روايات رومانسية

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الرابع عشر 14 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الرابع عشر 14 بقلم تقي حامد 

تقلبت في فراشها حين وصلها رنين هاتفها إلى الحُلم، فالتقطته وفتحت الخط ووضعته على أذنها وما زالت في وضع النوم، وقالت بصوتٍ ناعس أجش:
-مين؟
-أنا فهد
اعتدلت على الفراش ببطءٍ وهي تفرك عينها بنعاسٍ:
-عايز إيه دلوقتي!
-عايز أشوفك.
نظرت لهاتفها بتفاجؤ ثم عادت تضعه على أذنها وتقول بضيقٍ:
-تشوف إيه يا بني آدم الساعة ٣ بليل!
-أنا تحت بيتك، انزليلي بعلبة إسعافات.
ثم أغلق الخط، فنظرت للهاتف بصدمة:
-تحت بيتي؟؟ عرف بيتي منين ده!
مرت عليه دقائق وهو ينتظر أسفل العمارة في الظلام الحالك، حتى رأى شبح لجسدٍ هزيل ملتحف بإسدالٍ مشجر واسع وفضفاض، أشارت لها ليقترب ففعل، أعطته ظهرها وصعدت تجلس على سلالم العمارة وتنتظر إقترابه، وما إن تسنى لها رؤيته في الضوء وهو يجلس حتى شهقت بصدمة حين رؤيتها لكدمات وجهه والدماء الجافة عليه:
-هي طحنتك تاني؟!
تأفف حانقًا:
-حسني ملافظك بقا!
هزت رأسها يمنى ويسرى بقلة حيلة، وفتحت علبة الإسعافات لتحضر قطنة مبللة بمطهر وتربت بها على جروحه برفقٍ:
-مين اللي عمل فيك كده؟!
-شديت مع أخويا.
-شديت إيه ده إنت اتشديت.
حدجها بغضبٍ، فوضعت الضماضة وهي تقول بسخرية:
-انا مش فاهمة إنتو مبتعرفوش تتفاهموا بالبؤق؟ لازم تضربوا بعض! ثقافة الكلام مش عندكم خالص ولا إنتو متربين وسط الديوك!
-عالجيني وإنتي ساكتة.
أنهت تطبيب جروحه، ثم جلست تنظر له بتركيزٍ، فسألها:
-متبصليش كده!
-بسبب قدر صح؟
أشاح ببصره بعيدًا، فاستأنفت:
-إنتو بتلفوا ورا بعض في دايرة مفرغة، مش عارفين تمسكوا بعض، ومش هتعرفوا طول ما إنتو مش متفاهمين.
-أعمله إيه يعني! خليه دلدول.
عقدت حاجبيها بحدة:
-عيب كده متقولش على أخوك دلدول!
نكس رأسه بحرج، وكأنه طفل يتلقى التوبيخ من معلمته..
-حاولوا تتفاهموا مع بعض إنتو أخوات، الهطل ده يعملوه إتنين أصحاب بيتخانقوا على بنت، مش أخوات وبينهم دم لأ وكمان توأم!
صمت وهو يسمع عتابها، فنهضت تحتضن علبة الإسعافات:
-روح نام..
استدارت لتصعد ولكنها تراجعت تسأله:
-إنت عرفت عنوان بيتي إزاي؟؟
تحسس جرحه بألمٍ:
-بمية جنيه.
اتسعت عينيها دهشةً:
-إيه؟؟؟
نهض ينفض ثيابه من غبار الدرج:
-آه والله اديت مية جنيه للراجل اللي ع البوابة في المستشفى دخل جابلي عنوانك.
هزت رأسها يمنى ويسرى بعدم تصديقٍ متمتمة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
التفتت لتصعد وهي تعطيه ظهرها قائلة:
-متجيش هنا تاني.
فاعتلى ثغره بسمة مرحة، قبل أن يستدير ويخرج من العمارة موصدًا بابها خلفها.
***
فتحت باب الثلاجة وأخرجت الزجاجة لترتشف القليل، وعند إغلاقها الباب شهقت برعبٍ حين رأته بقامته الطويلة واقفًا أمامها يحدجها بنظراته المرعبة، فازدردت لعابها وقالت:
-واقف كده ليه!
وضعت الزجاجة على الطاولة، والتفتت تجلب كوب، فيما تحدث هو:
-بتجُري شكل يُسر ليه فضيلة؟
وضعت الكوب على الطاولة ورفعت عينيها له بسخرية:
-وأنا هجُر شكلها ليه؟ مراتك هي اللي مش متربية.
-لأ هي متربية، ومتربية أحسن منك كمان.
عضت على شفتها السفلى بضيقٍ:
-إنت عايز إيه دلوقتي!
اقترب منها خطوة فتراجعت ألفٍ برعبٍ:
-أنا لو زهقت منك هدفنك تحت البيت ده ومحدش هيحس ولا هياخد باله! فمتختبريش صبري يا فضيلة ، أنا لو صابر فأنا صابر عشانها..من غيرها وحياة ربنا ما كنت سيبتك تكملي يوم واحد في البيت ده! اتقي شري وابعدي عنها..
تحسست رقبتها حين استشعرت خطورة الموقف، وعنه فمال عليها وخرج صوته كالفحيح مُخيفًا ويُثير الرجفة في الأبدان:
-دي مرات شاهين الحلواني، الشعرة منها قُصادها حياتك!
2
انتصب واقفًا بصلابة، وابتسم بثقةٍ:
-فالمسي منها شعرة، وأنا أخليكِ قرعة!
طالع الغل المنبثق من عينيها ببرودٍ واستطرد بسؤالٍ:
-وصلت يا فضيلة؟!
أومأت عدة مراتٍ بذعرٍ، فغادر المطبخ وتركها تجز على أسنانها غلًا، سرعان ما أخرجت هاتفها من جيب منامتها واتصلت على أختها التي أجابت بنعاسٍ:
-فيه إيه؟!
-إنتِ لسه تعرفي الدكتورة إياها؟
-عايزة إيه يا فضيلة!
غامت عينيها في سحابة من السواد والحقد، وسعت بخطواتٍ حثيثة لتنفيذ مخططها البشع.
فنح باب الغرفة على أمل أن يجدها نائمة، فيجذبها لأحضانه سرًا دون وعي منها، لكنها كانت تنتظره..
بثيابها لم تبدلها، وقفت أمامها وأردفت:
-محتاجين نتكلم يا شاهين.
خلع سترته ببرودٍ:
-مفيش حاجة نتكلم فيها..
جذبته من ذراعه بقوةٍ حتى التفت لها بأعين متسعة بغضبٍ، فصرخت:
-لأ فيه، فيه حاجات كتير محتاجين نتكلم فيها، فيه إن عقابك قاسي يا شاهين! سمحت لواحدة غيري تحضنك! سمحت لواحدة تلمسك يا شاهين!
نفضت ذراعه مبتسمًا بسخرية:
-طب ما إنتِ سمحتِ لغيري يلمسك! قابلتي راجل من ورايا ومكلفتيش نفسك تقوليلي!
-إنت مش زعلان على كده، إنت زعلان عشان مقولتلكش صح؟
صمت، ولصمته الإجابة، فتابعت وهي تتحسس ذراعه باستعطافٍ:
-يا شاهين أنا مرضتش أقولك عشان كده، مكنتش عايزاك تضر نفسك! ده واحد ميستاهلش!
لم تلن ملامحه، فالتمعت عينيها بالدموع:
-شاهين رد عليا، متعاقبنيش على حاجة ماليش يد فيها!
ولأول مرة تراه يرمقها بتلك النظرة المخيفة:
-أنا مبتكلمش مش عشان بعاقبك، لو اتكلمت هتزعلي!
-مبزعلش منك!
ابتسم ساخرا:
-صدقيني المرادي هتزعلي.
سحب نفسه من بين يديها، وأقر بقولٍ باتر:
-جهزي نفسك بكرا عندنا حفلة بليل.
عقدت حاجبيها بغضبٍ:
-حفلة نجدة غيث مش كده!
هز منكبيه باستهزاءٍ:
-مش دي قدوتك؟؟ اللي شوفتي كل حفلاتها؟ كل تصميماتها حفظاها صم؟ لو حابة أكلمهالك في شغل أنا معنديش مانع.
-طبعًا ما إنتو بقيتوا حبايب.
التفت لها وقد فك أزرار قميصه كاملًا وابتسم باصفرارٍ:
-بالظبط.
ربعت ذراعيها بتذمرٍ:
-بس أنا مش عايزة أروح.
-مش بمزاجك كلنا رايحين، والخدم أجازة ومحدش هيبقى في البيت
ضحكت بعدم تصديقٍ:
-يعني إيه! هتوديني الحفلة غصب عني يا شاهين!
هتف ببرود وهو يكمل خلع ملابسه دون أن ينظر لها:
-كلنا رايحين، ومش هسيبك في البيت لوحدك، وآه هتنزلي غصب عنك…
ثم استدار يرمقها شزرًا واستطرد:
-يا يُسرا.
ويُسرا تعني أنه غاضب..
غاضب بشدة..
وأن نظرته المُحتِقرة هشمت المتبقي من ثباتها..
فعند دخوله للمرحاض زمجرت بغضبٍ، والتقطت زجاجة العطر المفضلة إليه، وهديته لها في كل سفرٍ له، وألقتها على المرآة، فهشمت بها زجاجها، فهي لن تجلس في غرفة وهي الوحيدة صاحبة القلب المهشم بها!
***
وقفت شادية تنظر لهيئته بصدمة، فاغرة الفاه بملامح متعجبة، تراه ينهض فيقترب منها بجسده الضخم، لتنتفض وهي تهرول لتخرج من الغرفة حتى أوقفها كفه الذي أمسك ذراعها، ونظرته السعيدة بوجودها، واحتضانه لها بقوة حاولت التملص منها لكنها فشلت لفارق القوى الجسمانية العجيب!
-ابعد عني!
ثم دفعته بقوتها كاملةً، وعندما رأى الشراسة في عينيها انكمش، وظنها كفضيلة فسألها بخوفٍ:
-أبعد ليه إنتي مش بتحبيني؟ شاهين قالي إنك بتحبيني!
أشارت إصبعها في وجهه صارخة:
-أنا مبحبش حد واوعى تفكر تقربلي!!!
انتفض من صراخها، ولحظتين وانفجر باكيًا وهو يصيح:
-عايز شاهين، أنا عايز شاهين..
ازدردت لعابها بتوجسٍ، حسنًا إذا علم شاهين فهي لن تجلس في هذا المنزل يومًا واحدًا، وسيُطرد والدها وأختيها من الشقة أيضًا!
تنفست بهدوءٍ ونظرت له :
-طب اهدى متعيطش!
وقفت بحيرة أمام هذا المنظر العجيب! جسد شاب وعقل طفل! كيف بحق الله ستتعامل مع هذا الوضع!!!
-طب بص أنا…أنا آسفة طيب!
قالتها بيأسٍ، فرفع عينيه الدامعتين لها، فإذا بنظرة بريئة تنبعث منهما..
وفي حيرة اقتربت تجلس على طرف الفراش بيأسٍ وهي تحيط رأسها بكفيها:
-أنا معرفش أنا عملت كده ليه في نفسي! أتجوز واحد مبحبوش، تعبان في مخه، وآخد شوية فلوس أصرف بيهم على أهلي! وشقة…أترحم من مرمطة المواصلات والمعاكسات، بس اترمي رمية زي دي مع عيل بيعيط على أقل حاجة وهو أطول مني أساسًا!
