روايات شيقة

رواية مكان اسميته بيتي كامله وحصريه بقلم اوميرا موسي

رواية مكان اسميته بيتي كامله وحصريه بقلم اوميرا موسي

“أقسى ما في الفقد
أنك لا تبكي دائمًا،
أحيانًا تضحك،
ثم فجأة
يخونك قلبك
ويذكّرك أن هذا الضحك ناقص
لأن شخصًا ما ..
كان يجب أن يكون هنا”…

عندما تسأل أحدهم عن أفضل شعور يشعر به الإنسان ، سيجيبك بلا تردد الأمان ، الاطمئنان ، الهدوء ، الراحة .. كلها كلمات تقارب المعنى لكنها لا تصف ما يختلج في القلب حين نكون فعلاً في مكاننا الصحيح ..بالنسبة لي ، كل هذا أختصره في كلمة واحدة “البيت” …

البيت هنا ليس مجرد جدرانٍ أو باب ، أحيانًا يكون شخصًا ، وجهًا تعرفه! ، و وحده يمكنه أن يهدئك بكلمة أو لمسة ، حضنٌ يذوب داخلك ويجعلك تشعر بأن العالم كله يمكن أن ينهار وأنت ثابت في داخله .. بيت؛ هو ذلك الشخص الذي يغمرنا بالأمان ، يمنحنا دفء الحب حتى في أشد لحظاتنا حزنًا وألمًا ، لا يتخلى عنك مهما كنت مخطئًا أو ضعيفًا ، ويملك قلبًا فريدًا لا يشبهه أحدٌ في مشاعره ، لذلك لا يمكنك أن تصفه أمام الجميع إلا بـ”مكانٍ اسميه بيتي” ♡

*”السودان _ كسلا”..*
*”الكاتبة”..*

كسلا، مدينة الشرق التي تنبض بالحياة رغم ما تحمله من صخب وضجيج ، تظل تلك المدينةُ شامخةً بين جبالها وأحيائها المزدحمة .. أسواقها تعبق برائحة التوابل والخبز الطازج ، وشوارعها المتشعبة تمثل فسيفساء حياة الناس الذين يبتسمون للغرباء وكأنهم يعرفونهم منذ زمن طويل ..عند خور القاش ، الذي يقسم المدينة إلى نصفين تشاهد الصغار يلعبون والباعة ينادون على بضائعهم وسط ضحكات وسمر عابر …

في مستشفى كسلا التخصصي، داخل قسم الجراحة ، كان يقف بطلنا أمام الباب الزجاجي لغرفته بعد أن ارتدى ملابسه الزرقاء الداكنة ، نظراته الحادة تتفحص انعكاسه كما لو كان يتحدث مع نفسه ، رجل في السادسة والثلاثين من عمره ، نحت اسمه في عالم الطب بأيدي لا تعرف الخوف ، ثلاث عملياتٍ معقدة في عامين فقط ، جعلته الطبيب الأكثر شهرةً في مجاله ، لكنه لم يغفل البساطة والهدوء في شخصيته ..وجهه البيضاوي ، الملامح الحادة ، العيون البُندقية التي تحمل ذكاءً وعمقًا في نفس الوقت ، أضفت عليه وقارًا وثقة ، حواجبه الكثيفة تحمي نظرة عيناه ، وفكه المحدد ينسجم مع لحية خفيفة تزيده جاذبية ..التقط نفسًا عميقًا ، أبتسم إبتسامة صغيرة ليشجع نفسه ثم ارتدى الكمامة الطبية الزرقاء وخرج بخطوات واثقة إلى غرفة العمليات …

