روايات شيقة
رواية مكان اسميته بيتي الفصل الثامن عشر 18 بقلم اوميرا موسي
رواية مكان اسميته بيتي الفصل الثامن عشر 18 بقلم اوميرا موسي
“فقدان الحب لا يشبه الرحيل، بل يشبه انطفاء مدينةٍ كاملة داخل القلب، كل الطرق التي كانت تؤدي إليه تصبحُ فجأةً بلا إتجاه”..
لم تكن الحياة يومًا خطًّا مستقيمًا كما نتوهم في طفولتنا ، ولا دربًا واضح المعالم كما نرسمه في أحلامنا الأولى ..
بل إنها سلسلة من المنعطفات الحادة ، من الالتواءات التي لا تُنذر قبل وقوعها ، ومن الأقدار التي تتسلل إلينا في هيئة صُدف ، ثم تكتشف لاحقًا أنها كانت مخططة بعنايةٍ تفوق إدراك البشر ..
كم من حقيقةٍ ظننّاها نهائية ، فإذا بها سراب! ، وكم من فراقٍ بكيناه دهورًا ، فإذا به كان استراحةً قصيرة قبل عودةٍ أعنف ، وكم من قلبٍ أقسم أن يحتمل ، فإذا به يسقط أمام لحظةٍ واحدةٍ من الصدمة! ..
المشاعر ليست متجاورة كما نظن؛ إنها متداخلة ، متشابكة ، متصارعة ..فقد يجتمع الحبُ والخوف في نبضةٍ واحدة ، ويتصافح الأمل واليأس في صدرٍ واحد ، ويختلط الانتقام بالحنين حتى يعجز المرء عن التمييز بين ما يريد وما يخشاه ..
في لحظةٍ واحدة ، قد يتحول الإنسان من مقاتلٍ صلب إلى كائنٍ هش ، من شاهدٍ على المعركة إلى ضحيةٍ في قلبها ، من صاحب قرارٍ إلى جسدٍ عاجزٍ تحت رحمة جهازٍ يقيس نبضه ، وكل ذلك من أجل القمر الوحيد الذي يضيءُ ليله ♡..
*”في المساء”..*
كانت المستشفى في تلك الليلة ، عالمًا منفصلًا عن الخارج ، الجدران بيضاء إلى حد البرودة ،
لا تحمل أثرًا لضحكةٍ ولا ظلًّا لذكرى ، الضوء الفلوري يتدلى من السقف كقمرٍ صناعي لا يعرف الغروب ، باردًا و قاسيًا كأنه يفضح كل ضعفٍ بشري تحت وهجه ، رائحة المعقمات تملأ المكان ، رائحةٌ حادة ، تختلط فيها الطمأنينة بالخوف؛ فهي تعني الأمان وتعني في الوقت نفسه أن الألم مر من هنا! ..كانت الأجهزة مصطفة بجانب الأسّرة ، شاشاتٌ خضراء تُظهر خطوطًا متعرجة ، كلُ خطٍّ منها إعلانٌ صامتٌ عن أن القلب ما يزال يقاوم ، صوتٌ منتظم يخترق السكون “بيب.. بيب.. بيب..” ، إيقاعٌ ميكانيكي يحلُ محلَ الموسيقى ، كأن الحياة اختُزلت في نبضةٍ إلكترونية ..خلف الزجاج الشفاف ، كان الأطباء يتحركون بهدوءٍ مدروس ، وجوههم متماسكة ، خطواتهم سريعة لكن غير مضطربة ، فقد تعلموا أن يفصلوا بين قلوبهم ومهنتهم ، وأن لا يسمحوا لشفقتهم أن تُربك أيديهم ..
وفي إحدى غرف العنايةِ المُركزة ، كانت ميرا ترقد ساكنة ، وجهها الذي اعتاد الصلابة بدا شاحبًا كأن الدم انسحب منه فجأةً وتركه للضوء البارد ، خصلاتُ شعرها مبعثرةٌ فوق الوسادة البيضاء ، وعلى صدرها يرتفع وينخفض أنبوبٌ شفاف يمدها بالأكسجين وسط أسلاك جهاز القلب ، يدها اليسرى كانت موصولةً بإبرةٍ رفيعة تتدلى منها المغذيات قطرةٌ.. ثم أخرى.. كأن الزمن نفسه يُقاس بتلك القطرات ..جسدها بدا هادئًا ، لكن ذلك الهدوء لم يكن سلامًا؛ كان أشبه بهدنةٍ مؤقتة بين قلبٍ أرهقته الصدمات وعقلٍ رفض أن ينهار ..
داخلها ، كانت الفوضى لا تزال قائمة ، صورٌ متقطعة تمر في عمق وعيها ..قاعة المحكمة ، الرسالة ، الإسم الذي يخشاه قلبها أكثر مما يعترف ، الخوف الذي لم تمنح نفسها فرصة الشعور به ، كان الألم الذي ضرب صدرها أشبه بقبضةٍ غير مرئية ، عصرت قلبها حتى كاد يتوقف! ..لم يكن مجرد وجعٍ جسدي؛ كان صدمةً عاطفية انفجرت في أكثر نقطةٍ هشاشة ، الخوف عليه.. ، الخوف منه.. ، الخوف من فقدانه مرّةً أخرى بعد أن عاد من موتٍ ظنته حقيقيًا ..واحدٌ وعشرون عامًا من الحُزن المكبوت ، من الذكرى المدفونة ، من الطفلة التي فقدت نصف روحها في لحظةٍ واحدة ..كلها اجتمعت دفعةً واحدة في صدر امرأةٍ ظنت أنها تجاوزت الماضي ، لكن الماضي لا يُهزم بسهولة ، هو ينتظر لحظة ضعفٍ واحدة ، ليذكرك بأنه لم يغادر قط! ..
خارج الغرفة ، كان القلق يسير على قدمين ، وجوهٌ متوترة ، أنفاسٌ محبوسة ، أعينٌ تراقب باب العناية المركزة ، لكن داخل الغرفة ، كان الصمت أعمق ، حتى فجأةً.. تغير إيقاع الجهاز قليلًا ، خطٌ متعرج ارتفع ثم استقر ، أصابعها تحركت حركةً خفيفة بالكاد تُرى ، ارتجافٌ بسيط في جفنها كأن روحها التي ابتعدت قليلًا قررت أن تعود ، تنفسها ازداد عمقًا ، وجفونها الثقيلة ارتفعت ببطءٍ مؤلم ، الضوء أزعجها ، حاولت أن تركز ، السقف الأبيض ، الصوت المنتظم ، الرائحة المعقمة ، وإحساسٌ ثقيل في قلبها يذكرها أن ما حدث لم يكن حلمًا ..رمشت مرةً ، ثم مرةً أخرى ، وفجأةً تذكرت ما حدث فنهضت بعنف وجلست تنظر حولها بخوف وقبل أن تدرك أين هي ، فُتح باب الغرفة ببطء و دلف أخوها بهدوء وهو يحمل بعض الأدوية حتى رفع رأسه فجأةً وصُعق عند رؤيتها جالسة ، توقف للحظة ثم توجه نحوها بسرعة ، جلس بقربها ، احتضنها بقوة ، فتفلتت من حضنه بسرعة ، ثم نزعت قناع الأوكسجين بعنف وسألت بصوتٍ مرتجف و نبرةٍ مليئةٍ بالرعب …
– جُمان كويسة؟
ماهر بإستغرااب : جُمان؟ ، جُمان بتي؟ ، مالا جُمان؟
هنا دموعها سبقتها وم قدرت تشرح ولا لقت كلمات منااسبة ، بس بقت تردد الإسم كأنها بتتأكد إنو لسه موجود في الدنيا : جُماان!.. هو.. جُمان!..
وصوتها اتكسر وبكت بحرقة ، بكاء زول مفجوع م بكاء زعل عادي! ..
ماهر قرب منها بقلق وااضح وحضنها وهي رقدت في حضنه : ميرا استهدي بالله ، أنا م فاهم كلامك لكن جُماان كويسة
قامت من حضنه بسرعة و هزت رأسها بنفي عنيف وهي بترجف ، بعداك مسكت يده بيدينها الاتنين وقالت بهستيريا : م كويسة! ، م كويسة!
قلبه وقع لكن حاول يثبت صوته : كويسة والله العظيم ، أنا أتكلمت معااهم قبل شوية
هزت رأسها بلأ ..
ف اضطر طلع تلفونه من جيبه بسرعة واتصل على روز مكالمة فيديو وهي ردت من أول جرس وهي وااقفة في المطبخ ..
روز وصوتها مشحون بالقلق : ماذا حدث؟ ، هل ميرا بخير؟
ماهر : لا تقلقي ، إنها بخير فقط..
قاطعته : إذن سآتي حالاً! ..وطلعت من المطبخ
ماهر رفع يده ووقفها بسرعة : لا ، لا داعي لذلك ، ليس الآن ، هل يمكنني التحدث مع جُمان؟
وقفت في محلها وقالت بإستغرااب : جُمان؟
ماهر : أجل
روز : إنها نائمة بغرفتها
رفع عيونه ل ميرا الكانت نظرااتها مليانة شك و ملامحها متيبسة بعدم تصديق …
ورجع قال ل روز : هل يمكنك تصوريها؟
روز عقدت حواجبها بشك : ما الأمر؟
ماهر : سأشرح لك لاحقًا ، أرجوك قومي بذلك الآن
سكتت لحظة وهزت رأسها مواافقة ومشت على غرفة جُمان ، فتحت الباب برفق و دخلت ولقت جمان نايمة في سريرها عاادي ، حاضنة عروستهاا الصغيرة و شعرها مفروش في المخدة ببراءة وملامح مطمئنة ، روز قربت وقعدت جنبها و قلبت الكاميرا عليها وبقت تصورها ..هنا ماهر أدى التلفون ل ميرا وهي قلعتو منو بسرعة ومسكته بيدينا الاتنين وعااينت بدهشة ، أول م شافت الصورة شهقت شهقة خفيفة وحضنت التلفون وزفرت زفرة طويلة بإرتيااح ، حمدت ربها وبقت تبكي بصمت وهي م قاادرة تصدق إنو الصورة الرسلوها ليها في المحكمة طلعت كذبة مفبركة وكابوس بس ..بعد اطمنت و عااينت للفيديو كويس رجعت التلفون ل ماهر وهو قفل الخط بسرعة قبل م روز تسأله أي سؤال ، بعداك سكت لحظة بعااين ليها من فوق ل تحت وهي بتحاول تكتم لكن م قاادرة و وشها بقى أحمر من البكاء …
ماهر بهدوء حذر : ممكن تشرحي لي؟
م ردت ، كانت لسه بترتب أنفاسها ..
