه… وبين باب بيتفتح لأول مرة.
افتكرت النصيحة اللِ اتقالتلي من كام سنة من ماما عن يونس.
“معاه هتكوني في أمان، ثقي فيه في كل مرة تقعي ومتلاقيش اللي يسندك، هو هيكون سندك وأمانك.”
مديت إيدي من غير تردد.
أول ما أصابعي لمست كفه، حسيت برجفة سرت في جسمي كله.
يمكن من الخوف ويمكن من إحساس افتقدته من سنين.
إحساس إن فيه حد وقف قدامي، مش ضدي.
شدني برفق، وبدأنا نمشي.
عدينا من وسطهم تحت دهشتهم ولا واحد اتحرك ولا واحد قال استنى.
ولما وصلنا عند باب البيت سمعت صوت حركة سريعة ورايا.
كان علي حاول يجري ناحيتي، وهو بيصرخ بغضب فقد معاه السيطرة:
_غُـفران!
لكن عمي لحقه، ومسَكه من دراعه بكل قوته.
فضل علي يحاول يفلت وهو بيزعق باسمي مرة ورا التانية، وصوته كان بيوصلني وأنا خارجة من البيت
_غُـفران!
_غُـفران، ارجعي هنا!
لكن للمرة الأولى موقفـتش ولا حتى بصيت ورايا.
لأن في اللحظة اللي خرجت فيها من باب البيت
حسيت إني خرجت من عمر كامل كنت فيه سجينة.
” كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ عَلَى الكَتِفِ يُثْقِلُهُ، إِلَّا رَأْسَ المَحْبُوبِ “
لو حد قالي إن فيه ولو واحد في المية احتمال إن يونس
يرجع وينقذني وأكون قاعدة معاه دلوقتي، كنت هضحك ومش هصدقه.
أصل… مستحيل.
فضلت أبصله شوية، وكأني بتأكد إنه حقيقي، وبعدين سألت بصوت لسه مهزوز:
_هو أنت عرفت إزاي؟ وجيت إزاي؟ حاسة إني مش فاهمة حاجة.
كان سايق بهدوء، وعينه كلها على الطريق.
رد من غير ما يلف ناحيتي:
_خالتك أمنية كلمت ماما، وحكتلها كل اللي حصل. وقتها أنا كنت في مصر، ولما عرفت ماما أصرت إني أجيلك.
قالتلي “لو غُفران محتاجك متتأخرش عليها.”
أول ما سمعت اسم خالته، حسيت قلبي اتحرك.
_خالتو سماء عاملة إيه؟ وحشتني أوي.
وبلهفة سألت:
_هي معاك؟
هز راسه بالنفي، وقال بنفس هدوئه:
_لأ.
وسِكت لحظة قبل ما يكمل:
_ولو كانت وحشتك بجد كنتِ على الأقل سألتي عنها مرة.
بلعت ريقي، ومردتش.
_أنتِ اللي قطعتي كل اللي بينا.
لف ثانية يبصلي، ورجع عينه للطريق.
_ولحد النهارده مش فاهم ليه.
حاولت أهرب من السؤال، فسألته:
_أنت نزلت مصر ليه؟
_صفيت شغلي في تركيا وقررت أستقر هِنا.
بصيتله بسرعة، والصدمة ظهرت على وشي.
_بتهزر؟!
يعني هترجعوا تعيشوا هنا؟
وهشوف خالتو سماء تاني؟
هز راسه بإيجاب، وفضل ساكت.
بعد شوية، سألت بتردد:
_هو إحنا رايحين فين دلوقتي؟
_عند خالتك أمنية.
هتقعدي عندها مؤقتًا.
اتوترت ملامحي فورًا.
_بس خالتو أمنية مش بتهتم بيّا.
كل مرة كنت بروحلها كانت تقولي ارجعي بيت جوزك وكملي.
أخد نفس،و قال بهدوء:
_أنتِ عارفة إن خالتك من يوم ما اتطلقت وهي مش شبه زمان.
جوزها خد منها عيالها، وكسرها.
هي بقت شايفة إن الست تستحمل أي حاجة لأنها هي استحملت.
_وده مش معناه إنها صح ولا معناه إنها مبتحبكيش.
لف ناحيتي أخيرًا، ونظرته كانت مليانة عتاب أكتر من الغضب.
_بس كان فيه ناس بتحبك فعلًا يا غُفران.
_أنا… وماما.
