روايات شيقة
رواية مكان اسميته بيتي الفصل الثاني عشر 12 بقلم اوميرا موسي

رواية مكان اسميته بيتي الفصل الثاني عشر 12 بقلم اوميرا موسي
أُحبها؛ كما لو أن الرحيل احتمال دائم، فأتمسك بالحضور وأبالغ في الاهتمام، علّه يؤخّر الخسارة أو يمنعها! ..”ماهر”
كنتُ أقود السيارة وأنا غائرٌ في أفكاري ، تائهًا بينها كمن يسير في ضبابٍ كثيف لا يرى فيه طريقه .. كنتُ حائرًا ، مصدومًا ، وخائفًا خوفًا لم أُرد الاعتراف به ..
ثلاثة أشهرٍ مرت وأنا لا أعلم أن أختي الصغيرة تخوض حربًا صامتة ضد أقوى رجلٍ في بريطانيا ، ثلاثة أشهرٍ وأنا أراها تركض بلا توقف ، تجمع الأدلة ، تسهر الليالي حتى الفجر ، ترتّب الأوراق بعناية مفرطة ، تغادر باكرًا وتعود ليلًا بوجهٍ متعب وابتسامةٍ مصطنعة ..ولثقتي العمياء بها ، لم أتجرأ يومًا على سؤالها ، ولم أدرك أن تلك الثقة تحولت شيئًا فشيئًا إلى إهمالٍ قاتل ..
ميرا! ..
تلك الصغيرة في عيناي ، ابنتي الأولى ، وأكثر من أخشى عليها ، ففارق العمر الكبير بيننا جعلني أقرب إلى أبٍ ثانٍ منها إلى أخ ، فهي شقيقتي الوحيدة ، و التي أحببتها أكثر من نفسي ، والتي من أجلها فقط تركتُ فرنسا؛ موطن دراستي وزواجي وحياتي المستقرة ، وارتحلت مع عائلتي إلى بريطانيا بحثًا عن علاجٍ لها ..أذكر ذلك اليوم جيدًا كأنه لم يغادر ذاكرتي يومًا ، أذكر وقوفي أمام والديّ في المستشفى وهي في الغرفة وراء الزجاج خلفي ، طفلة صغيرة محاطة بالأجهزة ، غارقة في نومٍ ثقيل “غيبوبة” ، أذكر عينيّ والديّ المحمرتين من البكاء ، وارتجاف صوتهما ، ووعدي الذي قطعته دون تردد سأحميها وستكون أكثر أمانًا معي!”..
ولكن.. أين هي الآن؟
حتى أنا.. لا أدري!
تابعتُ طريقي وأنا شارد الذهن ، إلى أن قطع جهاز تحديد المواقع أفكاري بإنذار الوصول ..ترجلتُ بسرعة ، وخلفي ذلك الطبيب الذي كان يجلس بقربي ورغد الجالسة في الخلف ..وقبل أن نخطو للداخل ، توقفت خلفنا سيارة المحامي العجوز ، وترجل منها ومعه الشابان الآخران ، لم أنتظرهم و تقدمت المجموعة ودلفت إلى الداخل ..كان قسم الشرطة يعج بالحركة؛ وجوهٌ متعبة ، متسولون ، سارقون ، وأشخاصٌ ضائعون يريدون العودة إلى منزلهم ..التفتُّ حولي أبحث بعينيّ عن إسم “تشارلز” في بطاقة ملابسهم الرسمية ، لكن كثرة الأفراد أربكتني فأوقفتُ أول شرطي صادفته وسألته بتردد ….
– لو سمحت سيدي
توقف ونظر إليّ : تفضل
– أبحث عن الشرطي تشارلز
قطّب حاجبيه بإستغراب : تشارلز؟
هززتُ رأسي إيجابًا : تشارلز دوغ
نظر حوله قليلًا ثم أشار إلى شرطي يرتشف قهوته ويتحدث مع فتاة تحمل لابكوت الأطباء في يدها فاندفعتُ نحوهما بسرعة …
– هل أنت الشرطي تشارلز؟
أنزل كوب القهوة ببطء وقال : نعم
– لقد اتصلتَ بي من أجل ميرا محمد!
