روايات شيقة
رواية وشم الرمل الفصل العشرين 20 بقلم ميدانو

رواية وشم الرمل الفصل العشرين 20 بقلم ميدانو
اشرق صباح جديد على ديار السراة ..
نصب الهودج على ظهر الناقة وقد زُين بااغطيه سدو بسيطة ..وليلى تجلس داخل الهودج وقد ودعت امها واختها بالدموع
العم جابر وقف بجانب ناقته يده تعقد الحبال
وعلى مقربة كان رباع يتهيأ للصحبة ممسكًا بلجام فرسه ينتظر
جائت سعاد تحمل سلة صغيرة بيديها.. اقتربت بخطوات واثقة ووضعتها بين الرحال .. ثم التفتت الى جابر بحنان وحرص :” هذا الزاد يابوي ديرو بالكم وخل ليلى تاكل ما ينفعها الا صحتها”
كانت كلماتها عادية في مسامع الناس ..
اما في قلب رباع بدت مختلفة تمامًا.. رأى فيها بنتًا ترى الدنيا بعينه هو .. توافقه الرأي دون ان تدري
ارتفع صوت العم جابر وهو يودع :” انتبهي لامك واخوانك يا سعاد في أمان الله “
تحركت الناقة ببطء يهتز فوقها الهودج ..
وتقدم رباع على فرسه .. كان يعود ببصره بين الحين والاخر حيث وقفت سعاد عند اطراف الخيام تلوح بيدها
*****
صباح ديار بني طراد ..
عادت الحياة تدب في بيت ام سطّام .. البيت الذي كان ساكن كقبر ايام غياب سطّام .. اليوم يموج بالحركة واصوات النساء ورائحة القهوة والبخور
دخلت نوفه بخطى محسوبة خلفها فتاة تحمل خبز الصاج المدهون بالسمن .. رفعت صوتها بسعادة مبالغة :” سلامات يا أم سطّام الحمد لله على رجعة سطام بالسلامة جعلها اخر الأحزان “
رفعت ام سطّام رأسها نظرت اليها نظرة هادئة متحفظة :” الله يسلمك يا نوفه حياك “
اقتربت نوفه وجلست تحاول ان تظهر اهتمام صادق وعيناها تبحثان عن رضا في وجه ام سطّام ..
انطلقت ضحكة حيث جلست مناصف تداعب مسبحتها وتراقب الموقف منذ لحظة دخول نوفه وبتهكم: ” يه يه جتنا الشيخة نوفه نزلت من مقامها وشرفت بيت الشؤم “
تشنجت ملامح نوفه .. شدت عباءتها حولها وتلعثمت لحظة قبل ان ترد بهدوء متكلف :” الفرحة بقلوب الجميع من شيخ لرضيع وانا جيت اهني ام سطام واشاركها الفرحة من قلب صادق “
هزت مناصف رأسها مستهزئة ثم نهضت بحركة نشيطة :” صحيح يله قومي عاونينا الحين يجيبون الذبايح ونطبخها ونوزع على كل بيوت الديرة “
ابتسمت الهنوف ووقفت لأول مرة تؤيد مناصف :” يله بسم الله نبدا نجهز قبل يروح علينا الوقت “
نظرت اليهن ام سطّام ورغم صمتها الا ان عينيها لمعتا برضى خافت ..
خارج الخيمة .. بدأ العمل
كل واحدة تنشغل بما بين يديها .. واحدة تغسل القدور الضخمة واخرى توقد النار وثالثة تعجن العجين ..
تباطأت نوفه في خطواتها تحمل بيديها قدرًا ملأته بالماء..
اقبلت مناصف بخطى واثقة وهي تقول بنبرة تعمدت رفعها:” هاه يا شيختنا نوفه لك شهور متريحه الوكاد انك مشتاقة للشغل “
ضحكت بعض النساء بخفوت وهن يخبئن وجوههن خلف اطراف خمارهن..
حبست نوفه غيظها بين ضلوعها ثم ردت بابتسامة باردة :” نشتغل ونعاون اهم شي رجع سطام بالسلامة “
اقتربت الهنوف وهي تحمل سكين لتقطيع اللحم وقالت بابتسامة :” الحمدلله الحق وان غاب اخرته يرجع لاصحابه “
مناصف لفت ذراعها بذراع الهنوف :” اييه خلي عنك وتعالي نتقهوى مع الشيخة ام سطام “
ثم التفتت على بقية البنات وهي تلوح بيدها :” الله الله بالشغل يابنات خفن يديكن”
بقيت نوفه عند النار تزيد الحطب تحت القدر تنظر الى غليان الماء .. الذي يشبه غليان صدرها الان
****
في قسم الرجال ..
كانت البتول واقفة امام سطّام يديها تتحركان برفق ونعومة تعدل عباءته على كتفيه العريضين .. وعيناها تمتلئان بفخر وحنين .. وارتباك لم تستطيع اخفاءه..
ما زالت تسأل نفسها في سرها اعاد حقًا؟ ام انني ما زلت احلم ؟
سطّام ظل يطيل النظر اليها بصمت ثقيل ..
في قربها احس بأن التيه الذي ابتلعه طويلاً بدأ ينحسر وان غربته لم تكن الا انتظارًا لهذه اللحظة .. انتظارًا ليجد قلبه ثابت في مكان واحد
مد يده بهدوء وامسك كفها بين كفيه.. رفع يدها الى شفتيه وقبلها
ارتجفت البتول ودمعة صغيرة لمع بريقها في عينيها حبستها ان تفسد لحظة الفرح ..
وفجأة شق الصمت المربك صوت راكان الصغير .. الذي يخشن صوته بتعمد ليبدو كالرجال :” يله ياشيخ مشينا الرجال يحترونا “
ترك سطّام يد البتول بهدوء مخفي اضطراب قلبه خلف ابتسامة هادئة .. بينما تشبكت البتول كفاها ببعض محاولة تمالك شعورها امام هذا التدخل المفاجئ ..
التفت سطّام الى راكان ونظر في عينيه طويلاً ..
وفي داخله ارتسم سؤال .. هل هذا خال اولادي؟ وهل سيأتيه ولد يشبهه في قوته وصلابته ؟
قبل ان يخطو .. اندفع صقر مسرع وجهه يتهلل شماغه معقود بعجلة بعدما عصبته له أمه :” لاتمشون عني “
ضحك سطّام بخفة ورفع يده يشير اليهما معًا :” يله يارجال مشينا “
خرج الثلاثة بخطى واثقة نحو مجلس راشد ..
البتول بقيت واقفة في مكانها .. يداها على صدرها تتابع خطواتهم بعينين يغشاهما الحب والفخر ..
ترى هيبة البيت تعود امام عينيها وتترحم على ابيها
*****
دخل سطّام بخطى واثقة يرافقه راكان وصقر ..
وقف الرجال في لحظة واحدة ارتفعت اصوات الترحيب :” حي الله سطّام حي الله شيخ بني طراد “
تدفقو نحوه .. يتسابقون لمصافحته .. تقبيل رأسه وكتفيه والفرح يعم المجلس ..
