روايات شيقة

رواية وشم الرمل كامله وحصريه بقلم ميدانو

رواية وشم الرمل كامله وحصريه بقلم ميدانو

في ديارٍ يحكمها السيف والهيبة… بعض الأسماء تُدفن خوفًا من مجدها، وبعض الأسرار تعيش متخفية بملامح الرجال.
قصيدة واحدة أشعلت الغضب، ونظرة واحدة أعادت الماضي من قبره.
هنا…لا الحب آمن، ولا الحقيقة تُقال كاملة.
رواية بدوية مليئة بالفخر، الغيرة، والأسرار التي قد تُشعل حربًا
ديار بني طراد..

في بطحاء واسعة كأنها ميدان يشهد على مجد الرجال .. نُصبت خيمة للظل .. فجلس الشيخ طراد في صدر المجلس وحوله وجهاء القبيلة ..

لم يطل الانتظار حتى ارتفع وقع حوافر يقرع الأرض كأنها طبول حرب فالتفتت العيون واذا بـسطّام بن طراد مقبلًا على جواده الأدهم والى جانبه كان سلمان يمتطي فرسه الأشقر يزاحم السطام جرأة وعزمًا ..

من وراء الخيام ارتفعت زغاريد النساء وصغار القوم يركضون مع كل حركة مبهورين بما يرونه..

رفع الشيخ طراد رأسه عالياً وقال لمن حوله بصوت واثق: “هذا ولدي يا رجال سطّام سيفي وان طحت ما يشيلني غيره “

ثم أشار الى سلمان : “وسلمان من ظهر حرة ما تنجب الا فارس “

في نهاية العرض نزل سلمان عن فرسه بثبات واتجه بخطوات بطيئة نحو الشيخ.. وقف أمامه رفع عينيه اليه فقط عيون ثابتة عميقة كأنها تسأل

ليه؟

ليه محيت اسمه؟

ليه خفت منه حتى بعد ما مات؟

ليه تحاول تقمع ذكره ؟

الشيخ بادلة النظرة بصمت .. كانت في عينيه رعشة خفيفة كأنه لمح شبحًا يعرفه ..

أدار سلمان ظهره ومشى.. وظل الشيخ يراقبه كأنه يرى صبّاح يعود حيًّا ..

*****

في المساء ..

بردت الريح وهدأت الخيام وغفا الصغار تحت دفء الحكايات

جلست حورية قرب النار تقلب الجمر بعود صغير ..

دخلت سلمى بخطى صامتة جلست أمامها .. كانت عيناها مشحونتين بالمرارة وصوتها خافت مثقل بالوجع :” قال عني سلمان من ظهر حرة ذكر اسمي ومدحك بس ما جاب طاريه كأن أبوي ما مر من هالديرة لا عاش فيها ولا مات “

رفعت حورية رأسها نظرتها هادئة وثابتة : ” طراد؟يخاف من ذكره أكثر من خوفه من موته “

همست سلمى بوجع داخلي : ” ليه؟”

أجابت حورية ببطء وكأنها تروي قصة دفينة في أعماق الليل : ” لأن صباح اذا انذكر تذكر الناس من كان الفارس اللي اذا حضر سكت المجلس مين اللي ما يخضع الا للحق “

تنهدت واكملت : ” كان موعود بالشيخة بعد جدك لكن الله كتب له الرحيل وصارت الشيخة نصيب طراد.. وطراد من يومه يغار من صباح وبعد ما صار هو الشيخ صار يدفن ذكره عشان يظل المدح له وبس “

رفعت سلمى عينيها بقهر : ” طول هالسنين وهم يسرقون اسمه ويقصرن سيرة الفخر من دونه وإحنا ساكتين “

حورية مدت يدها نحوها وقبضت على كفها برفق صوتها انخفض بحنان: ” يا بنتي ما ضاع اسم صباح ولا يضيع وأنتِ تمشين في الأرض مرفوعة الرأس مكسوة بظله “

سلمى ما ردت هزت رأسها فقط ثم نهضت ببطء.. وتمايلت معها جديلتها التي تحررت من غطاء الرأس دخلت خيمتها خلعت سيفها وعلقته قرب رأسها كما يفعل الفرسان بعد نهار شاق..