تدخلت الطبيبة فجأة : أنت أخوها إذن؟
نظرتُ إليها بقلق : نعم، هل هي بخير؟
رمقتني بنظرة الأطباء التي أعرفها جيدًا ، تلك النظرة التي تسبق الأخبار الثقيلة ثم قالت : أجريتُ لها بعض الفحوصات الروتينية وتبدو بخير جسديًا ، أخذتُ عينات دم للفحص أيضًا ، فأترك لي رقمك وسأرسل النتائج لاحقًا
أجبتُ بسرعة : حسنًا وأين هي الآن!
ترددت قليلًا ثم تابعت : لا تقلق إنها بخير ولكن..
ثم صمتت و نظرت إلى الشرطي ، ثم أعادت نظرها إليّ بنظرة لم أفهم معناها ، لكنها كانت كافية لينقبض قلبي ..
– ولكن ماذا؟
خرج سؤالي مبحوحًا والقلق ينهش صدري ..
عندها تدخل الشرطي بنبرة حاسمة : اتبعني سيدي! ..وأنطلق فوراً مع الطبيبة
أما أنا فابتلعتُ ريقي ، نظرتُ خلفي إلى الطبيب وأصدقائه ، إلى رغد ، إلى المحامي ثم تقدمت ببطء ..سرنا في رواقٍ قصير ، خطواتنا تتردد صدًا خانقًا ، حتى توقفنا أمام أول غرفة على اليمين ..عندها توقف الشرطي فجأة و أشار إليّ أن أهدأ ، ثم فتح الباب فدخلتُ مسرعًا ، وكانت هناك! ، جالسةً على كرسيها المتحرك منحنية الرأس ، والأغرب أنها بدت بلا خدشٍ واحد! ، سليمةً تمامًا أو هكذا ظننتُ في البداية ..
قال الطبيب ضياء بإستغراب : ما المشكلة؟ ، تبدو بخير!
أجابته الطبيبة بهدوءٍ ثقيل : هل هي كذلك فعلًا؟
نظرنا جميعًا إليها من جديد ، وأنا اقتربتُ منها ببطء ، كأنني أخشى أن أوقظ شيئًا نائمًا داخلها ، جلستُ أمامها على الأرض ، كانت يداها ترتجفان وهي تشبكهما بقوة ، عيناها باردتان ، وبؤبؤهما متسع على نحوٍ مخيف ، أنفاسها كانت تخرج متقطعة كأنها تبكي من الداخل دون دمعة واحدة! ..كانت خائفة! ، مصدومة! ، بتلك الطريقة التي لم أرَها بها إلا مرتين في حياتها! ..
المرةُ الأولى بعد أن استيقظت من الحادث ، حين علمت أنها لن تمشي مرةً أخرى وأنها أصبحت أسيرة كرسي متحرك ، أذكر أنها ظلت ساعتين كاملتين على هذا الحال قبل أن تنهار فجأةً بالبكاء ..والمرةُ الثانية حين أخبرتها بالحقيقة ، وظلت يومًا كاملًا غارقةً في الصمت ذاته ..ولهذا أنا أعرفُ هذا السكون جيدًا ، كلما طال.. كان الألم أعمق! ، والجرح أبشع! ..ولا أستطيع الجزم ، لكن من نظرتها بدا أن ما مرت به كان يفوق قدرتها على الاحتمال! ، أخذتُ نفسًا عميقًا ثم مددت يدي ورفعتُ رأسها ببطء ، كانت بشرتها باردة كالثلج وشاحبة كالجثـ.ـة ، فرقتُ أصابعها بصعوبة و أمسكتُ بيدها اليمنى ، ثم قلتُ بصوتٍ خافتٍ مطمئن ، أحاول به استعادة أختي الوحيدة من ذلك الفراغ المظلم …
– ميرا انتِ كويسة؟
م ردت ..
كررت سؤالي ليها بصوت أعلى شوية : ميرا ساامعاني؟
م ردت برضو …
رغد جاات قعدت جنبي ومسكت يدها : ميرا؟
م ردت ولا عااينت لينا اصلا …
أنا اتلفت على الشرطي وسألته : منذ متى وهي على هذا الحال؟
الشرطي رفع أكتافه وفكر ثانية حتى رد : منذ أن احضرهاا ذلك الشاب إلى هُنا!
