روايات شيقة
رواية وشم الرمل الفصل الثاني 2 بقلم ميدانو
رواية وشم الرمل الفصل الثاني 2 بقلم ميدانو
اشتد ضوء الصباح على الديار ..
ساحة الرمل صارت محكمة مفتوحة والأعين كلها تحدق بفضول صامت..
الرجال التفو على شكل دائرة حول الساحة .. والأطفال يتطاولون بالنظر من بين الأرجل والظهور ..
اما النساء متجمعات ورا الستار البعيد عيونهن ترقب ..
بينهن.. كانت “البتول “
واقفة ساكتة تنظر بثبات وثقه ..
ثم..
بدأ الرمل يتناثر تحت خطوات رجالية ثقيلة.. قيس وناجم يقتادان حمدان .. رأسه مرفوع وفي عينيه وهن لا يخفى لكن تحته…عناد من طينة لا تنكسر
سلمان وقف على حافة الدائرة يتابع بصمت
وجلوان كان خلف الصفوف ينظر الى أخيه بوجع
دخل سطّام.. بخطوات ما فيها تردد.. وقف في وسط الساحة وناظر حمدان..
ثم لف وجهه على الحضور وصوته طلع واضح ما فيه ارتجاف :” يابني طراد.. ما جبتوه لي عشان أدفن اللي صار جبتوه عشان يسمعها مني قدام روسكم.. اللي صار ما ينسكت عنه واللي ظن نفسه فوق الحساب جت ساعته “
رجع بعينه على حمدان.. : “من قال بيت شعر في عرض نزّهناه عن السيف لكن ما نزّهناه عن العقاب “
وأشار سطّام بيده أمر لا يرد :” حلّوا وثاقه “
اقترب فهيد وصوت الحديد حين انفرط من معصمي حمدان دوى في الساحة … حمدان ما تحرك ما مد يده كأن القيد صار من نفسه وإليه..
قال سطّام بقوة :” لا جلد ولا دم ولا قبر لكن حكم العرب معروف اللي يعيب يُنبذ وهذا حمدان ما عاد له وجه بيننا “
ثم مد يده بسكين صغيرة ورماها عند قدمه: ” فك ما بقى من رباطك وخذ خطاك بعيد وقبل شمس بكره تطلع لا تخلي ظلك يطول بأرض ما عاد لك فيها نصيب “
استدار سطّام ومشى ما لف وجهه ما ناظر وراه والرجال قدامه فتحو له الطريق ..
حمدان وقف وحده ناظر السكين.. ثم ناظر الناس وجوه صلدة أعين تتهرب .. كان يدور واحد بس.. وطاحت عيونه عليه خلف الصفوف نظرة مكسورة .. جلوان ..
في عيون جلوان حزن وحنان..
وفي عيون حمدان ابتسامة خفيفة كأنها تقول ” لا تحزن يا اخوي أخوك ما ينكسر وما عليه خوف أنا تربيتك “
تبادلو نظرات الوداع صمت فيه من الأخوة ما يفوق الكلام
مد حمدان يده .. فك الرباط الأخير عن وسطه ورماه ثم مشى.. خطوة ورا خطوة…
وصوت الرمل تحت قدميه
يمحو صوته… بهدوء
********
في مجلس النساء
الضحى ما بعد برد لكن حرارة الموقف ما زالت تمشي بين النساء ..
البتول جالسة ترفع فنجال القهوة بيد وعينها فيها بريق ما شافته النساء من قبل بريق وحدة انقال اسمها وانصفها من رفع السيف وترك السيف
وحدة من العجايز همست: “سبحان من له الحكم ما حد كان يظن ان سطّام ينفي ما يذبح “
حسناء نظرت للبتول : ” وش شعورك يا بتول؟ خذا لك حقك ولا تحسين بعد باقي بقلبك شي؟”
البتول ابتسمت ابتسامة فيها شيء من الزهو : ” وقفته قدام الناس تكفيني ما هو الدم اللي يرويني العدالة هي اللي ترفع راسي “
سكتت لحظة ثم رفعت نظرها وقالت بثقة:” سطّام ما خذ حقي سطّام رفع اسمي “
*
بعد ما خرجت البتول وصكت وراها الستارة سكت المجلس لحظة كأن كل النساء حابسين أنفاسهم..
قالت وحدة من البنات وهي تتنهد وتسحب طرف عباتها:” عليك العوض يا حمدان المزيون”
ردت عليها جارتها بنغمة فيها دلال وهي ترفع فنجالها: ” أنا كنت أطالع ثيابه ربي رزه بهيبة وثوبه دايم نقي حتى لو ما عنده قوت يومه “
ضحكت وحدة وهي تمضغ تمرة وقالت بصوت منخفض: ” وعيونه؟ يا ويل قلبي من سمار عيونه نظره وحده وتضيعين كان يعرف متى يطالع ومتى يعرض ومتى يضحك كأنه حافظ أسرار النسوان كلهن “
من الركن عند الطراحة القديمة هزت العجوز راسها وقالت بصوت واهن حاسم: ” يا مصغر عقلكن زينه ما شفع له وش ينفع الزين لا خيّب الفعل؟”
تنهدت وحده من البنات بسخرية ورفعت طرف طرحتها كأنها تطرد كلام العجوز: ” إييه يا خاله الحين منين لنا شاعر يمدحنا عالطالعة والنازلة هههه “
ضحكت بنت ثانيه ساخرة: ” نخلي سلمان يقصد فينا هههههه يا ويلي لو تسمعنا تحلق روسنا بيدها “
قالت الثالثة تضحك وهي تغمز:” هيه هذي لو ها شاعره كل قصيدها هجاء ورثاء “
ضحكن البنات وضج المجلس بصوت ناعم ..
دخلت حورية بصمت وهدوء .. عيون البنات تقابلت في لحظة وكل وحدة قامت تعدل جلستها وتلم ضحكتها كأنها أمسكتها متلبسة
قالت حورية بنبرة حنونة : “خير وش اللي يضحك هالكثر؟ أسمع سالفة سلمان وتطيحون من الضحك كنه طرف من سوالف الرعيان “
وحدة من البنات حاولت تضحك بهدوء وقالت: ” لا والله يا خالتي كنا نهرّج بس قلنا يمكن سلمان يوم من الأيام تقول فينا بيت مدح “
ضحكت حورية وهي تقعد في صدر المجلس: ” سلمان؟ اللي شعرها أشرس من سيوف الفرسان؟إن قالت بيت تشق فيه الرقبة ما تمشط فيه ظفاير “
سكتت لحظة ثم نظرت في البنات وقالت: ” وحمدان؟ يا كثر من قال عنه مزيون بس الزين لحاله مايخلص لو إنه عقل ما صار على حاله ولا خلى البتول توقف مثل السيف قدامه “
ردت بنت من الزاوية: ” بس والله يا خالتي نحب نذكره زينه حضوره وحتى غلطاته له طيف ما يروح “
هزت حورية راسها وقالت: ” الزين اللي ما يخاف من ظلمه ماهو بزين هذا خطر “
لاحقًا خرجت حوريّة من مجلس النساء بخطا هادئة تمسك بطرف عباءتها ..
على الدرب الطيني بين الخيام لمحت الشيخ طراد واقفا
يراقب المكان بعينين تبحثان عن شيء ضائع..
حاول أن يكلمها .. ناداها باسمها بصوت منخفض ..
لكنها تهربت تظاهرت بالانشغال .. وأدارت وجهها ومضت في طريقها دون أن تنظر إليه..