تسع ساعاتٍ مرّت بين توترٍ وخوفٍ وانهيارٍ متقطع ، حتى توقف فجأة عند اللحظة الحاسمة ..العرق ينزلق على جبينه ، قلبه يخفق بسرعة ، وعيناه تراقبان بدقة ، قلب الطفل ذو العشرة أعوام المستلقي أمامه مفتوح الصدر ، صمت يملؤه الرهبة ، رعبٌ يسكن نظرات الفريق بأكمله ..ثم؛ وبصوتٍ خافت بدأت أجهزة النبض بالصفير ، عاد قلب الطفل للعمل بقوة ، تنفس الجميع الصعداء ، و وضع بطلنا المقص والمشرط جانبًا ، ثم شكر الله بهدوء وبعده فريقه الطبي ثم أمرهم بإغلاق الجُرح ..وبعد دقائق؛ فتح الباب بخطواتٍ واثقة ، إبتسامته المشرقة تعكس الطمأنينة التي تمنى أن تصل لقلوب أهل الطفل ..عند سماع صوت خطواته رفعت والدة الطفل رأسها ، عيناها قد جفتا من كثرة البكاء ولكنهما لم تفقدا الأمل ، ركضت الأم بسرعة مع والدتها العجوز لتقف أمامه ثم ارتجفت كلماتها وهي تقول …

– يزن بقى كيف يا دكتور ضياء؟ ، ولدي يزن كيف؟

رد ضياء بصوت هادئ و مطمن : يزن بطل ي أختي ، وهو كويس والعملية نجحت لكن لازم…

و قبل م يكمل كلاامه و توجيهاته ، اتحاضنوا الأم وحبوبة يزن وبكوا بصوت عاالي ، بكاء فرح وارتياح وخوف مختلط بالحب والإمتنان …

لكن ضياء قاطعهم بصوت خاافت : لو سمحتي دي غرفة عملياات ، وأنتِ عارفة حالة يزن ، م دايرين إزعاج

أم يزن سكتت بسرعة ومسحت دموعهاا وفجأة مسكت يد ضياء وباستها من الفرحة : شكراً ي دكتور ضياء ، لو ما أنت م عاارفة كان حصل فيني وفي ولدي شنو! ، شكراً لأنك اتبرعت تعمل ليو العملية مجان ، شكراً لأنك ساعدتنا ، شكراً على كل حاجة!

ابتسم ضياء برفق وسحب يده منها : ده الوااجب

اتدخلت حبوبة يزن وقالت بحزم وحنان : لأ يا ولدي ده م بس واجب ، دي طيبتك وخيرك عليناا ، إذا أبوه طلق أمه لمن عرف حالته ، فكيف يبقى واجبك؟

رد ضياء : لأ يا خالتي ، ده بفضل ربنا أولاً ودعوااتكم ثانيًا ، أنا مجرد وسيلة ، وأم يزن تستااهل كل الخير والله ، أنا من شوفت رسالتها في الماسنجر وهي بتتكلم عن حالة يزن ، ما قدرت أقعد ثاانية وجيت من قطر مخصوص عشانه

أم يزن و الدموع رجعوا يتجمعوا في عيوناا : ربنا يحفظك ويسعدك ، ويحقق ليك في مرادك ، عمري م ح أنسى العملتو معااي ، الزيك هم البستااهلوا يبقوا أطباء ، النااس العندها ضمير وبتعمل المستحيل عشاان تنقذ حياة الناس ، شكراً ي دكتور ، شكراً لوجودك!

ضياء اكتفى بابتسامة بسيطة بعدااك لبس سماعاات الرقبة حقته “وهي نوع من سماعات البلوتوث بتكون موصلة ببعض بسلك رفيع وشكلها زي طوق بتتعلق في الرقبة” ، و شغل سورة البقرة واتوجه لغرفته ، كان سرحاان وبستمع لترتيل الشيخ الزين لحدي م وصل وفتح الباب واتفاجأ ب اصحاابه الاتنين الكاانوا معاهُ في العملية وصلوا غرفته قبله و قااعدين في الكنبة ، الأول طويل ، لونه أخدراني ، شعره سبيبي مسرّح بعنااية ، ملامحه جادة كالعادة حقتو ، لابس نظارة طبية وشايل تااب ومركز فيو كأنو العالم كله اختفى حوااليه ..أما التاني فكان لونه فاتح ، عيونه سوداء واسعة ومريحة ، شعره كيرلي رابطو لاورا بإهمال لطيف ، شاايل مكعب الألوان و بقلب فيه بعصبية وملل واضحين ..ضياء اخد نفس طويل و زفره حتى قفل الباب وراه بهدوء ، ومشى قعد في كرسيه من غير م يقول حرف ، بعدااك طلع تلفونه التاني حق الشغل وبدأ يراجع فحوصاات الطفل النهاائية الرسلتها ليو دكتورة المختبرات بعد دقائق من طلوعه من العمليات ..ضياء كان مركز تركيز شديد لحدي م قاطعه فجأة صوت صحبه بنقنق بصوت عالي …

– الشغلة دي م داايرة تتحل لي يااخ! ..وجدع المكعب في الكنبة جنبه

ضياء اكتفى بإنو اداهُ نظرة سريعة بطرف عيونه ورجع تاني للتلفون من غير تعليق ..