ماهر : ميرا مالك؟ ، الحصل ليك شنو في المحكمة؟ ، ومالا جُمان؟
نزلت عيوناا وأخدت نفس عميق جمعت شتات نفسها حتى ردت بصوت واطي : رسلوا لي صورة مفبركة ل جُمان وهي مذ.بوحة في مستودع ولمن شوفتها م قدرت أتحمل المنظر ولا قدرت أركز ، الخوف ضربني زي الكهرباء وفجأة أغمى علي ..و رفعت عيونا عااينت ليو : حصل لي شنو؟
ماهر حاول يلين الموضوع : أول حاجة ارتاحي ، بعدين نتكلم
ميرا بإصرار : لأ ، عايزة أعرف هسي
ماهر : ميـ…
قاطعته : هسي حالاً!
اتنهد وقال بعد تردد : جاتك نوبة قلبية
م استغربت الموضوع كونها مريضة قديمة و سألت بهدوء غريب : خطيرة؟
ماهر : لأ ، الدكتورة قالت إجهاد وتوتر شديد
ميرا : من متين وأنا نايمة؟
ماهر : 12 ساعة في العناية المركزة لكن الدكتورة قالت وضعك مستقر
ميرا : يعني أنا في السليم؟
أبتسم إبتسامة خفيفة بحاول يطمنها : لسه في السليم
سكتت وفجأة أتذكرت فقالت بخلعة : والمحكمة؟
ماهر بهدوء : ارتاحي ، أجلوها أسبوع
هزت راسها بتفهم وبقت تفكر و بعد لحظات سألت : الباقين وين؟
ماهر : فهد برة
عقدت حواجبها : فهد بس؟ ، وين ضياء وأيان وليا؟
سكت ثانية حتى اتنحنح : كويسين
ميرا استغربت من إجابته وسألته بشك : أنا ما سألتك كويسين ولا لأ! ، سألت وينهم!
سكت ..
عااينت ليو جوة عيونه : في شنو يا ماهر؟ ، ضياء وين؟
اخد نفس عميق وملا صدره هواء حتى زفره وبقى يتهرب من نظرااتها ، م كاان عاارف يقول شنو أو يبدأ من وين وخاايف عليها لأنو هي صااحية من نوبة قلبية قبل دقائق وأكيد مهما كاانت قوية م ح تقدر تتحمل الحصل ..
ميرا : م رديت؟
قاام وقف فجأة : مااف شيء ي ميرا كلهم بخير ومنتظرنك برة
ميرا بعدم إقتناع : م مصدقااك!
ماهر : جادي معاك
ميرا : خليهم يدخلوا طيب
رجع قعد جنبها : دي العنااية المركزة ي ميرا يدخلوا وين؟
ميرا : طيب خلي ضياء بس يدخل ، من بعيد هناك جنب الباب ..وأشرت على الباب
ماهر نزل يدها : عاايني ، بعد تمشي الغرفة العادية ح يجو يسلموا علييك كلهم
ميرا : طيب ورا القزاز هناك ، خليني أشوفه بس
مااهر : ميرا أنا أخوك جنبك و..
قاطعته : عاارفة ، لكن عاايزة أشوف ضياء ، طريقة كلاامك م مريحااني وحااسة إنك بتكذب علي ، لو في حااجة كلمني من هسي
سكت شوية : مااف شيء
بدت تبكي : كذااب! ، ظااهر المشكلة إنك بتكذب!
سكت …
رجعت رقدت وغطت وشها بيدينها : أطلع برة لو ما عاايز تحكي لي وم تتكلم معاي تاني!
مااهر عااين ليها مساافة وقاام وقف ف نزلت يدينها بسرعة : بجد عاايز تمشي؟
ماهر : م انتِ قلتي كده!
ميرا : الله يرضى علييك قول لي في شنو!
مااهر نزل عليها بحنية وبقى بمسح دموعهاا : مااف شيء ي ميرا ، دايرك تطمني وترتااحي كلهم برة ومنتظرنك تبقي كويسة بس
سكتت حتى سألت بصوت خاافت : وح أطلع متين؟
مااهر : بعد الدكتور يفحصك ح نعرف ، تمام؟
هزت راسها بسكاات ، ف باس رأسها وضغط الجرس و قعد مااسك يدها لحدي م الدكتورة جات حتى قاام طلع برة ومشى قعد في كراسي الانتظار جنب فهد الكاان قاعد و رأسه مسنود على الحيط وسرحاان بعييد وبعد لحظاات صمت طويلة فهد همس من غير م يتلفت …
– كلمتها؟
ماهر هز راسه بلأ …
فهد : أحسن
ماهر اتلفت عليو : مشيت شوفت أيان؟
هز رأسه بإيجااب ..
ماهر : بقى كيف؟
فهد : أتحسن ، ادوه درب تاني و ليا معاهُ ، عندو هبوط حااد ..واتلفت على مااهر : ده كله خوف بس!
ماهر ضحك بخفة مُرة : من حقه يخااف ، كان بينه وبين الموت شعرة
فهد : ما كلنا كده؟
اتنهد : أيوة ، لكن أيان شااف المووت بعيوونه
فهد : ولو ما إنتو كان ماات
ماهر أبتسم إبتساامة صغيرة : م أنا ، عمي مصطفى هو الضرب القااتل المأجور دااك ، أساساً أنا اتأخرت بسببه لأنو أتصل لي وطلب مني اجي اسوقه المحكمة لأنو عربيته عطلت في الطريق قريب من بيتي ف مشيت سوقته ولمن وصلت مكتب ميرا لقيت الرااجل دااك رافع المسدس في ضياء و أيان ، من حد نفسي م بكذب والله اتصدمت واتشليت لكن عمي نزل بسرعة وضرب الرااجل رصااصة في ضهره في آخر لحظة ، لكن بعد يدو ضغطت الزناد بس الحمدلله إنو هو كاان فاقد توازن والرصااصة زااغت منهم وإلا كان ضربت أيان في قلبه مباشرةً
فهد تمتم : الحمدلله ..وسكت ثوااني حتى سأل : ومصطفى؟
ماهر : بحققوا معاهُ وح يطلعوا بكرة الصبااح ، لأنو سلاحه مرخص و الرااجل أعترف إنو كاان ناوي يقتل ضياء لكن م قال الرسله منو وقال إنو رسلوا ليو القروش والصورة والموقع بس
فهد : برادلي
مااهر هز رأسه بإيجاب : وم اكتفى م كده ، أتخيل إنو الحاالة الوصلت ليها ميرا بسببه برضو
فهد عدل قعدته : كيف كيف؟
ماهر : مش قلت لي إنو جااتها الحالة بعد شاافت التلفون؟
فهد : ااي ، في رقم غريب رسل ليها صورة لكن لمرة وااحدة ومعااها رسالة ، أنا قريت الرساالة لكن م عاارف الصورة محتوااها شنو
ماهر : جُمان بتي الصغيرة
فهد : بتك؟
مااهر : صورة مفبركة ل بتي وهي مذ.بوحة عشاان يخوفوا ميرا
فهد : لقوا الحرق م نفع قالوا يجلطوها أحسن؟
ماهر : ونجحوا ، ميرا عمرها م خافت كده ، حتى يوم خطفوها كانت أقوى من الليلة
فهد : لأنو م كاانوا داايرين يأذوا إنسان هي بتحبه ، الفقد حار خصوصًا ل إنسان أقرب من الهواء بالنسبة ليك
ماهر سكت ثوااني واتلفت قداامه وقال ببرود : ده الحس بيه ضياء برضو؟
رجع عااين قدامه : أظن ، خاف يفقد أيان عشاان كده سلم نفسه
ماهر : ميرا من صحت سألت منو فقررت اخليها بعد تتحسن اكلمها ، ده لو صبرت!
فهد : وح تصبر كيف وهي بتحبه؟
م رد ..
فهد اتلفت وبقى مركز في ملامح ماهر ومنتظر رده : إنت مضايق من علاقتهم؟
ماهر اتنهد تنهيدة طويلة و زفر : أنا ك أخوها أيوة بكره ضياء! ، لأنو كان سبب في شللها ومضاايقني تعلقها الشديد فيو وفي نفس الوقت كنت شااهد على حُبها ليو ، بتذكر ميرا لمن صحت من الحادث وهي صغيرة أول زول سألت منو كان ضياء واتضطريت أكذب وفضلت تسأل منو كل يوم وكل م تمر فترة وأقول نست بترجع تتذكره ، أنا م عاارف لكن أظن قصة حبهم دي اصلا كده ، م فيها لقاء كامل ..وسكت لحظة وصوته بقى أهدى : بتلاقوا في ظروف غريبة ل فترة و كل م يتلاقوا لازم يتفرقوا
فهد قال بهدوء : وهسي اتفرقوا
ماهر أبتسم إبتسامة حزينة : زي م اتلاقوا ، وكده شكلها قصتهم انتهت!
*”بعد خمسة يوم”…*
ميرا كاانت قاعدة قدامه بنظرة بااردة وقاسية عااملة بيناتهم حاجز حديدي زي القرار الأخدو من غير م يرجع ليها ، عيوناا كانت بتتهرب منو و كاان جواها ألف شعور لاافيين ، زعل ، إحباط ، وشوق م لاقي ليو طريق ..أكتر حاجة ملخبطااها كانت إنو عيونه البندقية كاانت خالية من الندم اتجاهها وبالعكس تماماً كاانت مليانة حب صافي ، نظرة طويلة دافية بدوب البرد حوالينها و بتضعفها وبتخلي قلبها يلين رغم كل الغضب ..يدينها كانوا متشابكين فوق الملف ال على الطاولة ، أصابعها بتضغط في بعض لحدي م مفاصلها ابيضت ، نفسها طالع ونازل ببطء وبتحاول تسيطر على الرجفة البسيطة البتمشي في أطراافها لكن من غير فاائدة ، كانت حاسة إنو في حاجة اتكسرت جواها لمن مااهر كلمها إنو ضياء سلم نفسه من غير ما يقول ليها ، حاجة إسمها ثقة أو يمكن أمان ..فجأة عيوناا لمعت ب الدموع ، لكن كاانت رافضة تنزلها قداامه ، م عاايزة تظهر ضعيفة لا كمحامية ولا كحبيبة ، ومع ذلك أول م عيونهم اتلاقو ، قلبها خاانها و دق بسرعة ، بحن ليو ، مشتاق ل صوته وابتسامته وحضوره القريب ..كل ثانية قداامه بتأكد ليها إنو هي زعلانة منو لكن م قادرة تبطل تحبه ف بتصر وشها أكتر وهو بعااين ليها بنفس النظرة الداافية لأنو مطمن إنو حتى بعد القرار الصعب ده قلبها لسه معاهُ ..المهم بعد عشرة دقائق كاملين من الصمت الطويل ضياء حاول يلطف الجو وقال بهدوء وإبتسامة صغيرة …
– طلعتي متين من المستشفى؟
ميرا ردت ببرود وهي بتعااين بعيد : أمس
ضياء عقد حواجبه بخفة بحاول يتظارف : طلعوك بدري ، بقيتي كويسة؟
سكتت …
ضياء وهو مرااقب تصرفاتها : أيان بقى كيف؟
عااينت ليو أخيرًا بنظرة ملياانة عتااب : ضياء م تتصرف معااي زي الكأنو م حاصل شيء ، خلينا في المهم ، ليه عملت كده؟!