ثم جلست عند طرف الفراش أخذت نفسًا عميقًا .. مدت يدها برفق على شعرها تفك جديلتها الطويلة فتتساقط خيوطها السوداء على كتفها كليل مظلم

تمددت على جنبها وغطت جسدها بعباءة خفيفة .. عينيها بقيتا مشرعتين نحو سقف الخيمة كأنها ترى وجه أبيها

هنا في سكون اللحظة عاد المشهد القديم ..

كان يوما عاصفًا والناس مجتمعون عند باب خيمة صبّاح والهمس أكثر من الكلام..

لم تكن قد تجاوزت الخامسة عشرة تقف عند رأسه تحدق في وجهه الجامد وقد خفت نور عينيه.. الوجه الذي لم يعرف الهزيمة بدا فجأة كأنه نام ولم ينوي القيام.

ذاك المساء حين انطفأ صبّاح لم تبكي كثيرًا

صمتت.. نظرت الى الرجال .. الى طراد واقفا دون أن يرفع عينيه .. الى الذين تكلمو عن الإرث

لم يذكر أحد ان لديه ابنة دمها من دمه.. أن قلبها في تلك اللحظة… انكسر

تسللت الى البيت .. مدت يدها الى ثوب والدها المعلق .. وارتدته كان واسعا على جسدها فشدت وسطه بحزام جلدي ثم لفت رأسها بشماغه وأخفت ضفيرتها ..

في ذلك الليل

لم تخرج سلمى .. الذي خرج من الخيمة… كان سلمان

ومنذ ذلك اليوم لم يجرؤ أحد أن يراها على غير تلك الهيئة .. ولا سمعو صوتها الا مغموسًا بخشونة الرجال ..

ولا أحد ناداها بغير “سلمان” ولا أحد تجرأ أن يسأل

فالواقف خلفها كان سطّام

كلما التفتت العيون نحوها بسخرية أو ريبة كان يكفي أن ينظر سطّام في أعينهم نظرة واحدة

كأنه يقول ” هي منّا وشأنها شأن الفرسان وأكثر “

*******

مع بزوغ الفجر وامتداد الخيوط الأولى للضوء على الرمال بدأ المرعى يستفيق ..

واقف عند حافة مرتفع رملي صغير .. جلوان .. كان يرتدي عباءته الداكنة وقد لف طرفها حول كتفه..

وجهه مائل للسمار مشدود الملامح .. في يده عصا الرعي يُمسكها بثبات

اقترب منه راعي صغير السن خطواته خفيفة على الرمل ناول جلوان قربة لبن..

ابتسم جلوان ابتسامة هادئة خفيفة لا تظهر أسنانه وقال بصوت ودي:” الله يعطيك العافية يا ولدي “

وشرب جرعة من اللبن ثم أعاد القربة وعاد ينظر الى الإبل.. واحدة من النوق بيضاء بلون اللبن رفعت رأسها ونظرت نحوه ثم مشت ببطء كأنها تعرفه.. ناداها بهدوء:” سَماح تعالي يا ريحة الطيب “

اقتربت منه فمد يده يمسح على رقبتها بحنو ثم قال للراعي: ” هذي أصيلة من سلالة جفول اللي كانت مع صبّاح “

سكت الراعي يعرف أن جلوان كان له مكانة في قلب الشيخ الراحل حتى وإن غابت عن لسان الشيوخ..

لاحقًا جلس جلوان عند صخرة عالية عيناه تضيقان تحت الضوء والرياح تعبث بطرف شماغه وعصاه القصيرة يضرب بها كفه بضربات متباعدة تنزل وجعا مكبوتا في قلبه.. تمتم وهو يطالع الفراغ:” يا بوي وش بقى من الحكمة اذا طاح الحكيم “

أبوه اللي كان صوت المجالس ولسان الرأي اليوم يرقد طريح الفراش لا احد يسأل عنه ..

يعرف أن الغربة ما تنتهي بالسكن وأن التراب وإن مشيت عليه العمر كله ما يصير لك إذا ما لك فيه أصل..

كانو صغار يوم جا أبوهم لهالديار وكان الشيخ هذال يحتضنه مثل واحد من ربعه لكن عقب ما توفى واستلم ولده طراد الشيخة كل شي تغير .. الحكمة ما عادت تُطلب والحكيم ما عاد يزار ..