_ولو كنتِ كلمتينا من أول مرة أو حتى من عاشر مرة مكنّاش هنسيبك دقيقة هناك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها كانت كلها مرارة.
_لكن إزاي
لازم الملكة غُـفران تعاند.
لازم تقنع نفسها إنها تقدر تشيل الدنيا كلها لوحدها.
وإنها مش محتاجة حد
رغم إن أكتر ناس كانت محتاجاهم هي بنفسها اللي بعدت عنهم.
مقدرتش أنطق،
كان عنده حق في كل كلمة قالها.
ومعرفش أنا ليه كده.
ليه كل مرة بقسي على نفسي قبل ما الدنيا تقسى عليا؟
وليه دايمًا بحاول أصلح ناس عمرهم ما حاولوا يصلحوا كسري؟
قطع صمتي وهو بيسألني بهدوء:
_هتعملي إيه في العلاقة دي؟ هتكملي ولا…
سِكت.
واضح إنه قصد يقول تتطلقي، لكنه ابتلع الكلمة، وساب القرار يخرج مني أنا.
نزلت بعيني على إيديا، وحسيت إن رأسي مليانة أسئلة ملهاش إجابة.
هرجع فعلًا؟
وأكمل؟
أكمل قسوة على نفسي وهلاكها؟
ولا أحميها؟
خرج صوتي ضعيف، متردد:
_مش عارفة يا يـونس…
لف يبصلي بسرعة، وكأن إجابتي كانت آخر حاجة يتوقع يسمعها.
وقال بحدة امتزجت بخوف واضح عليّا:
_يعني إيه مش عارفة يا غُفران؟
بتفكري ترجعي لواحد خـانـك؟
خانك مرة واتنين وتلاتة؟
بتفكري ترجعي لواحد أول ما واجهتيه مد إيده عليكِ؟
يتبع…
اللِ بيمد إيده على واحدة ست، ميبقاش راجل.
_يـونـس!
_أنتِ كويسة؟!
هزيت راسي برفض، وأنا حاسة إني بحلم معرفش إزاي وصل لـ هِنا… إمتى؟ وليه؟ وإزاي؟
آه زمان، لما كان لسه بينا صلة، كان بينا حاجات كتير أوي كتير لدرجة إني لحد النهارده بعيش على ذكرياتها.
لكن من سنتين، كل حاجة اتقطعت بينا.
قطّع علي شرودي وهو بيقول بحدة:
_أنت مين أنت، وبتتكلم في اللي ملككش فيه ليه؟
_علي!
كان صوت عمي، اللي اتقدم بخطوات هادية وقال:
_أهلًا وسهلًا يا يونس، نورتنا. أحم… ده يـ علي، ابن خاله مراتك.
ابتسم علي ابتسامة ساخرة وقال:
_آه من زمان أوي وأنا نفسي أتعرف عليك يا يونس بيه.
الجو كان متوتر من قبل ما ييجي لكن دلوقتي، حسيت إن البيت كله بقى واقف على شعرة.
بص عمي لـِ علي وقال:
_خد مراتك يلا وطلّعها فوق، واتصافوا مع بعض.
وأنا هضيف يونس. أنت عارف بقى يـ يونس قبل الفرح الكل بيكون متوتر، خصوصًا العروسة.
قرب مني علي وهو بيمد إيده ناحيتي.
اتراجعت بفزع لكن قبل ما يلمسني
تحرك يونس كام خطوة، ووقف بيني وبينه.
وقف ثابت لا رفع صوته، ولا حتى بص لـِ علي، لكن وجوده لوحده كان كفاية يمنع أي حد يقرب.
من غير ما أفكر، لقيت نفسي باستخبى وراه، ومسكت طرف الجاكيت بتاعه بإيديا المرتعشة وكأني أخيرًا لقيت مكان آمن.
رفع يونس صوته وهو بيبص لعمي، متجاهل علي تمامًا رغم إنه كان واقف بيغلي من العصبية.
_حضرتك، أنا مش جاي أضايف ولا أقعد، أنا جاي لبنت خالتي.
اتوتر عمي، لكنه حاول يحافظ على هدوئه وقال:
_أه أه يا حبيبي، طبعًا. اتفضل، البيت بيتك.
هز يونس راسه وقال بنبرة ثابتة:
_كان هيبقى البيت بيتي فعلًا قبل ما أعرف إن بنت خالتي بتتهان في بيتها يا أستاذ عمرو.
ساد الصمت و كمل وهو بيبص في عيون عمه مباشرة:
_لولا إني وصلت في الوقت المناسب كان زمان ابنك، اللي عامل فيها راجل وبيستقوى على مراته، كمل عليها.