رغد : متى أحضرها؟
الشرطي وهو بتذكر : عند الثالثة عصرًا وكانت على هذه الحال
أنا سألته بإستغراب : إذن كيف وجدتم رقم هاتفي وعرفتم إسمها؟
الشرطي : لقد كتبته بنفسها هُنا
وطلع ورقة من جيبه أداني ليها ، كاان خط ميرا ذاته وهي كاتبة إسمها و إسمي و رقم تلفوني و آخر شيء كااتبة “No”..”Nothing” ، “لا شيء” ، “لا” …
قمت وقفت وأشرت على كلمة “لا شيء” وقلت : ماذا يعني هذا؟
الشرطي زفر ورد : لقد سألتها عن إذا ما كان أحدٌ ما قد تعرض لها بسوء و أجابت بـ لأ
الطبيبة اتدخلت : وأنا سألتها إذا كانت تشعر بأي ألم لأنقلها إلى المستشفى ولكنها أجابت بـ “لا شيء”
الشرطي : ولقد حاولنا مرارًا أن نأخذ منها أي معلومة ولكنها ظلت تشير إلى الكلمات المكتوبة في الورقة ، أحياناً لا و أحياناً لا شيء!
رجعت عااينت ل ميرا والقلق مااكل قلبي ، كيف يعني مختفية من الصبااح و راجعة بالحالة دي وتقول مااف حااجة! ، الحصل معااها شنو؟ ، شاافت شنو؟ ، معقولة هددوها؟!! ..عاينت ليها من فوق ل تحت وكاانت ملابسها نضيفة ومااف أي أثر إنو زول لمسها حتى حجابها ملفوف زي م شوفتها الصبااح بس بتحك رجلها كل شوية ..اتنهدت بضيق و اتلفت على الشرطي و مديت ليو الورقة ….
أنا : هل يمكننا الذهاب الآن؟
الشرطي اخد مني الورقة : أجل ولكن عليك توقيع بعض الأوراق
هزيت رأسي بتفهم واتلفت على رغد : امشوا انتظروني في العربية
رغد هزت رأسها وقاامت وقفت داايرة تدفر الكرسي لكن ضياء وقفها ..
ضياء : دقيقة ، أنا ح اخدها ..واتلفت عااين لي : لو م عندك مشكلة؟
هزيت ليو رأسي ، فهو دفر الكرسي و طلعوا كلهم برة م عدا الشااب اللابس نظاارة ، جاا وقف جنبي و أشر لي أوقع بمعنى إنو ح ينتظرني ، فهزيت رأسي و وقعت و شكرتهم وكنت طاالع ، لكن فجأة أتذكرت حااجة و وقفت اتلفت عليهم …
– سيدتي؟
الدكتورة : أجل
– أضيفي بعض الفحوصات الإضافية و أرسلي لي النتائج في أسرع وقت
الدكتورة بإبتسامة لطيفة : لا تقلق ، ستصلك في الصباح الباكر
– شكراً
وطلعنا أنا والشااب من مكتب الشرطة وبقيينا مااشين على العربية ، أنا كنت سااكت سرحاان وهو مااشي جنبي بعااين لي مرة مرة …
في النهاية بقيت أفكر بصوت عالي : أحسن اوديها المستشفى حتى نمشي البيت ، ولا أحسن أمشي لأخصائي؟
الشاب رد لي فجأة : خليها للصباح يمكن تتحسن ولو م اتحسنت وديها لأخصائي نفسي
اتلفت عليو وضحكت : لأ ، م عشاان كده بس خاايف عليها
الشاب أبتسم وهز رأسه بتفهم وم سألني ..
أنا كماان سكت مساافة وأنا مااشي وبعااين للأرض وهمست : أحياناً أنا بحس نفسي محااصرها شديد و أحياناً بحس بنفسي م مهتم بيها بالقدر الكاافي ، م عاارف زااتي أعمل شنو!
الشاب رد من غير م يعااين لي : يمكن لو قللت تفكير شوية ح تعرف
اتنهدت : م بقدر ، حصلت ليها حااجات كتييرة في طفولتها خلتني خاايف أخسرها في أي لحظة ..و اتلفت عليو : وهسي سبب تفكيري في الإخصائي القلبي هو..