فهيد حضن سطام بقوة وصوته مبحوح بألم هل يتذكره ؟ :” حمدلله على سلامتك يا سطام رجعت لنا سالم غانم انا فهيد عضيدك “
سطّام شد على يده بقوة ونظره استقر في عينيه .. يتذكر حديث امه ” يمكنك ان تثق بفهيد كان هو من يذكرك بهذه الديار وقت مالكل نساك “
زياد وصوته علا مبالغ بالحب:” يا حي الله الغالي يا حي الله سندنا وفارسنا والله ما ذقنا طعم النوم من بعدك “
دفع فهيد عن سطام وعانقه بحرارة متكلفة .. اطال التقبيل على كتفه وكرر العبارات وكأنه يريد ان يغرق المجلس بمحبته..
سطّام اكتفى بابتسامة خفيفة وهو يبعده عنه بهدوء :” اللي بيني وبينكم ما يحتاج كلام الفرح فرحكم وأنا بين اهلي وربعي “
*****
ديار السراة ..
وقف جلوان يتهيأ للخروج ويلف عباءته على كتفيه.. التفت فاذا بشادن تتهيأ هي الاخرى .. تحمل قربة الماء الصغيرة وتضع على كتفها حبل الحطب..
رفع حاجبه وهو يسألها برفق وحنان :” وين رايحة يا شادن؟ “
شادن تشد طرف خمارها وبخجل :” بروح أجيب ماء وحطب للبيت “
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه واقترب منها بخطوات واثقة :” يا بنت الناس انتِ الحين عروس وزوجة الشيخ جا الوقت ترتاحين والكل يخدمك ولا عاد تشيلين لا ماء ولا حطب “
توقفت عن الحركة ورفعت عينيها اليه تخفي ابتسامتها :” وأنت وين رايح؟”
جلوان يشد عباءته من جديد :” بروح الف الديار اشوف احوال الناس وش يحتاجون “
ابتسمت شادن وهي ترفع رأسها بثقة :” يا جلوان انت شيخ العلوم توصلك لحد مجلسك مايحتاج تتعب نفسك وتدور بين الناس “
جلوان بجدية يحمل ثقل المسؤولية :” ما أقدر أجلس حتى لو اني شيخ الديرة ما تعمر بالجلوس “
رفعت حاجبها بابتسامة صغيرة وقالت بسرعة تريد ان تسبقه :” وأنا بعد ما أقدر أجلس واحد يخدمني حتى لو اني شيخة “
صمت لحظة .. ثم انفجر جلوان ضاحكًا ضحكة عميقة
شادن لم تتمالك نفسها فضحكت هي الأخرى .. وانكشف بينهما وجه الصبا الذي لم يبهت
خرجا معًا .. يمشيان جنبًا الى جنب كما كانا يومًا صغارًا في طرقات السراة ..
النساء يبتسمن لمرآهما .. والرجال يباركون لهما بزواج مبارك ..
****
دخل سطّام المغارة بهدوء .. وخلفه الشيخ سرحان صديق الحكيم .. عندما رأى حمدان الكدمات تشوه وجهه الوسيم ابتسم بسخرية : ” مين اللي معلم عليك الله يسلم يده “
رفع حمدان رأسه ببطء عيناه تقدحان شررًا ونظرة احتقار ثقيلة سكنت محياه ..
سلمى التي اعادو ربطها للعمود المقابل .. ردت بقهر :” واحد خسيس ونذل مثلك “
توقف سطّام عندها لحظة .. نظراته عبرت فوقها ببرود ثم عاد والتفت الى حمدان قائلاً بتفشي وجدية :” مغيبين بهالمغارة ماتعرفون وش صاير بالدنيا برا .. عاجبكم شعور الجهل .. مقيدين والناس تخطط وتحدد مصير حياتكم “
ضحكة باردة انطلقت من حمدان :” ايه لازم الواحد يريح عقله شوي ..”
سلمى قاطعته بصوت محتقن عيناها تغليان قهرًا :” وعدتنا ياسطام كيف لك وجه تقابلنا هالحين بعد مااخلفت بوعدك ؟! انقذناك من الموت وهذا جزاتنا “
سطّام وقف امامهم يديه مكتفتان على صدره وملامحه صلبة لا تفصح عما يجول بداخله.. نظر لحمدان وقال بسخرية يعرفها خصمه جيدًا :” انت ماعليك شرهه اكيد بتريح عقلك دام قلبك قدامك “
ثم التفت نحو سلمى وبجدية ..:” بجازيكم لاتخافيين خير الجزاء “
لم يترك لهم مجال لفهم ما يقصد.. ادار جسده الى الشيخ سرحان والى الحارسين الواقفين على مقربة .. وبصرامة :” اقربو خل نخلص “
تقدم الحارسان في صمت .. احدهما انحنى عند سلمى وفك وثاق يديها المرتجفتين .. والاخر حرر عقدة الحبال الثقيلة عن حمدان
في تلك اللحظة ساد سكون عجيب ..
جلس الشيخ سرحان بهدوء في منتصف المغارة .. هيبته تسبق صوته مد يده الى لحيته البيضاء ثم رفع رأسه وبدأ بصوت رخيم يملأ المكان : “بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبدأ “
تجمدت ملامح حمدان وعيناه ارتكزتا على الشيخ سرحان.. قلبه يخفق بعنف حتى كاد يسمع دويه بأذنيه يعرف هذا الرجل .. مأذون بني طراد.!!. اذًا لم يكن الأمر عبث ولا تهديد .. زواج !!!؟!
رفع نظره نحو سطّام .. فوجده يحدق به بتحدي صامت كأنه يتحداه ان يرفض
التفت الشيخ الى حمدان عينيه مثبتتين فيه والسؤال خرج واضح لا يحتمل لبس : “هل تقبل بسلمى بنت صباح زوجة لك؟”
ارتعش قلب حمدان لحظة كأنه كاد يسقط بين ضلوعه.. المشاعر اجتمعت دهشة .. فرح .. خوف .. جنون .. كلها اختلطت في لحظة خاطفة
لكنه لم يتردد.. ولم يسأل “لماذا؟؟” ولم يطلب تفسير.. صوته خرج ثابت جاف يخفي وراءه عاصفة : “نعم أقبل “
في تلك اللحظة شعر وكأن القيود التي سقطت عن يديه قبل قليل قد سقطت أيضًا عن روحه.. هواء المغارة بدا اوسع .. صدره امتلأ بحرية لم يعرفها من قبل
الشيخ سرحان حول بصره نحو سلمى..
كانت عيناها واسعتين ترتجفان بين الاستغراب والخوف .. تبحثان عن تفسير لما يحدث..!!؟!
قال بصوت مهيب: “وأنتِ هل تقبلين بحمدان ابن الحكيم زوجًا لك؟”
سكتت.. اللحظة بدت دهراً
امالت رأسها نحو سطّام عيناها تستنجدان به كأنها تقول .. فسر لي .. انطق خلصني من هذا الغموض.. لكنه لم يحرك ساكنًا.. بقي واقف كالتمثال
نظرت نحو حمدان.. كان مطأطئ الرأس كأنه يهرب من النظر اليها لكنه لم يكن هاربًا .. كان يخفي فرحًا يكاد يفتك به من شدته..