انهارت في البكاءٍ وانسابت دمعاتها بشفقةٍ على حالها وهي تكمل بانفعالٍ:
-ده إبتلاء ده يا ربي ولا إيه!
ثم اختض جسدها في نحيبٍ عنيف، فيما وقف عمّار ينظر لها بعدم فهمٍ، لمعت عينيه وابتسم بسعادة طفلٍ..
وبينما هي تحيط رأسها وتنكسها رأته يقرفص أمامها فانتفضت بذعرٍ، فإذا به يحمل لُعبة مجسدة لشخصية كرتونية ويعطيها لها هاتفًا:
-أنا بحب اللعبة دي، لما بزعل او بعيط بحضنها، احضنيها عشان تبطلي عياط.
صوته الأجش الذي لا يتناسب مع ما يقوله من تفاهاتٍ طفولية يُربكها، فلا تدري أتعامله طفل أم بالغ أم ماذا!
التقطتها منه بحذرٍ، فجلس أمامها على الأرض وربع قدميه ضاحكًا بسذاجة، فابتسمت بارتجافٍ على لطافته، حتى التقط كفها فانتفضت بخوفٍ، ووضعه على رأسه طالبًا منها أن تمسح على خصلاته الناعمة، ففعلت بكفٍ يرتجف، ثم سحبتها سريعًا..
نهضت فجأةً، فنهض معها، وضعت اللعبة على الفراش وقالت:
-ده حمام صح؟ هخش أغير.
أومأ وهو يتبعها بنظراته، وسار خلفها حتى وصلا لباب الحمام، فالتفتت لها بسرعة ورفعت حاجبها بحدة:
-رايح فين؟
-جاي معاكِ.
-جاي معايا فين وأنا رايحة الملاهي! اقعد هنا على ما أغير هدومي.
ذم شفتيه بحزنٍ:
-شاهين قالي عادي.
اتسعت حدقتيها بصدمةٍ:
-قالك عادي على إيه بالظبط؟؟؟؟
عدد على أصابعه:
-قالي عادي أشوفك بتغيري وعادي أستحمى معاكِ وعادي نخش سوا الـ…
1
صرخت وهي تبسط كفها على فمه:
-بـس..بس اسكت! قلة الأدب اللي فيكم دي ! يا ساتر يا رب!!
أشارت إصبعها في وجهه محذرة بقسوة:
-اسمع..مش عادي تشوفني بغير ولا عادي نستحمى مع بعض ولا عادي نـ…نِكدهو!
-يعني إيه..نِكدهو؟؟
ارتبكت وهي تفتح باب الحمام:
-مش مهم.
دخلت وهي تصفع الباب خلفها في وجهه، وسندت عليه هامسة بتوترٍ:
-يا ربي إيه الكارثة دي!
***
تثائبت دُرة وهي تدخل المطبخ، فشهقت حين رأت شاهين يجلس على الطاولة يحتضن بين يديه كوبًا من الشاي، عقدت حاجبيها بتعجبٍ متسائلة:
-إيه ده شاهين؟ بتعمل إيه في المطبخ؟
رفع كوب الشاي يرتشف منه ثم أنزله هاتفًا ببرود:
-بتشمس.
-بتتشمس إزاي ده المطبخ؟
-سؤال في محله، اسأليه لنفسك بقا عشان مش ناقصة غباء دلوقتي.
اقتربت وجلست أمامه متسائلة:
-إنتو لسه متخانقين؟ مع إنك إمبارح دافعت عنها قدام ماما يعني.
اعتلى ثغره بسمة ساخرة:
-وهو عشان متخانقين أضربها بالجزمة قدامكم يعني ولا إيه!
تأففت حانقة:
-يا عم بطل طريقة كلامك دي بقا يا ساتر!
ارتشف من كوب الشاي فيما سألت دُرة بفضولٍ:
-طب إنتو متخانقين ليه؟
-چينات فضيلة دي لو طفحت في وشي تاني هتزعلي!
ذمت شفتيها بحنقٍ، بينما ترك الكوب من يده وأشار عليه وهو ينهض:
-اغسليه.
ثم التفت ليصعد الغرفة، بينما نظرت دُرة لمكانه بصدمةٍ ونقلت بصرها للكوب!
هروبه كان مؤقتًا، فعندما وجدها في الغرفة مستيقظة خلع ملابسه وهرب للمطبخ، والآن هي نائمة، تعطيه ظهرها، ولا زال زجاج المرآة مهشمًا على الأرض، فانحنى يجمعه ببطءٍ بيديه، وألقاه في سلة المهملات، ولم ينسَ أن يُرسل للعامل ليأتي بمرآةٍ أخرى..
انحنى على الفراش وتسطح، ثم اقترب يزحف ببطءٍ وتأكد من إنتظام أنفاسها أنها نائمة، سرعان ما جذبها برفقٍ ليحتضنها دافنًا أنفه في الفراغ بين كتفها، وحينها نام قرير الأعين.
***
خرجت من المرحاض بمنامة حريرية طويلة الأكمام وبنطال طويل، فهي لن تجازف بأي ثياب أمام هذا الرجل المتنكر في هيئة طفل!
وجدته يقف منتظرًا جوار الفراش، يحتضن بين يديه كتيب صغير، يمده لها هاتفًا ببسمة:
-احكيلي قصة.
رفعت حاجبها بتشككٍ، والتقطت منه القصة بحذرٍ، وجلست على طرف الفراش، فكاد يجلس بجوارها لتنتفض واقفة وتبتعد عنه :
-رايح فين!
-هنام!
-هتنام فين إن شاء الله!!!
أشار على الفراش ببراءةٍ:
-على السرير..جنبك!
صرخت:
-جنبي!!! جنبي فين!! لأ إنت هتبقى راجل محترم كده وتنام على الأرض.
-ليه أنام على الأرض ما أنا عندي سرير!
تأففت حانقة:
-عشان أنا أنام على السرير! ولا يرضيك أنام على الأرض؟؟
-طب ما ننام إحنا الإتنين على السرير!
1
زاغت عينيها بتوترٍ وتلعثمت:
-ها؟؟؟ ما هو…ما هو مينفعش ننام جنب بعض!
تهدل كتفيه بخيبة أمل:
-شاهين قالي عادي.
زفرت بنزقٍ:
-يادي شاهين..
تنهدت بعمقٍ متمتمة:
-اهدي يا شادية، اهدي ده عيل..
ثم عادت تنظر له :
-بص، عيب ننام جنب بعض تمام؟ إنت هتنام على الأرض وأنا أنام على السرير، ماشي؟
ربع ذراعيه بعنادٍ:
-بس أنا مش عايز.
أشارت على الباب صارخة:
-والله أمشي!
هز منكبيه بلا مبالاةٍ:
-امشي.
توسعت عينيها بذهولٍ، وظلت واقفة تبحث عن طريقة تقنعه بها، حتى أردفت بيأسٍ:
-إنت ليه مش عايز تنام على الأرض!
-دي أوضتي وده سريري هنام على الأرض ليه! نامي إنتي خلي البعبع ياكلك.
-بعبع إيه! مفيش حاجة اسمها كده!
-لأ فيه وأنا مش هنام على الأرض عشان مياكلنيش.
هزت رأسها يمنى ويسرى بعدم تصديق:
-بعبع إيه اللي هياكلك يا شحط إنت بالحجم ده!
مال برأسه يسألها بفضولٍ:
-يعني إيه شحط؟؟؟
رفعت رأسها للسقف بنفاد صبرٍ وزفرت بقوة، سرعان ما التقطت الغطاء الآخر من الفراش ووسادة وفردت الغطاء ووضعت الوسادة ثم استلقت على الأرض، فتمدد هو الآخر على الفراش وقال:
-مش هتحكيلي قصة؟؟
-مش هحكيلك زفت..ونام بقا.
ذم شفتيه بحزنٍ:
-إنتِ وحشة!
-أيوه أنا وحشة.
-أنا مبحبكيش، هقول لشاهين إنك وحشة وبتعامليني وحش.
انتفضت تجلس على الأرض:
-لأ..متقولوش حاجة!
أعطاها ظهره:
-لأ هقوله.
صعدت تجلس جواره على الفراش وهي تدفعه ليواجهها :
-لا إنت ولد شاطر ومش هتفتن عليا..صح؟
أصبح في مواجهتها تمامًا، ونظر لها لبرهة، فظنت أنها اثرت عليه، إلا أنه عاود الإلتفاف:
-لأ.
نهضت واستدارت حول الفراش حتى وقفت أمامها من الطرف الآخر وقالت بقلقٍ:
-خلاص هحكيلك قصة، بس تقعد مؤدب!
فتح عين والأخرى مغلقة وقال:
– وتنامي جنبي؟؟
-لأ…أنام جنبك لأ!
ذم شفتيه بضيقٍ، فزفرت شادية بحنقٍ:
-خلاص، هقعد جنبك ولما تروح في النوم هنزل ع الأرض..تمام؟؟
أومأ بحماسٍ وتحرك لها لتجلس جواره، فجلست ببطءٍ لتراه يجذب القصة من جواره ويعطيها لها، فأمسكتها وفتحت أولى صفحاتها، ثم بدأت تتلو الحكاية..
***
صباحًا جديدًا، ودارين تحتضن جسد إبنتها الذي يختض منذ اختطافها، تستيقظ فزعة في لحظة، ثم تنام مستكينة مجددًا، تصرخ فيه أن يبتعد، وتتذكر كل لمسة وكل نظرة وكل قولٍ قاله!
والأم ملتاعة القلب والروح، عاجزة عن إنقاذ روح ابنتها، وضعيفة الحيلة..ضعيفة للغاية!
طُرق الباب، فسمحت للطارق بالدخول، وكانت سارة باسمة الوجه التي دخلت وجلست جوارها وربتت على ذراعها متسائلة:
-أريچ عاملة إيه؟؟؟
أومأت بوهنٍ:
-كويسة، شوية تصحى مفزوعة وشوية تنام مرتاحة.
تنهدت بعمقٍ، ثم تساءلت:
-سمعت إمبارح زعيق تحت، فيه حاجة حصلت؟؟
تنحنحت سارة بعدم ارتياحٍ، وباحت بتفاصيل الليلة المشؤومة:
-فادي وفهد ضربوا بعض إمبارح قدام شهد، مستحملتش وأغمى عليها.
شهقت دارين بخضةٍ وهي تُريح جسد إبنتها بعيدًا عن أحضانها:
-بتهزري!! بيتخانقوا ليه؟؟؟
صمتت سارة ولم تجب، فاستشفت دارين الإجابة وأردفت:
-بسبب قدر…مش كده؟؟
تنهدت بقلة حيلة واستطردت:
-من زمان وأنا بحذر شهد إن علاقة فهد وقدر مش زي علاقة إتنين أصحاب، وإن التعلق اللي قدر اتعلقته بفهد ده اتطربق فوق دماغهم لما فهد سافر وسابها مرتين، بس هقول إيه…أول ما فادي عرض الجواز على قدر ووافقت كأن كلامي مكانش له وجود.
-مالوش لزوم الكلام ده دلوقتي يا دارين، كلنا من البداية عارفين قدر اتعلقت بفهد قد إيه، وافتكرنا إنها فترة وهتعدي، أنا بس مش صعبان عليا غير فادي…اللي لحد دلوقتي لسه شايف إن فهد اللي بيخربها عليه.