اتنهد : لأنو ده الصح
انحنت ل قداام وعلت صوتها : الصح إنك تسلم نفسك من غير م تكلمني؟! ، للدرجة دي شايفني ضعيفة؟ ، شايفني م بقدر أتحمل؟!
ضياء بهدوء : عارفك م ضعيفة ي ميرا ، لكن الموضوع طلع أكبر مني ومنك
زعلت أكتر و عروق رقبتها برزت : مافي حاجة اسمها أكبر مني ومنك! ، مافي أكبر من الحقيقة في الدنيا دي!
رد بصوت مهزوز : في خوفي عليك!
سكتت ..
ضياء : شوفي حالتك ، خلي أي شيء عايني ل يدك!
وأشر ليها على الفراشة المثبتة في يدهاا ، عااينت ليها ل ثواني و بسرعة نزلت يدها تحت الطاولة وبقت تحاول تبرر موقفها …
ميرا بغضب مكبوت : م تخاف علي! ، أنا بقدر أطلعك ، بقدر أثبت براءتك ، كل الأدلة عندي!
ضياء بلع ريقه وغمض عيونه شوية بستجمع شجاعته حتى قال : مسحتها
ميرا بصدمة : شنو؟
ضياء : كلمت فهد و مااهر مسحوا كل التسجيلات من تلفوناتهم وتلفونك وتلفون ليا ومسحتهم بيدي من تلفون أيان
الزمن وقف ثانية وملامحها فضلت ثابتة ، و أخدت صنة صغيرة حتى تمتمت : م مشكلة ، عندي نسخة في اللابتوب ، بطلعها
عل صوته عليها لأول مرة : ميرا! ، إنتِ ليه م دايرة تفهمي؟!
ميرا بإنفعال : أفهم شنو! ، ااا ، أفهم شنو ي ضياء!! ، عاايزني أخليك تتسجن ظلم قداام عيوني زي زماان!! ، مستحيل! ، الوقت دااك كنت صغيرة وعااجزة لكن هسي أنا بقدر أطلعك ، أنا.. بقدر.. أطلعك!!
كلمة “بقدر” كانت طالعة من قلب موجوع و صوت مبحوح لأقصى درجة …
ضياء انحنى عليها وقال بصوت خاافت : لكن طلوعي ح يكون على حساب حيااتكم ي ميرا ، حياتك وحيااة أصحابي وحياة كل الحواالينا ، لكن لو اتسجنت الموضوع بنتهي
ميرا : م بنتهي ولا أي شيء! ، أنا م رااضية وم بقبل بحااجة زي دي!! ، العاايز يمووت يمووت لكن أنت تطلع!
ضياء : ولو الموضوع وصل أهلك؟ ، لو أذوا زول قريب منك بسبب حمايتك لي؟ ، ح تكوني مرتااحة؟
سكتت ..الكلمة وقعت في المكان الحساس و أتذكرت الصورة المفبركة ل جُمان وهنا حست بنفس اللحظة ، نفس الاختناق ، نفس ألم القلب و يدها مشت لا إراديًا ل صدرها و أنفاسها قصرت ..
ضياء لاحظ التغيير وقال بثقة موجعة : شوفتي؟ ، ده القاصدو أنا!
رفعت عيوناا وبقت تحدّر ليو مسااافة و عروقها باارزة من الغضب ، شوية شوية الدموع اتجمعوا في عيونا وم كملوا ثوااني نزلوا وفجأة غطت وشها وبقت تبكي بحرقة وعجز و زعل ، بكاء زول اتزنق في زاوية ضيقة وم عندو خيار م بيأذيه ، انتصارها في المحكمة بقى قداامه خسارة بعدين ، أي طريق تمشيو في وجع منتظرها لأنها اتختت في مكان ضيق ومعركة حتى فوزها فيها هسي عباارة عن خسارة بعدين ..ضياء مسح وشه بحزن وعااين ليها مساافة وحس بالذنب لأنو قطع عشمها لدرجة إنها انهاارت وم عاارفة ترد وهي الردها في طرف لساانها …
ضياء : أنا آسف ، عاارف إنك اتأملتي واتوقعتي إنو..
رفعت رأسها وهي بتتنهد : أنا أتوقعت إنو ح نفوز وح نطلع مع بعض من المحكمة ونحنا ماسكين يدين بعض ، وح أقدر أخيراً أعااين في عيونك من غير خوف ومن غير تفكير في الجااي ومن غير أي شيء و أقول ليك أنا بحبك قدر شنو ، لكن حتى ده حرمتني منو!
الكلمة الأخيرة طلعت شبه همسة مكسورة ..
ضياء اخد نفس عميق وغير الموضوع عشاان م يزيد وجعها وجع : بعد بكرة في المحكمة م تداافعي عني وخليك سااكتة سمعتي؟
م ردت ، بس كانت بتعاين ليو نظرة فيها ألف سؤال وألف اعتراض …
ضياء : م تخاافي علي أنا متعود على قعدة السجن دي وكلها كم سنة وح أطلع وعلى الأقل المرة دي أنا متأكد إنو في زول ح يزورني
ميرا : الكم سنة دي ح تدمر مسيرتك المهنية كلها ، كل التعب التعبتو والمكاانة الوصلت ليها ح تتبخر في الهواء!
ضياء : م مشكلة بعد م أطلع ح أحاول أعمل حااجة تانية!
انفجرت : حااجة تانية شنو!! ، حااجة تانية شنو!! ، أنت جرااح! ، أشهر جرااح في مجالك!! ، والأول في مستواك!! وأفضل من كل الناس اللي في عمرك ، ح تعمل حااجة شنو مثلاً!! ، تنقلب صياد ولا نجار!
م رد وهي سكتت ثوااني حتى حاولت تقنعه تااني …
ميرا برجااء : ضيـ..
قاطعها بصوت حاسم قطع الخيط الأخير : أنا آسف ي ميرا ، انتهى الموضوع ..وقام وقف قبل م تلحق تجهز كلماتها حتى اتلفت عليها وقال ببرود : لو بتحبيني حتى لو شوية ، بعد بكرة إياك تتكلمي في المحكمة
ميرا بهمس : ضياء!
م رد و مشى دق الباب و الحارس فتح ليو وسااقوا مشوا سواا ، وميرا فضلت قااعدة قلبها بين نارين ، تحميه ولا تطيعه؟ ..اتجمدت في محلها ثوااني ، عيوناا كاانت معلقة في المكان المشى بيه كأنو ممكن يرجع لو م حركت جفونها لكن م رجع ..مسكتها قشعريرة فجأة من الإحساس القاسي الحستو ، من إنها اتمنعت حتى من حق الكلام ومن حق الدفاع عنو ، شفايفها انفصلت عن بعض من غير صوت و كلمة “ضياء” كاانت لسه معلقة فيها لا طلعت ولا اتبلعت بس وااقفة في النص زيها بالضبط ..حاولت تاخد نفس ، لكن الهواء دخل نصه بس و وقف والبااقي كان كله وجع ، هو م بس مشى ، هو طلب منها تتخلى عنه ، طلب منها تسكت ، طلب منها تشوفه بضيع وم تتحرك ، وده كان أقسى من كلمة “انتهى” بالنسبة ليها ، في اللحظة دي استوعبت فجأة إنو م دايمًا الحمااية معنااها نكون قريبين من بعض أحياناً حتى الإنفصال حماية ، وهنا اختفت ميرا المحامية ، اختفت ميرا القوية ، اختفت ميرا البتعرف تواجه القضاة والملفات والاتهامات وبقت بس حبيبة مجروحة لقت حبيبها بعد سنين وخسرته تااني في نفس اللحظة ..بعد مسافة أخدت نفس عمييق ومسحت دموعها وطلعت من الغرفة ونظراات الحرااس متاابعاها ومستغربين من الحالة اللي هي فيها ..ميرا طلعت من السجن و وقفت كرسيها في الرصيف منتظرة تااكسي عشان تمشي البيت أو عااملة فيها منتظرة لأنها كاانت سرحاانة وبتفكر بعيد ، في اللحظة دي تلفوونا رن وخلعها ف طلعتو من شنطتها وعااينت لقتو ده مااهر ف اتنهدت و ردت بصوت مبحوح …
– ااي ي ماهر
ماهر : انتِ كويسة؟
الجملة دي حركت وجعها كله ف ختت يدها في خشمها واخدت نفس عميق وبلعت البكية وقالت بصوت خاافت : ااي كويسة
مااهر : طلعتي؟
بلعت ريقها وهي بتمسح دموعها : ااي طلعت ، بفتش في تاكسي هسي رااجعة على البيت
مااهر عرف من صوتها إنو هي بتبكي لكن م ضغط عليها و حاول يطمنها : ميرا ، أنا عارف قدر شنو كنتِ متعلقة بيو ، وقدر شنو قلبك كان ساابقك و متخيلة اللحظة قبل م تحصل ولمن م حصلت حسيتي كأنو الدنيا وقفت فجأة ، كأنو في حااجة كبيرة اتكسرت جوااك ، لكن خليني أقول ليك حاجة بهدوء شديد ، الخسارة م معناها إنك أقل ، ولا معناها إن تعبك رااح ساي ، ولا معناها إنو ربنا قال ليك “لا” للأبد ، أحيانًا هي بس تأجيل أو توجيه لطريق م شايفنو هسي ، الحياة م سباق بنفوز فيو كل مرة ، الحياة موجات مرة فوق و مرة تحت ، ومراات الخسارة دي ذاتها بتكون الحاجه البتعمل فينا الفرق الحقيقي ، الوجع رغم مراارته جميل بطريقته الغريبة ، بعلمنا نصبر ي ميرا ، بعلمنا نعرف نفسنا أكتر ، بعلمنا نختار نقوى ، ونرجع نقيف بعد م نفتكر إنو خلاص وقعنا ، الوجع بخلينا أعمق و أصدق و و أوعى ، لو كل حاجة جات زي م نحن دايرين ، يمكن م كنا اتعلمنا معنى الاجتهاد ولا قيمة الانتظار ولا طعم الفرح الحقيقي لمن يجي بعد تعب ، ميرا فشلك في حاجة وااحدة م بعرَّفك ، اللحظة دي م بتحدد مستقبلك ، وانكساارك ده م نهاية الحكاية ، ده فصل بس ولسه بااقي الفصول أجمل ، إنتِ قوية أكتر من م انتِ متخيلة والحااجة البتستاهلك ح تجيك في وقتها الصااح ، ويمكن الحاجة الحصلت دي كانت بس بتجهزك ل حاجة أكبر وأنسب ل روحك ، خلي حزنك يمر م تكتمي ، أبكي لو دايرة تبكي ، أزعلي ، أتكلمي لكن م تصدقي للحظة إنك خسراانة في الحياة كلها ، دي تجربة وح تعدي وح تخليك أمتن ، وأنا فخور بيك عشان أنا شوفت محاولاتك ، شوفت شغفك ، شوفت تعبك ، الحياة م وعدتنا بفوز داائم ، لكن وعدتنا بنمو ، و تجاارب وفرص جديدة كل يوم ، وأنا وااثق إنو جاايك يوم تضحكي على اللحظة دي وتعرفي إنها كانت نقطة التحول م النهاية و ربنا يجبر خااطرك جبرًا يليق بقلبك ي أختي
ميرا بعد سمعت كلاامه ده كله سكتت ثوااني وانفجرت بكاء في التلفون …
ماهر بحنية : شاايف روز والبنات من قبيل بقوموا وبقعوا شكلهم بجهزوا ليك في قعدة حلوة ، تعالي بيتك ي ميرا نحنا منتظرينك
ميرا وهي بتبتسم وسط دموعها : حااضر!