طراد لم يوقفها .. فقط تابع ظلها وهو يبتعد وهو يعلم أنها تهرب… وتعرف هي أنها تهرب
لأنها لا تملك الشجاعة لتقول له ما تخشاه: “أنا ما أقدر”
******
وقت العصاري الشمس تميل للغروب والظل يتمدد على أطراف السقيفة..
سطّام جالس على حصيره المعتاد سيفه عند جنبه وعينه على بعد الرمل ..
سلمان مقابل له بس ما يجلس بكامل الراحة دايما جلسته فيها توتر.
قطع سطّام الصمت : ” الديره هدت بس اللي بداخلي ما هدى والله إن شفت حمدان رجعت خطاويه للديار ما يردني عنه شي”
سلمان ضحك ضحكة قصيرة ساخرة: ” ما ظني يرجع حمدان وين ما توديه يعيش هو من الناس اللي يلقون لهم مكان بس ما يخلون لهم أثر”
لم تتغير ملامح سطّام لف وجهه نحوه ببطء قال بنفس النبرة الهادئة الواثقة: ” يمكن بس بعض الخطاوي لو ما خلت أثر في الرمل تظل محفورة في الذاكرة “
وقف سلمان واقترح محاولًا تخفيف ثقل الجو:” خلنا نركب الخيل نطلق عن أنفسنا ننسى شوي هموم الديرة “
ابتسم سطّام ونادى على جواده “الأدهم” الفرس الأسود الوفي الذي كان رفيقه الدائم في كل المواقف .. بدأ الاثنان يستعدان للانطلاق نحو البر المفتوح حيث الهواء النقي يروي الأرواح والحرية تعانق ألوان الغروب..
في منتصف الطريق وقف فهيد .. ساكنًا كمن يتشبث بثبات الجسد ليخفي اضطراب الروح.. عيناه تلاحقان خيول سطّام وسلمان وهي تمضي في الأفق والغبار خلفها يلتف في الهواء كذكرى لا تود أن تنطفئ .. في قلبه تقلب شعور حارق كالجمر تحت الرماد…
الألم يتسلل اليه من حيث لا يدري وغربة لم يعهدها من قبل تنمو بين ضلع وآخر ..
لكنه كعادته لا يظهر شيئًا .. كل ما في صدره يظل حبيسا حتى عن أقرب الناس ..
تناهت الى سمعه خطوات خلفه .. فاعتدل في وقفته على الفور نظر أمامه الى أي شيء .. الى اللاشيء ..
فقط ليهرب من مواجهة الحقيقة أنه يغار ويتألم ..
جاءه صوت زياد من الخلف :” سطّام صار يفضل خوه سلمان على خوتنا “
أجابه فهيد دون أن يلتفت محاولًا أن يبدو متماسكًا:” سطّام إذا تضايق ما يحب يسمع إلا لسلمان. هو يفهمه “
مرت لحظة صمت .. تلتها ابتسامة باردة على وجه زياد ابتسامة ملساء بلا حرارة كأنها قناع وضع على حقد قديم ..
عيناه ما زالتا معلقتين على الأفق ترى فيه ظلالا لأمنية دفينة ..
همس في نفسه بصوت بالكاد تحركت له الشفاه:” حتى الجبال تهد بس تحتاج صبر وأنا يا سطّام تعلمت الصبر من كثر ما جلست في ظلك “
ثم استدار وترك فهيد خلفه ..
لم يلاحظ أحد الشرر في عينيه ولا الدخان المتصاعد من صدره ولا ذلك الشر المتراكم بهدوء في قلبه..
لكن زياد كان يعلم وهو يبتعد أن لحظة سقوط الجبل لا تنذر أحداً بل تأتي مباغتة جارفة لا تبقي خلفها إلا الأنقاض
******
في بيت الحكيم الليل ساكن والهواء الحار كأنه يهمس بالوداع.. جلوان جالس عند راس أبوه ساكت
الحكيم عيونه غايره قال بصوت مبحوح : ” أنا ما أتبرى من ولدي لكني ما أغفر له فعله اللي يخطي يتحمل وحمدان ذاق نفي الرجال وماهو بهين “
سكت الحكيم لحظة كأنه يبلع وجعه ثم التفت على جلوان وقال: ” لكن تدري وش الأشد؟ إنه ولدي من لحمي ودمي وإني لو مت قلبي يسألني وينه؟ وش صار عليه؟ عشان كذا أقول لك إن مت قوم ورح له رده إن كان تايه وتوقف قدامه إن شفته ما تاب “
جلوان شد على حنكه وقال بعين فيها شي من القسوة: ” وإن لقيته ما تغير ما ندم ؟”
رد الحكيم بنظرة فيها ثقل رجال عاش كثير: ” لا تقول ما هو أخوي خلك ميزان عليه لا عصا ولا ظل واذكر ان ما أحد يقدر يرده غيرك هو من لحمي.وأنت ضلعي الثاني “
جلوان نكس راسه وقال بصوت مبحوح: ” والله ما بخليه يا يبه إن عاش حي بلقاه وإن اندفن تحت الرمل بحفر له بإيدي “
تنهد الحكيم كأنه يسلم الراية الأخيرة وقال: ” وإن جا يومي ولا عاد سمعت حسّي بهالديرة خذ زهابك واركب خيل الحكيم ويمم وجهك للسراة “
رفع جلوان راسه وقال بحرقة: ” ليه يا يبه؟! ليه مو هالحيين “
قال الحكيم وهو يسعل: ” وعدي لرفيقي الشيخ هذال بن طراد نندفن سوا بهالارض وانت ماعاد لك فيها وكر بعدي اللي سواه حمدان كسر الظهر وكل نظرة من القوم تصير طعنة “
سكت ثم أكمل:
“ديارنا بالسراة تلقى عمك عتيق ينتظرك والناس يذكرونك بابن الحكيم ما يطالعونك بعين العار ولا يجرحونك بسيرة توجع “
جلوان عض شفته وقال: ” والله ما جنيت ذنبه ليش أتحمل عاره؟”
ابتسم الحكيم ابتسامة فيها حزن السنين وقال: ” لأنك الطيب والطيب يا ولدي يورّث الوجع قبل المجد روح وابن نفسك من جديد وإذا لقيت أخوك خذه معك إن تاب “
اقترب جلوان وهمس بوجع : ” وأنت؟! تخليني أروح وتخلفني ورى ظهري؟”
مد الحكيم يده وحطها على يد ولده وقال: ” أنا ما بقى فيني شي أنا خليتك توصلني آخر الدرب وباقي الخطاوي دربك لحالك بس تذكر يا جلوان الموت يهون لكن العيش بنص حياة ونص ميت ما يهون “
طالع جلوان أبوه طويلا وقال: ” أقسم يا يبه إني أسمع وصيتك وأنفذها وإن طال بي العمر ما أخليك للتراب أخلد اسمك في كل خطوة بالسراة “
ابتسم الحكيم وأغمض عيونه كأنه نام على العهد وهمس: ” وهذا العهد يكفيني “
*********
كانت هند واقفة ورا الخيمة تجمع عيدان الحطب يدينها ترجف وعيونها تراقب الساحة اللي ما بقى فيها إلا غبار خطى حمدان قالت بصوت مخنوق كأنها تحادث الحطب: ” طردوه طردوا زين الشباب وأنا اللي قلبي مهتويه “
رفيقتها نادت من بعيد لكن هند ما ردت كأن الصوت يمر من جنبها ولا يلامسها..