حك طرف الصخرة بعصاه كأنه يفرغ ما في جوفه..

رفع نظره على صياح سليم اللي جا يركض والغبار يطامر من وراه ثوبه مغبر وصوته يجلجل: ” جلوووان الحق ياجلووان “

فز من مكانه والعصا بيده : “وش صاااير؟!” سأل بقلق وهو يمشي بخطوتين نحو سليم..

سليم وقف قدامه وجهه محمر من الركض يحاول يلحق على نفسه وبصوت متقطع قال: ” أخوك أخوك حمدان الهـ… الهامل يقول الشعر بخطيبة سطام عند الغدير “

جلوان حس ان صدره انقبض وانضغط كأنه جبل نزل عليه :” تعوووذ من ابليس وش تقول؟!”

سليم عيناه تتسعان من الخوف والدهشة : ” شفته بعيوني وسمعته بااذوني يقول الشعر في البتول بنت مناور “

جلوان عض على شفته عيونه اتقدت نار خوف على حمدان .. خوف على أبوهم .. خوف على سمعتهم على اسمهم اللي بالكاد باقية..

شد عصاه بيده وتوجه بخطوات سريعة نحو الغدير قلبه يتضارب بين الحنق والخذلان بين حبه لأخوه وغضبه منه والريح تصفق بثوبه كأنها تهمس له: ” يا غريب كن أديب لا تسوي فعلة تخلي راسك تحت النعل “

الغدير ما كان بعيد لكنه حس كأنه يمشي له سنة..وحر الشمس يلسع جبينه

وصل ووقف عند طرف الجبل الصغير المطل على الغدير وشافه ..

حمدان جالس على صخرة ناعمة نهاية الغدير .. رجل تلاحقه لعنة الوسامة انيق رغم الفقر .. في يده حجر صغير يرميه للماء وصوته ينطلق بثقة لا يكسره خجل ولا يوقفه خوف فترد الجبال صدى أبياته:

“رأيتُ البتول… فكاد القلب ينفطر

كأنّها البدر في ليل به السحر

تمشي الهوينى وتختال المهابة في

خطوِ الملوك… كأنَّ الدهر ينتظر

عيناكِ يا بتل الأشواق تسكنُها

وفي جفونك سيفٌ ما له حذر

إن قلت أحبك فالأنفاس شاهدة

وإن كتمت فقلبي فضح الخبر

يا بنت شهم ووجه المجد يعرفه

في صهوة المجد ما زاغت له نظر “

وقفت البتول عند حافة الغدير وثوبها الأسود المطرز بالخيوط الفضية ينسدل على كتفها بشموخ عيونها السود العميقة ما رمشت وهي تسمع أبيات حمدان ترتد بصدى موجع من الجبال

كانت الكلمات تنزل على كرامتها مثل الملح على الجرح

نظرتها اشتعلت ما احتاجت تصيح ولا تسب الغضب فيها أهدأ من الصراخ .. رفعت راسها وعيونها لاقت عيون جلوان اللي كان واقف على الجبل

ورفيقتها حسناء همست: “ياويلي هالمهبول ماعاد يحشم احد “

البتول ما احتاجت ترد.. كان كفاية إنها تمشي بخطى واثقه وكل من شافها عرف إن اللي صار اليوم ما راح يمر مرور الكرام ..

جلوان بصوت جهوري ردت صداه الجبال : “حمدان “

جلوان وحمدان ..

من صلب واحد لكن كأنهم من طينتين مختلفتين..

جلوان .. ملامحه قاسيه سحنته غامقة فيها أثر تعب قديم وسهر كثير وجبينه فيه خط واحد مثل سيف محفور من التفكير والهم..

أما حمدان… فوسامته رجولية لا تُخطئها العين ملامحه حادة وصوته واثق.. عيونه لامعة فيها عبث كأنها دايم تدور شي يلفت الانتباه وقلب ينتظر يعشق

جلوان يلبس لبس بسيط فيه وقار الشيبان رغم انه في منتصف الثلاثين

أما حمدان فثوبه دايم ناصع مشدود ورغم الفقر تلاقيه متأنق…

جلوان يمشي بثقل الأرض وحمدان بخفة الغيم

جلوان يحمل شرف أبوه وحمدان يحمل قصايد عالشفا ..