الشاب قاطعني بإستغراب : أخصائي قلبية؟
رجعت عااينت قداامي : أيوة
الشاب : عندها قلب؟
سكت لحظة حتى عااينت ليو : كاان عندها ثقب زمان ، اتولدت بيو لكن عملنا ليها العملية و اتعالجت الحمدلله
الشاب هز رأسه بتفهم وسأل : طيب ليه دااير توديها لأخصائي قلب؟
رديت : عشان اطمن بس
الشاب : ايوااا
و هنا كنا وصلنا العرباات ، فهو مشى ركب في العربية الرماادية مع المحاامي و صحبه التاني وأنا ركبت في عربيتي ..طول الطريق كنت كل شوية برفع عيوني وبعااين ل ميرا بالمرااية المعلقة فوق ، كاانت رااقدة في كتف رغد بنفس النظراات وم أتغيرت ، و رغد المسكينة كل شوية تحااول تخفف عنها وتتكلم معااها ، عااينت جنبي لقيت ضياء متكل بظهره في الكرسي و سرحاان بالشبااك ، فقلت ليو بهدوء …
– أنا ح أوصل ميرا البيت بعدااك أوصلك
اتلفت علي و هز رأسه بتفهم …
هنا رغد قالت بصوت عالي : لأ!
اتلفت عليها وراا بإستغراب و رجعت عااينت للطريق : لأ؟ ، ليه لأ؟
رغد : ميرا هزت رأسها ب لأ!
أنا و ضياء رفعنا عيوونا بنعااين ليها بالمرااية بحيرة …
أنا : ميرا م داايرة ترجعي البيت؟
هزت رأسها بلأ …
أنا : مااشة وين طيب؟
م ردت …
رغد سألتها : مااشة المكتب؟
هزت رأسها ب أيوة …
رغد رفعت رأسها عااينت لي : قالت عاايزة تمشي المكتب
أنا : لشنو ي ميرا!
م ردت وغمضت عيوونا اتجااهلتني ، أنا رجعت عااينت للطريق وسكت لأنو كنت عاارف إنو م ح ترد لي هسي وم ح تحكي لي أي شيء إلا تروق ، لكن السبب البخليها تختار تمشي المكتب شنو م بعرف ، غاايتو إلا بعد أصل أتصل ل إيڤا “مرته” اكلمها يقفلوا البااب كوويس لأنو م ح أرجع البيت الليلة …
*”بعد ساعات”…*
*”الكاتبة”…*
باب مكتب ميرا اتفتح ببطء شديد وهي خايفة يفضحها بصوته ، طلعت براحة بتحرك كرسيها حبة حبة ..وقفت لحظة ، حبست نفسها وعااينت حوالينها بنظرة سريعة ، الصالة كاانت نص مظلمة ، أخوها وضياء ناايمين في هدوء ، أنفاسهم منتظمة بمعنى ناايمين بعمق و التلفزيون مقفول ..هنا هي فهمت طواالي إنو أيان وفهد في غرفتهم ورغد أكيد مشت بيتهم من بدري ، اتسحبت أكتر و ظلها الأسود كاان مرسوم على الحيطة وبتحرك معااها بسبب ضوء الدفاية البرتقالي .. اتجهت على الدرج فتحته بهدوء ، طلعت المفتااح ومشت فتحت الباب ، وهواء بارد دخل رئتينها أول م طلعت برا ، بعدااك خلت البااب فااتح وأتقدمت كم خطوة كده بس فجأة سمعت صوته طلع من ورااها …
– مااشة وين؟
اتخلعت واتلفتت ورااها بسرعة ، لقت ضياء واقف لابس فنيلة لاعبين كرة السلة و مربع يدينه و متكل في الحيطة بعااين ليها بعيون م شاافوا النوم اصلا! …
ميرا بتوتر خفيف : أنت المصحيك شنو؟
رفع ليها حاجبه بنظرة “عارفة” ، وهي في اللحظة دي اتذكرت و زفرت بزهج : الأرق!
هز رأسه بـ “أيوة” و سألها : إنتِ ماشة وين؟
رجعت عااينت قداامها بتتهرب من نظراته وردت بصوت مبحوح : ماشة أشم هوااء!
سكت لحظة حتى قال بهدوء : بعد الحصل ليك؟
هزت راسها بإيجاب …
ضياء : م خايفة؟
ابتسمت إبتسامة باهتة أقرب للسخرية : ماف شيء أخاف منو!