عقدت دارين حاجبيها بضيقٍ:
-بس قدر مش سهلة برده يا سارة! قولنا هتبقى نسخة من جدتها، بس دي طلعت أسوأ! تعاملها ولبسها وشخصيتها…كل دول مختلفين تمامًا عن قدر!
-متشغليش بالك إنتِ وخليكِ في اللي إنتي فيه، رعد قرر إن أريج تبدأ تنزل عادي المدرسة، وهو هيبعت معاها حرس، وكمان انهارده بليل فيه حفلة معزومين عليها، تعالي معانا إنتي والعيال، وبكرا إن شاء الله مسافرين شرم عشان عيد ميلاد ساجد وسيرا.
عقدت حاجبيها بتعبٍ:
-مش عايزة أنا روحوا إنتو وخدوا الولاد.
ربتت على كفها بحنوٍ:
-عشان خاطري لا تيجي معانا، كلنا رايحين واهو فرصة تغيري جو.
ابتسمت دارين بسمة لم تصل لعينيها، فاعتبرتها سارة ردًا، ونهضت تغادر الغرفة وتركتها تعم في ظلامها حيث الأم تلتاع لرؤية ابنتها تتصبب عرقًا من كوابيسها المتكررة.
***
تأوهت شهد وهي تعتدل جالسة على الفراش، حيث عاونها رعد على ذلك، فجلست تستند بظهرها للخلف فيما وضع على ساقيها صينية الطعام، مجبرًا إياها أن تأكل قال:
-لازم تاكلي، ضغطك واطي جدًا.
وبقلب أم ملتاعة سألته:
-فادي وفهد فين يا رعد؟
جلس أمامها صامتًا، فأصرت بالسؤال بنبرة باكية:
-بالله عليك لا تقولي ولادي عملوا في بعض إيه!
-معملوش حاجة يا شهد، فهد اتطمن عليكِ وروّح شقته، وفادي فضل جنبك وأنا اللي قولتله يروح يعالج نفسه ويرتاح.
ناظرته وقد بدا الخوف في عينيها:
-كل ده بسبب قدر…صح؟ قدر اللي خلت ولادي يضربوا في بعض!!!
-قدر ملهاش ذنب، ولادك اللي عُبط وبيغيروا من بعض!
عقدت حاجبيها بعدم تصديقٍ:
-يغيروا من بعض؟ يغيروا من بعض ليه؟ إيه اللي يخليهم يغيروا من بعض! أنا مربتهمش على كده! ليه ولادي يعملوا كده في بعض!
1
انهارت تتحدث بهستيرية، فاعتدل رعد وجلس جوارها ثم جذب جسدها إلى أحضانه وضمها برفقٍ، يربت على خصلاتها البيضاء بكف يده الخشن، ويتلمس وجنتها بأنامله هامسًا:
-كل حاجة هتبقى كويسة..
ولن تعود الأشياء كما كانت..
2
***
تأفف حانقًا وهو يتقلب في الفراش بانزعاجٍ حين وصله الطرق الشديد على الباب، فصاح:
-قومي شوفي مين يا يُسر.
ويُسر لم تكن بجواره من الأساس، فانتفض غاضبًا وهو ينفض عنه الأغطية مستشفيًا وجودها بالمرحاض وقد كان..
فتح الباب بسرعة فإذا بفضيلة بوجهه تتحدث:
-صباح الخير يا شاهين.
قالتها بهدوءٍ، فأجابها بانزعاجٍ بملامح وجهه المكفهرة الناعسة:
-صباح القرف على دماغكم، بتخبطوا ليه ع الزفت دلوقتي!!!!
-الفطار جاهز! وبعدين مش هتنزل الشغل ولا إيه؟
رمقها باحتقار من أعلاها لأسفلها، ثم تراجع يصفع الباب في وجهها مغلقًا إياه، لتنتفض وتجفل بصدمة، وعنه فالتفت ليجد زوجته قد تجهزت تمامًا، حك خصلاته وهو يقيمها بعينيه، حيث تجري حدقتيه على هيئته بهوسٍ غير طبيعي، إذ التمعت عيناه وأراد التهامها بهما ولكن…الخصام خصام!
تابع سيره للمرحاض ليستعد، فيما وقفت هي بقلة حيلة خائبة في منتصف الغرفة، تكره الخصام ..تكره القطيعة…وتكره هجره لها!
وقفت أمام المرآة المهشمة تنظر لها بشرودٍ، سرعان ما التفتت على وجوده في حيزها وظلت ترمقه بلوعةٍ وأعين زائغة، حتى رأته يقترب منها متحدثًا بجمود:
-لفي.
عقدت حاجبيها بتساؤل:
-ليه؟
-لفي!!!
كررها بصرامة أكبر، ففعلت وهي تحتضن بطنها بضيقٍ، سرعان ما شهقت متفاجئة حين شعرت بذلك السلسال الألماسي الذي زين عنقها، أحكم غلقه من الخلف بعدما أزاح خصلاتها للجانب، ابتسمت بحنينٍ واستدارت له سريعًا فإذا به مكفهر الملامح متجهم الوجه فذمت شفتيها حانقة:
-هنفضل كده كتير؟ يرضيك نفضل مخاصمين بعض كل ده؟
زفرت بحنقٍ وهي تربع ذراعيها أمامها، ثم قالت:
-طب هات بوسة.
-لأ!
رفعت حاجبها بحدة:
-والله؟ طيب أنا انهارده مش هنام في الأوضة معاك إيه رأيك بقا!
ابتسم ساخرًا:
-هتنامي في البانيو يعني ولا إيه؟!
-لأ يا ظريف هروح لأمي.
-ابقي سلميلي عليها
قالها وهو يقترب من الباب ليفتحه ويخرج، فهرولت خلفه صارخة:
-على فكرة بقا ده مش عدل.
التفت لها بأعين جاحظة:
-قولتي إيه؟؟؟
تراجعت بخوفٍ:
-بـ بـ بـ بقولك يعني…إن ده مش …مـ..مش اسلوب يعني!
سقطت عينيه إلى فستانها الخريفي ذو الأكمام الطويلة وفتحة الصدر الواسعة فأمرها:
-إيه الفستان ده؟! خشي غيريه.
تخصرت:
-يا سلام؟؟؟ ماله بقا؟!
-ماله إيه صدرك كله طالع برا!
اتسعت حدقتيها وهي تكمم فمه:
-إيه الكلام ده يخربيت لسانك!!!!
-خشي غيريه بدل ما أقطعهولك يلا.
ذمت شفتيها بتمرد:
-مش مغيراه.
حذرها بنبرته:
-يُـــســـراااا
-شــــاهيــــن!!!
-البتاع ده لو متغيرش مفيش نزول.
قهقهت ساخرة:
-مش بمزاجك عامةً.
رفع حاجبه:
-أومال بمزاجك؟؟؟
-أيوه!
اقترب منها خطوتين فتراجعت بتوجسِ:
-إيه؟ بتقرب ليه؟؟؟
وقف أمامها تمامًا حتى أصبح لا يفصلهما سوى بضع إنشات وبطنها وهمس:
-عدي يومك يا يُسرا..
أومأت سريعًا:
-حاضر يا باشا.
التفت لينزل وقد ارتسمت بسمة خفيفة على شفتيه محاها سريعًا، فيما هرولت خلفه تسبقها بطنها المنتفخة وهي تتمتم ببعض الكلمات المتذمرة.
قابلهم أمجد الكلب الذي كان جالسًا جوار الدرج ينتظر إعداد إفطاره الذي تجهزه سعاد له خصيصًا، ترمقهما إيميلي زوجة أمجد بابتسامة صفراء، فتبادلها يُسرا إياها، ويجلس شاهين على مقعده متسائلًا:
-حد طلع أكل لعمار؟؟؟
تحدثت تماضر:
-لأ محدش، خايفين نزعجهم.
لوت فضيلة شفتيها بسخرية:
-تزعجيهم إزاي يعني؟ وهو كان حصل حاجة بينهم يعني.
حذرها فهيم بقوله:
-فضيلة!
نظرت له بجمودٍ وهي تضرب فمها بخفة:
-اتكتمت.
فيما نادت سُعاد الصغيرة على الكلب وهي تحمل بين يديها لوحة متوسطة الحجم بيضاء وألوانها، أوقفتها تماضر قائلة:
-رايحة فين يا سوسو؟
-هطلع أنا وأمجد برا شوية.
-مش هتفطري؟
-ماليش نفس.
فرشت مستلزماتها وجلست على المقعد، ثم قالت للكلب:
-ميجو sit.
فأطاعها وجلس يلهث بحماسٍ، فابتسمت وخاطبته:
-مين هيترسم؟
نبح الكلب بعلوٍ وكأنه يخبرها بحماسٍ “أنا أنا” فضحكت سعاد بمرحٍ وهي تشرع في رسمه..
-يا بخته.
التفتت بحدة على صوته الأجش من خلفها، الهجوم يجلس على إحدى الأرائك يضع ساق فوق الأخرى ويحمل بين يديه فنجان قهوته.
-بتحبي الرسم؟
أجابته بلذوعة:
-انا فنون جميلة!
اعتلى ثغره بسمة راضية:
-وأنا عارف.
استدارت تتمتم بضيقٍ:
-يخربيت تناحتك..بارد.
-سمعتك.
هزت رأسها تهتف بسخرية دون أن تلتفت:
-عارفة!
ضحك بمرحٍ، وتابعها بينما تخط أولى خطوات الرسمة الخاصة بكلبها الجالس ينتظرها..
تفرد ظهرها بأناقة، وعليه تنسدل خصلاتها الطويلة، تأملها بنظرة شمولية، شملت كل تفاصيلها، فأصبح متيمًا..مجددًا!
-أمكد where’ve you been!
تأففت سعاد بضيقٍ من مجرد سماع صوتها، فيما اقتربت إيميلي ووقفت أمام أمجد تحادثه:
-إنت سيب إيميلي وحدها ليه؟ أنا مش آرف آمل حاكة هنا.
-برتاح يا إيميلي، باخد نفسي.
مسد على ذراعها صعودًا وهبوطًا وابتسم:
-بس عمومًا متزعليش، اطلعي البسي وهنخرج.
التمعت عينيها بفرحة واتسعت بسمتها:
-Really?
أومأ، فصرخت سعاد بغضبٍ:
-أمجد مش قولتلك متتحركش من مكانك!
التفت لها سريعًا ليجدها تنظر للكلب، فابتسم بسمة جانبية غير مصدقة حين سمعها تتابع:
-متبقاش متخلف بقا يا أمجد.
يشعر أنها تحادثه هو ولا يملك دليلًا!
نهض يلتقط كف إيميلي وسار بها للداخل ثم انحنى يهمس لسعاد قبل دخوله:
-براحة عليه، ده واخد إسمي.
التفتت ترمقه بغضبٍ وهمست من بين أسنانها:
-ملاكش فيه!
اعتلى ثغره بسمة خفيفة عابثة وضرب أنفها بطرف إصبعه واعتدل يسحب زوجته معه، تلك التي التفتت ترمق وجه سعاد الأحمر بسبب إنفعالها المكبوت!
***
-دكتورة..بقرة الحج خليل تعبانة وعايزة كشف.
أومأت وهي تنهض تلتقط حقيبتها وتستعد للخروج، وأثناء خروجها من الوحدة تقابلت الطبيب الغليظ..مروان!