وقفت وضمت يدينها على صدرها وتمتمت بغيرة حزينة: “كل البنات يحلمن بنظرة من حمدان وهو؟ طار عقله ببتول لا تضحك لا ترد تمشي كأن السيف يحوم بعينها “
شهقت شهقة فيها دراما أكثر من ألم ورمت عود حطب بعيد وقالت: ” آه على حظك يا هند ما أمداك تفرحين بالبيتين اللي قالهم فيك “
وفي الجهة الثانية من الخيام .. كان سلمان راجع لبيته عباءته مربوطة بنص خصره وخطاه ثابتة كعادته سمع الكلام وقف مال بجسمه وابتسم وعيونه تلمع بمكر.. قال بصوت واطي لكنه واصل لها: ” المسكينة فرحانة ببيتين؟”
هز راسه وضحك وقال: ” عاد لو تدري إن حمدان ما يفرق بين عنز وسحر ولا يعرف من الشعر إلا قافيته “
هند التفتت خجل وحرج وغضب يتصارعن في وجهها: ” وش دخلك؟ تمشي تسمّع ورا الخيام؟!”
رد سلمان وهو يرفع عباءته على كتفه: ” لا والله بس الكلام إذا صار كودً يوصل لأذن اللي مايريد يسمعه وأنا وش يدنّيني صوب وحده تبكي من بيتين مغشوشة “
ضحك وهو يكمل مشيته وعلق بنبرة سخرية: ” سلامات يا هلال القصيد لا تحترقين من نار حطبك “
وتركها وراه تتنفس بغضب وقالت بصوت خافت خايفه يوصله : ” سلمى المعتوهه ماعليها شرهه ولا في بنت ماتعجب بحمدان “
سلمان وقف لحظة لما سمعها ثم التفت والضحكة تمسك طرف فمه: ” إيه يا هند لا تخلين عنادك يعميك حمدان لو كتب فيك قصيدة كان سماها يا ليتني كنت أعمى “
وراح يكمل مشيه وهند تنفست بحرقة وعادت تجمع الحطب ..
*
سلمى دفت ستارة الخيمة ودخلت بخطى ثابتة يدها تشيل شماغها والتفتت لزاوية الخيمة شافت أمها جالسة تلضم خرز.. قالت بصوت مبحوح فيه نبرة تململ: ” يمه لا تقولين لي للحين ما طبختي؟ بطني يصيح من الجوع “
حورية رفعت راسها بهدوء وابتسمت: ” وش فيك هاجه تونا باول الليل! أنا كنت أفكر وش أطبخ لك بس كل ما جيت أبدأ تنسد نفسي “
سلمى رفعت حاجبها: ” نفسك تنسد وأنا بطني ينهد؟ لا عاد تفكرين الطبخ ما يبي تفكير يبي يد تشب النار وتتحرك “
حورية تنهدت تمددت شوي على جنبها و بتدلل واضح: ” أنا تربيت على النعمه ما تربيت على الحطب والسناين يدي تنجرح من الملاس وما أحب ريحة الكشنة “
سلمى ضحكت ضحكة قصيرة : ” وش خليتي لي؟ تبيني أذبح وأطبخ وأغسل وأغني لك بعد؟”
ردت حورية وهي تبتسم بعيون فيها حنين: ” اطبخي وأنا أعيد عليك الحكاية اللي تحبينها “
بدأت سلمى تصنع العشاء تحرك الملاس في القدر وهي تهمهم بنغمة هادئة تنتظر بداية الحكاية..
قالت حورية وعيناها تهيمان نحو السقف وكأنها تراهما هناك… شابة تنحني بين خضار المزرعة وشاب غريب يمر من بين الأشجار:
“وأنا بعمرك أول العشرين كنت أقطف الخضار من مزرعتنا.. إلا أشوف الرجال اللي لفانا ضيف ما هو من ديارنا استقبله أبوي وأكرمه وسأله عن حاله.. قال له إنه غريب يدور رزقه ويبي له شغل.. أبوي ما قصر شغّله في المزرعة..
كنت اشوفه كل يوم مابيننا ولا كلمة ولا همسة بس كان بيننا شي نظيف .. حبني… وحبيته.. حب عذري عفيف مثل النسمة ..وتزوجنا
أبوي اشترط علينا نتمّ عنده سنة كاملة يتطمن علينا وبعدها قال إن بغيتو تروحون لديار أهله ما عندي مانع
وفعلا تمينا… وبعد السنة شدّينا الرحال وجيت معه لديار بني طراد.. كل شي كان صعب بالبداية الوجوه غريبة والعادات غير والنسوان ما يشبهن اللي ربيت معهم بس شوي شوي…تعودت.. وجيتي انتِ نورتي حياتنا “
ورفعت عيونها لسلمى المتشاغله بالطبخ تعلم انها تخفي تأثر ملامحها .. وبهدوء وصوتها فيه رجفة دعاء: ” الله يرزقك مثل صباح “
سكتت لحظة كأنها تتذوق اسمه قبل تكمل: ” رجال ما خيب قلبي ولا خيب ظن أبوي.. ما عمره رفع صوته علي ولا غاب عني يوم وأنا أحتاجه.. كان يشتغل من الفجر ويرجع المغرب وجهه تعبان بس عيونه تدورني كنت أعرف إني محط رحاله وإني من دون لا أطلب دايم على باله “
ثم ابتسمت وعيونها تغرق شوي: ” لو بيدي… كنت خبيت لك واحد مثله فالصندوق تطلعينه إذا ضاق صدرك “
ضحكت سلمى وقالت وهي تقلب الملاس: ” تخبينه فالصندوق؟ يا يمه الناس يخزنون الذهب وانتي تخبين لي رجال “
هزت حورية راسها وقالت بنبرة فيها حنية وعتب:” الذهب ما ينفع يوم الروح تتعب بس الطيّب يرد الروح حتى لو ما قال ولا كلمة “
سلمى سكتت لحظة والملاس بيدها يحرك المرقة بهدوء ثم همست كأنها تكلم نفسها: ” بس الطيّب إذا راح ما يرجع “
*****
الهدوء يلف الديار في الليل ..
البتول واقفة عند طرف البيت عباءتها مطرزة بخيط فضي وشعرها مستور ونصف وجهها بلثام يظهر عينيها لليل
تسمع وقع خطوات تقترب .. لا تلتفت… تعرفه
سطّام يظهر من بين الظلام يمشي بخطى ثابتة.. لا سلاح الليلة لا صراخ لا رجال..
فقط هو… وقلبه..
يتوقف على مسافة منها ثم بصوت منخفض :” ما تنامين الليلة يا بتول؟”
ترد دون أن تنظر إليه: ” وأنت؟ هجرك النوم ولا ضميرك؟”
يتنفس بعمق ثم يتقدم خطوة: ” خذيت لك حقك مثل ما وعدتك واللي طاول اسمك نفيته ولاني ندمان “
تلتفت اليه أخيراً بعين معجبه وتقول : “ما أظن فيه جزا يوفي فعلك يا سطّام “
ينظر إلى الأرض ثم إليها وعيناه فيها حنان جاف لا يعرف كيف يُسكب ..
تكمل وعيونها تغلبها لحظة: ” وقفت لي وقفة رجال ما حسب للدنيا ولا خاف من قيل وقال خذيت لي حقي ورفعت لي راسي “
تُخفض نظرها ثم ترفع يدها وتلمس طرف عباءتها تشدها قليلاً إلى صدرها : ” الناس كثير بس مو كلهم يوقفون مثل وقفتك “
يتنفس ببطء كأنه يبتلع شعوراً ما له اسم يرد عليها بصوت واطي:” الحق ما يشكر يا بتول لكنك أكرمتيني بكلامك “
يتراجع خطوة يلم عباءته ويلفها على كتفه : ” تبقين بخير وتبقين بعين ما غفت عن طيبك “
تُخفض عينيها ثم ترفعها ببطء تلاقي عينه .. ما بينهما كلام لكن في عينها رجفة حب لم ينطق
عينه تقابلها ساكنة وفيهاا حنين وحب ما عمره نطق لكنه عاش بينهم من أول لحظة..