حمدان ما التفت كأن الصوت ما يعنيه لكن صدى الجبال خلاه يسمع الصراخ مرتين وثلاث.. وبصوت بارد قال : “أنا ما قلت غير شعر “

جلوان بصوت مليان وجع : “شعر؟ تسميه شعر تقول اسمها وانت تدري انها ما هي لك تفضحنا قدام خلق الله وتقول شعر !!؟”

حمدان بابتسامة مستهترة : ” أنا قلت اللي بقلبي ما سرقت ولا كذبت “

جلوان صوته يطلع من قعر صدره كأنه يجر الغيظ جر :” لا كذبت لا تهوى البتول ولا هند ولا منيره انت ما تهوى الا حروفك “

حمدان قام ببطء ما رفع نظره لجلوان فقط قال بثقة:” أنا شاعر وما على الشاعر ملام “

جلوان بقهر : ” امش قبل لا يرجع سطّام هو ما يعرف يرحم وإذا وصله هالكلام ما عاد لك ساتر”

الغدير رجع ساكن لكن الهوى من هاللحظة صار عاصفة

*****

البتول بنت عز مو بس في النسب .. في الخطوة والنظرة والسكوت اللي يوجع أكثر من الكلام..

هي بنت الهنوف أخت الشيخ طراد وأبوها الفارس مناور

وفيها من أمها جبين مرفوع .. ومن أبوها عين لا تغض ولا تهتز ..

تمشي وخطوتها ثابته عيونها مرفوعة ..

رفيقتها حسناء همست بصوت خافت وهي تلتفت للخلف: “وش ناويه علييه “

البتول ما ردت بس وجهها تغير نظرتها تقول ” أنا ما أطيح ولو طاح اسمي من لسان شاعر “

*****

كان العصر قائظ والريح تدور عند مربط الخيل تثير الغبار وتختبر صبر الفرسان..

وقف الفرسان في حلقة حول سطّام يراقبون كل حركة وكل لفتة..

سطّام يمتطي فرسه “الادهم” رفع رمحه وأشار به نحو أحد الفرسان قائلاً بصوت جهوري: “ما يكفي انك تضرب لازم تعرف متى ومن وين “

عند طرف الحلقة ..

وقف فهيد رمحه مغروس في الرمل ويده عليه يستند على شيء أعمق من خشب وحديد يحدق في

سلمان..

كان سلمان واقف بثبات لا يشبه أحدا منهم.. الشماغ مشدود حول رأسه وقد تلثم بطرفه لا يظهر من وجهه إلا عينا ذئب في حالة ترقب دائم..

يلبس عباءة بُنية اللون قديمة تتدلى من كتفه الأيسر ويشد أطرافها حول خصره بإحكام.. عباءة والده الراحل لم يخلعها منذ أن دفن اسمه معه في التراب..

كان حضوره صامتًا .. لكنه آسر ..

يرى ظل سلمى .. التي عرفها يومًا قبل أن تخفي وجهها خلف العباءة وتغلف أنوثتها بالرصانة والخطر..

وما إن انتهى سطّام من توجيه ملاحظة لأحد الفرسان حتى ارتفعت سحابة غبار من جهة البيوت قبل أن تتضح بين الأطراف شابة تمضي بخطى ثابتة شامخة

انها البتول .. اقتربت من الحلقة والغبار يحاول أن يغطيها .. لكنه لا يجرؤ..

وقفت قدام سطّام ما هزها نظرات الفرسان ولا خفضت طرفها : ” ياسطام .. ولد الحكيم حمدان تجرأ وقال فيني شعر عند الغدير “

تابعت وصوتها يضرب مثل السوط: ” النسوان بدن يهمزن كل ما مريت مجلس قالو قصيدة حمدان ما تجي من فراغ يشككون بفعاايلي وأنا بنت من نسل شيوخ وربيت بظلك وانت تدري وش أنا لك “

سطّام رفع رمحه شوي ثم خفضه بقوة على الأرض وسمعو صوته كأنه يحكم: ” والله يا بتول ما يطعن عرضنا لسان شاعر ولا يبيت له بال “