رد ليو التااني بسخرية باردة من غير م يرفع عيونه عن التااب : قول غلبتك وخلاص يا أيان

أيان : حلها كان بتقدر يا فهد الفهود ، أسد الأسود! ..ومد ليو المكعب بتحدي

فهد قطب حواجبه بغيظ خفيف و خت التاب جنبه : مية مرة قلت ليك م تناديني كده!! ..بعداك أخد المكعب وبحركاات سريعة حلاهُ في ثواني

أيان وهو فااتح خشمه من الدهشة : أبو الزفت!! حليتها كيف؟! ..وخطف المكعب من يد فهد وقعد يتأمله

فهد صلح نظارته بنوع من الغرور ورجع للتاب : ده معدل ذكاء عاالي و حااجة إنت م عندك ليها ي دكتور

أيان انتفض : أنا ما دكتور! أنا جراح! ، جراح قلبية!

فهد ابتسم بخبث من غير م يرفع رأسه : جراح مساعد ، قصدك

أيان بنبرة تهديدية : فهد الفهود ، م تستفزني عشان م أقلبك كديسة!

قبل م فهد يرد ، ضياء رفع عيونه وطلع السمااعة ختااها في الطاولة وقال بنبرة جاادة : ممكن تخلوا عواارة الشفع دي وتمشوا تنوموا؟ ، طيارتنا بعدين المساء والبجي جنب كتفي سااي بقطع راسه!

فهد عدّل قعدته واتلفت عليو : بالمنااسبة دكتورة روعة كلمتني في الوااتس ، و قاالت أوراقنا جهزت بس بااقي نخلص الإشكاليات في قطر وبعدهاا نمشي لندن طوالي

ضياء : أحسن ، لأنو حسب الملف الطفل حالتو خطيرة ، والعملية ممكن تاخد معانا 12 ساعة على الأقل

فهد استغرب : طيب ليه م نمشي من هنا؟

ضياء رد بثبات : نحنا هنا ضيوف بس م موظفين ، و مقرنا الأصلي مستشفى “الحياة” في قطر ، وهم طالبننا باسم المستشفى يعني لازم نوقع شوية أوراق قبل السفر

أيان فجأة رجع لموضوع قبيل : خليك من ده ، فيها شنو يعني لو صحبك اتكل في كتفك ونام؟ ، م فااهم أنا!

ضياء خت التلفون في جيب اللابكوت و رد ببرود : كأنك م عاارف

فهد اتدخل : عشان ده م كتفه الحقيقي ، ده تركيب تايتنيوم بسبب الحاادث ، وأقل ضغط ممكن يأذيه و يأثر في شغله

ضياء كمل كلاام فهد بهدوء : وأنا الفترة دي بالذاات محتاج يدي بكامل صحتها

أيان سكت شوية حتى سأل بصوت خاافت : ممكن تذكرني الحاادث حصل ليك كيف؟

فهد رفع حواجبه باستغراب لأنو السؤال ده معروف إنو ممنوع وخط أحمر بالنسبة ل ضياء …

ضياء سرح لحظة طويلة حتى قام فجأة وقف و عقد حواجبه بغضب ظااهر : أنا ماشي أغير ملابسي ، وأحسن لمن أرجع م ألقاكم هنا!

و دخل الحمام وقفل الباب وراهُ …

فهد اتلفت على أيان بنبرة حاادة : سألته ليه؟ ، إنت عاارف إنو م بحب الموضوع ده!

أيان : والله م قصدي ، بس بعرفو لي 17 سنة وللآن م عارف الحصل ليو شنو!