لف راسه ناحيتي، وعينه وقعت على خدي اللي لسه ظاهر عليه أثر الصفعة.
ورجع بص لـِ علي، والغضب واضح في عينه رغم هدوء صوته:
_بس باين إنه عملها فعلًا.
ولا حد نطق البيت كله سكت، حتى علي نفسه كان مستغرب إن أبوه واقف ساكت بالشكل ده.
لكن مقدرش يتمالك أعصابه أكتر، فاتقدم ناحيتي وهو بيقول بعصبية:
_خدي هِنا يا غُفران إنتِ بتستخبي ورا مين؟
وأشار ليونس بازدراء:
_وأنت مالك؟ ضربتها ولا موتها إنت مالك؟ واحد ومراته، داخل بينا ليه؟ وكمان أنا مش عايز مراتي تكلمك أصلًا.
و أمرني بحدة:
_يلا يا غُفران تعالي هِنا.
هزيت راسي برفض، وتمسكت أكتر بطرف جاكيت يونس، وخرج صوتي مرتعش:
_لأ.
اتغيرت ملامح علي، واتحرك ناحيتي بسرعة.
لكن في نفس اللحظة، مد يونس إيده ومنعه من يقرب خطوة واحدة.
وقال بنبرة هادئة، لكنها كانت حادة بما يكفي توقفه:
_هي قالت إنها مش عايزة تروح معاك
يبقى هتروح معاك على أي أساس؟
ابتسم علي بسخرية وقال:
_دي مراتي وأنت ملكش دعوة بينا.
رد يونس من غير ما يهتز، وعينه ثابتة في عينه:
_من اللحظة اللي رفعت فيها إيدك عليها… بقى ليّا دعوة.
ضحك علي باستفزاز، و الجو كان متكهرب، والكل حاسس إن أي كلمة زيادة ممكن تقلب البيت.
وقبل ما أي مواجهة تحصل بينهم، تدخل عمي بسرعة، ومسَك علي من دراعه وهو بيقول محاولًا يهدّي الوضع:
_يونس يا حبيبي، إحنا مقدرين موقفك طبعًا، وإنت في الآخر ابن خالتها، وبمثابة أخوها الكبير.
لكن زي ما قلتلك دي مجرد مشكلة بين راجل ومراته، وهتتحل.
وإحنا في الأول والآخر أهلها، دي بنت أخويا وأكيد فاهم قصدي.
سِكت لحظة، و كمل وهو بيحاول يبرر:
_وعلي بس عصبي شوية، ومتوتر بسبب تجهيزات الفرح. وفي لحظة غضب خرجت منه الحركة دي، لكنه أصلًا كان هيعتذرلها دي مهما كان مراته، وحبيبته، وبنت عمه.
وحاول يخفف الجو وهو بيضحك:
_وبعدين إنت عارف الستات أكيد والدك في مرة اتعصب على والدتك وضربها، هزار يعني.
رفع يونس عينه وبصله نظرة خلت ابتسامته تختفي، وقال بهدوء شديد:
_لأ…
_أبويا راجل وحط تحت كلمة راجل مليون خط
وعمره ما مد إيده على أمي.
وأضاف، ونبرة صوته بقت أكثر حدة:
_لأن اللي يرفع إيده على ست ضعيفة قدامه، ميبقاش غضبان يبقى ضعيف.
_ومتحاولوش تقنعوني إن الإهانة اسمها لحظة غضب أو عصبية
_وأنا اتربيت على حاجة واحدة إن ستات بيتنا أمانة.
والأمانة لما حد يفرط فيها مبنرجعهاش لنفس الشخص مرة تانية.
مال بجسمه خطوة لقدام، وعينه ثابتة في عين علي:
_ومن النهارده محدش هيقرب منها وهي مش موافقة.
نفخ علي بضيق، وقال بنفاد صبر وهو بيبص ليونس:
_آه وبعدين يعني؟ بعد كل ده عايز إيه؟ مش فاهم.
رد يونس ببرود، من غير حتى ما يبصله:
_أنا مش بتكلم مع عيال صغيرة، ليك كبير بتكلم معاه.
احتدت ملامح علي، وشد فكه بعصبية:
_لأ بقى أنا سِكت بما فيه الكفاية. امشي من هنا يلا، وملكش دعوة بينا عشان ما أمدش إيدي عليك ونقلبها دم هنا.