هزت رأسها وعيناها لا تفارق وجهه.. بس داخلها نار تتقد لأن البنت في هالديار ما تسامح من يجيها بخطأ ولو كان غزلاً

صوت سطّام صدح في المربط مثل الرعد : “سلمان “

سلمان تقدم خطوتين العباءة البنية ترفرف على كتفه وعيناه لا تسأل تنتظر فقط

“خذ معك قيس وناجم ابي حمدان قدامي قبل تغيب شمس اليوم “

شد صوته بغضب : ” ابيه حيّ تسمع؟ حيّ لا تسيلون له دم الا اذا مد يده ابيه يسمع حكم الرجال وهو واقف “

ثم دار على باقي الفرسان نبرته تنحت الحجر: ” ما ابي هرج ولا تلميع سيوف ابي فعل رجال واللي يرحم شاعر يلطخ عرض بنت منّا ما له مقام بينا “

سكت لحظة ثم نظر الى سلمان : ” وانت يا سلمان إن صار لحمدان مهرب عيبها برقبتك “

سلمان هز راسه وقال بهدوء واثق : ” ما يخفيه جبل ولا يغطيه ليل ان كان له نفس بجيبه “

قيس ضرب كفه بكعب رمحه وقال: ” ما نرجع الا وهو بين يدينك يا طويل العمر “

وناجم لف لثامه واستعد .. الخيول صهلت والغبار ارتفع

ما إن دوى أمر سطّام حتى تلاقى الثلاثة عند طرف المربط وانطلقو ..

مرو بجانب البتول ولم يلتفت سلمان لكن طرف عباته لامس الرمل عند قدميها كأنه عهد صامت .. البتول صديقه الطفولة .. ابنة العمة هنوف

أول اتجاههم .. الغدير

ذاك المكان اللي بدأت فيه القصيدة يمكن يكون مفتاح النهاية..

****

النهار ينكسر على أطراف الرمل والشمس تموت ببطء خلف الجبال ..

في بيت الحكيم ..

وقف حمدان ظهره مسنود على عمود البيت وعينه تتهرب من أي شي ثابت..: ” قصيدة عادية و… قالت الناس اللي ما ينعقالها لسان “

جلوان تنهد وقام من مجلسه خطا صوب أخوه وهو يقول:”مو بس قالت انفضحنا سطّام أرسل رجاله ما بقى بينك وبينه الا الخطوة مالك الا تهج “

حمدان رفع نظره بااستنكار وغرور : “اهج!؟ وتقول العرب ان ولد الحكيم خذله رجليه؟”

اقترب جلوان قبض على ذراع أخيه صوته غاضب ومخنوق: ” وش تبيني اسوي ؟! تريد تموت قدام ابوي ماعاد يتحمل “

حمدان عض شفته نظر حوله البيت صار يضيق والهواء يثقل والخروج ما عاد مذلة… صار نجاة..

فتح جلوان طرف الخيمة وأشار برأسه.. ما فيه باب يمنع الهرب ولا فيه طريق يرجع اللي انكسر

حمدان لف شماغه متلثم ومشى بثقل وقبل ما يخرج همس دون ما يلتفت: ” استسمح لي من ابوي “

وخرج الى العتمة

******

كان حمدان يتخفى بين الشعاب كأن القصيدة التي ألقاها بدأت تطارده.. خطواته سريعة وعيناه تمسحان الأرض ..

يتمتم لنفسه بنفس متقطع: ” اذا طحت أطيح واقف واللي بيصطاد حمدان لازم يعرف معنى المطاردة “

كان يظن أنه سبقهم لكن الصوت باغته من الخلف حادًا ساخرًا ..: ” لوين ودك توصل ياابن الحكيم “

التفت فإذا هو قيس أحد رجال سلمان يقف ثابتًا يرمقه بعين صياد يعرف أن الفريسة قد تعبت

تغير مسار حمدان بخفة الذئب لف في ممر ضيق بين الصخور يحاول أن يضللهم.. وما ان تجاوز العقبة حتى توقف فجأة الطريق أغلق بوجهه..