الوقت بينهم كأنه توقف وصار المكان ما فيه إلا نبضاتهم.. الهواء يمر خفيف يحرك طرف عباءتها…
يميل سطّام برأسه يودعها.. يدير وجهه ويمشي
خطواته فوق الرمل كأنها تحفظ الوعد بيننم
********
حمدان كان يمتطي حصانه .. سلاحه الوحيد خنجر صغير رماه له سطام في آخر لحظة كمن يرمي بفتات النجاة لرجل ملقى في بحر من اللوم..
يسير لا وجهة له.. الصحراء أمامه كأنها مرآة لغربته
يشد لجام الحصان .. يتوقف وينزل بخطوات هادئة… لا عجلة فيها ولا انكسار..
يلف عمامته يرميها على الرمل كمن يتخلص من قيد ويجلس على الأرض ممدد الساقين مسنوداً على كفيه ..
الضحكة خرجت منه فجأة .. طويلة جافه لا فرح فيها ..
كأنها تهزأ من الليل .. من الديار .. من الناس .. من كل شيء..
ضحكة غريبة فيها نشوة مجنون وحسرة من تعلم كيف يبتلع خيبته على دفعات
ثم يسكت
يرفع رأسه .. ينظر نحو الأفق ويبدأ بالشعر .. صوته واضح في سكون الليل:
” نفوني وقالو لاتعود بهالحلة
وانا اقول لا عادت ديار المذلة …”
ينهض.. يضرب الغبار عن ثوبه بلا اهتمام يعيد العمامة الى كتفه ثم يركب حصانه من جديد .. اقترب من رقبة حصانه يمرر يده عليها ثم يهمس:
” قالو تتربى ..!!؟ مادرو اني تربيت على كف الهوى وماعلمني احد الا ضلوعي “
يضرب ظهر الحصان ينطلق به.. الرمل يتناثر خلفه وصوته يتردد في الفضاء الخالي :
” النفي تاج بس يبيله رقبة ترفعه وحمدان مايوم انحنى “
********
صباح ساكن والنسيم يداعب أطراف بيوت الشعر .. يفوح منه عطر القهوة والدخون..
في الأفق يلوح فارس على صهوة جواده الأشهب .. يتهادى بخطى متعبة من طول السفر
من بعيد لمحته “الهنوف” تقف عند طرف البيت تمسك بطرف عباءتها وتحدق حتى شهقت دون صوت
فخرجت “البتول” من خلفها تمسح يديها في طرف ثوبها وقد كانت تحضر فطور الصغار .. وما إن اتضح لهم الصوت حتى انطلق “راكان” يركض حافيا على الرمل يصرخ: ” ابووي ابووي رجع “
ولحقه أخوه الأصغر “صقر” تعثر مرتين وواصل الركض ..
فابتسم مناور ونزل عن فرسه فتح ذراعيه فاختبأ الصغيران في حضنه
تقدمت الهنوف بخطى هادئة لم تقل شيء وفي عينيها ارتجفت دمعة .. وقف أمامها وقال بهمس : ” تدرين يا هنوف والله إن فراقكم ما هو سهل “
لتنفست وكأنها ترد بكتمة من القلب واكتفت أن تبقى واقفة…حضورها كان أبلغ من الكلام
أما البتول .. فلم تتقدم بقيت واقفة عند المدخل تضم يديها لصدرها تنظر له بنصف ابتسامة ونصف عتب فقال لها من بعيد: ” وشفيك يا طويلة العمر؟ بعدك زعلانة؟”
فردت بهدوء وعيناها تلمع: ” أنت اللي غبت واللي يغيب لازم يتحمل عتاب اللي يحبونه “
ضحك مناور وربت على رأس فرسه وقال: ” زين لكن عشانكم ما عاد أغيب إلا ومعي لكم صيد وهدية “
وضج البيت بصوت ضحك الصغار وارتفع دخان الدلال من جديد وكأن البيت تنفس بعد الغياب
وبعد أن ارتاح قليلاً وشرب قهوته الأولى بين عياله ..
نهض مناور غسل وجهه بماء بارد وعدل شماغه ثم التفت للهنوف : ” أنا رايح لبيت الشيخ طراد ما يصير أرجع من غيبتي وأتأخر عليه “
مشى مناور في درب يعرفه حتى لو أغمض عينيه ..
الهواء مليء برائحة الحطب وصوت طقطقة النار يصل من بعيد.. اقترب من بيت طراد لم يكن هناك باب ليطرق فمجلس الرجال مفتوح وستر البيت لا يسد إلا عند النساء..
وقف عند مشارف المجلس ونادى : ” السلام عليكم يا رجال “
رد عليه صوت الشيخ طراد من داخل المجلس : ” وعليكم السلام ورحمة الله حيّ الله من لفانا حيّ الله مناور هلا ومسهلا “
نهض الشيخ واقفًا ولاقاه وسط الفراش صافحه ثم أشار له يجلس بجواره تحت عمود الشعر المربوط بحبل متين : ” ردك الله بالسلامة وش علمك قبل ما توصلك السوالف ؟”
سأل طراد بابتسامة فيها نية الكلام ..
ضحك مناور وهو يأخذ فنجال القهوة من يد أحد الغلمان: ” قلت أجي أسمعها من خشم الرجال مو من لسان الحريم “
هز طراد رأسه وحدثه باختصار عن كل شيء .. حمدان والقصيدة وفضيحة كادت تلطخ اسم البتول لولا تدخل سطّام..
انشد وجه مناور ورفع يده يمسح على لحيته ثم قال بعد صمت: ” كفو يا سطّام وقفة تشرف وتسند الراس ما خلا على البنت كلمة ولا خلى للناس درب في عرضنا “
دخل سطّام بخطاه الواثقة أول ما لمح مناور تهللت ملامحه وقال بصوت ارتفع بنبرته الأصيلة: ” هلا هلا بعمي مناور “
نهض مناور واقفًا وتعانقا عناق الرجال عناقًا يهز الكتف ولا يكسر الهيبة.. قال مناور وهو يربت على ظهره: ” حيّ الله سطّام جعل دربك دايم عز ونصر “
تبادل الثلاثة الجلوس والقهوة تدور بينهم والنار تتقد على هدوء..
قطع طراد السكون بصوته العميق: ” يا مناور حنا من الناس اللي إذا عطو ما يرجعون وخطبة سطّام للبتول تمت من زمان واليوم دامك بيننا ما نشوف خير في تأخير .. نبي نفرح ببنتنا وولدنا “
سكت مناور ونظر لطراد ثم لسطّام وفي عينه تقدير وهيبة ثم قال: ” واللي يشيل العرض وقت الضيق يستاهل الفرح وقت الرخا تم الكلام والفرح نبدأ نجهز له من بكره “
ابتسم سطّام ويده على خنجره وقال بصوت فيه عهد: ” عهداً علي يا عمي ما تشوف مني إلا اللي يرضيك ويرفع راسك وراسها “
طراد ابتسم بفخر ثم نهض وقال بنبرة مفعمة بالحياة: “قومو خلو الفرح يشتغل من الليلة وعلقو فوق البيوت راية الفرح “
ونهضو ثلاثتهم والخطى على الرمل كأنها تكتب بداية فصل جديد…
فصل فيه البتول تنتظر بقلب خجول وعيون حالمة وسطّام يحمل الوعد على كتفه ويخبئ اسمها في صدره
وفرحٌ تنصب له الخيام وتُعقد فيه الرايات ويُروى لسنين طويلة ..