شفتاها ارتجفتا خلف اللثام وصوتها خرج همسًا : “نعم قبلت “
رفع الشيخ يديه بالدعاء صوته علا في فضاء المغارة : “بارك الله لكما وجمع بينكما على خير وجعل بينكما المودة والرحمة “
الحارسان هما شاهدا الرباط شاهدان على عهد لا ينقض سطّام وصاهما بصرامة ان لا ينطق احدهما بكلمة عما جرى..
بعد ان انصرف الشيخ سرحان بخطوات هادئة ولحق به الحارسان الى الخارج ..
بقيت المغارة غارقة في صمت مهيب
سلمى انفاسها تتسارع .. قلبها يطرق صدرها كمن يريد ان يهرب .. رفعت بصرها الى سطّام عينيها مشتعلة وصوتها خرج متهدج : “ليه ..؟وش ناوي عليه ؟ “
سطّام عيناه تنزلقان بعيدًا عنها .. النظر الى الارض اهون من مواجهة تلك العيون التي تشهر في وجهه خنجر الاتهام : “للأسف انك بنت عمي ولازم انظف سمعتك سمعة تطول وجهي “
انغرست كلماته في صدرها كخنجر.. ارتجفت عيناها بالدمع المكابر تأبى ان تنحدر امامه..
نظرت اليه وفي نظراتها خليط من الغضب والخذلان.. كم مرة وثقت به؟ .. كم مرة اعتبرته سند وأخ .. وكم مرة اعاد خذلانها؟ ..
أتت معه لتحيا برأس مرفوع .. لتسترد امها .. فاذا به يحبسها هو وقومه في مغارة مظلمة ويزوجها بهذه الطريقة الجارحة.. تمتمت في اعماقها والمرارة تذيب قلبها ” هذه المرة لن أسامحك يا سطّام يا من اعتبرتك أخي “
حمدان كان يراقبها بصمت.. رأى اهتزاز نظرتها وشعر بخذلانها كأنه اصابه ..
لحظة فقط .. انكسرت فرحته تلك النشوة الخفيّة التي كانت تتوهج في داخله تلاشت حين أبصر جرحها
سطام قال بااقتضاب ثقيل لحمدان : “اذا أحد سألكم قولو سطّام زوجنا من ذيك الليلة الي الشيخ طراد حبس سلمى بالمغارة وامر يزوجها لغضيان “
لم ينتظر رد .. ادار ظهره لهم وخطواته تضرب ارض المغارة بقوة ..
وفي اثناء سيره اخذت كلمات امه تتردد في ذهنه كصدى
” تزوج حمدان وسلمى .. تحفظ سمعة بنت عمك اذا قالو شي قدام القاضي قول انك عشان تنقذها من ظلم ابوك زوجتها لحمدان وخليتها تروح معه واذا قالو الناس انك كنت غضبان منهم وتقول بتغسل عارك قول انك سويت كذا بس قدام ابوك “
****
حل الليل على ديار بني طراد ..
مجلس الشيخ طراد الذي خيم عليه الحزن منذ موته .. عاد الليلة وكأنه لم يمت فقد جلس في صدره ابنه سطّام شامخًا بهيبته ..
راشد وقف بين الرجال وقال بصوت جهوري :” يا رجال بني طراد.. الشيخة امانة كانت برقبتي وان شاءالله اني حملتها بما يرضي الله ثم يرضيكم وهذا سطام رجع هو شيخكم وراعيكم “
هز بعض الرجال رؤوسهم موافقين وارتفعت اصوات تأييد من الصفوف الخلفية..
سطّام رفع يده اشارة للسكوت .. ثم قال بصوت ثابت عميق:” أنا ما أصير شيخ الا لما اخذ حقي أول الشيخ ما يجلس على صدور الرجال وهو مظلوم ولا مسلوب “
ساد الصمت في المجلس والكل يترقب ما سيقول.. اكمل سطّام:” حقي ما يجي الا بالعدل.. وأنا قررت أطلب حضور القاضي عواد بن عقبة هو اللي يسمع ويحكم بيني وبين حمدان وما أرضى بغير حكم شرع الله “
وقف احد كبارهم وقال:” أصبت يا سطّام الحق ما يعلو عليه سيف اذا حكم القاضي ما يبقى في النفوس شك ولا حيف “
سطّام عيناه تتنقلان في وجوه الحاضرين ..
لم تفته ملامح زياد .. عرق يتصبب من جبينه رغم برودة الليل ونظراته غير مستقرة
ثم حول نظره بثبات نحو فهيد:” يا فهيد ابيك مع أول الفجر تروح يم القاضي عواد بن عقبة تبلغه بطلبنا وتاخذ منه ميعاد “
فهيد رد بصوت قوي :” ابشر ياشيخ “
تأمل سطام النار وهو يتذكر حديث امه ..
” تظهر قدام الناس ان حمدان غدر بك عشان تسيطر على زياد مايهرب ولايغدر “
” وتقول لهم انك بتاخذ حقك عند القاضي عواد بن عقبة وتطلب حضوره للديار .. وترسل لجلوان يحضر .. وترسل لحورية بعد “
” واذا جا القاضي تقول كل شي وقت ماتضمن حل القضية بعدالة “
*****
في الخيمة التي بنيت حديثًا بجانب بيت ام سطّام ..
استلقى سطّام واضع رأسه في حجر البتول كأنه وجد المرفأ بعد تيه طويل.. واصابعها الناعمة تمر على شعره بحنو وعيناها غارقتان في تفاصيل وجهه ..
شعر ان روحه تحلق بعيدًا بجانبها .. لكن فجأة انقبض قلبه
مرت في ذاكرته صورة ليلى تلك التي لم يعرف معها الا شعور بارد جاف .. تذكر جلوان وحمدان وسلمى ..يوم رفضو زواجه وحذروه ..
والان .. بعد ان لمس الدفء بين يدي البتول فهم.. فهم ان لا امرأة تؤثر به سوى البتول
رفع عينيه نحوها يتأمل ملامحها تحت ضوء الفانوس .. ملامحها كالقمر حين يكتمل لا يشبع من النظر اليها
قالت البتول بصوت خافت :” مامريت في بالك لو شوي “
ابتسم سطّام ونظر الى عينيها مباشرة :” كنتي تجين بااحلامي ولاادري من انتِ “
ارتبكت البتول وابتسمت بخجل .. ثم اخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول ان تتماسك :” متى ودك تعلمني وين كنت ووش صار معك “
سطّام ادار وجهه قليلًا هو اخبر امه فقط ..وبصرامة هادئة :” لا جا القاضي تعرفون كل شي “
ساد صمت قصير..
ثم قالت بعد تردد وهي تنظر في عينيه بعزم خفي :” سؤال واحد وابي اجابته “
رفع سطّام رأسه قليلًا وبهدوء :” اسألي “
همست وهي تشد على اصابع يده :” صدق كنت اسير عند حمدان ؟ وسلمى شلون !؟”
ظل سطّام يحدق في عينيها طويلًا حتى ارتعش قلبها تحت وطأة صمته ثم قال بثبات : ” ماكنت اسير كنت معهم “
كادت البتول تفرغ المزيد من الأسئلة التي تتدافع في صدرها .. لكن سطّام مد يده ووضعها برفق على شفتيها يطلب منها الصمت ..