كان أمامه سلمان وعيناه لا تفارقانه وبصوت بارد مشبع بالثقة : ” ظنيتك أذكى من انك تجيبنا للجبال “

ارتفع صدر حمدان وأنفاسه تتلاحق صوته خرج متحدي رغم الانهاك :” ومن قال اني اتخفى اللي يبيني يصعد لي “

ارتسمت ابتسامة باردة خلف لثام سلمان ابتسامة لا تظهر سوى احتقار صامت

خرج قيس من خلف الصخور ومعه ناجم دارا من الجانبين يغلقان عليه الطريق.. الساحة ضاقت.. والهرب انتهى

رفع سلمان يده بإشارة قصيرة “كبلوه “

تقدم قيس بخطوات محسوبة مد يده وأمسك بذراع حمدان.. قاومه لحظة و ناجم شد عليه من الجهة الأخرى حتى كبلوه بحبل غليظ التف حول يديه كأفعى لا ترحم

سحبوه نحو “المغارة “

مكان ضيق في الجبل فمه يشبه فم وحش عتيق والصخور تحيط به .. الهواء ثقيل لا ريح تسرب منه ولا صدى يعود هناك

حيث لا أحد يعرف الطريق الا رجال الشيخ طراد

كان سلمان يسير في المقدمة صامتًا عيناه لا تلتفتان

خلفه قيس وناجم يسحبون حمدان الموثوق لكنه لم يُبدي ضعفًا..

وحين اقتربو من باب المغارة

توقف فجأة ورفع رأسه حدق في الفتحة السوداء وابتسم بتهكم.. : ” تظنون ما أعرفها؟ أنا لعبت هنا قبل لا تتشكل لحاكم “

تبادل قيس وناجم النظرات بقلق بينما ظل سلمان واقفًا يرمقه بعينين ساكنتين

أكمل حمدان بصوته الواثق المتكبر : ” يوم كانو العيال يخافون من هالمغارة كنت أنا أطارد صوتي فيها “

وفجأة بخفة الذئب أدار جسده ودفع قيس دفعة مباغتة ثم اندفع نحو جدار جانبي مظلم .. صاح قيس غاضبًا : ” وقف “

وقبل أن تلمسه الأيادي كان حمدان قد تسلل من فتحة ضيقة بالكاد تُرى بين الصخور طريق سري لا يعرفه الا من عاش طفولته بين هذه الجبال .. واختفى فيها كالدخان

شهق ناجم مذهولًا: ” اعوذ باالله من شره دخل في بطن الجبل !!”

لم يتردد سلمان اندفع يلحقه من المدخل ذاته صوته حاد وهو يأمر رجاله:” وراه لا يضيع منا “

دخل الثلاثة خلفه.. الداخل كان مظلمًا ممرات ضيقة متفرعة كمتاهة

بدأ قيس يتنفس بصعوبة: ” من اي طريق مشى هالمهبول ؟”

سلمان توقف قليلًا وضع يده على الجدار الخشن كأنه يستمع لصوت الجبل نفسه ثم قال بهدوء بارد:” تفرقو كل واحد يسلك درب مصيره يطيح بقلب المغارة “

مضو كل في طريق بينما حمدان كان يركض بخفة يحفظ كل زاوية وكل منعطف ..

من خلفه كان يسمع وقع خطوات ثابتة ليست عجلة

انها خطوات سلمان كأنه ظل لا يفارق

التفت حمدان وصاح بصوت ارتد في أرجاء المغارة: ” الصقر ما يركض هو يطير بس وش يسوي إذا الفأر صار يعرف الجبل أكثر؟”

فجاءه صوت هادئ من الظلام : ” يتركه يركض ثم ينقض اذا تعبت رجوله “

ابتسم حمدان وصوته ارتفع متحديًا : ” وأنا تعبت؟ ولا أنت اللي تحسب كل ركضة مني ضعف؟تراني إذا ركضت أركض ورا معنى ما أهرب من موت “

من أعماق العتمة جاء صوت سلمان هادئ ساخر :” يا بلفيت يا حمدان “

ساد صمت ثقيل ..حتى لمح سلمان حركة عند نهاية الدهليز هذه المرة أسرع بخطوات واثقة موجهة كالسهم وحين وصل المنعطف وجده

كان حمدان جالسًا على صخرة يصفر ببرود كأن المكان ملعبه .. عينيه تلمعان بدهاء والابتسامة الخفيفة على وجهه تزيده غموضًا