ساحة الرمل صارت محكمة مفتوحة والأعين كلها تحدق بفضول صامت..
الرجال التفو على شكل دائرة حول الساحة .. والأطفال يتطاولون بالنظر من بين الأرجل والظهور ..
اما النساء متجمعات ورا الستار البعيد عيونهن ترقب ..
بينهن.. كانت “البتول “
واقفة ساكتة تنظر بثبات وثقه ..
ثم..
بدأ الرمل يتناثر تحت خطوات رجالية ثقيلة.. قيس وناجم يقتادان حمدان .. رأسه مرفوع وفي عينيه وهن لا يخفى لكن تحته…عناد من طينة لا تنكسر
سلمان وقف على حافة الدائرة يتابع بصمت
وجلوان كان خلف الصفوف ينظر الى أخيه بوجع
دخل سطّام.. بخطوات ما فيها تردد.. وقف في وسط الساحة وناظر حمدان..
ثم لف وجهه على الحضور وصوته طلع واضح ما فيه ارتجاف :” يابني طراد.. ما جبتوه لي عشان أدفن اللي صار جبتوه عشان يسمعها مني قدام روسكم.. اللي صار ما ينسكت عنه واللي ظن نفسه فوق الحساب جت ساعته “
رجع بعينه على حمدان.. : “من قال بيت شعر في عرض نزّهناه عن السيف لكن ما نزّهناه عن العقاب “
وأشار سطّام بيده أمر لا يرد :” حلّوا وثاقه “
اقترب فهيد وصوت الحديد حين انفرط من معصمي حمدان دوى في الساحة … حمدان ما تحرك ما مد يده كأن القيد صار من نفسه وإليه..
قال سطّام بقوة :” لا جلد ولا دم ولا قبر لكن حكم العرب معروف اللي يعيب يُنبذ وهذا حمدان ما عاد له وجه بيننا “
ثم مد يده بسكين صغيرة ورماها عند قدمه: ” فك ما بقى من رباطك وخذ خطاك بعيد وقبل شمس بكره تطلع لا تخلي ظلك يطول بأرض ما عاد لك فيها نصيب “
استدار سطّام ومشى ما لف وجهه ما ناظر وراه والرجال قدامه فتحو له الطريق ..
حمدان وقف وحده ناظر السكين.. ثم ناظر الناس وجوه صلدة أعين تتهرب .. كان يدور واحد بس.. وطاحت عيونه عليه خلف الصفوف نظرة مكسورة .. جلوان ..
في عيون جلوان حزن وحنان..
وفي عيون حمدان ابتسامة خفيفة كأنها تقول ” لا تحزن يا اخوي أخوك ما ينكسر وما عليه خوف أنا تربيتك “
تبادلو نظرات الوداع صمت فيه من الأخوة ما يفوق الكلام
مد حمدان يده .. فك الرباط الأخير عن وسطه ورماه ثم مشى.. خطوة ورا خطوة…
وصوت الرمل تحت قدميه
يمحو صوته… بهدوء
********
في مجلس النساء
الضحى ما بعد برد لكن حرارة الموقف ما زالت تمشي بين النساء ..
البتول جالسة ترفع فنجال القهوة بيد وعينها فيها بريق ما شافته النساء من قبل بريق وحدة انقال اسمها وانصفها من رفع السيف وترك السيف
وحدة من العجايز همست: “سبحان من له الحكم ما حد كان يظن ان سطّام ينفي ما يذبح “
حسناء نظرت للبتول : ” وش شعورك يا بتول؟ خذا لك حقك ولا تحسين بعد باقي بقلبك شي؟”
البتول ابتسمت ابتسامة فيها شيء من الزهو : ” وقفته قدام الناس تكفيني ما هو الدم اللي يرويني العدالة هي اللي ترفع راسي “
سكتت لحظة ثم رفعت نظرها وقالت بثقة:” سطّام ما خذ حقي سطّام رفع اسمي “
*
بعد ما خرجت البتول وصكت وراها الستارة سكت المجلس لحظة كأن كل النساء حابسين أنفاسهم..
قالت وحدة من البنات وهي تتنهد وتسحب طرف عباتها:” عليك العوض يا حمدان المزيون”
ردت عليها جارتها بنغمة فيها دلال وهي ترفع فنجالها: ” أنا كنت أطالع ثيابه ربي رزه بهيبة وثوبه دايم نقي حتى لو ما عنده قوت يومه “
ضحكت وحدة وهي تمضغ تمرة وقالت بصوت منخفض: ” وعيونه؟ يا ويل قلبي من سمار عيونه نظره وحده وتضيعين كان يعرف متى يطالع ومتى يعرض ومتى يضحك كأنه حافظ أسرار النسوان كلهن “
من الركن عند الطراحة القديمة هزت العجوز راسها وقالت بصوت واهن حاسم: ” يا مصغر عقلكن زينه ما شفع له وش ينفع الزين لا خيّب الفعل؟”
تنهدت وحده من البنات بسخرية ورفعت طرف طرحتها كأنها تطرد كلام العجوز: ” إييه يا خاله الحين منين لنا شاعر يمدحنا عالطالعة والنازلة هههه “
ضحكت بنت ثانيه ساخرة: ” نخلي سلمان يقصد فينا هههههه يا ويلي لو تسمعنا تحلق روسنا بيدها “
قالت الثالثة تضحك وهي تغمز:” هيه هذي لو ها شاعره كل قصيدها هجاء ورثاء “
ضحكن البنات وضج المجلس بصوت ناعم ..
دخلت حورية بصمت وهدوء .. عيون البنات تقابلت في لحظة وكل وحدة قامت تعدل جلستها وتلم ضحكتها كأنها أمسكتها متلبسة
قالت حورية بنبرة حنونة : “خير وش اللي يضحك هالكثر؟ أسمع سالفة سلمان وتطيحون من الضحك كنه طرف من سوالف الرعيان “
وحدة من البنات حاولت تضحك بهدوء وقالت: ” لا والله يا خالتي كنا نهرّج بس قلنا يمكن سلمان يوم من الأيام تقول فينا بيت مدح “
ضحكت حورية وهي تقعد في صدر المجلس: ” سلمان؟ اللي شعرها أشرس من سيوف الفرسان؟إن قالت بيت تشق فيه الرقبة ما تمشط فيه ظفاير “
سكتت لحظة ثم نظرت في البنات وقالت: ” وحمدان؟ يا كثر من قال عنه مزيون بس الزين لحاله مايخلص لو إنه عقل ما صار على حاله ولا خلى البتول توقف مثل السيف قدامه “
ردت بنت من الزاوية: ” بس والله يا خالتي نحب نذكره زينه حضوره وحتى غلطاته له طيف ما يروح “
هزت حورية راسها وقالت: ” الزين اللي ما يخاف من ظلمه ماهو بزين هذا خطر “
لاحقًا خرجت حوريّة من مجلس النساء بخطا هادئة تمسك بطرف عباءتها ..
على الدرب الطيني بين الخيام لمحت الشيخ طراد واقفا
يراقب المكان بعينين تبحثان عن شيء ضائع..
حاول أن يكلمها .. ناداها باسمها بصوت منخفض ..
لكنها تهربت تظاهرت بالانشغال .. وأدارت وجهها ومضت في طريقها دون أن تنظر إليه..
طراد لم يوقفها .. فقط تابع ظلها وهو يبتعد وهو يعلم أنها تهرب… وتعرف هي أنها تهرب
لأنها لا تملك الشجاعة لتقول له ما تخشاه: “أنا ما أقدر”
******
وقت العصاري الشمس تميل للغروب والظل يتمدد على أطراف السقيفة..