-دكتور مروان..بتعمل إيه هنا؟
-جيت أشوفك.
ذلك السمج..
صاحب الشعر الملتصق بفروة رأسه بكريم رائحته خانقة..
بملابسه المبهرجة ذات الألوان الفاقعة، يقف أمامها بمنتهى السماجة ويخبرها أنه جاء لرؤيتها..
-طب أنا عندي شغل، وسع كده.
-استني بس.
تصدى طريقها، ووقف أمامها بكرشه المنبعج يردف بثقة:
-حلو الشغل لوحدك؟
-احلى من الشغل معاك!
قالتها ساخرة وهي ترمقه من أعلاه لأسفله باحتقارٍ، فتحدث بضجرٍ:
-الله الله! ليه طولة اللسان دي ع الصبح! ده أنا جاي أصبح عليكِ!
تنهدت بضيقٍ، ثم نظرت له ببسمة صفراء:
-دكتور مروان، قولي بصراحة…مش حضرتك متجوز وعندك بنتين؟؟؟؟
-ها؟ أ..أيوه يعني بس..
قاطعت تلعثمه بقولها الباتر:
-يبقى تروح لمراتك وبناتك وتبطل تحُكها مع أي حتة لحمة طرية تشوفها في البلد هنا، إحنا بنشتغل مش بنصيع، وعن إذنك كده بقا عشان سحبت الأكسچين من الجو.
تخطته وسارت وهي تتمتم بغضبٍ:
-راجل نطع.
توقفت فورًا حينما لمحت ذلك الرجل مجددًا، طبيب المسالك!
التفتت بسرعة لتهرب منه فإذا به يصيح باسمها:
-چليلة!
وقفت متسمرة، وهمست بعدم تصديقٍ:
-چليلة!!!
التفتت له فجأةً بحاجبين عُقدا بغضبٍ، فرأته يقترب منها بثغرٍ باسم وبشاشة مستفزة، مد كفه لها ليصافحها:
-صباح الخير..
-وهيجي منين الخير وإنت بتناديني باسمي في نص الشارع!
رفع حاجبه مستغربًا:
-إيه المشكلة!
-المشكلة إنك نسيت اللقب يا دكتور، دكتورة جليلة، ومتعطشش الجيم عشان بتضايقني!
فغر فاهه متسائلًا:
-چليلة بتضايقك؟؟؟
أومأت بحزمٍ:
-آه.
-طب چليلة چليلة چليلة چليلة
1
صرخت بغضبٍ وهي تغطي أذنيها بكفيها وتهرول من أمامه فإذا به يهرول خلفها ضاحكًا:
-استني يا چليلة.
التفتت تحذره بإصبعٍ رُفع وهي تتراجع للخلف بظهرها:
-متضايقنيش قولتلك بكره الإسم دااااااا
أكملت جملتها بصرخة انطلقت منها حين سقطت بظهرها للخلف حينما التوت قدمها وهي تتراجع، فاتسعت حدقتيه وهو يقترب مسرعًا منها حيث تجمهر الجميع حولها..
انحنى عليها يفحص قدمها متسائلًا بقلقٍ:
-إنتي كويسة؟؟؟
-إنت كمان أعمى؟؟؟ هبقى كويسة إزاي وأنا لسه مقلوبة قدامك!
انتصب بظهره ووقف يرمقها ببرودٍ:
-كان ممكن تردي بآه أو لأ بدل الموشح ده!
-طب قومني..قومناااااي
ربع ذراعيه أمامه مبتسمًا باصفرارٍ:
-مش عايز.
-نعم يا أخويا!!!
هز منكبيه بلا مبالاةٍ، فيما اقتربت إحدى الفتيات تعاونها على النهوض وهي تهمس:
-اسم الله عليكي يا داكتورة، قومي يا أختي..قومي.
وقفت جليلة تستند عليها وهي تنظر له بأعين ضيقة في غيظٍ، فأخرج لسانه لها عابثًا، لتتسع حدقتيها أكثر متمتمة:
-دكتور مسالك كمان أهبل!
ثم دخلت الوحدة تتوعد له، تسندها الفتاة وخلفها فتاة أخرى تحمل لها حقيبتها..
***
أنهى شاهين طعامه، ونظر ليُسرا التي لم تأكل بعد، فنهض يستعد لخروجه هاتفًا بصرامة:
-اشربي العصير وحصليني.
قالها والتفت يغادر المنزل، فنظرت للكوب بضيقٍ، حتى العصير يجبرها على شربه! كان سابقًا يجبرها نعم، ولكن بحنوٍ!
-واضح إن علاقتكم مش متظبطة، خير يا يُسرا، طمنيني عليكو إبني عملك حاجة؟
قالتها فضيلة بخبثٍ، فرمقتها يُسرا بحدة، ونهضت واقفة تستند بساعديها على المائدة هاتفة بسخرية:
-مهواش إبنك.
وإستعدادًا للرحيل، ارتشفت يُسرا كوب العصير كاملًا بغضبٍ، وصفعت الكوب على المائدة، ثم نهضت تسير خلف شاهين بخطواتٍ سريعة حانقة..
وتحت أنظار فضيلة الهادئة، التي نظرت إلى إبنتيها بخبثٍ، يبادلونها النظرات بمكرٍ، وتتسع بسماتهم بدهاء.
خرجت وجلست جواره على المقعد، تضع حزام الأمان وتنظر للأمام بشرودٍ، التقطت هاتفها حين رن برقم مساعدتها ففتحته وأجابت، لحظاتٍ مرت وهي تحادثها ولكن…لا مانع من إثارة غيرته قليلًا!
-أيوه..وقولي لشادي إني عايزاه عندي في المكتب أول ما أوصل عشان نناقش الديزاينز الجديدة.
التفت إليها مسرعًا برأسه حال سماعه اسم ذلك الأخرق، فكتمت ضحكتها وهي تكمل حديثها:
-أيوه وقوليله يجيبلي قهوة معاه هو عارف بحبها إزاي.
أغلقت معها وتنحنحت تنظر بطرف عينها له، فإذا به يقبض على المقود بقوةٍ وينظر للطريق بأعين غاضبة حيث يعقد حاجبيه بشدة فبدا كوحشٍ على وشك الهجوم..
فابتسمت بظفرٍ وقبضت على شفتيها تضغط عليهما بشدة خوفًا من أن تنفلت منها ضحكة عابرة تجعله ينفجر في لحظة!
ظلا طوال الطريق صامتين دون حديث، حتى وصلا لمحل عملها، فتوقفت سيارته وكادت تنزل فأوقفها:
-هعدي عليكي بليل عشان نروح الحفلة.
أومأت على مضضٍ وكادت تنزل، فأوقفها مرة أخرى:
-استني.
ابتسمت، الآن سيطلب منها قبلة على الأرجح!
-ابقي غيري الهدوم دي، البسي حاجة أوسع.
التفتت له بحدة:
-ليه؟ مشبهش ولا تقصد إني بقيت شبه البقرة!
ظل ينظر لها بهدوءٍ دون أن يُجب، فزفرت حانقة وخرجت من السيارة تتمتم:
-مستفز.
صفعت باب السيارة بقسوةٍ، فرأت نظرته الحادة من وراء الزجاج، لتبتسم بسماجة:
-سوري مكانش قصدي.
والتفتت تدخل المكان تحت عينيه..
تلك العينين اللتان ابتسمتا بسمة خافتة:
-غبية!
***
وعدي ويا حيرتي
وعدي ويا حيرتي
من لي رحيم شكوتي
فى الحب من لوعتي
إلا مليك الجمال
وقف يشرب قهوته وشاشة التلفاز الكبيرة تعرض الأغنية، فابتسم وهو يجلس على الأريكة حاملًا تلك المذكرة بين يديه، وفتح أولى صفحاتها فقابلته صورتهما حيث ترتدي فستانًا أبيضًا رقيقًا ويرتدي هو قميصًا أبيضًا وبنطالًا بيج، يقفان في مقهى صغير حيث تمسك بيدٍ باقة الورود والأخرى تتأبط بها ذراعه، فتبتسم للكاميرا بسعادةٍ..
تحسس الكلمات التي كتبتها جوار الصورة بشجنٍ..
Like husband like Wife
ابتسم بحزنٍ وهو يقلب الصفحة، فيجد صورة أخرى لهما حيث يقفان سويًا أمام البحر، يحتضن كتفها مبتسمًا باتساع وينظر للكاميرا، فيما تناظره هي بابتسامة سعيدة وأعين تلتمع وكأنها ظفرت بالدنيا وما فيها!
فشرد ذهنه لتلك اللحظة الفريدة حين وقفا أمام الشاطئ وقت الغروب، يحتضن كفها في كفه وينظران للشمس الغاربة..
-الجو حلو أوي.
التفت ينظر لها غامزًا بعبثٍ:
-بالله ما فيه أحلى منك هنا.
ضحكت بخجلٍ وتمتمت:
-يا فهد بقا.
-يا روح قلب فهد بقا!
أخفت وجهها بين كفيها حرجًا وقد احمرت وحنتيها، فضحك عاليًا وهو يجذب رأسها لأحضانه ويضمها إليه بقوة..
تأمل الكلمات المسطورة جوار الصورة بخطٍ عريض في ألمٍ..
Husband&Wife in Honeymoon
اعتلى ثغره بسمة حنينٍ وهو يقلب الصفحة فتقابله صورة أخرى لهما حيث تحتضنه وظهره للكاميرا وصورة سونار جنينها تفردها على ظهره وتنظر للكاميرا ببسمة صافية …
وجوار الصورة كتبت
Hello mom&dad
ضحك ضحكة عابرة باشتياقٍ والذكرى تأخذه ليوم أخبرته بحملها!
-أنا ميت جوع.
اقترب يلثم جبينها ويتخطاها ليدخل المنزل فأوقفته قائلة بلهفة:
-استنى.
التفت لها متسائلًا بغرابة:
-فيه حاجة؟؟
تنحنحت وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوترٍ:
-عايزة أقولك حاجة..
-إيه؟
اقتربت تُخرج من جيبها صورةٍ ما، فردتها أمامه ولم تنبس ببنت شفة، فوقف محدقًا فيها بأعين متسعة وذهولٍ، ليسمعها تقول بعد صمتٍ طال بارتباكٍ:
-إنت ساكت ليه؟؟
-هو ده..
أومأت بخفة ونكست رأسها بخجلٍ:
-أيوه.
سمعت ضحكته السعيدة وهو يضمها إليه بقوةٍ ثم يحملها ويلف بها صارخًا وكأنه انتصر في أشد معاركه قسوةً!
تسللت دمعة عابرة على وجنته، وابتلع غصته بأعجوبة، ثم قلب الصفحة ليجد صورة أخرى لهما إذ تقف جواره وتتأبط ذراعه مستندة برأسها على كتفه ناظرة للكاميرا ببسمة خفيفة وذراعها الآخر أسفل بطنها المنتفخة..
وجوارها كتبت
Mad jealous dad
ذلك اليوم دب بينهما شجارًا لم يوقفه سوى اعتذراها المتكرر!
-اقلعي الفستان ده يا حلم…إنتِ مجنونة عايزة تنزلي بالمنظر ده!
ذمت شفتيها بحزنٍ ونظرت للفستان بخيبة أمل:
-وحش؟؟؟
-جدًا!