اقترب سلمان ببطء ووقف أمامه : “وصلت لنهايتك يا الهامل ما عاد ينفع هالتكبر “

وقف حمدان ببطء رفع يده يستسلم وابتسامة ساخرة تسللت الى فمه وعيونه لعبت بطبعها تمزج الدهاء بالغواية: ” سلمت لك يا سلمان “

لم يتحرك سلمان ولم يرد عيناه فقط تراقبانه ببرود

وفجأة انقض حمدان بسرعة وقبض على حفنة تراب ورماها في عين سلمان ثم اندفع نحو الممر الجانبي

سلمان مسح عينه والتفت ينزل لثامه ويصفر صفرة حادة قصيرة.. ثم يرفع اللثام ..

من الأمام خرج قيس من الممر الجانبي سيفه يبرق تحت الضوء الشاحب ومن الخلف ظهر ناجم يغلق الطريق فصار حمدان محاصر بينهما

زمجر قيس وهو يرفع سيفه نحوه : ” سود الله وجهك من شاعر بهذلتنا كنك جربوع “

حمدان يوقف.. ثم يلتفت يشوف سلمان ثابت مكانه .. ضحك ضحكة قصيرة فيها مرارة النهايات : ” سلمو عالعرب وقولو لهم حمدان ما سلم الا لسلمان “

ناجم ساخرًا يربت على كتفه : ” تحفر عن موتك يا شويعر القبيلة “

*****

بيت الشيخ طراد ..

سطّام جالس عند صدر المجلس سيفه بجانبه.. ينتظر رجاله يرجعون ..

الشيخ طراد يمشي في المجلس عصاه تضرب الأرض وبتحذير : ” لا تعفو يا سطّام البنت عرض والعرض ما ينداس واللي تجرأ ما يردعه غير سيفك “

سطّام رفع عينه وما قال شي بس النيران في صدره تشتعل بين الكرامة والحيرة

أم سطّام دخلت من الطرف الآخر ووقفت بين ولدها وزوجها .. قالت بهدوء: ” يا شيخ لا تدفع ولدك للدم البنت ما انكسر ظهرها انكسر جوفها وما كل وجع يطفى بسفك دم “

طراد لف عليها و بصوت غاضب : ” وش نقول لأبوها لا عاود من السفر؟ بنتك انهانت وسطّام ما حرك سيفه؟ السكوت عن الطعن طعن وأنا ما أرضى الهوان “

أم سطّام ثبتت بعينها فيه وبهدوء العاقلات: ” العفو ما هو هوان يا شيخ العفو يرفع مثل ما السيف يقطع بس هذا دم لا صار ما له عقل ضيعنا الطيب والردي “

سطّام تنفس بقوة وبصوت ثقيل: ” أنا اللي يحكم لا صوت النسوان ولا غضب الشيوخ.. اذا رجع حمدان أنا اللي أوقف قدامه وأنا اللي أقرر “

ونظر لأبوه: “ما ربيتني عشان أذبح بدون ميزان “

ثم نظر لأمه: “ولا ربيتيني عشان ألين والديرة تغرق في الهمز “

قام ووقف وبصوت هادي لكن حاسم: ” اذا جابو حمدان بيكون قراري من رأسي لا من سيفكم ولا من دمعتكم “

خرج من بيت الشيخ ولفح وجهه هوى الليل يمشي بخطى واثقة

من الخلف جاء صوت مبحوح متردد كأن صاحبه يخشى رد الجواب: ” سطّام بالله عليك لحظة “

توقف سطّام نصف وقفة والتف بجسده دون أن يدير كامل ملامحه وصوته خرج حازم حاد : “وش وراك يا جلوان؟”

اقترب جلوان بخطوات مترددة وعيناه لا تجرؤان على مواجهة سطّام: ” أدري انك غضبان وأدري انك شايف اللي صار ما ينسكت عنه “

ظل سطّام ثابت والريح تعبث بطرف عباءته كأن الليل نفسه يختبر صبره رد بصوت عميق: ” وأنت؟ وش تشوف ؟”

جلوان بهدوء وصدق : ” أشوفه غلط كبير بس ما بيدي شي الحكيم يبيك “

ساد صمت قصير .. ثم خطا سطّام الى الأمام متجهًا نحو بيت الحكيم دون أن يعلق يزن الأمور في صدره

وصوته خرج بعد أن طوى بضع خطوات : ” الحكيم له حق يسمعني وله حق أسمعه “

*

في الداخل كان الحكيم مستلقيًا على فراشه وجهه متعب من أثقال السنين ..