سطّام جالس على حصيره المعتاد سيفه عند جنبه وعينه على بعد الرمل ..
سلمان مقابل له بس ما يجلس بكامل الراحة دايما جلسته فيها توتر.
قطع سطّام الصمت : ” الديره هدت بس اللي بداخلي ما هدى والله إن شفت حمدان رجعت خطاويه للديار ما يردني عنه شي”
سلمان ضحك ضحكة قصيرة ساخرة: ” ما ظني يرجع حمدان وين ما توديه يعيش هو من الناس اللي يلقون لهم مكان بس ما يخلون لهم أثر”
لم تتغير ملامح سطّام لف وجهه نحوه ببطء قال بنفس النبرة الهادئة الواثقة: ” يمكن بس بعض الخطاوي لو ما خلت أثر في الرمل تظل محفورة في الذاكرة “
وقف سلمان واقترح محاولًا تخفيف ثقل الجو:” خلنا نركب الخيل نطلق عن أنفسنا ننسى شوي هموم الديرة “
ابتسم سطّام ونادى على جواده “الأدهم” الفرس الأسود الوفي الذي كان رفيقه الدائم في كل المواقف .. بدأ الاثنان يستعدان للانطلاق نحو البر المفتوح حيث الهواء النقي يروي الأرواح والحرية تعانق ألوان الغروب..
في منتصف الطريق وقف فهيد .. ساكنًا كمن يتشبث بثبات الجسد ليخفي اضطراب الروح.. عيناه تلاحقان خيول سطّام وسلمان وهي تمضي في الأفق والغبار خلفها يلتف في الهواء كذكرى لا تود أن تنطفئ .. في قلبه تقلب شعور حارق كالجمر تحت الرماد…
الألم يتسلل اليه من حيث لا يدري وغربة لم يعهدها من قبل تنمو بين ضلع وآخر ..
لكنه كعادته لا يظهر شيئًا .. كل ما في صدره يظل حبيسا حتى عن أقرب الناس ..
تناهت الى سمعه خطوات خلفه .. فاعتدل في وقفته على الفور نظر أمامه الى أي شيء .. الى اللاشيء ..
فقط ليهرب من مواجهة الحقيقة أنه يغار ويتألم ..
جاءه صوت زياد من الخلف :” سطّام صار يفضل خوه سلمان على خوتنا “
أجابه فهيد دون أن يلتفت محاولًا أن يبدو متماسكًا:” سطّام إذا تضايق ما يحب يسمع إلا لسلمان. هو يفهمه “
مرت لحظة صمت .. تلتها ابتسامة باردة على وجه زياد ابتسامة ملساء بلا حرارة كأنها قناع وضع على حقد قديم ..
عيناه ما زالتا معلقتين على الأفق ترى فيه ظلالا لأمنية دفينة ..
همس في نفسه بصوت بالكاد تحركت له الشفاه:” حتى الجبال تهد بس تحتاج صبر وأنا يا سطّام تعلمت الصبر من كثر ما جلست في ظلك “
ثم استدار وترك فهيد خلفه ..
لم يلاحظ أحد الشرر في عينيه ولا الدخان المتصاعد من صدره ولا ذلك الشر المتراكم بهدوء في قلبه..
لكن زياد كان يعلم وهو يبتعد أن لحظة سقوط الجبل لا تنذر أحداً بل تأتي مباغتة جارفة لا تبقي خلفها إلا الأنقاض
******
في بيت الحكيم الليل ساكن والهواء الحار كأنه يهمس بالوداع.. جلوان جالس عند راس أبوه ساكت
الحكيم عيونه غايره قال بصوت مبحوح : ” أنا ما أتبرى من ولدي لكني ما أغفر له فعله اللي يخطي يتحمل وحمدان ذاق نفي الرجال وماهو بهين “
سكت الحكيم لحظة كأنه يبلع وجعه ثم التفت على جلوان وقال: ” لكن تدري وش الأشد؟ إنه ولدي من لحمي ودمي وإني لو مت قلبي يسألني وينه؟ وش صار عليه؟ عشان كذا أقول لك إن مت قوم ورح له رده إن كان تايه وتوقف قدامه إن شفته ما تاب “
جلوان شد على حنكه وقال بعين فيها شي من القسوة: ” وإن لقيته ما تغير ما ندم ؟”
رد الحكيم بنظرة فيها ثقل رجال عاش كثير: ” لا تقول ما هو أخوي خلك ميزان عليه لا عصا ولا ظل واذكر ان ما أحد يقدر يرده غيرك هو من لحمي.وأنت ضلعي الثاني “
جلوان نكس راسه وقال بصوت مبحوح: ” والله ما بخليه يا يبه إن عاش حي بلقاه وإن اندفن تحت الرمل بحفر له بإيدي “
تنهد الحكيم كأنه يسلم الراية الأخيرة وقال: ” وإن جا يومي ولا عاد سمعت حسّي بهالديرة خذ زهابك واركب خيل الحكيم ويمم وجهك للسراة “
رفع جلوان راسه وقال بحرقة: ” ليه يا يبه؟! ليه مو هالحيين “
قال الحكيم وهو يسعل: ” وعدي لرفيقي الشيخ هذال بن طراد نندفن سوا بهالارض وانت ماعاد لك فيها وكر بعدي اللي سواه حمدان كسر الظهر وكل نظرة من القوم تصير طعنة “
سكت ثم أكمل:
“ديارنا بالسراة تلقى عمك عتيق ينتظرك والناس يذكرونك بابن الحكيم ما يطالعونك بعين العار ولا يجرحونك بسيرة توجع “
جلوان عض شفته وقال: ” والله ما جنيت ذنبه ليش أتحمل عاره؟”
ابتسم الحكيم ابتسامة فيها حزن السنين وقال: ” لأنك الطيب والطيب يا ولدي يورّث الوجع قبل المجد روح وابن نفسك من جديد وإذا لقيت أخوك خذه معك إن تاب “
اقترب جلوان وهمس بوجع : ” وأنت؟! تخليني أروح وتخلفني ورى ظهري؟”
مد الحكيم يده وحطها على يد ولده وقال: ” أنا ما بقى فيني شي أنا خليتك توصلني آخر الدرب وباقي الخطاوي دربك لحالك بس تذكر يا جلوان الموت يهون لكن العيش بنص حياة ونص ميت ما يهون “
طالع جلوان أبوه طويلا وقال: ” أقسم يا يبه إني أسمع وصيتك وأنفذها وإن طال بي العمر ما أخليك للتراب أخلد اسمك في كل خطوة بالسراة “
ابتسم الحكيم وأغمض عيونه كأنه نام على العهد وهمس: ” وهذا العهد يكفيني “
*********
كانت هند واقفة ورا الخيمة تجمع عيدان الحطب يدينها ترجف وعيونها تراقب الساحة اللي ما بقى فيها إلا غبار خطى حمدان قالت بصوت مخنوق كأنها تحادث الحطب: ” طردوه طردوا زين الشباب وأنا اللي قلبي مهتويه “
رفيقتها نادت من بعيد لكن هند ما ردت كأن الصوت يمر من جنبها ولا يلامسها..