كانت عيناه مثبتة في عينيها يبوحان ” هنا الان لا أريد سوى أنتِ لا الماضي ولا الأسئلة ولا الذاكرة أنتِ وحدك الحقيقة “
****
جلس كل منهما مكانه لا كلام ولا حركة ..
سلمى تبتلع غصة في حلقها وحرارة الدم في وجهها تكاد تحرقها من شدة الغضب.. لاخر لحظة كانت تثق بسطام
تثق ان وراء ما فعله حكمة .. مخرجًا ..خطة لأجلها .. ليس مجرد ان يرتاح من عبىء ويرفع رأسه امام قومة
حمدان في الجهة المقابلة ظهره ملتصق بجدار المغارة الخشن ..
يراقبها من طرف عينه.. هل ترفض الزواج منه شخصًا ام طريقة الزواج ؟.. الجواب بات يمس كبرياءه وكبرياؤه عنده أغلى من الحياة
طال الصمت ..
ثم تحرك بجسده يحاول ان يخطو نحوها رغم ثقل القيود على معصميه.. كان يريد ان يجلس بقربها .. ان يترك لها مجال لتفرغ ما بداخلها
لم يكد يخطو الا وانفجرت سلمى صرخت بحدة : “اقعد مكانك يا حمدان “
وقف لحظة عند كلماتها ثم ضحك ضحكة قصيرة ساخرة من وضعهم .. رجع الى مكانه بخطوات بطيئة عيناه لم تفارقاها وقال بتهكم :” سمعًا وطاعة يازوجتي “
كلمة “زوجتي” سقطت عليها كالصاعقة.. ارتفع حاجباها غضبًا وارتعشت شفتاها خلف اللثام وصوتها ارتفع مرتجفًا :” تخسي وتعقب انا مااتزوج بهالرخص ياحمدان “
تغيرت ملامحه للحظة نظر نحوها بحدة وقال وهو بشد على اسنانه :” انا قابلت بحياتي اغبياء بس مثلك ماشفت .. سطام جايب المأذون يزوجنا وانتِ قلتي قبلت ابي افهم وش كنتي تظنين سطام يلعب معنا ؟! ولا جنية المغارة ردت عنك “
ارتجفت عينا سلمى وبصوت مخنوق :” ماانا غبية ولا جاهلة بس عمرك ماتفهم الي حارق جوفي “
مال حمدان بجسده للأمام عيناه تضيقان وهو يتأملها بدقة وصوته انخفض :” نوريني يانور العين “
تنفست سلمى بعمق ودون ان تنظر اليه :” طول عمري اعد سطام اخوي وسندي يغلط علي وادمح بس اليوم ماعاد اقدر “
اعتدل حمدان في جلسته وصوته صار أكثر جدية :” خلني اوضح لك الحقيقة الغايبة لو بقى سطام على الوعد نصرك ورجع لك امك وعشتي فالديار من جديد خلاص انتهت القصة بنظرك !؟”
سكت قليلًا ثم أردف بحدة :” تبقى سالفة انك هربتي مع حمدان تلاحقك .. حنا غلطنا ذاك الوقت مافكرنا بالعواقب وفعلة سطام هالحين مااشوفها مذلة لك بالعكس هو حماك من الهروج والعرب ماترحم الا الشرف “
اخذ نفسًا عميقًا ..
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة واثقة فيها من الغرور ما يكفي لاستفزازها :” واذا على طريقة هالزواج اوعدك وانتِ تعرفين وعد حمدان ان طلعنا من هان لااسوي لك عرس تكلم فيه العربان لسنين “
سلمى كانت تتابعه بعينيها .. محتفظة بعنادها وصمتها بينما قلبها يتقافز بلا رحمة
اقترب حمدان بنظره اكثر .. صوته صار منخفضًا وأثقل وقعًا :” وان كان رفضك لي شخصيًا ابشري بالفراق بس تهدى نفوس العرب وكلً بطريق “
رفعت رأسها بقوة تثبت نظراتها في عينيه :” اذا طلعت من هان كلامي مع سطام مو معك “
ضحك حمدان ضحكة ساخرة ولوح بيده :” اوهووه رجعت لسطام الغبية زين زين “
ثم اسند رأسه الى الجدار .. يبتسم ابتسامة مريرة..
شدت سلمى لثامها على وجهها بقوة تحتمي به من نظراته .. ومن نفسها أيضًا
صوته اخترق الصمت فجأة .. رخيمًا .. متهكمًا .. كأنه يسكب غليانه في أبياتٍ يرددها من صدره:
فَرَضَ الحبيب ُ دَلالَهُ وتَمَنَّعَ
وَأَبَى بغيرِ عذابِنَا أَنْ يَقْنعا
ما حيلتي وأنا المكبّلُ بالهوى
ناديته فأصَرَّ ألاّ يسمعا
وعجبتُ من قلبٍ يرقُّ لظالمٍ
ويُطيقُ رغمَ إبائِهِ أنْ يَخْضَعَا “
سلمى شعرت بوقعها في صدرها ارتجف قلبها رغمًا عنها .. ورفعت عينيها نحوه دون ارادة.. رأته مسندًا رأسه الى الجدار .. وعيناه نصف مغمضتين كأنه يهرب من المواجهة
تسمرت نظراتها عليه لحظة .. ثم باغتتها خشية ان ينكشف ما يضطرب في داخلها وأدارت وجهها نحو الجدار بعناد يائس
****
كان الصباح قد انتشر على ديار بني طراد ..
حين دخلت الناقة التي تحمل الهودج لفت المشهد أنظار الجميع.. والى جوارها كان يسير جابر على فرسه .. وعلى الجهة الأخرى رباع ممسكًا بلجام فرسه ويتفقد المكان بعينين يقظتين
وليلى داخل الهودج عيناها تلمعان بشوق وارتباك .. تتنفس الصباح الجديد بعمق وقلبها يرفرف بين الفرح والخوف ..
رفع جابر صوته الجهوري:” السلام عليكم يا بني طراد.. جينا قاصدين سطّام بن طراد “
سكنت الاجواء لحظة ثم تقدم زياد بخطوات ثابتة :” ياهلا بالضيوف حياكم الله بين ربعكم تفضلو “
وعلى طرف بيت ام سطّام كانت مناصف واقفة .. ثوبها يتمايل مع نسيم الصباح وعينها معلقة بالهودج تتأمله بفضول وترقب
اما في الداخل ..
فقد كانت البتول تمسك بيدين أمها وجهها يضيء بفرح.. كانت تحكي لها بشغف عن سطّام كيف عاد قلبه اليها .. والهنوف تنصت بعينين دامعتين
بينما ام سطّام تجلس متكئة قلبها مطمئن وهي ترى سعادة البتول تعود بعد طول انتظار
وفي المجلس ..
كان سطّام جالس بين الرجال الى جوار راشد.. صوتهما يتعالى بين الحين والآخر.. بااحاديث عامة
لكن لحظة دخول زياد ومعه الضيوف تغير كل شيء
رفع سطّام رأسه فوقع بصره أولًا على جابر ثم على رباع ثم على الهودج ..