عااين ليها مساافة بعدااك وقف ورااها ومسَك يدين الكرسي : ماشي معاك!
رفعت رأسها و إحساس الأمان دخل قلبها بالغصب مع إنها م عاايزة تعترف ..
عاينت ليو للحظات حتى غيرت ملاامحها للجدية وقالت : الصحاافة لو شافتك م ح ترحمك!
نزل عيونه عااين ليها بنظرة ثابتة وقال بعناد : إذا إنتِ م خايفة من الخاطفين ، أنا أخاف من صحافة؟
الكلام ضربها في محل حساس ف م ردت ، لكن فضلت معلقة نظراتها في عيونه ، دهشة صامتة ، حواجبها معقودة بإعجااب وإستغراب ، دي أول مرة تشوف ملاامحه من قريب للدرجة دي …
ضياء لاحظ و اتلخبط شوية : مالك؟
همست : عيونك غاابة!
ضياء أتصدم و اخد صننة بعدااك أقنع نفسه إنو يمكن السمعه غلط فسألها بشك : قلتي شنو؟
هنا هي يااداب صحت من سرحتها الطويلة ف نزلت راسها بسرعة وبلعت ريقها وم قالت حاجة ..هو كمان م علق و أتجاوز الموضوع و دفر الكرسي بهدوء على البواابة و قبل م يطلعوا من السور وقفتوا فجأة …
ميرا : دقيقة!
وقف في مكانه وعااين ليها : مالك؟
سكتت شوية وعيونا ثابتة قداامها و مخهاا شغاال بسرعة حتى ردت : خلينا نرجع جوة!
عاين ليها بإستغراب حقيقي : لشنو؟
ميرا من غير م تعااين ليو : أرجع جوة بس!
ضياء عقد حواجبه : مش قلتي داايرة تشمي هواء؟
ردت ببرود : بمشي البلكونة
زفر زفرة قصيرة من تقلباتها المفااجئة وم كتر كلام : تمام!
ورجعوا جوة بهدوء ، بعدااك ضياء فتح باب البلكونة وطلعوا وقفلوا الباب ورااهم ..الليل كان هاديء مااف غير صوت صرصور الليل ، لندن قداامهم لابسة أبيض في أبيض ، والتلج مغطي كل شيء تقريبًا ..كانوا قااعدين جنب بعض ساكتين ، كل وااحد غرقان في أفكاره وشاايلين في يدينهم كباايات شوكولاتة حاارة ، عملها ضياء سخنت أطراف أصابعهم شوية وقللت البرودة عليهم ..مرت دقائق طويلة ، طويلة زيادة عن اللزوم! ، لحدي م ضياء اتلفت عليها أخيرًا وسألها السؤال الكاان بفكر فيو من الصبااح ….
– الحصل معاك شنو؟
ردت و عيونا معلقة في الظلام قداامها : ولا شي!
ضياء بعدم إقتناع : كيف يعني ولا شي؟
اتنهدت تنهيدة طويلة حتى اتلفتت عليو أخيرًا : م متذكرة الحصل شنو ، آخر حاجة منذكرااها إني طلعت من البيت و بعد داك؟ ..وسكتت لحظة حتى واصلت : فراغ! ، ماف شي!
ضياء نزل عيونه بفكر : معنااها أدوك مخدر قوي
ميرا وهي سرحانة : يمكن!
أخد رشفة من الشوكولاتة و رجع عااين ليها : طيب ليه م قلتي كده من بدري؟
رجعت عاينت قداامها وشربت شوية : كنت زعلانة ، زعلانة لأني م متذكرة وزعلانة لأني فوت المحكمة! ..سكتت لحظة وكملت : ولمن أزعل كده م بقدر أتكلم كما أخدت فترتي!
هز راسه بتفهم و رجع يشرب الشوكلااتة في صمت ، هي اتلفتت عليو فجأة ويااداب لااحظت إنو هو قااعد في البرد القارص ده من غير جاكيت ولابس فنيلة من غير أكمام ..
ميرا بإستغراب : إنت م بردان؟
هز راسه بلأ : مسخن!