وقفت وضمت يدينها على صدرها وتمتمت بغيرة حزينة: “كل البنات يحلمن بنظرة من حمدان وهو؟ طار عقله ببتول لا تضحك لا ترد تمشي كأن السيف يحوم بعينها “
شهقت شهقة فيها دراما أكثر من ألم ورمت عود حطب بعيد وقالت: ” آه على حظك يا هند ما أمداك تفرحين بالبيتين اللي قالهم فيك “
وفي الجهة الثانية من الخيام .. كان سلمان راجع لبيته عباءته مربوطة بنص خصره وخطاه ثابتة كعادته سمع الكلام وقف مال بجسمه وابتسم وعيونه تلمع بمكر.. قال بصوت واطي لكنه واصل لها: ” المسكينة فرحانة ببيتين؟”
هز راسه وضحك وقال: ” عاد لو تدري إن حمدان ما يفرق بين عنز وسحر ولا يعرف من الشعر إلا قافيته “
هند التفتت خجل وحرج وغضب يتصارعن في وجهها: ” وش دخلك؟ تمشي تسمّع ورا الخيام؟!”
رد سلمان وهو يرفع عباءته على كتفه: ” لا والله بس الكلام إذا صار كودً يوصل لأذن اللي مايريد يسمعه وأنا وش يدنّيني صوب وحده تبكي من بيتين مغشوشة “
ضحك وهو يكمل مشيته وعلق بنبرة سخرية: ” سلامات يا هلال القصيد لا تحترقين من نار حطبك “
وتركها وراه تتنفس بغضب وقالت بصوت خافت خايفه يوصله : ” سلمى المعتوهه ماعليها شرهه ولا في بنت ماتعجب بحمدان “
سلمان وقف لحظة لما سمعها ثم التفت والضحكة تمسك طرف فمه: ” إيه يا هند لا تخلين عنادك يعميك حمدان لو كتب فيك قصيدة كان سماها يا ليتني كنت أعمى “
وراح يكمل مشيه وهند تنفست بحرقة وعادت تجمع الحطب ..
*
سلمى دفت ستارة الخيمة ودخلت بخطى ثابتة يدها تشيل شماغها والتفتت لزاوية الخيمة شافت أمها جالسة تلضم خرز.. قالت بصوت مبحوح فيه نبرة تململ: ” يمه لا تقولين لي للحين ما طبختي؟ بطني يصيح من الجوع “
حورية رفعت راسها بهدوء وابتسمت: ” وش فيك هاجه تونا باول الليل! أنا كنت أفكر وش أطبخ لك بس كل ما جيت أبدأ تنسد نفسي “
سلمى رفعت حاجبها: ” نفسك تنسد وأنا بطني ينهد؟ لا عاد تفكرين الطبخ ما يبي تفكير يبي يد تشب النار وتتحرك “
حورية تنهدت تمددت شوي على جنبها و بتدلل واضح: ” أنا تربيت على النعمه ما تربيت على الحطب والسناين يدي تنجرح من الملاس وما أحب ريحة الكشنة “
سلمى ضحكت ضحكة قصيرة : ” وش خليتي لي؟ تبيني أذبح وأطبخ وأغسل وأغني لك بعد؟”
ردت حورية وهي تبتسم بعيون فيها حنين: ” اطبخي وأنا أعيد عليك الحكاية اللي تحبينها “
بدأت سلمى تصنع العشاء تحرك الملاس في القدر وهي تهمهم بنغمة هادئة تنتظر بداية الحكاية..
قالت حورية وعيناها تهيمان نحو السقف وكأنها تراهما هناك… شابة تنحني بين خضار المزرعة وشاب غريب يمر من بين الأشجار:
“وأنا بعمرك أول العشرين كنت أقطف الخضار من مزرعتنا.. إلا أشوف الرجال اللي لفانا ضيف ما هو من ديارنا استقبله أبوي وأكرمه وسأله عن حاله.. قال له إنه غريب يدور رزقه ويبي له شغل.. أبوي ما قصر شغّله في المزرعة..
كنت اشوفه كل يوم مابيننا ولا كلمة ولا همسة بس كان بيننا شي نظيف .. حبني… وحبيته.. حب عذري عفيف مثل النسمة ..وتزوجنا
أبوي اشترط علينا نتمّ عنده سنة كاملة يتطمن علينا وبعدها قال إن بغيتو تروحون لديار أهله ما عندي مانع
وفعلا تمينا… وبعد السنة شدّينا الرحال وجيت معه لديار بني طراد.. كل شي كان صعب بالبداية الوجوه غريبة والعادات غير والنسوان ما يشبهن اللي ربيت معهم بس شوي شوي…تعودت.. وجيتي انتِ نورتي حياتنا “
ورفعت عيونها لسلمى المتشاغله بالطبخ تعلم انها تخفي تأثر ملامحها .. وبهدوء وصوتها فيه رجفة دعاء: ” الله يرزقك مثل صباح “
سكتت لحظة كأنها تتذوق اسمه قبل تكمل: ” رجال ما خيب قلبي ولا خيب ظن أبوي.. ما عمره رفع صوته علي ولا غاب عني يوم وأنا أحتاجه.. كان يشتغل من الفجر ويرجع المغرب وجهه تعبان بس عيونه تدورني كنت أعرف إني محط رحاله وإني من دون لا أطلب دايم على باله “
ثم ابتسمت وعيونها تغرق شوي: ” لو بيدي… كنت خبيت لك واحد مثله فالصندوق تطلعينه إذا ضاق صدرك “
ضحكت سلمى وقالت وهي تقلب الملاس: ” تخبينه فالصندوق؟ يا يمه الناس يخزنون الذهب وانتي تخبين لي رجال “
هزت حورية راسها وقالت بنبرة فيها حنية وعتب:” الذهب ما ينفع يوم الروح تتعب بس الطيّب يرد الروح حتى لو ما قال ولا كلمة “
سلمى سكتت لحظة والملاس بيدها يحرك المرقة بهدوء ثم همست كأنها تكلم نفسها: ” بس الطيّب إذا راح ما يرجع “
*****
الهدوء يلف الديار في الليل ..
البتول واقفة عند طرف البيت عباءتها مطرزة بخيط فضي وشعرها مستور ونصف وجهها بلثام يظهر عينيها لليل
تسمع وقع خطوات تقترب .. لا تلتفت… تعرفه
سطّام يظهر من بين الظلام يمشي بخطى ثابتة.. لا سلاح الليلة لا صراخ لا رجال..
فقط هو… وقلبه..
يتوقف على مسافة منها ثم بصوت منخفض :” ما تنامين الليلة يا بتول؟”
ترد دون أن تنظر إليه: ” وأنت؟ هجرك النوم ولا ضميرك؟”
يتنفس بعمق ثم يتقدم خطوة: ” خذيت لك حقك مثل ما وعدتك واللي طاول اسمك نفيته ولاني ندمان “
تلتفت اليه أخيراً بعين معجبه وتقول : “ما أظن فيه جزا يوفي فعلك يا سطّام “
ينظر إلى الأرض ثم إليها وعيناه فيها حنان جاف لا يعرف كيف يُسكب ..
تكمل وعيونها تغلبها لحظة: ” وقفت لي وقفة رجال ما حسب للدنيا ولا خاف من قيل وقال خذيت لي حقي ورفعت لي راسي “
تُخفض نظرها ثم ترفع يدها وتلمس طرف عباءتها تشدها قليلاً إلى صدرها : ” الناس كثير بس مو كلهم يوقفون مثل وقفتك “
يتنفس ببطء كأنه يبتلع شعوراً ما له اسم يرد عليها بصوت واطي:” الحق ما يشكر يا بتول لكنك أكرمتيني بكلامك “
يتراجع خطوة يلم عباءته ويلفها على كتفه : ” تبقين بخير وتبقين بعين ما غفت عن طيبك “
تُخفض عينيها ثم ترفعها ببطء تلاقي عينه .. ما بينهما كلام لكن في عينها رجفة حب لم ينطق
عينه تقابلها ساكنة وفيهاا حنين وحب ما عمره نطق لكنه عاش بينهم من أول لحظة..