للحظة تجمد الدم في عروقه.. يداه ارتختا فوق ركبتيه ونظراته صارت زائغة تبحث عن مهرب
نصب الهودج على ظهر الناقة وقد زُين بااغطيه سدو بسيطة ..وليلى تجلس داخل الهودج وقد ودعت امها واختها بالدموع
العم جابر وقف بجانب ناقته يده تعقد الحبال
وعلى مقربة كان رباع يتهيأ للصحبة ممسكًا بلجام فرسه ينتظر
جائت سعاد تحمل سلة صغيرة بيديها.. اقتربت بخطوات واثقة ووضعتها بين الرحال .. ثم التفتت الى جابر بحنان وحرص :” هذا الزاد يابوي ديرو بالكم وخل ليلى تاكل ما ينفعها الا صحتها”
كانت كلماتها عادية في مسامع الناس ..
اما في قلب رباع بدت مختلفة تمامًا.. رأى فيها بنتًا ترى الدنيا بعينه هو .. توافقه الرأي دون ان تدري
ارتفع صوت العم جابر وهو يودع :” انتبهي لامك واخوانك يا سعاد في أمان الله “
تحركت الناقة ببطء يهتز فوقها الهودج ..
وتقدم رباع على فرسه .. كان يعود ببصره بين الحين والاخر حيث وقفت سعاد عند اطراف الخيام تلوح بيدها
*****
صباح ديار بني طراد ..
عادت الحياة تدب في بيت ام سطّام .. البيت الذي كان ساكن كقبر ايام غياب سطّام .. اليوم يموج بالحركة واصوات النساء ورائحة القهوة والبخور
دخلت نوفه بخطى محسوبة خلفها فتاة تحمل خبز الصاج المدهون بالسمن .. رفعت صوتها بسعادة مبالغة :” سلامات يا أم سطّام الحمد لله على رجعة سطام بالسلامة جعلها اخر الأحزان “
رفعت ام سطّام رأسها نظرت اليها نظرة هادئة متحفظة :” الله يسلمك يا نوفه حياك “
اقتربت نوفه وجلست تحاول ان تظهر اهتمام صادق وعيناها تبحثان عن رضا في وجه ام سطّام ..
انطلقت ضحكة حيث جلست مناصف تداعب مسبحتها وتراقب الموقف منذ لحظة دخول نوفه وبتهكم: ” يه يه جتنا الشيخة نوفه نزلت من مقامها وشرفت بيت الشؤم “
تشنجت ملامح نوفه .. شدت عباءتها حولها وتلعثمت لحظة قبل ان ترد بهدوء متكلف :” الفرحة بقلوب الجميع من شيخ لرضيع وانا جيت اهني ام سطام واشاركها الفرحة من قلب صادق “
هزت مناصف رأسها مستهزئة ثم نهضت بحركة نشيطة :” صحيح يله قومي عاونينا الحين يجيبون الذبايح ونطبخها ونوزع على كل بيوت الديرة “
ابتسمت الهنوف ووقفت لأول مرة تؤيد مناصف :” يله بسم الله نبدا نجهز قبل يروح علينا الوقت “
نظرت اليهن ام سطّام ورغم صمتها الا ان عينيها لمعتا برضى خافت ..
خارج الخيمة .. بدأ العمل
كل واحدة تنشغل بما بين يديها .. واحدة تغسل القدور الضخمة واخرى توقد النار وثالثة تعجن العجين ..
تباطأت نوفه في خطواتها تحمل بيديها قدرًا ملأته بالماء..
اقبلت مناصف بخطى واثقة وهي تقول بنبرة تعمدت رفعها:” هاه يا شيختنا نوفه لك شهور متريحه الوكاد انك مشتاقة للشغل “
ضحكت بعض النساء بخفوت وهن يخبئن وجوههن خلف اطراف خمارهن..
حبست نوفه غيظها بين ضلوعها ثم ردت بابتسامة باردة :” نشتغل ونعاون اهم شي رجع سطام بالسلامة “
اقتربت الهنوف وهي تحمل سكين لتقطيع اللحم وقالت بابتسامة :” الحمدلله الحق وان غاب اخرته يرجع لاصحابه “
مناصف لفت ذراعها بذراع الهنوف :” اييه خلي عنك وتعالي نتقهوى مع الشيخة ام سطام “
ثم التفتت على بقية البنات وهي تلوح بيدها :” الله الله بالشغل يابنات خفن يديكن”
بقيت نوفه عند النار تزيد الحطب تحت القدر تنظر الى غليان الماء .. الذي يشبه غليان صدرها الان
****
في قسم الرجال ..
كانت البتول واقفة امام سطّام يديها تتحركان برفق ونعومة تعدل عباءته على كتفيه العريضين .. وعيناها تمتلئان بفخر وحنين .. وارتباك لم تستطيع اخفاءه..
ما زالت تسأل نفسها في سرها اعاد حقًا؟ ام انني ما زلت احلم ؟
سطّام ظل يطيل النظر اليها بصمت ثقيل ..
في قربها احس بأن التيه الذي ابتلعه طويلاً بدأ ينحسر وان غربته لم تكن الا انتظارًا لهذه اللحظة .. انتظارًا ليجد قلبه ثابت في مكان واحد
مد يده بهدوء وامسك كفها بين كفيه.. رفع يدها الى شفتيه وقبلها
ارتجفت البتول ودمعة صغيرة لمع بريقها في عينيها حبستها ان تفسد لحظة الفرح ..
وفجأة شق الصمت المربك صوت راكان الصغير .. الذي يخشن صوته بتعمد ليبدو كالرجال :” يله ياشيخ مشينا الرجال يحترونا “
ترك سطّام يد البتول بهدوء مخفي اضطراب قلبه خلف ابتسامة هادئة .. بينما تشبكت البتول كفاها ببعض محاولة تمالك شعورها امام هذا التدخل المفاجئ ..
التفت سطّام الى راكان ونظر في عينيه طويلاً ..
وفي داخله ارتسم سؤال .. هل هذا خال اولادي؟ وهل سيأتيه ولد يشبهه في قوته وصلابته ؟
قبل ان يخطو .. اندفع صقر مسرع وجهه يتهلل شماغه معقود بعجلة بعدما عصبته له أمه :” لاتمشون عني “
ضحك سطّام بخفة ورفع يده يشير اليهما معًا :” يله يارجال مشينا “
خرج الثلاثة بخطى واثقة نحو مجلس راشد ..
البتول بقيت واقفة في مكانها .. يداها على صدرها تتابع خطواتهم بعينين يغشاهما الحب والفخر ..
ترى هيبة البيت تعود امام عينيها وتترحم على ابيها
*****
دخل سطّام بخطى واثقة يرافقه راكان وصقر ..
وقف الرجال في لحظة واحدة ارتفعت اصوات الترحيب :” حي الله سطّام حي الله شيخ بني طراد “
تدفقو نحوه .. يتسابقون لمصافحته .. تقبيل رأسه وكتفيه والفرح يعم المجلس ..