عااينت حوالينها للتلج الكتيير لدرجة البرد دخل العظم و هي الحريصة لابسة جاكيت أسود طويل ، شال ، قفازاات ، طاقية ولسه رجلينها واجعنها من البرد وهو عاايش اجواء استوائية برااهُ …
رجعت عاينت ليو بجدية : إلا أنت تكون عيان! ، لأنو ده م برد تقعد فيو كده! ..ومدت يدها بتلقائية تلمس جبينه
فهو رجع رأسه بسرعة واتلفت عليها بنبرة حادة : لا! ما تلمسيني
سحبت يدها فورًا : آسفة ، فكرت أشوف إذا عندك حُمّى
أخد رشفة : أيوة عندي ، لكن حاجة طبيعية بسبب أعصاب كتفي
كانت عايزة ترد لكن فجأة وجع حااد ضرب رجلها ف اتأوهت ومسكت رجلها بسرعة ..
ضياء اتخلع : مالك؟!
ميرا : رجلي واجعااني
خت الكباية في الطاولة بسرعة : ممكن أفحصك؟
ميرا : خلييك في حالك ، واصلا دي حاجة عادية بتوجعني كل فترة وفترة
عاين لرجلينها وقال بلهجة الأطباء : يعني أعصاب رجلك لسه متصلة بالنخاع الشوكي؟
هزت رأسها : أيوة لكن م بقدر أمشي
سكت …
كملت وهي بتعاين لرجلينها بحسرة موجعة : أنا ما كنت كده دايمًا ، عملت حادث وبسببه خسرت رجليني ..سكتت شوية وضحكت نص ضحكة : وماف ولا ذرة أمل إني أمشي ، ف لو وجعوني أو م وجعوني وااحد بالنسبة لي لأني م مستفيدة منهم في حاجة
ومسكت رجلها تاني وعقدت حواجبها من الألم ..
ضياء عاين لملامحها وقاال بإصرار : برضو للاحتياط ، خليني أفحصك
فكرت لحظة ولقت إنو م خسراانة شيء وهو دكتور ف وافقت : تمام
نزل قعد في الأرض قداامها : ياتا بتوجعك أكتر؟
أشرت على رجلها اليمين بسكاات ، هو طلع البوت برااحة ورفع رجلها وختااهاا فوق ركبته حتى رفع البنطلون شوية وبقى يلمس بحذر شديد وهو بسألها عن مقيااس الوجع من عشرة لحدي م وصل نص الساق ..وهنا ميرا مسكت يده فجأة …
رفع رأسه ليها : هنا؟
هزت راسها بأيوة …
ضياء : كم من عشرة؟
ردت وهي على وشك إنها تبكي : عشرة!
ضياء استغرب لأنو في حالتها مستحيل تصل ل عشرة فقال بنبرة شك : اااا ، ولعي تلفونك وم تخافي م ح ألمسه
فكت يده بتردد و طلعت تلفونها ولعتو وأدتوا ليو ، أول م نور الفلاش في رجلها ملامح وشه اتغيرت للصدمة ، ورفع راسه ليها ورجع عااين لرجلها ، و قرب الفلاش دقق مرة ومرتين وفجأة خت يده في وشه بغضب وقام وقف بسرعة وخت يدينه في نصه أنفاسه متسارعة ..مشاعر الغضب كانت وااضحة لكن الخوف كان أوضح! …
ميرا بخوف واضح : مالك؟ ، الموضوع خطير؟
ضياء رد بصوت خاافت من غير م يتلفت ليها : حرقوك!
اتجمدت في مكانها : شنو؟
اتلفت عليها أخيرًا وهو ماسك أعصابه بالعافية :حرقوك يا حضرة المحامية!
ورجع قعد قداامها و قرب النور وحرك رجلها بهدوء على اتجااهها وهي شخصياً لمن شاافت المنظر م قدرت تتحمله و اتلفتت بالإتجاه التااني بصدمة ، الحروق كانت واضحة من الدرجة الثانية ، الجلد متسلخ كأنو اتقشر بعد الحرق ، وآثارها محفورة في اللحم على شكل حرف “G” وتحته “A” وكل وااحد أعمق من التاني ..
ضياء بانفعال مكبوت : يعني شنو G… A هسي؟!
رجعت عااينت ليو : Go Away “ابتعدي”
ضياء : تهديد!