عقدت حاجبيها بضيقٍ والتمعت العبرات بعينيها:
-بس أنا عايزة ألبسه!
-مش هتنزلي بيه وهو قصير كده! ده موصلش لركبتك يا حلم! ومبين تفاصيلك كلها.
ازدردت لعابها ورفعت عينيها تناظره ببسمة:
-إنت غيران؟؟
رمقها بضيقٍ، فاقتربت تعتذر بشدة:
-خلاص يا حبيبي هغيره، أنا آسفة..
-إنتٍ بتتأسفي ليه!
ذمت شفتيها بحزنٍ:
-عشان زعلتك!
هز رأسه يمنى ويسرى نافيًا:
-إنتي مزعلتنيش فمالوش داعي الإعتذار…
اقترب يحتضن وجنتيها بين كفيه ناظرًا لعينيها بعمقٍ:
-أنا مش عايز حد يبصلك!
التمعت عينيها..
العينين اللواتي وقع فيهما منذ رآهما لأول مرةٍ أسفل قناع البرق!
احتضنته فجأةٍ وهي تلقي برأسها على صدره متشبثة فيه بقوة وكأنها تخشى إفلاته فيهرب أو…يُسرَق:
-أنا بحبك أوي يا فهد.
حاوطها بذراعين من حديد هامسًا:
-وأنا كمان.
2
أغلق المذكرة ووضعها جواره، ثم تنهد بحُرقة وهو يعيد رأسه للخلف فتعود معه خصلاته الناعمة، انتهت الأغنية..
أغنيتها المفضلة..
وانتهت زوجته…
صاحبة البرق!
1
آمان آمان..
آمان…آمان!
***
هبط من سيارته فقابله رجلٌ من رجاله ليسأله:
-عملتوا معاه الواجب؟
-وزيادة يا شاهين بيه.
فُتِح الباب الحديدي فدلف منه شاهين، ورآه كجثة هامدة أرضًا، يلهث بتعبٍ وقد تقرحت جروح جسده إثر تركه يومين على هذا الحال، فابتسم ومال يجلس القرفصاء أمامه:
-منورنا يا مصطفى بيه.
رفع عينيه بضعفٍ ونظر له باحتقارٍ، فتابع شاهين:
-أنا حذرتك مرتين، وقولتلك التالتة فيها موتك! ليه مبتسمعش الكلام يا درش؟؟
لحظاتٍ من الصمت مرت عليهما، سرعان ما تعالت ضحكات مصطفى الساخرة، لم يكف عن ضحكه إلا بابتسامة رسمها على وجهه الدامي هاتفًا بصوتٍ مبحوح:
-إنت فاكر إنها كده هتفضل في حضنك؟؟
-أومال هتفضل في حضنك إنت!
هز رأسه نافيًا:
-لأ يا شاهين باشا، الحياة مش عادلة أبدًا…زي ما أنت سرقتها مني…هيجي اللي يسرقها منك.
جز على أسنانه حتى برزت عضمتي فكيه وتحدث بجمودٍ:
-محدش يقدر يلمسها.
-فيه قانون..
ابتلع لعابه وتأوه بوهنٍ واستأنف:
-اسمه الكارما..يعني كل ما يقوم به الإنسان من أفعال، خيراً كانت أم شراً، سيعود إليه حتماً.
عض شاهين على شفته السفلى ونكس رأسه لبرهة متمتمًا:
-نسيت إنك دكتور فلسفة.
ثم رفع رأسه يرمقه بحدة هاتفًا:
-إنت عارف الفرق بيني وبينك إيه؟ إن إنت مطلعتش راجل واستنطعت معاها، وجات للراجل عشان يساعدها، وطلع راجل فعلًا وساعدها..
ثم أشار عليه بازدراءٍ:
-فأنت دلوقتي جاي تقولي إن أنا سرقتها منك إنت؟؟؟ أنا مبسرقش…أنا اللي بعوزه بيجيلي برجله..
مال برأسه واعتلى ثغره بسمة مختلة خبيثة:
-وهي…جاتلي برجلها!
-صدقني…أنا حقي لو مأخدتوش بايدي هيجي اللي ياخده، هيجي عليك يوم وتدور عليها مش هتلاقيها، هتبعد عنك زي ما بعدت عني..أنا مؤمن بقانون الكارما، ومؤمن إنك هتتعذب بسببها زي ما أنا اتعذبت.
رمقه شاهين بنظرة نارية غاضبة، فتابع مصطفى بعد تأوهه ببسمة جانبية:
-الحقوق بتتاخد في الدنيا برده.
اقترب منه يجذب خصلاته ليتأوه الآخر بوهنٍ، فنظر شاهين له عن قربٍ هامسًا بفحيحٍ مُرعب:
-اسمع أما أقولك..
وزاد من ضغطه على خصلاته حتى صرخ الآخر بألمٍ:
-يُسرا خط أحمر، رجلك لو عدته هقطعهالك!
لهث وهو يضحك بسخرية فتتفتح جروحه وجروح وجهه، رفع عينيه له هاتفًا بالحقيقة التي يعلمها جميع من على الأرض جمادًا كان أو حيوانًا:
-إنت مجنون بيها.
اعتلى ثغره بسمة خفيفة وأقر بصراحةٍ:
-أنا بتنفسها.
ضحك مصطفى متألمًا:
-وده أسوأ، هوسك بيها…هيأذيها.
تركه شاهين ونهض يعدل من حُلته في لا مبالاةٍ:
-قولتلك…محدش يقدر يأذيها، ولا حتى أنا.
التفت يحادث الحارس المسؤول عن مصطفى:
-ارميه قدام أي مستشفى، واقفلوا المكان ونضفوه.
-أوامرك يا باشا.
سار خطوتين وتوقف في المنتصف ثم استدار له متذكرًا:
-آه صحيح، وشك المتخرشم ده مش عايز أشوف أمه تاني، وبالمناسبة اسمك اتشطب من النقابة، يعني معدتش دكتور جامعي قد الدنيا، بقيت شحات وعواطلي.
وتلك المرة ألقى كلماته وغادر، تاركًا خلفه مصطفى الذي صرخ بصوته المتعب:
-الدنيا مش عادلة…مش هتسيبكم…هتتردلك يا شاهين يا حلواني…هتتردلك!
1
وشاهين الحلواني..
لا يكترث البتة.
***
-هتتجوزها؟
سأله صديقه بذهولٍ، فأومأ مرتين على مضض وهو يرفع الكأس فيرتشف منه ما يُسكره أكثر فأكثر، حتي يخبره صديقه بالحقيقة المفجعة:
-هي مبتحبكش! يعني أقصد..هي مش عايزة تتجوزك!
ارتشف آخر ما تبقى ما كأسه دفعةً واحدة، وأنزله بقوة على الطاولة مردفًا بلا مبالاة:
-مش مهم…..أنا عايز.
-هتتجوزها غصب عنها!!!
اعتلى ثغره بسمة ماكرة، ونظر لصديقه:
-هتجوزها غصب عنهم كلهم، يا تبقى ليا…يا عمرها ما هتبقى لغيري.
هز صديقه رأسه يمنى ويسرى بعدم تصديقٍ:
-إنت مش طبيعي يا عز، بقيت تخوف!
ثم نظر له يضيق عينيه بشكٍ:
-إنت متأكد إن ده إنتقام منك لمامتك؟ ولا البت دخلت دماغك!
هز منكبيه بعدم اكتراثٍ:
– الإتنين، هاخد حق أمي…واتسلى.
تنهد الآخر بقلة حيلة:
-براحتك، عمومًا شوشو مستنياك فوق في الأوضة، هتتطلع ولا هتفكسلها؟؟
نهض ينتصب واقفًا وهو يميل برأسه ناظرًا لصديقه بعبث:
-طالع، ده وقت السفالة!
ضحك الإثنين بمرحٍ، فيما صعد عز إلى الغرفة المنشودة في الفندق المزعوم، لملاقاة عشيقته السرية..
وقف أمام باب الغرفة ثم فتحه فجأةً، فإذا بها تنتفض من على الفراش ذعرًا، اطمئن قلبها حال رؤيته ووضعت كفها على صدرها هاتفة:
-اخص عليكي يا عز وقعت قلبي!
غمغم:
-سلامة قلبك يا بيبي.
اقتربت بتمايلٍ تتحسس صدره البارز من أسفل قميصه الذي فتح اول ثلاثة أزرار منه وهمست أمام شفتيه بإغواءٍ:
-كده تتأخر على شوشو كل ده؟؟؟ أنا زعلانة منك.
جذبها من خصرها بعنفٍ لتلتحم بصدره هامسًا ببسمة خبيثة:
-وأنا ميرضنيش زعل شوشو.
وبلحظة كان قد جذبها إلى الفراش، ليقضيا الليلة الحميمية الفاسقة!!
***
أغلقت حسناء الملف بعدما مضت عليه، وأعطته للممرضة قائلة:
-دي عملية القلب المفتوح، بقاله شهر في المستشفى والمفروض يطلع دلوقتي، أنا مضيتله أهو خدي الورق ده وخرجوه.
أومأت لها ثم استأذنت لتخرج، فعادت حسناء بظهرها للخلف تتأوه بتعبٍ وهي تفرك عنقها من فوق حجابها، تنفست بصعوبة حتى أخرجت جهاز الربو من حقيبتها، اشترته مؤخرًا فكلما ضاق بها النَفس استخدمته..
تنفست طبيعيًا والتقطت أنفاسها المسلوبة وهي تُعيده للحقيبة ثم تُخرج عود قرنفل تضعه تحت ضرسها..
طرق أحدهم الباب فما كادت أن تسمح له بالدخول حتى اقتحم الغرفة هاتفًا:
-فطرتي؟؟
اتسعت حدقتيها بصدمةٍ ونهضت تهرول إليه:
-نهار أبيض بتعمل إيه هنا؟؟
هز منكبيه ببساطة:
-مفطرناش!
-فطار إيه يا فهد دلوقتي بتهبب إيه هنا؟!
-هو فيه إيه محسساني إني دخلت عليكِ الحمام!
ربعت ذراعيها بصرامة:
-هنهزر!!!!
-يا ستي ولا تزعلي نفسك أنا هروح أفطر لوحدي.
استدار ليغادر فأوقفته:
-استنى.
التفت لها فسألته بنظرة جانبية حريصة:
-فول وطعمية؟؟
-تؤتؤتؤ، فول وفلافل إنتي مش إسكندرانية ولا إيه؟؟؟
ضحكت بخفة وهي تلتقط حقيبتها من على المكتب وتشير له ليتقدمها، ففعل وخرجا توصد الباب خلفها ويسيرا في الممر ليخرجا وطوال الطريق يبتسم فهد بمرحٍ، فيما كانت حسناء تناظره بضيقٍ هامسة:
-إنت عارف لو حد شافني ماشية معاك هتشبه إزاي!
فغر فاهه مدهوشًا:
-تتشبهي ليه وإنتي ماشية مع بلطجي!
-برستيچي في المستشفى يمنعني أمشي مع راجل.
قهقه ساخرًا:
-يا عسل!!! وإيه اللي جابرك!
تحدثت بجدية:
-الأكل اللي هتطفحهولي.
-طب امشي وإنتي ساكتة بدل ما أطفحهولك بجد.
وأثناء خروجهما من المستشفى كانت قدر قد هبطت من السيارة حيث فتح لها مؤمن الباب، فنزلت وما كادت تدخل حتى رأته يسير جوار حسناء ويتضاحكان سويًا كصديقين حميمين!