فهيد حضن سطام بقوة وصوته مبحوح بألم هل يتذكره ؟ :” حمدلله على سلامتك يا سطام رجعت لنا سالم غانم انا فهيد عضيدك “
سطّام شد على يده بقوة ونظره استقر في عينيه .. يتذكر حديث امه ” يمكنك ان تثق بفهيد كان هو من يذكرك بهذه الديار وقت مالكل نساك “
زياد وصوته علا مبالغ بالحب:” يا حي الله الغالي يا حي الله سندنا وفارسنا والله ما ذقنا طعم النوم من بعدك “
دفع فهيد عن سطام وعانقه بحرارة متكلفة .. اطال التقبيل على كتفه وكرر العبارات وكأنه يريد ان يغرق المجلس بمحبته..
سطّام اكتفى بابتسامة خفيفة وهو يبعده عنه بهدوء :” اللي بيني وبينكم ما يحتاج كلام الفرح فرحكم وأنا بين اهلي وربعي “
*****
ديار السراة ..
وقف جلوان يتهيأ للخروج ويلف عباءته على كتفيه.. التفت فاذا بشادن تتهيأ هي الاخرى .. تحمل قربة الماء الصغيرة وتضع على كتفها حبل الحطب..
رفع حاجبه وهو يسألها برفق وحنان :” وين رايحة يا شادن؟ “
شادن تشد طرف خمارها وبخجل :” بروح أجيب ماء وحطب للبيت “
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه واقترب منها بخطوات واثقة :” يا بنت الناس انتِ الحين عروس وزوجة الشيخ جا الوقت ترتاحين والكل يخدمك ولا عاد تشيلين لا ماء ولا حطب “
توقفت عن الحركة ورفعت عينيها اليه تخفي ابتسامتها :” وأنت وين رايح؟”
جلوان يشد عباءته من جديد :” بروح الف الديار اشوف احوال الناس وش يحتاجون “
ابتسمت شادن وهي ترفع رأسها بثقة :” يا جلوان انت شيخ العلوم توصلك لحد مجلسك مايحتاج تتعب نفسك وتدور بين الناس “
جلوان بجدية يحمل ثقل المسؤولية :” ما أقدر أجلس حتى لو اني شيخ الديرة ما تعمر بالجلوس “
رفعت حاجبها بابتسامة صغيرة وقالت بسرعة تريد ان تسبقه :” وأنا بعد ما أقدر أجلس واحد يخدمني حتى لو اني شيخة “
صمت لحظة .. ثم انفجر جلوان ضاحكًا ضحكة عميقة
شادن لم تتمالك نفسها فضحكت هي الأخرى .. وانكشف بينهما وجه الصبا الذي لم يبهت
خرجا معًا .. يمشيان جنبًا الى جنب كما كانا يومًا صغارًا في طرقات السراة ..
النساء يبتسمن لمرآهما .. والرجال يباركون لهما بزواج مبارك ..
****
دخل سطّام المغارة بهدوء .. وخلفه الشيخ سرحان صديق الحكيم .. عندما رأى حمدان الكدمات تشوه وجهه الوسيم ابتسم بسخرية : ” مين اللي معلم عليك الله يسلم يده “
رفع حمدان رأسه ببطء عيناه تقدحان شررًا ونظرة احتقار ثقيلة سكنت محياه ..
سلمى التي اعادو ربطها للعمود المقابل .. ردت بقهر :” واحد خسيس ونذل مثلك “
توقف سطّام عندها لحظة .. نظراته عبرت فوقها ببرود ثم عاد والتفت الى حمدان قائلاً بتفشي وجدية :” مغيبين بهالمغارة ماتعرفون وش صاير بالدنيا برا .. عاجبكم شعور الجهل .. مقيدين والناس تخطط وتحدد مصير حياتكم “
ضحكة باردة انطلقت من حمدان :” ايه لازم الواحد يريح عقله شوي ..”
سلمى قاطعته بصوت محتقن عيناها تغليان قهرًا :” وعدتنا ياسطام كيف لك وجه تقابلنا هالحين بعد مااخلفت بوعدك ؟! انقذناك من الموت وهذا جزاتنا “
سطّام وقف امامهم يديه مكتفتان على صدره وملامحه صلبة لا تفصح عما يجول بداخله.. نظر لحمدان وقال بسخرية يعرفها خصمه جيدًا :” انت ماعليك شرهه اكيد بتريح عقلك دام قلبك قدامك “
ثم التفت نحو سلمى وبجدية ..:” بجازيكم لاتخافيين خير الجزاء “
لم يترك لهم مجال لفهم ما يقصد.. ادار جسده الى الشيخ سرحان والى الحارسين الواقفين على مقربة .. وبصرامة :” اقربو خل نخلص “
تقدم الحارسان في صمت .. احدهما انحنى عند سلمى وفك وثاق يديها المرتجفتين .. والاخر حرر عقدة الحبال الثقيلة عن حمدان
في تلك اللحظة ساد سكون عجيب ..
جلس الشيخ سرحان بهدوء في منتصف المغارة .. هيبته تسبق صوته مد يده الى لحيته البيضاء ثم رفع رأسه وبدأ بصوت رخيم يملأ المكان : “بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبدأ “
تجمدت ملامح حمدان وعيناه ارتكزتا على الشيخ سرحان.. قلبه يخفق بعنف حتى كاد يسمع دويه بأذنيه يعرف هذا الرجل .. مأذون بني طراد.!!. اذًا لم يكن الأمر عبث ولا تهديد .. زواج !!!؟!
رفع نظره نحو سطّام .. فوجده يحدق به بتحدي صامت كأنه يتحداه ان يرفض
التفت الشيخ الى حمدان عينيه مثبتتين فيه والسؤال خرج واضح لا يحتمل لبس : “هل تقبل بسلمى بنت صباح زوجة لك؟”
ارتعش قلب حمدان لحظة كأنه كاد يسقط بين ضلوعه.. المشاعر اجتمعت دهشة .. فرح .. خوف .. جنون .. كلها اختلطت في لحظة خاطفة
لكنه لم يتردد.. ولم يسأل “لماذا؟؟” ولم يطلب تفسير.. صوته خرج ثابت جاف يخفي وراءه عاصفة : “نعم أقبل “
في تلك اللحظة شعر وكأن القيود التي سقطت عن يديه قبل قليل قد سقطت أيضًا عن روحه.. هواء المغارة بدا اوسع .. صدره امتلأ بحرية لم يعرفها من قبل
الشيخ سرحان حول بصره نحو سلمى..
كانت عيناها واسعتين ترتجفان بين الاستغراب والخوف .. تبحثان عن تفسير لما يحدث..!!؟!
قال بصوت مهيب: “وأنتِ هل تقبلين بحمدان ابن الحكيم زوجًا لك؟”
سكتت.. اللحظة بدت دهراً
امالت رأسها نحو سطّام عيناها تستنجدان به كأنها تقول .. فسر لي .. انطق خلصني من هذا الغموض.. لكنه لم يحرك ساكنًا.. بقي واقف كالتمثال
نظرت نحو حمدان.. كان مطأطئ الرأس كأنه يهرب من النظر اليها لكنه لم يكن هاربًا .. كان يخفي فرحًا يكاد يفتك به من شدته..