وقفلت الخط وغمضت عيونا وهنا للمرة الأولى في حيااتها شاافت ملامح ضياء وهو صغير ، أتذكرت ذكريااتهم كلها من أول مرة اتكلموا فيها لحدي آخر مرة لمن اتلاقوا وجهًا لوجه وهم صغار ، في اللحظة ديك واللحظة ديك تحديداً هي عرفت واتأكدت إنو الحب دخل قلبها من خلال عيون بندقية بريئة من طفل صغير خجول ..
ميرا فتحت عيونا وهمست بينها وبين نفسها : دي م مجرد قضية بالنسبة لي ، ده البيت الكنت عُمري كله بتخيله وبحلم بيه!
و رجعت عااينت ل تلفونها مساافة وهنا شاافت اشعار جديد ، قرتو كوويس حتى دخلت جهات الإتصال و بحثت و دخلت على آخر رقم أتوقعت تتصل ليو وضغطت إتصال و رد من أول جرس ، ومجرد م خلصت مكاالمتها فجأة تلفونا رن قبل م تدخلوا الشنطة ف رجعت رفعتو واتفاجات إنو رقم غريب …
اترردت ثواني حتى ردت بهدوء : الو؟
الطرف التاني : ميرا محمد محي الدين؟
ميرا باللهجة البريطانية : نعم أنا ميرا محمد محي الدين من يتحدث؟
الطرف التاني : أنا وليد أخو ضياء
ميرا بإستغراب : وليد؟؟
وليد : أيوة ، ممكن نتلاقى؟ ، ضروري!
*”بعد يومين”..*
*”المحكمة”..*
القاعة كانت ملياانة هدوء مشوش كأنو كل الناس وااقفة على شفير المووت ، ميرا قااعدة في كرسيها المتحرك في الصف الأول و عيوونا مثبتة قداامها ومتجااهلة الكل مع إنو قلبها بضرب زي الطبلة من الخوف ، خصوصًا بعد م رغد هربت وم عرفوا ليها طريق و المحامي أسعد انسحب في اللحظة الأخيرة و دكتور أكرم رفض يجي المحكمة ودكتور العائلة الكاان عند مصطفى كمان اختفى ، يعني م فضل ليهم زول غير مصطفى وهو لسه تحت التحقيق و ليا القااعدة في الصف التااني جنب أيان وفهد وطبعاً شهاادتها برااها م بتكفي ، يعني ميرا جااية من غير شهود ومن غير أدلة ومن غير دعم بس جااية تنفذ وعدها ل ضياء وتحضر الجلسة من غير م تتكلم ، وفي الجهة القصاادها كان موجود برادلي وهو لابس نظاراته الشمسية وعلى شمااله سكرتيره أدريان وعلى يمينه مرته وقداامه جيش محاامين منتظرين المحااكمة و وشوشهم فيها إبتسامة نصر ..بعد ربع ساعة كده القاضي دخل القاعة والمحكمة بدت و أول شيء بدا الإدعاء ..
محامي الادعاء “الأصهب” قاام وقف وضحك ضحكة شماتة وااضحة وقال كلاام كتيير وفي الختاام قال : سيداتي وسادتي ، الليلة ح نتكلم عن قضية ما فيها أي دليل ملموس ولا فيها شهود ثابتين ..واتلفت عااين ل ميرا و ضحك باستهزاء : قضية وااضحة من بداايتها لكن ضيعنا عليها أكتر من ستة شهور ع الفااضي ، وحتى المحاامية نفسها مقتنعة بالكلام ده لدرجة إنها م قالت ولا حرف الليلة!
ميرا عااينت ليو بطرف عيونا وعااينت ل ضياء أشر ليها بعيونه تسكت ف أخدت نفس عمييق و رجعت ثبتت نظرها قداامها ، و بقت سااكتة و بتسمع كل كلمة بقولها الإدعاء وكل م توجعهاا كلمة تعااين ل ضياء وهو بأشر ليها تسكت ….
الادعاء قال ببرود وهو قااصد يستفزها : حقيقة الطفل ضاعت بسبب الإهمال ، إهمال الجراح دااك!! ..وأشر في ضياء ..واتلفت عااين ل ميرا : وهي قااعدة هنا بتحاول تثبت حاجة مستحيلة وتنفي تهمة وااضحة زي عين الشمس!
ومشى اخد أوراق من طاولته و رفع ملف القضية قداام الكل ، كأنه بقول إنو كل الأوراق بين يدينه يعني كل شيء محسوم …
أد الملف للقاضي وأبتسم بسخرية : شهودها انسحبوا فجأة! ، اختفوا! ، كأنهم م كانوا موجودين أصلاً!
هنا الهمساات ملت القااعة حتى القاضي رفع حاجبه وركز و أدريان عااين ل ميرا بإبتسامة نصر وهي بتعااين قداامها بس …
الادعاء قرب من ميرا أكتر وقال بصوت هاادي : وأنتِ ي حضرة المحاامية اكييد كنتِ عاارفة الحقيقة بإعتباارك محامية موكلي الساابقة لكن اخترتي الصمت بسبب انحيازك وده قرار مكلف ..و رفع رأسه وجه بااقي كلامه ل ضياء
ميرا بلعت ريقهاا وم ردت ، كانت بتتخيل كل كلمة وهي بتجرح ضياء ، كانت حااسة بكمية الضغط اللي هو حااسي بيه وده خلى دموعها قربت تنزل لكن اتمااسكت …
الادعاء أتقدم خطوة على منصة القاضي وقال بصوت عاالي : اسمعوني هنا! ، المحكمة دي م بتقبل المشاعر! ، م بتقبل العواطف! ، م بتقبل الصمت!
القاعة كلها صنت وأصوات حركة بعض المحامين والمساعدين حقنو وهم بدوا الأوراق وبرجعوا كاانت الوحيدة اللي بتكسر الصمت ..ميرا مسكت يدين الكرسي حقها بقوة بتحاول تحافظ على هدوءها لكن نبض قلبها كان بزيد مع كل ثانية …
الادعاء كمل : حقيقة هذه القضية واضحة ، وكل محااولة لإخفاء الحقيقة م ح تنفع! ..ورجع يبتسم بسخرية : وكمان ، اللي حاول يشهد!! ، انسحب!! ، يعني مافي شيء ، لا دليل ، لا شهود!! ، مجرد كلام فاضي!!
هنا ميرا نزلت عيوونا في الأرض وهي بتستوعب كمية الظلم اللي حوالينها واللي هي مجبورة تتحمله ..
وبعد دقيقة من الصمت الادعاء وقف وعااين للقاعة كلها وقال : لذلك المحكمة م عندها خيار غير إنو تنظر للحقائق العندي أنا!! ، ولذلك سيداتي وسادتي بعد كل الكلام ده و بعد كل الأدلة القدمتهاا و الشهود الاعترفوا وماضي الجرااح وحالته الغير متزنة ، واستهتاره بحياة المريض ..و سكت دقيقة بستمتع بتأثير كلامه على الكل خصوصاً ضياء الكاان بعااين ليو : أنا بطلب من المحكمة أن يتم تطبيق أقصى العقوبات الممكنة عليه!
وبكده أنهى مرافعته وسكت ..القاضي كتب في دفتره والادعاء رجع طاولته قعد بفخر والضحكة من الضرس للضرس ..ميرا عااينت ليو بطرف عيونا وهي حااسة دمها بغلي لكن برضو كاانت عارفة إنو ردها لازم يكون محسوب وم يظهر إلا وقت الدفااع بس ، القاضي نزل نظاراته ل أرنبة أنفه وعااين ليها منتظر ردها وكل الحضور بقوا مركزين معااها وكل نفس في القاعة بقى منتظر كلمة منها ..وهي حست رغم المرض والضعف ، إنو اللحظة دي ح تحدد مصير القضية وكلمة وااحدة منها ممكن تنهي ده كله …
القاضي عااين ل ميرا بنظرة حاادة وقال بصوت عاالي : محامي الدفاع ، عندك أي كلمة دايرة تضيفيها؟
ميرا عااينت ل ضياء وهو هز رأسه بلأ ، ف رجعت عااينت قداامها وأخدت نفس عميق وقربت كرسيها المتحرك خطوة ل قداام وقالت بصوت كان واهن شوية من التعب : نعم يا سيادة القاضي ، عندي شااهد سري وبتقدم بطلب حضوره!
القاعة كلها اتصدمت ، النااس كلها مستغربة من كلمة “سري”، أولهم ضياء اللي عااين ل فهد وأيان وليا وسألهم بعيونه وهم رفعوا أكتافهم بمعنى “م عاارفين!” ..
محامي الإدعاء بإستغرااب : شاهد سري؟ ، المحكمة استمعت لكل الشهاداات ي مولاانا!
ميرا عااينت ليو بثقة غريبة : شاهدي ده م كان ممكن يظهر قبل اللحظة دي
القاضي هز رأسه ببطء كأنو بفكر : تمام ، المحكمة تسمح بحضور الشااهد السري ، على أن يتم تقديمه تحت إشراف المحكمة مباشرةً ، جهزو كل الإجراءات اللازمة لذلك
ميرا حست بإرتيااح بسيط وقلبها نبض بقوة ، الشاهد ده ممكن يكون نقطة التحول في القضية كلهاا ، هنا هي اتنهدت و شدت يدها على يدين كرسيها المتحرك وحاولت تسيطر على ارتجااف صوتها وهمست ل نفسها : اللحظة دي ممكن تكون آخر فرصة عشان أثبت براءته
القاضي اتلفت على محامي الإدعاء : هل لدى الإدعاء أي اعتراض؟
فجأة الادعاء رفع حاجبه وأبتسم ب استهزاء : لأ ي مولانا ، شاهد سري ح يغير شنو؟
ميرا عااينت ليو وم ردت ، بس نظرااتها كانت مليانة تحدي وعيوناا بتقول “انتظر وشوف بنفسك!”…
القاضي هز راس وأعلن : ح نبدأ الإجراءات فوراً والشاهد السري ح يتم استدعاؤه حالاً!!
هنا قلب ميرا بقى بدق بسرعة من التوتر ، وبقت تااخد نفس ورا بعض عشاان تهدأ لأنها عارفة إنو اللحظة الجاية ح تكشف كل شيء ..
القاضي اتكل بظهره في الكرسي ومسك القلم : إسم الشاهد؟
ميرا سكتت ثانية وبلعت ريقها حتى اتلفتت جنبها وهي بتعااين ليو و قالت بإبتسامة نصر : السيد برادلي لوكاس! ، والد الطفل أليكس!