أول ما سمعت نبرة صوته، والخيط الرفيع اللي كان ماسك أعصاب يونس، خوفت.
قلبي كان بيدق بعنف.
لكن حاولت آخد نفس.
_أنا مش ضعيفة مش ضعيفة.
كررتها جوايا أكتر من مرة.
_هقدر أتكلم وهقدر أواجه.
ويـونـس هِنا.
خرجت من وراه، ووقفت جنبه، قصاد علي مباشرة.
صرخت في وشه، وكل كلمة كانت طالعة من وجع سنين:
_إنت إيـه؟! إيـه يا أخي إنت؟!
معندكش دم؟! معندكش كرامة؟! معندكش نخوة؟!
فرحان بنفسك وإنت واقف بتتكلم، ولا كأنك صاحب حق؟!
اتكلم!
قولهم إنك خنتني مرة، واتنين، وألف مرة.
قولهم إنك ضربتني عشان واجهتك وعرفتهم حقيقتك.
قولهم إنك واحد زبالة، ومفيش غير البنات في دماغك.
رفعت إيدي أشاور على كل اللي واقفين.
_وإنتوا بتدافعوا عنه ليه؟!
عشان إيه كل ده؟!
عشان شوية فلوس؟!
لا أنا عارفة إن الفلوس مش كل الحكاية بالنسبالك.
بصيت لعلي بقرف، وقُلت:
_إنت مش هامك الورث
إنت هامك تذلني.
هامك تحسسني إني ملكك، وإن مليش حق أقول لأ.
بس اسمعني كويس أنا مش هسكت وهتطلق منك.
ومستحيل… مستحيل أأمن عمري وحياتي مع واحد شبهك.
سِكت، حاولت ألقط أنفاسي، وأحبس سيل الدموع اللي كان بيحرق عيني.
لأ…
مش هعيط
مش قدامهم
مش هديهم إحساس إني ضعيفة، ولا إني هنهار، ولا إني ممكن أرجع في كلامي.
كفاية سنين كنت بكسر فيها نفسي عشان أرضيهم.
النهارده لأول مرة، أنا اللي اخترت نفسي.
ساد صمت ثقيل، محدش نطق فيه بحرف.
وفجأة اتكلم يونس:
_أنا شايف إن إجابة كل أسئلتي وصلت خلاص.
لف وشه ناحية عمي، وكمل بنفس الثبات:
_وحاليًا دوري أنا.
بنت أخوك يا أستاذ عمرو في حمايتي
وهتفضل معايا لحد ما يتحقق اللي هي عايزاه.
لف ناحيتي، ومد إيده وهو بيقول بهدوء:
_يلا يا غُفران.
بصيت لإيده لحظة…
إيد واحدة، لكنها كانت بالنسبالي الفرق بين سجن كنت عايشة فيه… وبين باب بيتفتح لأول مرة.
افتكرت النصيحة اللِ اتقالتلي من كام سنة من ماما عن يونس.
“معاه هتكوني في أمان، ثقي فيه في كل مرة تقعي ومتلاقيش اللي يسندك، هو هيكون سندك وأمانك.”
مديت إيدي من غير تردد.
أول ما أصابعي لمست كفه، حسيت برجفة سرت في جسمي كله.
يمكن من الخوف ويمكن من إحساس افتقدته من سنين.
إحساس إن فيه حد وقف قدامي، مش ضدي.
شدني برفق، وبدأنا نمشي.
عدينا من وسطهم تحت دهشتهم ولا واحد اتحرك ولا واحد قال استنى.
ولما وصلنا عند باب البيت سمعت صوت حركة سريعة ورايا.
كان علي حاول يجري ناحيتي، وهو بيصرخ بغضب فقد معاه السيطرة:
_غُـفران!
لكن عمي لحقه، ومسَكه من دراعه بكل قوته.
فضل علي يحاول يفلت وهو بيزعق باسمي مرة ورا التانية، وصوته كان بيوصلني وأنا خارجة من البيت
_غُـفران!
_غُـفران، ارجعي هنا!
لكن للمرة الأولى موقفـتش ولا حتى بصيت ورايا.
لأن في اللحظة اللي خرجت فيها من باب البيت
حسيت إني خرجت من عمر كامل كنت فيه سجينة.
” كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ عَلَى الكَتِفِ يُثْقِلُهُ، إِلَّا رَأْسَ المَحْبُوبِ “
لو حد قالي إن فيه ولو واحد في المية احتمال إن يونس
يرجع وينقذني وأكون قاعدة معاه دلوقتي، كنت هضحك ومش هصدقه.