شفتاها ارتجفتا خلف اللثام وصوتها خرج همسًا : “نعم قبلت “
رفع الشيخ يديه بالدعاء صوته علا في فضاء المغارة : “بارك الله لكما وجمع بينكما على خير وجعل بينكما المودة والرحمة “
الحارسان هما شاهدا الرباط شاهدان على عهد لا ينقض سطّام وصاهما بصرامة ان لا ينطق احدهما بكلمة عما جرى..
بعد ان انصرف الشيخ سرحان بخطوات هادئة ولحق به الحارسان الى الخارج ..
بقيت المغارة غارقة في صمت مهيب
سلمى انفاسها تتسارع .. قلبها يطرق صدرها كمن يريد ان يهرب .. رفعت بصرها الى سطّام عينيها مشتعلة وصوتها خرج متهدج : “ليه ..؟وش ناوي عليه ؟ “
سطّام عيناه تنزلقان بعيدًا عنها .. النظر الى الارض اهون من مواجهة تلك العيون التي تشهر في وجهه خنجر الاتهام : “للأسف انك بنت عمي ولازم انظف سمعتك سمعة تطول وجهي “
انغرست كلماته في صدرها كخنجر.. ارتجفت عيناها بالدمع المكابر تأبى ان تنحدر امامه..
نظرت اليه وفي نظراتها خليط من الغضب والخذلان.. كم مرة وثقت به؟ .. كم مرة اعتبرته سند وأخ .. وكم مرة اعاد خذلانها؟ ..
أتت معه لتحيا برأس مرفوع .. لتسترد امها .. فاذا به يحبسها هو وقومه في مغارة مظلمة ويزوجها بهذه الطريقة الجارحة.. تمتمت في اعماقها والمرارة تذيب قلبها ” هذه المرة لن أسامحك يا سطّام يا من اعتبرتك أخي “
حمدان كان يراقبها بصمت.. رأى اهتزاز نظرتها وشعر بخذلانها كأنه اصابه ..
لحظة فقط .. انكسرت فرحته تلك النشوة الخفيّة التي كانت تتوهج في داخله تلاشت حين أبصر جرحها
سطام قال بااقتضاب ثقيل لحمدان : “اذا أحد سألكم قولو سطّام زوجنا من ذيك الليلة الي الشيخ طراد حبس سلمى بالمغارة وامر يزوجها لغضيان “
لم ينتظر رد .. ادار ظهره لهم وخطواته تضرب ارض المغارة بقوة ..
وفي اثناء سيره اخذت كلمات امه تتردد في ذهنه كصدى
” تزوج حمدان وسلمى .. تحفظ سمعة بنت عمك اذا قالو شي قدام القاضي قول انك عشان تنقذها من ظلم ابوك زوجتها لحمدان وخليتها تروح معه واذا قالو الناس انك كنت غضبان منهم وتقول بتغسل عارك قول انك سويت كذا بس قدام ابوك “
****
حل الليل على ديار بني طراد ..
مجلس الشيخ طراد الذي خيم عليه الحزن منذ موته .. عاد الليلة وكأنه لم يمت فقد جلس في صدره ابنه سطّام شامخًا بهيبته ..
راشد وقف بين الرجال وقال بصوت جهوري :” يا رجال بني طراد.. الشيخة امانة كانت برقبتي وان شاءالله اني حملتها بما يرضي الله ثم يرضيكم وهذا سطام رجع هو شيخكم وراعيكم “
هز بعض الرجال رؤوسهم موافقين وارتفعت اصوات تأييد من الصفوف الخلفية..
سطّام رفع يده اشارة للسكوت .. ثم قال بصوت ثابت عميق:” أنا ما أصير شيخ الا لما اخذ حقي أول الشيخ ما يجلس على صدور الرجال وهو مظلوم ولا مسلوب “
ساد الصمت في المجلس والكل يترقب ما سيقول.. اكمل سطّام:” حقي ما يجي الا بالعدل.. وأنا قررت أطلب حضور القاضي عواد بن عقبة هو اللي يسمع ويحكم بيني وبين حمدان وما أرضى بغير حكم شرع الله “
وقف احد كبارهم وقال:” أصبت يا سطّام الحق ما يعلو عليه سيف اذا حكم القاضي ما يبقى في النفوس شك ولا حيف “
سطّام عيناه تتنقلان في وجوه الحاضرين ..
لم تفته ملامح زياد .. عرق يتصبب من جبينه رغم برودة الليل ونظراته غير مستقرة
ثم حول نظره بثبات نحو فهيد:” يا فهيد ابيك مع أول الفجر تروح يم القاضي عواد بن عقبة تبلغه بطلبنا وتاخذ منه ميعاد “
فهيد رد بصوت قوي :” ابشر ياشيخ “
تأمل سطام النار وهو يتذكر حديث امه ..
” تظهر قدام الناس ان حمدان غدر بك عشان تسيطر على زياد مايهرب ولايغدر “
” وتقول لهم انك بتاخذ حقك عند القاضي عواد بن عقبة وتطلب حضوره للديار .. وترسل لجلوان يحضر .. وترسل لحورية بعد “
” واذا جا القاضي تقول كل شي وقت ماتضمن حل القضية بعدالة “
*****
في الخيمة التي بنيت حديثًا بجانب بيت ام سطّام ..
استلقى سطّام واضع رأسه في حجر البتول كأنه وجد المرفأ بعد تيه طويل.. واصابعها الناعمة تمر على شعره بحنو وعيناها غارقتان في تفاصيل وجهه ..
شعر ان روحه تحلق بعيدًا بجانبها .. لكن فجأة انقبض قلبه
مرت في ذاكرته صورة ليلى تلك التي لم يعرف معها الا شعور بارد جاف .. تذكر جلوان وحمدان وسلمى ..يوم رفضو زواجه وحذروه ..
والان .. بعد ان لمس الدفء بين يدي البتول فهم.. فهم ان لا امرأة تؤثر به سوى البتول
رفع عينيه نحوها يتأمل ملامحها تحت ضوء الفانوس .. ملامحها كالقمر حين يكتمل لا يشبع من النظر اليها
قالت البتول بصوت خافت :” مامريت في بالك لو شوي “
ابتسم سطّام ونظر الى عينيها مباشرة :” كنتي تجين بااحلامي ولاادري من انتِ “
ارتبكت البتول وابتسمت بخجل .. ثم اخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول ان تتماسك :” متى ودك تعلمني وين كنت ووش صار معك “
سطّام ادار وجهه قليلًا هو اخبر امه فقط ..وبصرامة هادئة :” لا جا القاضي تعرفون كل شي “
ساد صمت قصير..
ثم قالت بعد تردد وهي تنظر في عينيه بعزم خفي :” سؤال واحد وابي اجابته “
رفع سطّام رأسه قليلًا وبهدوء :” اسألي “
همست وهي تشد على اصابع يده :” صدق كنت اسير عند حمدان ؟ وسلمى شلون !؟”
ظل سطّام يحدق في عينيها طويلًا حتى ارتعش قلبها تحت وطأة صمته ثم قال بثبات : ” ماكنت اسير كنت معهم “
كادت البتول تفرغ المزيد من الأسئلة التي تتدافع في صدرها .. لكن سطّام مد يده ووضعها برفق على شفتيها يطلب منها الصمت ..