“الحدث غير المتوقع ليس نهاية الطريق، بل كسره ..ومن بين الشقوق قد يتسرب معنى جديد للحياة”..
يتبع .
لم تكن الحياة يومًا خطًّا مستقيمًا كما نتوهم في طفولتنا ، ولا دربًا واضح المعالم كما نرسمه في أحلامنا الأولى ..
بل إنها سلسلة من المنعطفات الحادة ، من الالتواءات التي لا تُنذر قبل وقوعها ، ومن الأقدار التي تتسلل إلينا في هيئة صُدف ، ثم تكتشف لاحقًا أنها كانت مخططة بعنايةٍ تفوق إدراك البشر ..
كم من حقيقةٍ ظننّاها نهائية ، فإذا بها سراب! ، وكم من فراقٍ بكيناه دهورًا ، فإذا به كان استراحةً قصيرة قبل عودةٍ أعنف ، وكم من قلبٍ أقسم أن يحتمل ، فإذا به يسقط أمام لحظةٍ واحدةٍ من الصدمة! ..
المشاعر ليست متجاورة كما نظن؛ إنها متداخلة ، متشابكة ، متصارعة ..فقد يجتمع الحبُ والخوف في نبضةٍ واحدة ، ويتصافح الأمل واليأس في صدرٍ واحد ، ويختلط الانتقام بالحنين حتى يعجز المرء عن التمييز بين ما يريد وما يخشاه ..
في لحظةٍ واحدة ، قد يتحول الإنسان من مقاتلٍ صلب إلى كائنٍ هش ، من شاهدٍ على المعركة إلى ضحيةٍ في قلبها ، من صاحب قرارٍ إلى جسدٍ عاجزٍ تحت رحمة جهازٍ يقيس نبضه ، وكل ذلك من أجل القمر الوحيد الذي يضيءُ ليله ♡..
*”في المساء”..*
كانت المستشفى في تلك الليلة ، عالمًا منفصلًا عن الخارج ، الجدران بيضاء إلى حد البرودة ،
لا تحمل أثرًا لضحكةٍ ولا ظلًّا لذكرى ، الضوء الفلوري يتدلى من السقف كقمرٍ صناعي لا يعرف الغروب ، باردًا و قاسيًا كأنه يفضح كل ضعفٍ بشري تحت وهجه ، رائحة المعقمات تملأ المكان ، رائحةٌ حادة ، تختلط فيها الطمأنينة بالخوف؛ فهي تعني الأمان وتعني في الوقت نفسه أن الألم مر من هنا! ..كانت الأجهزة مصطفة بجانب الأسّرة ، شاشاتٌ خضراء تُظهر خطوطًا متعرجة ، كلُ خطٍّ منها إعلانٌ صامتٌ عن أن القلب ما يزال يقاوم ، صوتٌ منتظم يخترق السكون “بيب.. بيب.. بيب..” ، إيقاعٌ ميكانيكي يحلُ محلَ الموسيقى ، كأن الحياة اختُزلت في نبضةٍ إلكترونية ..خلف الزجاج الشفاف ، كان الأطباء يتحركون بهدوءٍ مدروس ، وجوههم متماسكة ، خطواتهم سريعة لكن غير مضطربة ، فقد تعلموا أن يفصلوا بين قلوبهم ومهنتهم ، وأن لا يسمحوا لشفقتهم أن تُربك أيديهم ..
وفي إحدى غرف العنايةِ المُركزة ، كانت ميرا ترقد ساكنة ، وجهها الذي اعتاد الصلابة بدا شاحبًا كأن الدم انسحب منه فجأةً وتركه للضوء البارد ، خصلاتُ شعرها مبعثرةٌ فوق الوسادة البيضاء ، وعلى صدرها يرتفع وينخفض أنبوبٌ شفاف يمدها بالأكسجين وسط أسلاك جهاز القلب ، يدها اليسرى كانت موصولةً بإبرةٍ رفيعة تتدلى منها المغذيات قطرةٌ.. ثم أخرى.. كأن الزمن نفسه يُقاس بتلك القطرات ..جسدها بدا هادئًا ، لكن ذلك الهدوء لم يكن سلامًا؛ كان أشبه بهدنةٍ مؤقتة بين قلبٍ أرهقته الصدمات وعقلٍ رفض أن ينهار ..
داخلها ، كانت الفوضى لا تزال قائمة ، صورٌ متقطعة تمر في عمق وعيها ..قاعة المحكمة ، الرسالة ، الإسم الذي يخشاه قلبها أكثر مما يعترف ، الخوف الذي لم تمنح نفسها فرصة الشعور به ، كان الألم الذي ضرب صدرها أشبه بقبضةٍ غير مرئية ، عصرت قلبها حتى كاد يتوقف! ..لم يكن مجرد وجعٍ جسدي؛ كان صدمةً عاطفية انفجرت في أكثر نقطةٍ هشاشة ، الخوف عليه.. ، الخوف منه.. ، الخوف من فقدانه مرّةً أخرى بعد أن عاد من موتٍ ظنته حقيقيًا ..واحدٌ وعشرون عامًا من الحُزن المكبوت ، من الذكرى المدفونة ، من الطفلة التي فقدت نصف روحها في لحظةٍ واحدة ..كلها اجتمعت دفعةً واحدة في صدر امرأةٍ ظنت أنها تجاوزت الماضي ، لكن الماضي لا يُهزم بسهولة ، هو ينتظر لحظة ضعفٍ واحدة ، ليذكرك بأنه لم يغادر قط! ..
خارج الغرفة ، كان القلق يسير على قدمين ، وجوهٌ متوترة ، أنفاسٌ محبوسة ، أعينٌ تراقب باب العناية المركزة ، لكن داخل الغرفة ، كان الصمت أعمق ، حتى فجأةً.. تغير إيقاع الجهاز قليلًا ، خطٌ متعرج ارتفع ثم استقر ، أصابعها تحركت حركةً خفيفة بالكاد تُرى ، ارتجافٌ بسيط في جفنها كأن روحها التي ابتعدت قليلًا قررت أن تعود ، تنفسها ازداد عمقًا ، وجفونها الثقيلة ارتفعت ببطءٍ مؤلم ، الضوء أزعجها ، حاولت أن تركز ، السقف الأبيض ، الصوت المنتظم ، الرائحة المعقمة ، وإحساسٌ ثقيل في قلبها يذكرها أن ما حدث لم يكن حلمًا ..رمشت مرةً ، ثم مرةً أخرى ، وفجأةً تذكرت ما حدث فنهضت بعنف وجلست تنظر حولها بخوف وقبل أن تدرك أين هي ، فُتح باب الغرفة ببطء و دلف أخوها بهدوء وهو يحمل بعض الأدوية حتى رفع رأسه فجأةً وصُعق عند رؤيتها جالسة ، توقف للحظة ثم توجه نحوها بسرعة ، جلس بقربها ، احتضنها بقوة ، فتفلتت من حضنه بسرعة ، ثم نزعت قناع الأوكسجين بعنف وسألت بصوتٍ مرتجف و نبرةٍ مليئةٍ بالرعب …
– جُمان كويسة؟
ماهر بإستغرااب : جُمان؟ ، جُمان بتي؟ ، مالا جُمان؟
هنا دموعها سبقتها وم قدرت تشرح ولا لقت كلمات منااسبة ، بس بقت تردد الإسم كأنها بتتأكد إنو لسه موجود في الدنيا : جُماان!.. هو.. جُمان!..
وصوتها اتكسر وبكت بحرقة ، بكاء زول مفجوع م بكاء زعل عادي! ..
ماهر قرب منها بقلق وااضح وحضنها وهي رقدت في حضنه : ميرا استهدي بالله ، أنا م فاهم كلامك لكن جُماان كويسة
قامت من حضنه بسرعة و هزت رأسها بنفي عنيف وهي بترجف ، بعداك مسكت يده بيدينها الاتنين وقالت بهستيريا : م كويسة! ، م كويسة!
قلبه وقع لكن حاول يثبت صوته : كويسة والله العظيم ، أنا أتكلمت معااهم قبل شوية
هزت رأسها بلأ ..
ف اضطر طلع تلفونه من جيبه بسرعة واتصل على روز مكالمة فيديو وهي ردت من أول جرس وهي وااقفة في المطبخ ..
روز وصوتها مشحون بالقلق : ماذا حدث؟ ، هل ميرا بخير؟
ماهر : لا تقلقي ، إنها بخير فقط..
قاطعته : إذن سآتي حالاً! ..وطلعت من المطبخ
ماهر رفع يده ووقفها بسرعة : لا ، لا داعي لذلك ، ليس الآن ، هل يمكنني التحدث مع جُمان؟
وقفت في محلها وقالت بإستغرااب : جُمان؟
ماهر : أجل
روز : إنها نائمة بغرفتها
رفع عيونه ل ميرا الكانت نظرااتها مليانة شك و ملامحها متيبسة بعدم تصديق …
ورجع قال ل روز : هل يمكنك تصوريها؟
روز عقدت حواجبها بشك : ما الأمر؟
ماهر : سأشرح لك لاحقًا ، أرجوك قومي بذلك الآن
سكتت لحظة وهزت رأسها مواافقة ومشت على غرفة جُمان ، فتحت الباب برفق و دخلت ولقت جمان نايمة في سريرها عاادي ، حاضنة عروستهاا الصغيرة و شعرها مفروش في المخدة ببراءة وملامح مطمئنة ، روز قربت وقعدت جنبها و قلبت الكاميرا عليها وبقت تصورها ..هنا ماهر أدى التلفون ل ميرا وهي قلعتو منو بسرعة ومسكته بيدينا الاتنين وعااينت بدهشة ، أول م شافت الصورة شهقت شهقة خفيفة وحضنت التلفون وزفرت زفرة طويلة بإرتيااح ، حمدت ربها وبقت تبكي بصمت وهي م قاادرة تصدق إنو الصورة الرسلوها ليها في المحكمة طلعت كذبة مفبركة وكابوس بس ..بعد اطمنت و عااينت للفيديو كويس رجعت التلفون ل ماهر وهو قفل الخط بسرعة قبل م روز تسأله أي سؤال ، بعداك سكت لحظة بعااين ليها من فوق ل تحت وهي بتحاول تكتم لكن م قاادرة و وشها بقى أحمر من البكاء …
ماهر بهدوء حذر : ممكن تشرحي لي؟
م ردت ، كانت لسه بترتب أنفاسها ..
ماهر : ميرا مالك؟ ، الحصل ليك شنو في المحكمة؟ ، ومالا جُمان؟
نزلت عيوناا وأخدت نفس عميق جمعت شتات نفسها حتى ردت بصوت واطي : رسلوا لي صورة مفبركة ل جُمان وهي مذ.بوحة في مستودع ولمن شوفتها م قدرت أتحمل المنظر ولا قدرت أركز ، الخوف ضربني زي الكهرباء وفجأة أغمى علي ..و رفعت عيونا عااينت ليو : حصل لي شنو؟
ماهر حاول يلين الموضوع : أول حاجة ارتاحي ، بعدين نتكلم
ميرا بإصرار : لأ ، عايزة أعرف هسي
ماهر : ميـ…
قاطعته : هسي حالاً!