الوقت بينهم كأنه توقف وصار المكان ما فيه إلا نبضاتهم.. الهواء يمر خفيف يحرك طرف عباءتها…
يميل سطّام برأسه يودعها.. يدير وجهه ويمشي
خطواته فوق الرمل كأنها تحفظ الوعد بيننم
********
حمدان كان يمتطي حصانه .. سلاحه الوحيد خنجر صغير رماه له سطام في آخر لحظة كمن يرمي بفتات النجاة لرجل ملقى في بحر من اللوم..
يسير لا وجهة له.. الصحراء أمامه كأنها مرآة لغربته
يشد لجام الحصان .. يتوقف وينزل بخطوات هادئة… لا عجلة فيها ولا انكسار..
يلف عمامته يرميها على الرمل كمن يتخلص من قيد ويجلس على الأرض ممدد الساقين مسنوداً على كفيه ..
الضحكة خرجت منه فجأة .. طويلة جافه لا فرح فيها ..
كأنها تهزأ من الليل .. من الديار .. من الناس .. من كل شيء..
ضحكة غريبة فيها نشوة مجنون وحسرة من تعلم كيف يبتلع خيبته على دفعات
ثم يسكت
يرفع رأسه .. ينظر نحو الأفق ويبدأ بالشعر .. صوته واضح في سكون الليل:
” نفوني وقالو لاتعود بهالحلة
وانا اقول لا عادت ديار المذلة …”
ينهض.. يضرب الغبار عن ثوبه بلا اهتمام يعيد العمامة الى كتفه ثم يركب حصانه من جديد .. اقترب من رقبة حصانه يمرر يده عليها ثم يهمس:
” قالو تتربى ..!!؟ مادرو اني تربيت على كف الهوى وماعلمني احد الا ضلوعي “
يضرب ظهر الحصان ينطلق به.. الرمل يتناثر خلفه وصوته يتردد في الفضاء الخالي :
” النفي تاج بس يبيله رقبة ترفعه وحمدان مايوم انحنى “
********
صباح ساكن والنسيم يداعب أطراف بيوت الشعر .. يفوح منه عطر القهوة والدخون..
في الأفق يلوح فارس على صهوة جواده الأشهب .. يتهادى بخطى متعبة من طول السفر
من بعيد لمحته “الهنوف” تقف عند طرف البيت تمسك بطرف عباءتها وتحدق حتى شهقت دون صوت
فخرجت “البتول” من خلفها تمسح يديها في طرف ثوبها وقد كانت تحضر فطور الصغار .. وما إن اتضح لهم الصوت حتى انطلق “راكان” يركض حافيا على الرمل يصرخ: ” ابووي ابووي رجع “
ولحقه أخوه الأصغر “صقر” تعثر مرتين وواصل الركض ..
فابتسم مناور ونزل عن فرسه فتح ذراعيه فاختبأ الصغيران في حضنه
تقدمت الهنوف بخطى هادئة لم تقل شيء وفي عينيها ارتجفت دمعة .. وقف أمامها وقال بهمس : ” تدرين يا هنوف والله إن فراقكم ما هو سهل “
لتنفست وكأنها ترد بكتمة من القلب واكتفت أن تبقى واقفة…حضورها كان أبلغ من الكلام
أما البتول .. فلم تتقدم بقيت واقفة عند المدخل تضم يديها لصدرها تنظر له بنصف ابتسامة ونصف عتب فقال لها من بعيد: ” وشفيك يا طويلة العمر؟ بعدك زعلانة؟”
فردت بهدوء وعيناها تلمع: ” أنت اللي غبت واللي يغيب لازم يتحمل عتاب اللي يحبونه “
ضحك مناور وربت على رأس فرسه وقال: ” زين لكن عشانكم ما عاد أغيب إلا ومعي لكم صيد وهدية “
وضج البيت بصوت ضحك الصغار وارتفع دخان الدلال من جديد وكأن البيت تنفس بعد الغياب
وبعد أن ارتاح قليلاً وشرب قهوته الأولى بين عياله ..
نهض مناور غسل وجهه بماء بارد وعدل شماغه ثم التفت للهنوف : ” أنا رايح لبيت الشيخ طراد ما يصير أرجع من غيبتي وأتأخر عليه “
مشى مناور في درب يعرفه حتى لو أغمض عينيه ..
الهواء مليء برائحة الحطب وصوت طقطقة النار يصل من بعيد.. اقترب من بيت طراد لم يكن هناك باب ليطرق فمجلس الرجال مفتوح وستر البيت لا يسد إلا عند النساء..
وقف عند مشارف المجلس ونادى : ” السلام عليكم يا رجال “
رد عليه صوت الشيخ طراد من داخل المجلس : ” وعليكم السلام ورحمة الله حيّ الله من لفانا حيّ الله مناور هلا ومسهلا “
نهض الشيخ واقفًا ولاقاه وسط الفراش صافحه ثم أشار له يجلس بجواره تحت عمود الشعر المربوط بحبل متين : ” ردك الله بالسلامة وش علمك قبل ما توصلك السوالف ؟”
سأل طراد بابتسامة فيها نية الكلام ..
ضحك مناور وهو يأخذ فنجال القهوة من يد أحد الغلمان: ” قلت أجي أسمعها من خشم الرجال مو من لسان الحريم “
هز طراد رأسه وحدثه باختصار عن كل شيء .. حمدان والقصيدة وفضيحة كادت تلطخ اسم البتول لولا تدخل سطّام..
انشد وجه مناور ورفع يده يمسح على لحيته ثم قال بعد صمت: ” كفو يا سطّام وقفة تشرف وتسند الراس ما خلا على البنت كلمة ولا خلى للناس درب في عرضنا “
دخل سطّام بخطاه الواثقة أول ما لمح مناور تهللت ملامحه وقال بصوت ارتفع بنبرته الأصيلة: ” هلا هلا بعمي مناور “
نهض مناور واقفًا وتعانقا عناق الرجال عناقًا يهز الكتف ولا يكسر الهيبة.. قال مناور وهو يربت على ظهره: ” حيّ الله سطّام جعل دربك دايم عز ونصر “
تبادل الثلاثة الجلوس والقهوة تدور بينهم والنار تتقد على هدوء..
قطع طراد السكون بصوته العميق: ” يا مناور حنا من الناس اللي إذا عطو ما يرجعون وخطبة سطّام للبتول تمت من زمان واليوم دامك بيننا ما نشوف خير في تأخير .. نبي نفرح ببنتنا وولدنا “
سكت مناور ونظر لطراد ثم لسطّام وفي عينه تقدير وهيبة ثم قال: ” واللي يشيل العرض وقت الضيق يستاهل الفرح وقت الرخا تم الكلام والفرح نبدأ نجهز له من بكره “
ابتسم سطّام ويده على خنجره وقال بصوت فيه عهد: ” عهداً علي يا عمي ما تشوف مني إلا اللي يرضيك ويرفع راسك وراسها “
طراد ابتسم بفخر ثم نهض وقال بنبرة مفعمة بالحياة: “قومو خلو الفرح يشتغل من الليلة وعلقو فوق البيوت راية الفرح “
ونهضو ثلاثتهم والخطى على الرمل كأنها تكتب بداية فصل جديد…
فصل فيه البتول تنتظر بقلب خجول وعيون حالمة وسطّام يحمل الوعد على كتفه ويخبئ اسمها في صدره
وفرحٌ تنصب له الخيام وتُعقد فيه الرايات ويُروى لسنين طويلة ..