كانت عيناه مثبتة في عينيها يبوحان ” هنا الان لا أريد سوى أنتِ لا الماضي ولا الأسئلة ولا الذاكرة أنتِ وحدك الحقيقة “
****
جلس كل منهما مكانه لا كلام ولا حركة ..
سلمى تبتلع غصة في حلقها وحرارة الدم في وجهها تكاد تحرقها من شدة الغضب.. لاخر لحظة كانت تثق بسطام
تثق ان وراء ما فعله حكمة .. مخرجًا ..خطة لأجلها .. ليس مجرد ان يرتاح من عبىء ويرفع رأسه امام قومة
حمدان في الجهة المقابلة ظهره ملتصق بجدار المغارة الخشن ..
يراقبها من طرف عينه.. هل ترفض الزواج منه شخصًا ام طريقة الزواج ؟.. الجواب بات يمس كبرياءه وكبرياؤه عنده أغلى من الحياة
طال الصمت ..
ثم تحرك بجسده يحاول ان يخطو نحوها رغم ثقل القيود على معصميه.. كان يريد ان يجلس بقربها .. ان يترك لها مجال لتفرغ ما بداخلها
لم يكد يخطو الا وانفجرت سلمى صرخت بحدة : “اقعد مكانك يا حمدان “
وقف لحظة عند كلماتها ثم ضحك ضحكة قصيرة ساخرة من وضعهم .. رجع الى مكانه بخطوات بطيئة عيناه لم تفارقاها وقال بتهكم :” سمعًا وطاعة يازوجتي “
كلمة “زوجتي” سقطت عليها كالصاعقة.. ارتفع حاجباها غضبًا وارتعشت شفتاها خلف اللثام وصوتها ارتفع مرتجفًا :” تخسي وتعقب انا مااتزوج بهالرخص ياحمدان “
تغيرت ملامحه للحظة نظر نحوها بحدة وقال وهو بشد على اسنانه :” انا قابلت بحياتي اغبياء بس مثلك ماشفت .. سطام جايب المأذون يزوجنا وانتِ قلتي قبلت ابي افهم وش كنتي تظنين سطام يلعب معنا ؟! ولا جنية المغارة ردت عنك “
ارتجفت عينا سلمى وبصوت مخنوق :” ماانا غبية ولا جاهلة بس عمرك ماتفهم الي حارق جوفي “
مال حمدان بجسده للأمام عيناه تضيقان وهو يتأملها بدقة وصوته انخفض :” نوريني يانور العين “
تنفست سلمى بعمق ودون ان تنظر اليه :” طول عمري اعد سطام اخوي وسندي يغلط علي وادمح بس اليوم ماعاد اقدر “
اعتدل حمدان في جلسته وصوته صار أكثر جدية :” خلني اوضح لك الحقيقة الغايبة لو بقى سطام على الوعد نصرك ورجع لك امك وعشتي فالديار من جديد خلاص انتهت القصة بنظرك !؟”
سكت قليلًا ثم أردف بحدة :” تبقى سالفة انك هربتي مع حمدان تلاحقك .. حنا غلطنا ذاك الوقت مافكرنا بالعواقب وفعلة سطام هالحين مااشوفها مذلة لك بالعكس هو حماك من الهروج والعرب ماترحم الا الشرف “
اخذ نفسًا عميقًا ..
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة واثقة فيها من الغرور ما يكفي لاستفزازها :” واذا على طريقة هالزواج اوعدك وانتِ تعرفين وعد حمدان ان طلعنا من هان لااسوي لك عرس تكلم فيه العربان لسنين “
سلمى كانت تتابعه بعينيها .. محتفظة بعنادها وصمتها بينما قلبها يتقافز بلا رحمة
اقترب حمدان بنظره اكثر .. صوته صار منخفضًا وأثقل وقعًا :” وان كان رفضك لي شخصيًا ابشري بالفراق بس تهدى نفوس العرب وكلً بطريق “
رفعت رأسها بقوة تثبت نظراتها في عينيه :” اذا طلعت من هان كلامي مع سطام مو معك “
ضحك حمدان ضحكة ساخرة ولوح بيده :” اوهووه رجعت لسطام الغبية زين زين “
ثم اسند رأسه الى الجدار .. يبتسم ابتسامة مريرة..
شدت سلمى لثامها على وجهها بقوة تحتمي به من نظراته .. ومن نفسها أيضًا
صوته اخترق الصمت فجأة .. رخيمًا .. متهكمًا .. كأنه يسكب غليانه في أبياتٍ يرددها من صدره:
فَرَضَ الحبيب ُ دَلالَهُ وتَمَنَّعَ
وَأَبَى بغيرِ عذابِنَا أَنْ يَقْنعا
ما حيلتي وأنا المكبّلُ بالهوى
ناديته فأصَرَّ ألاّ يسمعا
وعجبتُ من قلبٍ يرقُّ لظالمٍ
ويُطيقُ رغمَ إبائِهِ أنْ يَخْضَعَا “
سلمى شعرت بوقعها في صدرها ارتجف قلبها رغمًا عنها .. ورفعت عينيها نحوه دون ارادة.. رأته مسندًا رأسه الى الجدار .. وعيناه نصف مغمضتين كأنه يهرب من المواجهة
تسمرت نظراتها عليه لحظة .. ثم باغتتها خشية ان ينكشف ما يضطرب في داخلها وأدارت وجهها نحو الجدار بعناد يائس
****
كان الصباح قد انتشر على ديار بني طراد ..
حين دخلت الناقة التي تحمل الهودج لفت المشهد أنظار الجميع.. والى جوارها كان يسير جابر على فرسه .. وعلى الجهة الأخرى رباع ممسكًا بلجام فرسه ويتفقد المكان بعينين يقظتين
وليلى داخل الهودج عيناها تلمعان بشوق وارتباك .. تتنفس الصباح الجديد بعمق وقلبها يرفرف بين الفرح والخوف ..
رفع جابر صوته الجهوري:” السلام عليكم يا بني طراد.. جينا قاصدين سطّام بن طراد “
سكنت الاجواء لحظة ثم تقدم زياد بخطوات ثابتة :” ياهلا بالضيوف حياكم الله بين ربعكم تفضلو “
وعلى طرف بيت ام سطّام كانت مناصف واقفة .. ثوبها يتمايل مع نسيم الصباح وعينها معلقة بالهودج تتأمله بفضول وترقب
اما في الداخل ..
فقد كانت البتول تمسك بيدين أمها وجهها يضيء بفرح.. كانت تحكي لها بشغف عن سطّام كيف عاد قلبه اليها .. والهنوف تنصت بعينين دامعتين
بينما ام سطّام تجلس متكئة قلبها مطمئن وهي ترى سعادة البتول تعود بعد طول انتظار
وفي المجلس ..
كان سطّام جالس بين الرجال الى جوار راشد.. صوتهما يتعالى بين الحين والآخر.. بااحاديث عامة
لكن لحظة دخول زياد ومعه الضيوف تغير كل شيء
رفع سطّام رأسه فوقع بصره أولًا على جابر ثم على رباع ثم على الهودج ..
للحظة تجمد الدم في عروقه.. يداه ارتختا فوق ركبتيه ونظراته صارت زائغة تبحث عن مهرب