اتنهد وقال بعد تردد : جاتك نوبة قلبية
م استغربت الموضوع كونها مريضة قديمة و سألت بهدوء غريب : خطيرة؟
ماهر : لأ ، الدكتورة قالت إجهاد وتوتر شديد
ميرا : من متين وأنا نايمة؟
ماهر : 12 ساعة في العناية المركزة لكن الدكتورة قالت وضعك مستقر
ميرا : يعني أنا في السليم؟
أبتسم إبتسامة خفيفة بحاول يطمنها : لسه في السليم
سكتت وفجأة أتذكرت فقالت بخلعة : والمحكمة؟
ماهر بهدوء : ارتاحي ، أجلوها أسبوع
هزت راسها بتفهم وبقت تفكر و بعد لحظات سألت : الباقين وين؟
ماهر : فهد برة
عقدت حواجبها : فهد بس؟ ، وين ضياء وأيان وليا؟
سكت ثانية حتى اتنحنح : كويسين
ميرا استغربت من إجابته وسألته بشك : أنا ما سألتك كويسين ولا لأ! ، سألت وينهم!
سكت ..
عااينت ليو جوة عيونه : في شنو يا ماهر؟ ، ضياء وين؟
اخد نفس عميق وملا صدره هواء حتى زفره وبقى يتهرب من نظرااتها ، م كاان عاارف يقول شنو أو يبدأ من وين وخاايف عليها لأنو هي صااحية من نوبة قلبية قبل دقائق وأكيد مهما كاانت قوية م ح تقدر تتحمل الحصل ..
ميرا : م رديت؟
قاام وقف فجأة : مااف شيء ي ميرا كلهم بخير ومنتظرنك برة
ميرا بعدم إقتناع : م مصدقااك!
ماهر : جادي معاك
ميرا : خليهم يدخلوا طيب
رجع قعد جنبها : دي العنااية المركزة ي ميرا يدخلوا وين؟
ميرا : طيب خلي ضياء بس يدخل ، من بعيد هناك جنب الباب ..وأشرت على الباب
ماهر نزل يدها : عاايني ، بعد تمشي الغرفة العادية ح يجو يسلموا علييك كلهم
ميرا : طيب ورا القزاز هناك ، خليني أشوفه بس
مااهر : ميرا أنا أخوك جنبك و..
قاطعته : عاارفة ، لكن عاايزة أشوف ضياء ، طريقة كلاامك م مريحااني وحااسة إنك بتكذب علي ، لو في حااجة كلمني من هسي
سكت شوية : مااف شيء
بدت تبكي : كذااب! ، ظااهر المشكلة إنك بتكذب!
سكت …
رجعت رقدت وغطت وشها بيدينها : أطلع برة لو ما عاايز تحكي لي وم تتكلم معاي تاني!
مااهر عااين ليها مساافة وقاام وقف ف نزلت يدينها بسرعة : بجد عاايز تمشي؟
ماهر : م انتِ قلتي كده!
ميرا : الله يرضى علييك قول لي في شنو!
مااهر نزل عليها بحنية وبقى بمسح دموعهاا : مااف شيء ي ميرا ، دايرك تطمني وترتااحي كلهم برة ومنتظرنك تبقي كويسة بس
سكتت حتى سألت بصوت خاافت : وح أطلع متين؟
مااهر : بعد الدكتور يفحصك ح نعرف ، تمام؟
هزت راسها بسكاات ، ف باس رأسها وضغط الجرس و قعد مااسك يدها لحدي م الدكتورة جات حتى قاام طلع برة ومشى قعد في كراسي الانتظار جنب فهد الكاان قاعد و رأسه مسنود على الحيط وسرحاان بعييد وبعد لحظاات صمت طويلة فهد همس من غير م يتلفت …
– كلمتها؟
ماهر هز راسه بلأ …
فهد : أحسن
ماهر اتلفت عليو : مشيت شوفت أيان؟
هز رأسه بإيجااب ..
ماهر : بقى كيف؟
فهد : أتحسن ، ادوه درب تاني و ليا معاهُ ، عندو هبوط حااد ..واتلفت على مااهر : ده كله خوف بس!
ماهر ضحك بخفة مُرة : من حقه يخااف ، كان بينه وبين الموت شعرة
فهد : ما كلنا كده؟
اتنهد : أيوة ، لكن أيان شااف المووت بعيوونه
فهد : ولو ما إنتو كان ماات
ماهر أبتسم إبتساامة صغيرة : م أنا ، عمي مصطفى هو الضرب القااتل المأجور دااك ، أساساً أنا اتأخرت بسببه لأنو أتصل لي وطلب مني اجي اسوقه المحكمة لأنو عربيته عطلت في الطريق قريب من بيتي ف مشيت سوقته ولمن وصلت مكتب ميرا لقيت الرااجل دااك رافع المسدس في ضياء و أيان ، من حد نفسي م بكذب والله اتصدمت واتشليت لكن عمي نزل بسرعة وضرب الرااجل رصااصة في ضهره في آخر لحظة ، لكن بعد يدو ضغطت الزناد بس الحمدلله إنو هو كاان فاقد توازن والرصااصة زااغت منهم وإلا كان ضربت أيان في قلبه مباشرةً
فهد تمتم : الحمدلله ..وسكت ثوااني حتى سأل : ومصطفى؟
ماهر : بحققوا معاهُ وح يطلعوا بكرة الصبااح ، لأنو سلاحه مرخص و الرااجل أعترف إنو كاان ناوي يقتل ضياء لكن م قال الرسله منو وقال إنو رسلوا ليو القروش والصورة والموقع بس
فهد : برادلي
مااهر هز رأسه بإيجاب : وم اكتفى م كده ، أتخيل إنو الحاالة الوصلت ليها ميرا بسببه برضو
فهد عدل قعدته : كيف كيف؟
ماهر : مش قلت لي إنو جااتها الحالة بعد شاافت التلفون؟
فهد : ااي ، في رقم غريب رسل ليها صورة لكن لمرة وااحدة ومعااها رسالة ، أنا قريت الرساالة لكن م عاارف الصورة محتوااها شنو
ماهر : جُمان بتي الصغيرة
فهد : بتك؟
مااهر : صورة مفبركة ل بتي وهي مذ.بوحة عشاان يخوفوا ميرا
فهد : لقوا الحرق م نفع قالوا يجلطوها أحسن؟
ماهر : ونجحوا ، ميرا عمرها م خافت كده ، حتى يوم خطفوها كانت أقوى من الليلة
فهد : لأنو م كاانوا داايرين يأذوا إنسان هي بتحبه ، الفقد حار خصوصًا ل إنسان أقرب من الهواء بالنسبة ليك
ماهر سكت ثوااني واتلفت قداامه وقال ببرود : ده الحس بيه ضياء برضو؟
رجع عااين قدامه : أظن ، خاف يفقد أيان عشاان كده سلم نفسه
ماهر : ميرا من صحت سألت منو فقررت اخليها بعد تتحسن اكلمها ، ده لو صبرت!
فهد : وح تصبر كيف وهي بتحبه؟
م رد ..
فهد اتلفت وبقى مركز في ملامح ماهر ومنتظر رده : إنت مضايق من علاقتهم؟
ماهر اتنهد تنهيدة طويلة و زفر : أنا ك أخوها أيوة بكره ضياء! ، لأنو كان سبب في شللها ومضاايقني تعلقها الشديد فيو وفي نفس الوقت كنت شااهد على حُبها ليو ، بتذكر ميرا لمن صحت من الحادث وهي صغيرة أول زول سألت منو كان ضياء واتضطريت أكذب وفضلت تسأل منو كل يوم وكل م تمر فترة وأقول نست بترجع تتذكره ، أنا م عاارف لكن أظن قصة حبهم دي اصلا كده ، م فيها لقاء كامل ..وسكت لحظة وصوته بقى أهدى : بتلاقوا في ظروف غريبة ل فترة و كل م يتلاقوا لازم يتفرقوا
فهد قال بهدوء : وهسي اتفرقوا
ماهر أبتسم إبتسامة حزينة : زي م اتلاقوا ، وكده شكلها قصتهم انتهت!
*”بعد خمسة يوم”…*
ميرا كاانت قاعدة قدامه بنظرة بااردة وقاسية عااملة بيناتهم حاجز حديدي زي القرار الأخدو من غير م يرجع ليها ، عيوناا كانت بتتهرب منو و كاان جواها ألف شعور لاافيين ، زعل ، إحباط ، وشوق م لاقي ليو طريق ..أكتر حاجة ملخبطااها كانت إنو عيونه البندقية كاانت خالية من الندم اتجاهها وبالعكس تماماً كاانت مليانة حب صافي ، نظرة طويلة دافية بدوب البرد حوالينها و بتضعفها وبتخلي قلبها يلين رغم كل الغضب ..يدينها كانوا متشابكين فوق الملف ال على الطاولة ، أصابعها بتضغط في بعض لحدي م مفاصلها ابيضت ، نفسها طالع ونازل ببطء وبتحاول تسيطر على الرجفة البسيطة البتمشي في أطراافها لكن من غير فاائدة ، كانت حاسة إنو في حاجة اتكسرت جواها لمن مااهر كلمها إنو ضياء سلم نفسه من غير ما يقول ليها ، حاجة إسمها ثقة أو يمكن أمان ..فجأة عيوناا لمعت ب الدموع ، لكن كاانت رافضة تنزلها قداامه ، م عاايزة تظهر ضعيفة لا كمحامية ولا كحبيبة ، ومع ذلك أول م عيونهم اتلاقو ، قلبها خاانها و دق بسرعة ، بحن ليو ، مشتاق ل صوته وابتسامته وحضوره القريب ..كل ثانية قداامه بتأكد ليها إنو هي زعلانة منو لكن م قادرة تبطل تحبه ف بتصر وشها أكتر وهو بعااين ليها بنفس النظرة الداافية لأنو مطمن إنو حتى بعد القرار الصعب ده قلبها لسه معاهُ ..المهم بعد عشرة دقائق كاملين من الصمت الطويل ضياء حاول يلطف الجو وقال بهدوء وإبتسامة صغيرة …
– طلعتي متين من المستشفى؟
ميرا ردت ببرود وهي بتعااين بعيد : أمس
ضياء عقد حواجبه بخفة بحاول يتظارف : طلعوك بدري ، بقيتي كويسة؟
سكتت …
ضياء وهو مرااقب تصرفاتها : أيان بقى كيف؟
عااينت ليو أخيرًا بنظرة ملياانة عتااب : ضياء م تتصرف معااي زي الكأنو م حاصل شيء ، خلينا في المهم ، ليه عملت كده؟!
اتنهد : لأنو ده الصح
انحنت ل قداام وعلت صوتها : الصح إنك تسلم نفسك من غير م تكلمني؟! ، للدرجة دي شايفني ضعيفة؟ ، شايفني م بقدر أتحمل؟!