فهد صلح نظاراته وهمس : خليو براحته يمكن م جاهز

أيان زفر بزهج و اخد سمااعته الطبية الوااقعة جنبه وطلع ، فهد كمان اخد التاب حقه و رجع المكعب فوق طاولة المكتب و طلع وقفل الباب وراهُ بهدوء ..بعد مساافة جا ضياء طالع من الحماام وهو لابس بنطلون وتيشرت زرايره مفتوحة ، اتلفت يمين شماال وبعد اتأكد إنهم طلعوا مشى قفل باب غرفته بالمفتاح و مشى وراا الستارة و وقف قداام مرااية طويلة ، طلع التيشرت واتلفت بالجنبة وبقى يعااين ل آثار ال 22 غرزة المرسومة في عضلة كتفه اليمين من بداايتها لحدي الكوع ، ثبت نظرااته عليها وسرح لثوااني وفجأة أتذكر جُمل قديمة مقطعة بتتردد في رأسه “ح أبقى دكتور عشانك! ..ياريتك م اتولدت!! ..كل م تخاافي تعالي لي ..عيونك غاابة! ..أنا آسف! ..هي مااتت بسببي!! ..ليه عملت كده!! ..صوت ضحك عالي لطفلة صغيرة ..صوت احتكاك عجلات عالي ..أصوات نااس متدااخلة وبكاء و صرااخ ..و آخر جملة “أنتَ بيتي!” ” ..فجأة باب الغرفة دقة ف مسح الدموع المتجمعة في عيونه و لبس التيشرت بسرعة وقفل الزارير الاتنين اللي في الوسط ولبس اللابكوت وطلع قعد في مكتبه حتى قال بصوت عالي …

– اتفضل!

الباب اتفتح ودخل أيان : ااا، كنت جااي اسألك ح نطلع من هنا السااعة كم؟

ضياء : بعد سااعتين كده عشاان نقدر نلحق الطياارة

أيان سكت لحظة حتى رد : طيب ، تماام ..بعدااك سأله بتردد : امم ، أنت كوويس؟

ضياء بإبتسامة بااهتة : كوويس ، بس تعبان شوية

أيان م اقتنع لكن م ضغط عليو و رد : ب طيب ، نتلااقى بعد سااعتين

ضياء هز راسه و أيان طلع ، ضياء اتنهد وخت رأسه في الطاولة وبقى يعااين في الأرض ، كاان صوت ضحكة الطفلة لسه معلق في عقله ، وكل ضحكة ليها كانت حادة زي أطراف السكين وبتزيد وجعه وصداعه ، ولمن وجعه وصل آخره فتح الدرج بسرعة وطلع حبوب مهدئة بلع منها حبتين ولبس سماعات الرقبة بتاعته وشغل سورة البقرة وهو مااسك رأسه وحاسس إنو شوية وح ينفجر ، غمض عيونه وبقى يحاول يتناسى دوامة الذكريات اللي هو عاايش فيها لكن من غير فائدة لأنو مجرد م باب المااضي يتفتح م بتقفل بسهولة تااني ومااف دواء أو علااج على وجه الأرض ممكن يخففه إلا حااجة وااحدة كلكم عارفنها ..المهم بعد دقائق كده سمع دقة الباب وافتكره ده ايان ف رد بزهج من غير م يفتح عيونه …

– خير ي أيان في شنو!!

لكن م سمع صوت أيان ، سمع صوت بت نااعم من ورا الباب : أنا راما وجبت ليك تقارير يزن

فتح عيونه وطلع السمااعة ، وقاام مشى فتح الباب بإبتسامة صغيرة ، اخد منها التقاارير و قال بصوت خاافت وهو بقلب في الأوراق : فحوصااته كلها ممتازة ..و رفع عيونه عااين ليها : ح افحصو للمرة الأخيرة ونادي لي دكتور أشرف المااسك حالته عشان انبهه لشوياات حااجات قبل م أمشي

هزت رأسها ومشت وهو اخد التقاارير ومشى غرفة يزن …

“نضحك لأن البكاء أنهكنا، ونتماسك لأن الانكسار لم يعد يحتمل شهودًا، نواصل الحياة كمن يحمل جرحه بيد ويصافح العالم بالأخرى”…

يتبع 



زر الذهاب إلى الأعلى