فوقفت لبرهة تناظرهما من ظهورهما بغرابةٍ، حتى قاطع تحديقها صوت مؤمن:
-مش هتدخلي؟؟
رمقته بضيقٍ، ودخلت المستشفى وتركته دون أن تنبس ببنت شفة، فلا زالت غاضبة منه منذ آخر مرة..
***
تثائبت شادية بنعاسٍ وهي تتقلب في الفراش لتجد كفها يصطدم بصدرٍ بشري، فاتسعت حدقتيها وانتفضت تجلس على الفراش بذعرٍ، سرعان ما زفرت بارتياحٍ حال رؤيتها له نائمًا كالملاك جوارها..
كيف لـ “شحط” مثله أن يكون بهذه البراءة حين يكون نائمًا!
هزت رأسها يمنى ويُسرى تنفض عنها أي فكرة، هي جاءت لترعاه….ليس أكثر…
نهضت ترتدي خُفها وتدخل المرحاض، دقائق وخرجت تنظر لجسده الملقى على الفراش بتعبٍ وكأنه كان يعافر طوال الليل…
فتحت باب الغرفة وخرجت تنزل الدرج بخطواتٍ متوترة، حتى قابلتها سعاد الصغيرة التي تحمل لوحة بين يديها فتوقفت تبتسم لها:
-صباح الخير…نمتي كويس؟؟
أومأت شادية لها على مضضٍ، وسألتها:
-معلش يا ست سعاد بس هو المطبخ منين؟ عايزة أعمل فطار لأستاذ عمار قبل ما يصحى.
ضحكت سعاد بمرحٍ:
-أستاذ إيه وست إيه يا شادية! أنا سوسو عادي وهو عمار عادي برده إنتي مراته!
عضت على شفتها السفلى بحرجٍ، فأشارت لها سعاد على المطبخ:
-شوفي ده المطبخ، اسألي أي حد هيجهزلك فطار.
-لأ شكرًا، شاهين بيه قالي أبقى أعمله أنا.
-برده بيه! عمومًا براحتك البيت بيتك.
ابتسمت لها شادية بخفة، ودخلت المطبخ تبحث عما يصلح للإفطار، سرعان ما انتفضت برعبٍ حال رؤيتها لخيري السفرجي يخرج من اللامكان:
-بسم الله الرحمن الرحيم إنت إيه يا جدع إنت!
-أنا هيري السفرجي يا ست هانم.
عقدت حاجبيها بغرابة:
-هيري؟ فيه حد اسمه هيري؟؟؟
-اسمه خيري، وهو سوداني..
اقتربت فضيلة كالحية تتلوى في مشيتها، وأشارت لخيري بالرحيل:
-اخرج إنت دلوقتي يا خيري.
فنفذ طلبها، فيما اقتربت فضيلة تبتسم لشادية بودٍ:
-صباحية مباركة يا عروسة!
أجابتها شادية باقتضابٍ:
-شكرًا.
-عرفاني؟؟؟
دققت شادية النظر، وتذكرت قول شاهين..
-وهتلاقي ولية شعرها أبيض وأكرت بتحط روچ فاقع وشفايفها قد صباع رجلك الصغير، وشها يقطع الخميرة من البيت وعليه غضب ربنا وحواجبها زي السبعة ورفيعة زي المقشة وبتمشي زي الزومبي، دي فضيلة مرات أبونا حاولنا نقتلها قبل كده ومعرفناش، ودي اوعي تقربي منها أو تسمحيلها تمد ايدها في أكلك أو أكل عمار، اعتبري عندها جرب.
3
تحدثت شادية بعد إيماءة:
-فضيلة..
اعتلى ثغرها بسمة ماكرة:
-ده واضح إن شاهين مفطمك على كل حاجة!
التفتت شادية بعد أن ألقت عليها نظرة سطحية أخرى، وبدأت في تجهيز الإفطار فيما تقف فضيلة ترمقها بهدوءٍ، بترت الصمت بسؤالها:
-إنتي من هنا يا شادية؟؟؟
زفرت شادية واستغفرت، قبل أن تلتفت لها هاتفة:
-أيوه.
-شاهين متفق معاكي صح؟
تحاول سبر أغوارها؟؟؟ تظنها ساذجة بريئة ستنحني لها!
-يخصك في حاجة يا حجة؟؟
-حجة!!!!!
رفعت حاجبها بحدة:
-لسه محجتيش؟؟؟ ربنا يكتبهالك ممكن تسيبيني أحضر فطار جوزي بقا!
التفتت تُكمل ما تفعله، وتستكشف المطبخ بنفسها، فيما جزت فضيلة على أسنانها تكتم غضبها، تحت بالهدوء وغادرت المطبخ وبعينيها نظرة تُرهب الشيطان ذاته!
حملت شادية الصينية وخرجت بها من المطبخ، لتصطدم بشابٍ صغير كان في طريقه للمطبخ، كادت تُسقط الصينية لولا أنه أمسكها لها:
-خلي بالك!
تنفست الصعداء حين أمسك الصينية، ونظر لها من خلفها مبتسمًا:
-إنتِ فادية صح؟؟
-شادية.
صححت له، فاعتذر:
-اوه sorry مخدتش بالي.
أسند الصينية لصدره ومد كفه الآخر لها:
-زياد، إبن عم عمار.
صافحته بحبورٍ وتذكرت حديث شاهين..
-زياد ده عيل أهبل مبيظهرش كتير، قاعد في أوضته أربعة وعشرين ساعة بيلعب، مفيش خوف منه بس ابعدي عنه برده.
تبسمت في وجهه وهي تسحب كفها:
-اتشرفنا يا أستاذ زياد.
حملت منه الصينية وصعدت الدرج بحرصٍ، فيما التفتت يرمقها بغرابة:
– أستاذ؟
فتحت شادية الباب بحرصٍ، ودخلت بحذرٍ ثم أوصلت الباب بقدمها ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة، والتفتت لتراه جالسًا على طرف الفراش يرمقها بقلقٍ، فالتفتت له تسأله:
-قاعد كده ليه؟
انتفض وهرول إليها يجذبها لأحضانه بقوة، اعتصرها بشدة فيما وقفت هي متمسمرة مهدلة الكتفين وجاحظة العينين، تسمعه يقول بلهفة:
-أنا افتكرتك مشيتي زي ماما!
ابتعد عنه ينظر لملامح وجهها بشغفٍ هامسًا:
-اوعديني مش هتسيبيني تاني!
-أ…أنا كنت بجيبلك أكل..
ظلت تحدجه بتعجبٍ، وعلامات استفهام عدة تحوم حول رأسها في تلك اللحظة، تتعجب تغيره المفاجئ، وكيف يتعلق بها وهي التي قابلته أمس فقط!!!
ولكنها تذكرت حديث شاهين..
-عمار بيتعلق بالناس بسرعة، بس مبيقربش منهم أوي، بيتعود عليهم بس، وأنا عايزك تعوديه عليكي..متعليقهوش بيكي!!
أليس التعود والتعلق شيئًا واحدًا! فكيف ستفعل أحدهما دون الآخر!!!
-إنتي اللي عاملة الأكل ده؟
سألها بنظراته البريئة، فأومأت على مضضٍ، ليجلس على الأريكة وينظر للصينية بتذمرٍ:
-أنا مش بحب البيض العيون.
-بتحب إيه؟
سألته بصوتٍ مبحوح، فأجاب حماسٍ:
-بحب الأومليت.
-إيه الأوكليت ده؟؟؟
تهدل كتفيه بإحباطٍ وذم شفتيه:
-شاهين مقالكيش؟؟؟
-لأ، بس أنا ممكن أبحث عنه وأعملهولك، أو هسأل فضيلة دي..
ارتجف حال سماعه اسمها وصرخ:
-لأ…فضيلة لأ…فضيلة عقربة! فضيلة عقربة وعايزة تموتني!
أجفلت حين رأت حالته التي ساءت ما إن سمع اسمها فقط! من تكون تلك المرأة لتجعل الجميع كارهًا لها لتلك الدرجة!!!!
-خلاص خلاص..مش هسألها خلاص.
-فضيلة عقربة، عايزة تقتلنا كلنا، اوعي تقربيلها دي شريرة!
اقتربت منه خطوتين بحرصٍ:
-خلاص اهدى، مش هقربلها. فضيلة عقربة…خلاص!
ظل يحدجها برعبٍ، وحدقتيه تنزاح يمينًا ويسارًا بخوفٍ، فتنهدت شادية بتعبٍ وهي تفرك عينيها..
يبدو أن الطريق لا زال في بدايته.
***
-ما تروح يا فهد! روح يا ابني واتبسط ده أنت كئيب.
قالتها حسناء ممتعضة وهي تتابع ارتشاف كوب القصب خاصتها، وجوارها جلس فهد مكفهر الملامح يشير على وجهه المجروح:
-أروح فين بوشي ده! وبعدين…أنا مش عايز أحتك بيهم تاني.
-ما تحتك يا ابني هما أعدائك! ده أمك وأبوك وأخواتك! يا ستّار يا رب.
زفر حانقًا، وتملك الهم منه، فسمعها تقول:
-أنا عارفة إنهم وجعوك أوي، وظلموك كمان، بس إنت اللي غبي، لما حد بيشد علينا إحنا بنرخي على نفسنا، مينفعش نشد على نفسنا أكتر ما مشدود علينا، كده هننفجر…وهنتعب جامد أوي…
تأفف باختناقٍ، فابتسمت بلطفٍ وقالت علها تخفف عنه:
-إيه اللي يمشي ويقف ومبيتحركش؟
ابتسم بهدوءٍ ونظر لها ممتنًا ثم أجاب:
-الساعة.
-لا يا عم العقرب.
-عقرب الحيوان؟
-العقرب زواحف مش حيوان! وبعدين قصدي عقرب الساعة نفسه
-أنا بقولك الساعة تبقى الساعة نفسها.
عقدت حاجبيها بضيقٍ وهي تترك الكوب جوارها:
-إيه الرخامة دي يا فهد بقولك العقرب!
-الساعة
-العقرب!
-الساعة
رفعت رأسها لأعلى مستغفرة:
-أستغفرك وأتوب إليك يا الله هتشلني!
اعتدل لناحيتها وقال:
-طب قولي دي..كل ما تدوس عليه يزيد؟؟
غمغمت مفكرة:
-اممم استنى.
ظلت على هذا الحال دقيقتين تقريبًا تفكر وهو يُنهي عصيره، حتى سألها بتسلية:
-غلب حمارك؟
ناظرته بشراسة:
-مش هيغلب بقولك أنا جايبة 97.7!
-إيه العلاقة مش فاهم!
رفعت منكبيها بثقةً:
-يعني أنا ذكية.
ضحك متمتمًا:
-ماشي يا ست الذكية.
1
رن هاتفه، فالتقطته وأجاب تاركًا إياها تفكر:
-خير يا زفت.
-صادق والرجالة هنا وبيقولوا عرفوا حاجة جديدة بخصوص الظافر.
انتفض واقفًا:
-أنا جاي أهو.
أغلق الهاتف ووضعه جانبًا، ثم نظر لحسناء التي ترمقه بغرابة:
-فيه إيه؟؟؟
-شغل مهم، يلا هوصلك.
-لا مالوش لزوم روح إنت.
التقط حقيبتها يحملها لكي يجبرها على النهوض هاتفًا بإصرارٍ:
-قولتلك يلا هوصلك.