ضياء بهدوء : عارفك م ضعيفة ي ميرا ، لكن الموضوع طلع أكبر مني ومنك
زعلت أكتر و عروق رقبتها برزت : مافي حاجة اسمها أكبر مني ومنك! ، مافي أكبر من الحقيقة في الدنيا دي!
رد بصوت مهزوز : في خوفي عليك!
سكتت ..
ضياء : شوفي حالتك ، خلي أي شيء عايني ل يدك!
وأشر ليها على الفراشة المثبتة في يدهاا ، عااينت ليها ل ثواني و بسرعة نزلت يدها تحت الطاولة وبقت تحاول تبرر موقفها …
ميرا بغضب مكبوت : م تخاف علي! ، أنا بقدر أطلعك ، بقدر أثبت براءتك ، كل الأدلة عندي!
ضياء بلع ريقه وغمض عيونه شوية بستجمع شجاعته حتى قال : مسحتها
ميرا بصدمة : شنو؟
ضياء : كلمت فهد و مااهر مسحوا كل التسجيلات من تلفوناتهم وتلفونك وتلفون ليا ومسحتهم بيدي من تلفون أيان
الزمن وقف ثانية وملامحها فضلت ثابتة ، و أخدت صنة صغيرة حتى تمتمت : م مشكلة ، عندي نسخة في اللابتوب ، بطلعها
عل صوته عليها لأول مرة : ميرا! ، إنتِ ليه م دايرة تفهمي؟!
ميرا بإنفعال : أفهم شنو! ، ااا ، أفهم شنو ي ضياء!! ، عاايزني أخليك تتسجن ظلم قداام عيوني زي زماان!! ، مستحيل! ، الوقت دااك كنت صغيرة وعااجزة لكن هسي أنا بقدر أطلعك ، أنا.. بقدر.. أطلعك!!
كلمة “بقدر” كانت طالعة من قلب موجوع و صوت مبحوح لأقصى درجة …
ضياء انحنى عليها وقال بصوت خاافت : لكن طلوعي ح يكون على حساب حيااتكم ي ميرا ، حياتك وحيااة أصحابي وحياة كل الحواالينا ، لكن لو اتسجنت الموضوع بنتهي
ميرا : م بنتهي ولا أي شيء! ، أنا م رااضية وم بقبل بحااجة زي دي!! ، العاايز يمووت يمووت لكن أنت تطلع!
ضياء : ولو الموضوع وصل أهلك؟ ، لو أذوا زول قريب منك بسبب حمايتك لي؟ ، ح تكوني مرتااحة؟
سكتت ..الكلمة وقعت في المكان الحساس و أتذكرت الصورة المفبركة ل جُمان وهنا حست بنفس اللحظة ، نفس الاختناق ، نفس ألم القلب و يدها مشت لا إراديًا ل صدرها و أنفاسها قصرت ..
ضياء لاحظ التغيير وقال بثقة موجعة : شوفتي؟ ، ده القاصدو أنا!
رفعت عيوناا وبقت تحدّر ليو مسااافة و عروقها باارزة من الغضب ، شوية شوية الدموع اتجمعوا في عيونا وم كملوا ثوااني نزلوا وفجأة غطت وشها وبقت تبكي بحرقة وعجز و زعل ، بكاء زول اتزنق في زاوية ضيقة وم عندو خيار م بيأذيه ، انتصارها في المحكمة بقى قداامه خسارة بعدين ، أي طريق تمشيو في وجع منتظرها لأنها اتختت في مكان ضيق ومعركة حتى فوزها فيها هسي عباارة عن خسارة بعدين ..ضياء مسح وشه بحزن وعااين ليها مساافة وحس بالذنب لأنو قطع عشمها لدرجة إنها انهاارت وم عاارفة ترد وهي الردها في طرف لساانها …
ضياء : أنا آسف ، عاارف إنك اتأملتي واتوقعتي إنو..
رفعت رأسها وهي بتتنهد : أنا أتوقعت إنو ح نفوز وح نطلع مع بعض من المحكمة ونحنا ماسكين يدين بعض ، وح أقدر أخيراً أعااين في عيونك من غير خوف ومن غير تفكير في الجااي ومن غير أي شيء و أقول ليك أنا بحبك قدر شنو ، لكن حتى ده حرمتني منو!
الكلمة الأخيرة طلعت شبه همسة مكسورة ..
ضياء اخد نفس عميق وغير الموضوع عشاان م يزيد وجعها وجع : بعد بكرة في المحكمة م تداافعي عني وخليك سااكتة سمعتي؟
م ردت ، بس كانت بتعاين ليو نظرة فيها ألف سؤال وألف اعتراض …
ضياء : م تخاافي علي أنا متعود على قعدة السجن دي وكلها كم سنة وح أطلع وعلى الأقل المرة دي أنا متأكد إنو في زول ح يزورني
ميرا : الكم سنة دي ح تدمر مسيرتك المهنية كلها ، كل التعب التعبتو والمكاانة الوصلت ليها ح تتبخر في الهواء!
ضياء : م مشكلة بعد م أطلع ح أحاول أعمل حااجة تانية!
انفجرت : حااجة تانية شنو!! ، حااجة تانية شنو!! ، أنت جرااح! ، أشهر جرااح في مجالك!! ، والأول في مستواك!! وأفضل من كل الناس اللي في عمرك ، ح تعمل حااجة شنو مثلاً!! ، تنقلب صياد ولا نجار!
م رد وهي سكتت ثوااني حتى حاولت تقنعه تااني …
ميرا برجااء : ضيـ..
قاطعها بصوت حاسم قطع الخيط الأخير : أنا آسف ي ميرا ، انتهى الموضوع ..وقام وقف قبل م تلحق تجهز كلماتها حتى اتلفت عليها وقال ببرود : لو بتحبيني حتى لو شوية ، بعد بكرة إياك تتكلمي في المحكمة
ميرا بهمس : ضياء!
م رد و مشى دق الباب و الحارس فتح ليو وسااقوا مشوا سواا ، وميرا فضلت قااعدة قلبها بين نارين ، تحميه ولا تطيعه؟ ..اتجمدت في محلها ثوااني ، عيوناا كاانت معلقة في المكان المشى بيه كأنو ممكن يرجع لو م حركت جفونها لكن م رجع ..مسكتها قشعريرة فجأة من الإحساس القاسي الحستو ، من إنها اتمنعت حتى من حق الكلام ومن حق الدفاع عنو ، شفايفها انفصلت عن بعض من غير صوت و كلمة “ضياء” كاانت لسه معلقة فيها لا طلعت ولا اتبلعت بس وااقفة في النص زيها بالضبط ..حاولت تاخد نفس ، لكن الهواء دخل نصه بس و وقف والبااقي كان كله وجع ، هو م بس مشى ، هو طلب منها تتخلى عنه ، طلب منها تسكت ، طلب منها تشوفه بضيع وم تتحرك ، وده كان أقسى من كلمة “انتهى” بالنسبة ليها ، في اللحظة دي استوعبت فجأة إنو م دايمًا الحمااية معنااها نكون قريبين من بعض أحياناً حتى الإنفصال حماية ، وهنا اختفت ميرا المحامية ، اختفت ميرا القوية ، اختفت ميرا البتعرف تواجه القضاة والملفات والاتهامات وبقت بس حبيبة مجروحة لقت حبيبها بعد سنين وخسرته تااني في نفس اللحظة ..بعد مسافة أخدت نفس عمييق ومسحت دموعها وطلعت من الغرفة ونظراات الحرااس متاابعاها ومستغربين من الحالة اللي هي فيها ..ميرا طلعت من السجن و وقفت كرسيها في الرصيف منتظرة تااكسي عشان تمشي البيت أو عااملة فيها منتظرة لأنها كاانت سرحاانة وبتفكر بعيد ، في اللحظة دي تلفوونا رن وخلعها ف طلعتو من شنطتها وعااينت لقتو ده مااهر ف اتنهدت و ردت بصوت مبحوح …
– ااي ي ماهر
ماهر : انتِ كويسة؟
الجملة دي حركت وجعها كله ف ختت يدها في خشمها واخدت نفس عميق وبلعت البكية وقالت بصوت خاافت : ااي كويسة
مااهر : طلعتي؟
بلعت ريقها وهي بتمسح دموعها : ااي طلعت ، بفتش في تاكسي هسي رااجعة على البيت
مااهر عرف من صوتها إنو هي بتبكي لكن م ضغط عليها و حاول يطمنها : ميرا ، أنا عارف قدر شنو كنتِ متعلقة بيو ، وقدر شنو قلبك كان ساابقك و متخيلة اللحظة قبل م تحصل ولمن م حصلت حسيتي كأنو الدنيا وقفت فجأة ، كأنو في حااجة كبيرة اتكسرت جوااك ، لكن خليني أقول ليك حاجة بهدوء شديد ، الخسارة م معناها إنك أقل ، ولا معناها إن تعبك رااح ساي ، ولا معناها إنو ربنا قال ليك “لا” للأبد ، أحيانًا هي بس تأجيل أو توجيه لطريق م شايفنو هسي ، الحياة م سباق بنفوز فيو كل مرة ، الحياة موجات مرة فوق و مرة تحت ، ومراات الخسارة دي ذاتها بتكون الحاجه البتعمل فينا الفرق الحقيقي ، الوجع رغم مراارته جميل بطريقته الغريبة ، بعلمنا نصبر ي ميرا ، بعلمنا نعرف نفسنا أكتر ، بعلمنا نختار نقوى ، ونرجع نقيف بعد م نفتكر إنو خلاص وقعنا ، الوجع بخلينا أعمق و أصدق و و أوعى ، لو كل حاجة جات زي م نحن دايرين ، يمكن م كنا اتعلمنا معنى الاجتهاد ولا قيمة الانتظار ولا طعم الفرح الحقيقي لمن يجي بعد تعب ، ميرا فشلك في حاجة وااحدة م بعرَّفك ، اللحظة دي م بتحدد مستقبلك ، وانكساارك ده م نهاية الحكاية ، ده فصل بس ولسه بااقي الفصول أجمل ، إنتِ قوية أكتر من م انتِ متخيلة والحااجة البتستاهلك ح تجيك في وقتها الصااح ، ويمكن الحاجة الحصلت دي كانت بس بتجهزك ل حاجة أكبر وأنسب ل روحك ، خلي حزنك يمر م تكتمي ، أبكي لو دايرة تبكي ، أزعلي ، أتكلمي لكن م تصدقي للحظة إنك خسراانة في الحياة كلها ، دي تجربة وح تعدي وح تخليك أمتن ، وأنا فخور بيك عشان أنا شوفت محاولاتك ، شوفت شغفك ، شوفت تعبك ، الحياة م وعدتنا بفوز داائم ، لكن وعدتنا بنمو ، و تجاارب وفرص جديدة كل يوم ، وأنا وااثق إنو جاايك يوم تضحكي على اللحظة دي وتعرفي إنها كانت نقطة التحول م النهاية و ربنا يجبر خااطرك جبرًا يليق بقلبك ي أختي
ميرا بعد سمعت كلاامه ده كله سكتت ثوااني وانفجرت بكاء في التلفون …
ماهر بحنية : شاايف روز والبنات من قبيل بقوموا وبقعوا شكلهم بجهزوا ليك في قعدة حلوة ، تعالي بيتك ي ميرا نحنا منتظرينك
ميرا وهي بتبتسم وسط دموعها : حااضر!