م ردت ورجعت اتكلت بظهرها في الكرسي ، الدموع لمعواا في عيونها ف مسحتهم بسرعة و عناد أكتر ..أما ضياء ف كان قااعد قدااامها ، نظراته بين رجلها المجروحة ودموعها ، المشهد ذاته ضغط على صدره ، إحساس الذنب كبر ، م كان متخيل الموضوع يوصل للمرحلة دي و لو كان عارف!! ، لو كان بس عارف!! ، م كان جا من قطر أصلًا ، وم كان دخل العملية دي ، ولا جر نفسه ولا أصحابه ولا هي للخطر ده! …
ميرا لاحظت سرحانه : دكتور ضياء؟
رد وهو لسه سرحاان : لازم نمشي المستشفى بسرعة
ردت بسرعة : لا، لا! لو مشيت ح يفتحوا معاي تحقيق وماهر لو عرف ح يخليني أفتح بلاغ!
عاين ليها بجدية : وده المفروض تعمليو أصلًا!! ، م شاايفة رجلك انتِ؟!! ، ده لو جااتك أقل عدوة ممكن ترقدي مستشفى!!
هزت رااسها برفض قاطع : لأ ، أنا عاايزاها كده!! ، الحاصل ده ح ينفعني بعدين!!
قاام قعد في الكرسي وجرااهُ قصاادها واخد نفس عميق حتى حاول يتحاور معاها بمنطقية أكتر : التقرير الطبي بيفيدك أكتر
ردت بثباات : لأ يا دكتور ضياء ، ماف دليل بثبت إني اتخطفت ..سكتت لحظة وكملت بصوت أخفض : والإدعاء ح يلفق التهمة في أيان لأنه هو الهددني علنًا!
ضياء : لكن أيان كان معانا!
ميرا : فكر يا دكتور ضياء! ، ليه خطفوني ورجعوني؟ ، كان ممكن يحتفظوا بي لحدي م القضية دي تنتهي بسجنك ، لكن هم رجعوني!! ، عشان الشكوك تمشي ل أيان ويورطوه في حااجة جديدة!!
مسح وشه و زفر بضيق حتى سألها : والحل؟
ميرا : خلي الموضوع ده بيني وبينك هسي ولمن يجي وقته أنا بتصرف
سكت ..م لقى رد و حل مقنع أكتر من كلاامها …
ميرا فجأة اتذكرت حاجة وسألته : صح م سألتك ، الحصل شنو في المحكمة؟
ضياء حكى ليها المرافعة كاملة من أولها لآخرها ..وهي كاانت سامعة بتركيز شديد ، م قااطعت ولا علقت لحدي م خلص …
ميرا بإستغراب : بس؟
ضياء : أيوة
م ردت و عيوناا بقت تتحرك يمين وشمال ، تفكير سريع ، حساابات ، سينااريوهات نااقصة وقطع ضاايعة في نص الأحدااث ..ضياء كان متحير من تصرفها لكن م سأل و نزل عيونه تاني ل رجلها وبعد تفكير طويل أقترح …
ضياء : لو م دايرة نمشي المستشفى خليني أعالجك هنا
رجعت من سرحتها و عاينت ليو وعااينت ل رجلها : طيب.
ضياء : عندك علبة إسعافات أولية؟
هزت راسها بلأ ..إجابة بسيطة لكن مستفزة ل دكتور! …
ضياء بغضب خفيف : كيف يعني م عندك علبة إسعافات أولية؟
رفعت أكتافها بلا مبالاة : م عارفة ، م فكرت أشتريها!
استغفر بصوت خاافت وهو ضااغط على أسنانه حتى عاين ليها بنظرة طويلة و فتح باب البلكونة وطلع بسرعة ..بعد دقائق جاا رااجع وهو شايل علبة إسعافات في يدينه وصاري وشه بغضب مكبوت ، بعدااك عااين ليها وسأل …
– الفتح شنطتي منو؟
ميرا من غير تردد : أنا
ضياء : ليه؟
ميرا : كنت بفتش في دليل إذا معاك أو ضدك
ضياء : في شنطة ملابسي؟
ميرا : فهد قال لي تاابك هناك وبالمرة فتشنا لو في أوراق ولا حاجة
ضياء : يعني فهد مشترك معاك!
ميرا : أنت ليه محسسني إنو ارتكبنا جرريمة!
ضياء : عشاان فعلاً عملتوا كده!!