2
نهضت تُلقي الكوب في صفيحة القمامة بالشارع:
-يا عم طيب متزُقش.
وعلى الجانب الآخر كان صادق يقف أمام رجلًا يرتدي ثيابًا مبهرجة، حيث ألوانها فاقعة ويرتدي سلسالًا ذهبيًا، كان أشبه في مظهره بإياد صقر تمامًا..
-انطق يالا بدل ما أطلعهم عليك!
ربع ذراعيه وذم شفتيه بضيقٍ:
-أنا مش شايف أي حق ليكم تخطفوني من بيتي بالمنظر ده من غير إذن نيابة كمان.
-آخر مرة هسألك، اللاب توب ده في أنهي داهية!!!
-معرفش.
أجاب ببرودٍ، فدخل إياد من الباب هاتفًا:
-مسا مسا يا رجالة، فهد شوية ويوصل.
تعلقت عيني الشاب بإياد، ومال برأسه يبتسم بسمة مريبة، فرمقه صادق بغرابة متمتمًا:
-هنعمل إيه في البني آدم ده!
صاح إياد بعنفٍ:
-ما ناخده التخشيبة نوريه مقامه وننزل فيه عجن..
همس له صادق من بين أسنانه:
-تخشيبة إيه يا حمار إحنا ماسكينه من غير إذن.
حك إياد عنقه:
-يعني مينفعش ينزل الحجز؟؟؟
ضرب صادق كفيه ببعضهما:
-يخربيت الكوسة اللي بليتنا بيك.
-أنا هقولك على مكان الداتا.
التفت صادق مسرعًا إليه، فكان يبتسم باستفزاز:
-عارف إن وجودي هنا من غير إذن نيابي، وعارف إنكم عايزين الداتا القديمة لفيديوهات الظافر، بس بشرط.
قهقه صادق ساخرًا:
-إنت هتُشرط كمان يا روح أمك!!!
ناظره الشاب بتحدٍّ، فزفر صادق:
-اخلص.
أشار له ليقترب، ففعل صادق ومال بأذنه إليه ليهمس له بشيءٍ ما، فانتصب صادق جاحظ العينين مرتاب، ينقل بصره بين ذلك الشاب المتبسم بخبثٍ، وبين إياد عاقد الحاجبين بشكٍ..
خرج صادق من المكتب وخلفه إياد يسأله عما طلبه منه ذلك الرجل، إلا أنه أثر الصمت حتى قابلهم فهد وسأل صادق عن الأمر فقال الأخير بحرصٍ:
-هو هيدينا الداتا.
تنهد فهد بارتياحٍ:
-تمام كويس.
-بس فيه مشكلة.
قال صادق وهو ينظر لإياد بريبةٍ، فتساءل فهد:
-مشكلة إيه؟
-إنه مثلي.
3
رفع حاجبه بتساؤل:
-مثلك إزاي يعني!
والتفت ينظر لإياد متعجبًا:
-إنت فاهم حاجة؟!
هز رأسه يمنى ويسرى وهز منكبيه بعدم فهمٍ:
-مثلي مثلك.
1
-شاذ يا فهد، بيحب الرجالة.
ابتسم إياد ببلاهةٍ:
-بيحب الرجالة ليه دي أشكال تتحب؟
ناظره صادق بسخرية:
-تخيل بقا يا إياد، إنه ساب كل الرجالة الحلوة دي ومُعجب بيك إنت!
انهارت بسمته واتسعت حدقتيه بصدمة:
-ها؟؟؟
-أيوه زي ما فهمت.
ازدرد إياد لعابه بخوفٍ:
-يـ…يعني إيه؟؟؟
هبط صادق بكفه على كتف إياد قائلًا بجدية:
-إنت العروسة يا إياد.
5
انتفض الآخر ومنفض كف صادق محاوطًا صدره بكفيه صارخًا:
-لا بقولكوا إيه إلا الشرف! القذارة دي أنا مستحيل أشارك فيها إنتو عايزني أتلعن دنيا وأخرة ولا إيه!
-يا ابني هنسايسه بس لحد ما ناخد اللي إحنا عايزينه وبعدين يا سيدي هنحبسه بأي تهمة ده عيل معفن ريحته فايحة ولو سيبناه مع الرجالة ووصيناهم عليه هيعملوله دُخلة بلدي.
-إنتو اتجننتوا!!! نسايس مين! أنا مش موافق…على جثتي أعمل القذارة دي إنتو عايزني أطرد من رحمة ربنا ولا إيه!!!
رفع صادق حاجبه بحدة:
-تسايسه ولا تتطرد من الداخلية كلها خالص!!!!
وقف يرمقهما بنظرة باكية، فإذا بهما متحفزان تمامًا فارتمى يجلس أرضًا وهو يحاوط رأسه بكفيه متمتمًا:
-يا شرفك اللي هيبقى في الأرض يا أحمد يا صقر..
1
***
حل المساء، وتجهزت العائلتين للحفل، فيما وقفت يمنى تُصر على قدر للمرة الأخيرة:
-يعني مش عايزة تيجي برده؟
-مش قادرة يا ماما بجد.
وجاءت نارين فاحتضنت كتف صديقتها بمرحٍ:
-متقلقيش يا ماما أنا هلزق فيها طول الليل.
ضحكت قدر بخفةٍ، ثم رفعت رأسها لتتلاقى عينيها بعيني شهد الشاردة فيها، فتبتلع لعابها بتوجسٍ، فمنذ شجار الأخوين لم تحادثها عمتها البتة..
وكأنها تتهمها بأنها سببًا في ذلك الشجار!
تنهدت باختناقٍ وجلست على الأريكة تنظر إليهم يتجهزون للرحيل، فيما قال رعد بجدية:
-بما إنكم قاعدين حاولوا تجهزوا شنطكم عشان منتعطلش بكرا.
أومأت نارين فيما بقت قدر شاردة في اللاشيء، حتى خرجوا جميعًا من المنزل محدثين الضجة المعتادة، وتكدسوا في ثلاث سيارات وغادروا في موكبٍ..
فيما وقفت فضيلة تستعد لركوب السيارة، لتسألها وفاء بقلقٍ:
-هتتأخري عند فيفي يا ماما؟؟؟
-لأ، عقبال ما توصلوا البيت أكون أنا فيه قبلكم.
ثم لكزتها متمتمة:
-ومتتوتريش كده متفضحيناش.
2
أومأت على مضضٍ، وركبت السيارة الأخرى، فيما غادرت سيارة فضيلة في الإتجاه المعاكس، وعلى وجهها جميع معالم السعادة!
***
وفي سيارة شفيق ورشا، كانت رشا تمسك هاتفها وتعبث به والبسمة تحتل وجهها بأكمله، فانتبه شفيق لذلك وقال:
-إيه بتكلمي الخليل كوميدي؟؟؟
رمقته بطرف عينها في ضيقٍ:
-يا سخيف!
-لا والله بتكلمي مين وفشخالي ضبك أربعة متر كده؟؟؟
زفرت بحنقٍ وهي تُغلق الهاتف لتُلقيه على قدمها:
-سلمى صاحبتي!
غمغم وهو يومئ برأسه، وعاد يسألها:
-كنتي فين بقا طول اليوم؟؟
-ما أنا قولتلك خرجت شوية مع سلمى.
-واضح إن علاقتك بسلمى اتطورت جدًا الفترة دي.
ازدردت لعابها بتوترٍ:
-عادي يا شفيق، سلمى صاحبتي من إعدادي وما صدقت لقيت وقت أقابلها يعني.
أتخبره الحقيقة؟
فماذا سيعود عليها سوى أن ينهرها ويكبت حريتها وعملها مجددًا!
أن تعمل وتجتهد حتى تجد ما تستند عليه ثم تخبره؟ فكرة رائعة..
وصلت العائلتان إلى أمام قصر فكرت غيث، وقفت السيارات خلف بعضها، وهبطوا جميعًا..
فيما مال رعد برأسه يُحيي فهيم الذي تبسم له بهدوءٍ، ودخلوا جميعًا الحفل، أطفالًا وكبارًا وشبابًا..
تأبطت يُسرا ذراع شاهين ودخلت معه ممتعضة الملامح شاحبة الوجه، تمسك بطنها وتتأوه بصمتٍ، تعض على شفتها السفلى بعدم ارتياحٍ..
-مالك؟
تحدثت بوهنٍ:
-مش عارفة، بطني بتوجعني أوي!
1
-طب تعالي.
أجلسها على أقرب مقعد جوار دُرة التي سألتها:
-مالها يُسرا؟؟؟
-خليكي جنبها على ما أجيبلها حاجة تشربها.
أسندت دُرة يُسرا التي ضغطت على كفها بقوةٍ وهي تمسك بطنها بالكف الآخر في وجعٍ..
مال رعد يهمس ليامن بتساؤل:
-مشوفتش أنا الراجل اللي قولت عليه ده!
-هو أكيد جاي.
أومأ رعد عدة مراتٍ بعدم ارتياحٍ:
-ربنا يستر.
ارتشفت يُسرا العصير ببطءٍ، فارتاحت قليلًا، سرعان ما رفعت رأسها تنظر لتلك السيدة ذات الجسد الممشوق التي تقترب من زوجها هاتفة:
-مش ممكن! شاهين الحلواني؟!
التفت لها رامقًا إياها بتعجبٍ، فقالت:
-أنا صاحبة نجدة، كنت موجودة في افتتاح الفندق، دوقت حلوياتكم وبجد إنت مش معقول! قالولي إن أغلبهم وصفاتك…بجد إنت مبدع.
ابتسم مجاملًا، سرعان ما مدت كفها لتصافحه:
-معرفتكش، أنا شيروت.
وضعت يُسرا الكوب في يدي دُرة ونهضت بصعوبةٍ تستند على ذراع المقعد ووقفت جوارهما تمد كفها لتصافحها بدلًا منه:
-يُسرا الزُهدي مراته.
ابتسمت الأخرى بعدم ارتياحٍ:
-آه..أهلًا.
-حقيقي إنتي محظوظة بيه، تلاقيكي بتاكلي حلوياته كل يوم..يا بختك.
لوت يُسرا شفتيها بحسرةٍ:
-بختي أسود ومنيل يا أختي.
أومأت الفتاة والتفتت برأسها لشاهين ومدت كفها مجددًا لتصافحه:
-مبسوطة إني اتعرفت عليك أتمنى يبقى بينا شغل في مرة.
فوقفت يسرا عائقا بينهما وبطنها التي عاونتها وكأن طفلتها تغار مثلها أيضا:
-الله يسلم عمرك، متسلميش بعشم أوي بس عشان متوضي.
-وأنا هنقض وضوءه يعني!
-الشياطين بيعملوا اكتر من كده.
قالتها ببسمة سمجة، فكتم شاهين ضحكته أسفل قناع ارتداه بمهارة وهو يتحدث بعملية:
-متشكر لحضرتك يا فندم.
1
فتبسمت شيروت بسمة مشحونة، واستدارت تغادرهم فيما التفتت يُسرا له بحدة حتى ارتطمت خصلاتها بوجهه:
-وأنا هقعد ألملم وراك صف المعجبات؟ ما نلم نفسنا بقا ده أنت هتبقى أب! يا متصابي!!!
قالتها والتفتت لتجلس جوار سعاد وتماضر ورقية، فيما وقف شاهين يبتسم بمرحٍ عليها..