وقفلت الخط وغمضت عيونا وهنا للمرة الأولى في حيااتها شاافت ملامح ضياء وهو صغير ، أتذكرت ذكريااتهم كلها من أول مرة اتكلموا فيها لحدي آخر مرة لمن اتلاقوا وجهًا لوجه وهم صغار ، في اللحظة ديك واللحظة ديك تحديداً هي عرفت واتأكدت إنو الحب دخل قلبها من خلال عيون بندقية بريئة من طفل صغير خجول ..
ميرا فتحت عيونا وهمست بينها وبين نفسها : دي م مجرد قضية بالنسبة لي ، ده البيت الكنت عُمري كله بتخيله وبحلم بيه!
و رجعت عااينت ل تلفونها مساافة وهنا شاافت اشعار جديد ، قرتو كوويس حتى دخلت جهات الإتصال و بحثت و دخلت على آخر رقم أتوقعت تتصل ليو وضغطت إتصال و رد من أول جرس ، ومجرد م خلصت مكاالمتها فجأة تلفونا رن قبل م تدخلوا الشنطة ف رجعت رفعتو واتفاجات إنو رقم غريب …
اترردت ثواني حتى ردت بهدوء : الو؟
الطرف التاني : ميرا محمد محي الدين؟
ميرا باللهجة البريطانية : نعم أنا ميرا محمد محي الدين من يتحدث؟
الطرف التاني : أنا وليد أخو ضياء
ميرا بإستغراب : وليد؟؟
وليد : أيوة ، ممكن نتلاقى؟ ، ضروري!
*”بعد يومين”..*
*”المحكمة”..*
القاعة كانت ملياانة هدوء مشوش كأنو كل الناس وااقفة على شفير المووت ، ميرا قااعدة في كرسيها المتحرك في الصف الأول و عيوونا مثبتة قداامها ومتجااهلة الكل مع إنو قلبها بضرب زي الطبلة من الخوف ، خصوصًا بعد م رغد هربت وم عرفوا ليها طريق و المحامي أسعد انسحب في اللحظة الأخيرة و دكتور أكرم رفض يجي المحكمة ودكتور العائلة الكاان عند مصطفى كمان اختفى ، يعني م فضل ليهم زول غير مصطفى وهو لسه تحت التحقيق و ليا القااعدة في الصف التااني جنب أيان وفهد وطبعاً شهاادتها برااها م بتكفي ، يعني ميرا جااية من غير شهود ومن غير أدلة ومن غير دعم بس جااية تنفذ وعدها ل ضياء وتحضر الجلسة من غير م تتكلم ، وفي الجهة القصاادها كان موجود برادلي وهو لابس نظاراته الشمسية وعلى شمااله سكرتيره أدريان وعلى يمينه مرته وقداامه جيش محاامين منتظرين المحااكمة و وشوشهم فيها إبتسامة نصر ..بعد ربع ساعة كده القاضي دخل القاعة والمحكمة بدت و أول شيء بدا الإدعاء ..
محامي الادعاء “الأصهب” قاام وقف وضحك ضحكة شماتة وااضحة وقال كلاام كتيير وفي الختاام قال : سيداتي وسادتي ، الليلة ح نتكلم عن قضية ما فيها أي دليل ملموس ولا فيها شهود ثابتين ..واتلفت عااين ل ميرا و ضحك باستهزاء : قضية وااضحة من بداايتها لكن ضيعنا عليها أكتر من ستة شهور ع الفااضي ، وحتى المحاامية نفسها مقتنعة بالكلام ده لدرجة إنها م قالت ولا حرف الليلة!
ميرا عااينت ليو بطرف عيونا وعااينت ل ضياء أشر ليها بعيونه تسكت ف أخدت نفس عمييق و رجعت ثبتت نظرها قداامها ، و بقت سااكتة و بتسمع كل كلمة بقولها الإدعاء وكل م توجعهاا كلمة تعااين ل ضياء وهو بأشر ليها تسكت ….
الادعاء قال ببرود وهو قااصد يستفزها : حقيقة الطفل ضاعت بسبب الإهمال ، إهمال الجراح دااك!! ..وأشر في ضياء ..واتلفت عااين ل ميرا : وهي قااعدة هنا بتحاول تثبت حاجة مستحيلة وتنفي تهمة وااضحة زي عين الشمس!
ومشى اخد أوراق من طاولته و رفع ملف القضية قداام الكل ، كأنه بقول إنو كل الأوراق بين يدينه يعني كل شيء محسوم …
أد الملف للقاضي وأبتسم بسخرية : شهودها انسحبوا فجأة! ، اختفوا! ، كأنهم م كانوا موجودين أصلاً!
هنا الهمساات ملت القااعة حتى القاضي رفع حاجبه وركز و أدريان عااين ل ميرا بإبتسامة نصر وهي بتعااين قداامها بس …
الادعاء قرب من ميرا أكتر وقال بصوت هاادي : وأنتِ ي حضرة المحاامية اكييد كنتِ عاارفة الحقيقة بإعتباارك محامية موكلي الساابقة لكن اخترتي الصمت بسبب انحيازك وده قرار مكلف ..و رفع رأسه وجه بااقي كلامه ل ضياء
ميرا بلعت ريقهاا وم ردت ، كانت بتتخيل كل كلمة وهي بتجرح ضياء ، كانت حااسة بكمية الضغط اللي هو حااسي بيه وده خلى دموعها قربت تنزل لكن اتمااسكت …
الادعاء أتقدم خطوة على منصة القاضي وقال بصوت عاالي : اسمعوني هنا! ، المحكمة دي م بتقبل المشاعر! ، م بتقبل العواطف! ، م بتقبل الصمت!
القاعة كلها صنت وأصوات حركة بعض المحامين والمساعدين حقنو وهم بدوا الأوراق وبرجعوا كاانت الوحيدة اللي بتكسر الصمت ..ميرا مسكت يدين الكرسي حقها بقوة بتحاول تحافظ على هدوءها لكن نبض قلبها كان بزيد مع كل ثانية …
الادعاء كمل : حقيقة هذه القضية واضحة ، وكل محااولة لإخفاء الحقيقة م ح تنفع! ..ورجع يبتسم بسخرية : وكمان ، اللي حاول يشهد!! ، انسحب!! ، يعني مافي شيء ، لا دليل ، لا شهود!! ، مجرد كلام فاضي!!
هنا ميرا نزلت عيوونا في الأرض وهي بتستوعب كمية الظلم اللي حوالينها واللي هي مجبورة تتحمله ..
وبعد دقيقة من الصمت الادعاء وقف وعااين للقاعة كلها وقال : لذلك المحكمة م عندها خيار غير إنو تنظر للحقائق العندي أنا!! ، ولذلك سيداتي وسادتي بعد كل الكلام ده و بعد كل الأدلة القدمتهاا و الشهود الاعترفوا وماضي الجرااح وحالته الغير متزنة ، واستهتاره بحياة المريض ..و سكت دقيقة بستمتع بتأثير كلامه على الكل خصوصاً ضياء الكاان بعااين ليو : أنا بطلب من المحكمة أن يتم تطبيق أقصى العقوبات الممكنة عليه!
وبكده أنهى مرافعته وسكت ..القاضي كتب في دفتره والادعاء رجع طاولته قعد بفخر والضحكة من الضرس للضرس ..ميرا عااينت ليو بطرف عيونا وهي حااسة دمها بغلي لكن برضو كاانت عارفة إنو ردها لازم يكون محسوب وم يظهر إلا وقت الدفااع بس ، القاضي نزل نظاراته ل أرنبة أنفه وعااين ليها منتظر ردها وكل الحضور بقوا مركزين معااها وكل نفس في القاعة بقى منتظر كلمة منها ..وهي حست رغم المرض والضعف ، إنو اللحظة دي ح تحدد مصير القضية وكلمة وااحدة منها ممكن تنهي ده كله …
القاضي عااين ل ميرا بنظرة حاادة وقال بصوت عاالي : محامي الدفاع ، عندك أي كلمة دايرة تضيفيها؟
ميرا عااينت ل ضياء وهو هز رأسه بلأ ، ف رجعت عااينت قداامها وأخدت نفس عميق وقربت كرسيها المتحرك خطوة ل قداام وقالت بصوت كان واهن شوية من التعب : نعم يا سيادة القاضي ، عندي شااهد سري وبتقدم بطلب حضوره!
القاعة كلها اتصدمت ، النااس كلها مستغربة من كلمة “سري”، أولهم ضياء اللي عااين ل فهد وأيان وليا وسألهم بعيونه وهم رفعوا أكتافهم بمعنى “م عاارفين!” ..
محامي الإدعاء بإستغرااب : شاهد سري؟ ، المحكمة استمعت لكل الشهاداات ي مولاانا!
ميرا عااينت ليو بثقة غريبة : شاهدي ده م كان ممكن يظهر قبل اللحظة دي
القاضي هز رأسه ببطء كأنو بفكر : تمام ، المحكمة تسمح بحضور الشااهد السري ، على أن يتم تقديمه تحت إشراف المحكمة مباشرةً ، جهزو كل الإجراءات اللازمة لذلك
ميرا حست بإرتيااح بسيط وقلبها نبض بقوة ، الشاهد ده ممكن يكون نقطة التحول في القضية كلهاا ، هنا هي اتنهدت و شدت يدها على يدين كرسيها المتحرك وحاولت تسيطر على ارتجااف صوتها وهمست ل نفسها : اللحظة دي ممكن تكون آخر فرصة عشان أثبت براءته
القاضي اتلفت على محامي الإدعاء : هل لدى الإدعاء أي اعتراض؟
فجأة الادعاء رفع حاجبه وأبتسم ب استهزاء : لأ ي مولانا ، شاهد سري ح يغير شنو؟
ميرا عااينت ليو وم ردت ، بس نظرااتها كانت مليانة تحدي وعيوناا بتقول “انتظر وشوف بنفسك!”…
القاضي هز راس وأعلن : ح نبدأ الإجراءات فوراً والشاهد السري ح يتم استدعاؤه حالاً!!
هنا قلب ميرا بقى بدق بسرعة من التوتر ، وبقت تااخد نفس ورا بعض عشاان تهدأ لأنها عارفة إنو اللحظة الجاية ح تكشف كل شيء ..
القاضي اتكل بظهره في الكرسي ومسك القلم : إسم الشاهد؟
ميرا سكتت ثانية وبلعت ريقها حتى اتلفتت جنبها وهي بتعااين ليو و قالت بإبتسامة نصر : السيد برادلي لوكاس! ، والد الطفل أليكس!
“الحدث غير المتوقع ليس نهاية الطريق، بل كسره ..ومن بين الشقوق قد يتسرب معنى جديد للحياة”..
يتبع .