ميرا : كيف!
اتجاهلها وقعد قداامها مسك رجلها عشاان ينظف الجرح وهو بتنفس بغضب ..
ميرا سكتت مسافة وهي بتعاين ليو قبل م تسأل ببرود : عشان الدفتر؟
وقف تنظيف لحظة بعدااك وااصل من غير م يرد ..
ميرا بفضول : المكتوب ده حقيقي ولا بس موهبة منك؟
همس : م تتكلمي معااي في الموضوع ده!
سكتت وبقت تتلفت مساافة بعدااك رجعت عااينت ليو وشاافت آثار الغرز من بداية كتفه للكوع …
ميرا : الحصل معاك شنو؟
رد من غير م يرفع رأسه : في شنو؟
ميرا : ده! ..و أشرت على كتفه
رفع رأسه عااين مكاان بتأشر و رجع ينظف الجرح ببرود : حاادث
ميرا بفضول : عربية؟
عااين ليها بحدة : م تسأليني كتير ، أنا دكتور م صحبك!
سكتت وبقت تحدّر ليو ، وهو بعد خلص عقد حوااجبه بحيرة وهو بقلب في علبة الإسعافات وهي بتعااين ليو بصمت لحدي م زفر بزهج …
ضياء : مااف شااش حروق! ..و رفع رأسه عااين ليها : م عندك قطن؟
فتحت خشمها وقالت : عنـ..
قاطعها وهو راافع يده : قبل م تتكلمي قصدي قطن حروق اللي م فيو خيوط دااك!
هزت رأسها بلأ …
فكر مساافة حتى سأل : طيب م عندك قطعة قطنية؟
هزت رأسها بلأ …
ضياء : م عندك شرااب قطني طيب؟
ميرا : عندي!
قاام وقف : وين؟
ميرا بإستفزاز : في البيت ، لأني م سااكنة هنا زي م عاارف!
ضرب جبينه بفقدان صبر وبقى يعااين للارض مساافة بفكر لحدي م رفع رأسه وهمس فجأة : أنا عاارف منو ممكن يكون جاايب حااجات زي دي!
ميرا : منو؟
ضياء : أيان!
و طواالي مشى دخل جوة دقائق وجاا طاالع وهو شاايل شراابات قطنية لونها أسود …
ميرا بقرف : Noway!! ، م بلبس حااجات رااجل في رجلي!!
ضياء : ومنو قال ليك دااير ألبسك ليو؟
وقعد في الأرض ولف الشرابين حوالين رجلها وخيطهم زي الـ”باندا حقت الشعر كده” عشاان تبقى ضماادة ..
ضياء وهو بتأكد من تثبيتهم : ده ح يحمي الجرح من الإلتهااب لحدي الصبااح أرسل زول يجيب لي شااش الحروق و..
قااطعته : من غير م تكلمهم!
عااين ليها : أيوة من غير م أكلمهم ..و مشى غسل يدينه و رجع أخد الكباابي دخلهم جوة لأنو بقى تلج اصلا و رجع قعد في كرسيه بعااين للفراغ ..
ميرا بتردد وهي رافعة رأسها بغرور : شكراً
رد من غير يتلفت : عفوًا
رجعت عااينت قداامها وقاالت بينها وبين نفسها وهي بتفرك جبينها : نفسي أعرف الصدااع ده سببه شنو!
ضياء من غير يتلفت طلع بنادول من جيبه ومداهُ ليها ..
اخدته وقالت بإستغراب : أنت صيدلية متحركة ولا حااجة؟
اتلفت عليها ببرود : لأ ، للأسف دكتور!
ردت بإستهزاء : لو كده يااريتك موظف في البنك!
عااين ليها من فوق ل تحت و استغفر و رجع عااين قداامه وهي مسكت الحبوب في يدهاا و الاتنين رجعوا يعااينوا للفرااغ قداامهم ، لكن الفرق إنو ضياء كاان بفكر في الحااصل في حيااته وفي الحوااليه و ميرا بتخطط للعاايزة تعملوا في الحوااليها! …
“ما يحمله الغد ليس واضحًا، لكنه دائمًا محمّل بالاحتمالات، قد يأتي مُثقلًا بالخذلان، أو خفيفًا كخبرٍ صغير يغيّر كل شيء”..
يتبع