نظر الى سطّام طويلًا ثم قال بصوت مبحوح : ” يا سطّام أعرفك من يومك تشيل الخنجر قبل ما يطلع لك شارب ما تعلمت الخوف بس تعلمت تكتم النار في صدرك “

جلس سطّام عند رأسه صامتًا ..

الحكيم أكمل وعيونه معلقة بالسقف : ” أنا ما ناديتك الليلة أطلب ولا أبرر أنا بس بذكرك مو كل مخطي مستوجب ذبح في خطايا تنغسل بالدم وفي خطايا تنغسل بالحكمة.. وحمدان ما قتل ما خان شاعر والشعراء يقولون مالا يفعلون “

تنفس سطّام بعمق : ” ايه بس بعض الشعر يذبح يوم يمس سمعة الطاهرات الشريفات “

أغمض الحكيم عينيه قليلًا ثم فتحهما : “اسمعني يا سطّام أنا ما أغفر لحمدان ولا أطلبك تسامحه..لكن أقول خله يوقف قدامك رجال لرجال ووقتها سو اللي يرضي ربك أول ثم ضميرك أما الناس؟ الناس تنسى إذا اللي قدامهم أثبت ان اسمه ما ينكسر بخطية غيره “

طال الصمت بينهما لحظة ..

سطّام وقف والتفت بوجه غارق في التفكير..قال وصوته يقطع السكون: ” أنا أرسلت رجالي يجيبونه وإذا رجع الكل بيسمع ويشوف قرار سطام “

تحرك بخطواته ثابتة.. وقف لحظة قبل أن يغادر ثم التفت بعينه الأخيرة على الحكيم ومضى

*******

المغارة ..

الحبال تشد على معصمي حمدان والضوء يتسلل من فتحة ضيقة في أعلى المغارة يكشف وجهه الملطخ بالغبار وعيناه تلمعان بعناد لايهزم ..

اقترب سلمان بخطوات محسوبة وجلس أمامه جلسة منخفضة مستقيمة صوته خرج باردًا لا يرتجف: ” من متى تعرف دواخل هالمغارة؟”

رفع حمدان رأسه ببطء وابتسامة متهكمة تشق زوايا فمه:” قلّو رجال سطّام يوم يرسل لي سلمى بنت عمه “

احتبس نفس سلمان توقف الهواء لحظة .. العينين فقط تحركتا… وهنا ارتفعت اليد

الخنجر خرج من غمده بصوت ناعم حاد كالكلمة التي لا رجعة فيها لم تكن يد سلمان .. يد سلمى

وقفت أمامه ظهرها للعتمة والضوء الهابط من الفتحة العليا يلامس كتفها

حمدان على حافة الموت لا يخشى شيئ ولا حتى اللهب الذي لمح انعكاسه في عينيها.. همس بااسم لا يقال لا في المجالس ولا في لحظات الاحتضار ..

تأمل عينيها المحضورة و الخنجر عند رقبته الحد يبرد على جلده كأنها تسأله ..كم نبضه تفصل بينك وبين النهاية؟

وبصوت منخفض مشبع بحدة التهديد : ” عيد هالكلام والله لأذكيك “

لم يرتجف حمدان ولم يرمش.. ثبت نظره فيها بتحدي وتمرد :

“إنَّ المفاتنَ في عينيكِ مخمَّرةٌ

من نظرةٍ منكِ يغدو المرءُ سكرانا…”

سكت المكان لم يكن هناك صوت سوى تنفسهما المتقاطع .. الخنجر ما زال عند رقبته والحد البارد يلسع جلده..

وفجأة

ضربة حادة دقيقة من يد تعرف كيف وأين تضرب موضع خلفي في الرأس .. مكان لا يخطئ

سقط حمدان على جنبه الأرض الصلبة ارتطمت بجسده.. العالم دار من حوله… الضوء انسحب شيئًا فشيئًا…


زر الذهاب إلى الأعلى