أصل… مستحيل.
فضلت أبصله شوية، وكأني بتأكد إنه حقيقي، وبعدين سألت بصوت لسه مهزوز:
_هو أنت عرفت إزاي؟ وجيت إزاي؟ حاسة إني مش فاهمة حاجة.
كان سايق بهدوء، وعينه كلها على الطريق.
رد من غير ما يلف ناحيتي:
_خالتك أمنية كلمت ماما، وحكتلها كل اللي حصل. وقتها أنا كنت في مصر، ولما عرفت ماما أصرت إني أجيلك.
قالتلي “لو غُفران محتاجك متتأخرش عليها.”
أول ما سمعت اسم خالته، حسيت قلبي اتحرك.
_خالتو سماء عاملة إيه؟ وحشتني أوي.
وبلهفة سألت:
_هي معاك؟
هز راسه بالنفي، وقال بنفس هدوئه:
_لأ.
وسِكت لحظة قبل ما يكمل:
_ولو كانت وحشتك بجد كنتِ على الأقل سألتي عنها مرة.
بلعت ريقي، ومردتش.
_أنتِ اللي قطعتي كل اللي بينا.
لف ثانية يبصلي، ورجع عينه للطريق.
_ولحد النهارده مش فاهم ليه.
حاولت أهرب من السؤال، فسألته:
_أنت نزلت مصر ليه؟
_صفيت شغلي في تركيا وقررت أستقر هِنا.
بصيتله بسرعة، والصدمة ظهرت على وشي.
_بتهزر؟!
يعني هترجعوا تعيشوا هنا؟
وهشوف خالتو سماء تاني؟
هز راسه بإيجاب، وفضل ساكت.
بعد شوية، سألت بتردد:
_هو إحنا رايحين فين دلوقتي؟
_عند خالتك أمنية.
هتقعدي عندها مؤقتًا.
اتوترت ملامحي فورًا.
_بس خالتو أمنية مش بتهتم بيّا.
كل مرة كنت بروحلها كانت تقولي ارجعي بيت جوزك وكملي.
أخد نفس،و قال بهدوء:
_أنتِ عارفة إن خالتك من يوم ما اتطلقت وهي مش شبه زمان.
جوزها خد منها عيالها، وكسرها.
هي بقت شايفة إن الست تستحمل أي حاجة لأنها هي استحملت.
_وده مش معناه إنها صح ولا معناه إنها مبتحبكيش.
لف ناحيتي أخيرًا، ونظرته كانت مليانة عتاب أكتر من الغضب.
_بس كان فيه ناس بتحبك فعلًا يا غُفران.
_أنا… وماما.
_ولو كنتِ كلمتينا من أول مرة أو حتى من عاشر مرة مكنّاش هنسيبك دقيقة هناك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها كانت كلها مرارة.
_لكن إزاي
لازم الملكة غُـفران تعاند.
لازم تقنع نفسها إنها تقدر تشيل الدنيا كلها لوحدها.
وإنها مش محتاجة حد
رغم إن أكتر ناس كانت محتاجاهم هي بنفسها اللي بعدت عنهم.
مقدرتش أنطق،
كان عنده حق في كل كلمة قالها.
ومعرفش أنا ليه كده.
ليه كل مرة بقسي على نفسي قبل ما الدنيا تقسى عليا؟
وليه دايمًا بحاول أصلح ناس عمرهم ما حاولوا يصلحوا كسري؟
قطع صمتي وهو بيسألني بهدوء:
_هتعملي إيه في العلاقة دي؟ هتكملي ولا…
سِكت.
واضح إنه قصد يقول تتطلقي، لكنه ابتلع الكلمة، وساب القرار يخرج مني أنا.
نزلت بعيني على إيديا، وحسيت إن رأسي مليانة أسئلة ملهاش إجابة.
هرجع فعلًا؟
وأكمل؟
أكمل قسوة على نفسي وهلاكها؟
ولا أحميها؟
خرج صوتي ضعيف، متردد:
_مش عارفة يا يـونس…
لف يبصلي بسرعة، وكأن إجابتي كانت آخر حاجة يتوقع يسمعها.
وقال بحدة امتزجت بخوف واضح عليّا:
_يعني إيه مش عارفة يا غُفران؟
بتفكري ترجعي لواحد خـانـك؟
خانك مرة واتنين وتلاتة؟
بتفكري ترجعي لواحد أول ما واجهتيه مد إيده عليكِ؟
يتبع…