فيما اقتربت نجدة تتبختر في ثوبها الأسود وتحمل بين كفيها كأسًا من العصير ومدته له ببسمة مختالة:
-اتفضل..
نظر بطرف عينه ليُسرا التي ترمقهما من بعيدٍ بأعين تُطلق شررًا، فحِفاظًا على العلاقة بينهما رفض بأدبٍ:
-متشكر مبحبوش.
ضمت كفها والتفتت تنظر ليُسرا التي ترمقهما بغضبٍ وابتسمت:
-كان عندي فضول أشوفها، بس مقابلتي ليها أول مرة مكانتش ظريفة، أتمنى مكونش سببت ليكم أي مشاكل
رمقها بصمتٍ، وأردف بمنتهى الهدوء:
-يُسرا أعقل بكتير من إنها تعمل مشكلة على سبب تافه زي ده، وفوق كل ده…هي واثقة فيا، فمتقلقيش يا مدام نجدة، عن إذنك.
استأذنها، ورأته يقترب من زوجته الجالسة تحدجه بتأملٍ، فوقف أمامها ورفع كفها ليُقبله، فتفاجئت يُسرا وارتشفت نجدة الكأس دفعة واحدة، ثم استدارت ترفرف بثوبها بعيدًا عنهما.
-كانت بتقولك إيه؟؟؟
سألته بحدة، فهمس:
-شغل.
قهقهت ساخرة:
-شغل؟ عليا أنا يا إبن فهيم! وبعدين فيه إيه؟ من اول ما دخلنا ومفيش راجل سلم عليك هي الحفلة دي مفيهاش رجالة ولا إيه؟؟؟؟؟
– لأ اتعدلي بدل ما أعدلك!
ونظرها بتحذيرٍ، فالتقطت حقيبتها ووقفت بتململٍ:
-طب أنا عايزة أروح.
قالت سعاد بغرابة:
-تروحي فين إحنا لسه قعدنا؟!
هدرت بغضبٍ:
-تعبانة وعايزة أروح يا طنط..
ثم نظرت لزوجها:
-هتروحني ولا هتفضل وسط المعجبات دول!
-خلي عم عبده يوصلك.
رفعت حاجبيها بعدم تصديقٍ وفغرت فاهها لوهلة، ثم أومأت بهستيرية وخرجت من المكان وهي تسير بغضبٍ وتدك الأرض دكًا بحذائها..
فيما رفع شاهين الهاتف وحادث السائق بسرعة يخبره:
-يُسر طالعة روحها وتعالى تاني.
ثم أغلق الخط، وجلس يتنهد بضيقٍ..
***
كان رعد وحسام يقفان مع فكرت غيث، فيما كان يامن يحتضن كتف سارة ويتابع بعينيه الأطفال الذين يهرولون هنا وهناك بمرحٍ، بينما جلس يزيد وفارس في هدوءٍ جوار بعضهما بصمتٍ، وكان يزن وإسلام يلعبان على هواتفهما، وجلست الفتيات سويًا، وجواد بالطبع بمفرده، ونغم كذلك..
وفي تلك الأثناء وقف يرمق المكان بنظرة شمولية..
واعتلى ثغره بسمة غير مريحة..
نظر للفتى الذي يجاوره لبرهة، ثم دخلا سويًا الحفل..
فيما استأذن فكرت رعد وذهب يستقبله بحفاوةٍ، فوقف رعد يحدجه بنظراتٍ مستغربة..
حتى تلاقت أعينهما!
حتى وجد يامن يذهب إليه أيضًا ويرحب به ويصافحه بحرارةٍ، ثم يلتفت له ويناديه:
-رعد تعالى.
فاقترب ببطءٍ منه، وتفحصه بأعين خبيرة..
ذلك الرجل…ليس مريحًا على الإطلاق!
-بيجاد الأدهم..
قدمه يامن إليه، فابتسم له رعد مجاملًا ليبادله الآخر كذلك ببسمة جانبية مرحبًا به:
-رعد العزاوي غني عن التعريف طبعًا.
تلاقت كفوفهم في مصافحة جافة، ووقف رعد يحدجه بعدم ارتياحٍ…غير مطمئنًا لذلك الإشعاع السلبي الذي ينبعث منه!
رفع عينيه على دخول فهد إبنه، فاستأذن منهما وذهب لإبنه يحادثه:
-مكنتش متوقع هتيجي.
هو في الواقع لم يكن ليأتي!
لولا إقناع حسناء له!
-خالفت توقعاتك.
ابتسم رعد ببرودٍ:
-كالعادة.
أشار له ليتقدمه:
– محتاجين نتكلم شوية.
جرى فهد بعينيه في أرجاء المكان بحثًا عن أحدهم، فخاطبه أبوه:
-مجوش.
سارا سويًا للشرفة، بينما أشار يامن لسارة لتأتي، فاقتربت منهم ووقفت جوار زوجها الذي احتضن خصرها وقدمها لهم..
فوقفت وجهًا لوجه معه، يبتسم في وجهها مجاملًا، فيقدمها يامن له وهو يحاوط كتفيها:
-دي بقا بنتي الأولانية، سارة العزاوي مراتي.
رفع حاجبه معجبًا، ومد كفه ليصافحها، فابتسمت وصافحته، وتلك المصافحة كانت قشعريرة! قشعريرة شديدة سارت في أعصابها فجعلتها تنتفض عدة مرات بين يدي زوجها، وتبعد كفها عن مرمى ذلك الرجل..
-ذوقك يجنن يا يامن بيه.
ابتسم بيجاد لها بسمة مبهمة، لم تفهم مغزاها، وعقدت حاجبيها بغرابة متسائلة:
-ممكن أسأل حضرتك سؤال!
ابتسم مرّحبًا:
-اتفضلي يا مدام سارة.
ضيقت عينيها بشكٍ:
-أنا قابلتك فين قبل كده؟!!!
ضحك برسمية:
-كان نفسي نكون اتقابلنا قبل كده، بس أنا من صغري وأنا عايش في الستيتس فمعتقدش اتقابلنا قبل كده.
رفع حاجبه بمرحٍ:
-إلا بقا لو كنتي بتروح ستيتس زيارات!
ثم ضحك بتفكهٍ، فيما ابتسمت سارة بعدم ارتياحٍ وهي تدقق النظر في ملامحه..
تُقسم أنها رأته من قبل! ولكنها أبدًا لا تذكر أين!!!
3
-بيجاد بيه قابلته من شهرين في حفل خيري، عجبتني طريقة تفكيره وقولت إنه أكيد شخص مناسب للشراكة.
-ده شرف ليا يا يامن بيه.
صمت قليلًا، ونظرات سارة لا زالت نحوه متشككة ومرتابة، حتى قال بثقةٍ:
-آه نسيت أعرفكم…سيف إبني.
رفع الفتى عينيه لهما، وابتسم بسمة لم تصل لعينيه محييًا، فانقبض قلب سارة لرؤيته، خصوصًا حين تلاقت خضراوتيها بخاصتيه! عينيه…خضراوتين أيضًا..
نادرًا ما تجد أحدًا يشبه لون عينيها..
كان يمد كفه لها، فاقتربت تصافحه وعينيها لا تنزاح عن ملامح وجهه الباهتة، شاحب الوجه غائر الملامح وكأنه لا يأكل!
-سيف المفروض يكون في تانية ثانوي دلوقتي، بس لسه عايز أقدمله في مدرسة و مش لاقي واحدة مناسبة.
-قدمله مع الأولاد! مدرستهم كويسة جدًا
-حقيقي؟ يا ريت تبعتلي التفاصيل يا يامن بيه من فضلك.
-أكيد.
تعالى صوت الموسيقى في الأرجاء، فسحب يامن سارة ليرقصا سويًا وسط عشرات الثنائيات ومنهم كان حسام وآيات، فيما وقف رعد مع فهد في الشرفة، يحادثه وقد بدا على وجهه الغضب..
فيما اقتربت فرح من أمها تخبرها بعلوٍ:
-ماما حقا هتحبي النونو أكتر مني؟؟؟
اتسعت حدقتي سارة وهدرت وهي تكيل لها نظرة محذرة:
-نونو إيه دلوقتي أمشي من هنا.
نظر يامن لسارة بغرابة:
-نونو إيه؟؟؟
وتحدثت الصغيرة بحزنٍ:
-ساجد قالي ماما هتحب النونو وأنا وفريد لأ!
1
اتسعت حدقتي يامن وهو يرمق زوجته بصدمة حتى توقفا عن الرقص فيما تمتمت سارة ببكاءٍ:
-منك لله إنتي وساجد!
-إنتي حامل؟؟؟؟
دفعت الصغيرة وصرخت وسط الموسيقى:
-روحي لأخواتك ياللي منك لله.
فيما جذبها يامن من ذراعها هادرًا:
-ردي عليا حامل؟؟؟
نظرت له بفاهٍ فاغر، ثم تحدثت باستسلامٍ:
-أيوه!
فوقف يامن مصدومًا، وبدأ يعد أبناؤه، واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة…سبعة…ثمانية!!!!!
اللعنة…وبئسًا..
سقط يامن مغشيًا عليه أمام جميع من يرقص على المسرح..
3
***
-اكبروا بقا، اهو أخوك من إمبارح منعرفلوش طريق!
قالها رعد ناهرًا إبنه، فأردف الآخر:
-إنت بتقولي الكلام ده ليه؟؟؟ هو أنا لوحدي اللي غلطت؟؟ إنت مش شايف وشي عامل إزاي! إبنك اللي ضربني الأول على فكرة!
حدجه رعد بنظرة مرعبة:
-بص…أنا مش عايز مشاكل..إنت مش راجع تقرفنا وتوقع بين أخوك وخطيبته!
قهقه ساخرًا:
-خطيبته دي هي أُس المشاكل كلها! وبعدين أنا مرجعتش بمزاجي…إنت اللي أجبرتني!
التفت ينظر للشارع بشرودٍ:
-أمك كان نفسها تشوفك.
فيما ضحك فهد ضحكة تهكمية مريرة:
-يعني لولا كده…كنت هتفضل متبري مني؟؟؟
-أنا مش متبري منك.
ابتلع غُصة تشكلت في حلقه فألمته:
-طب…بتكرهني ليه؟؟؟؟
التفت رعد ينظر في عيني إبنه المنكسرة بجمودٍ وإن كان داخله أعاصير، إلا أنه هتف بجدية وهو يعيد نظره للأمام:
-أمك كانت قلقانة، وكان لازم أطمنها، على طول بتسأل عليك وخايفة..أكيد مش هروح أقولها في وشها إبنك رجع شغله وبقا ظابط ومعرض للقتل
في أي وقت، ولا اقولها إبنك اتجوز وخلف من ورانا؟؟؟
2
وأوقفهم شهقة صدرت من خلفهم، فاستدار رعد وفهد بسرعة، ليجدا شهد تناظرهما بصدمة هامسة:
-ظابط!!! اتجوزت وخلفت!!!!
زاغت عينيها من تلك الحقائق..
فقط سقطت بين يدي رعد الذي كان سريع البديهة كفاية ليُدرك أن زوجته سيُغشى عليها…للمرة الثانية في أسبوعٍ..
وبسبب نفس الشخص!!!
4
****
ركضت إلى الباب الخلفي وهي تضع الهاتف بين كتفها وأذنها:
-خلاص يا بت هخش أجيب الكيس أهو يقطع النسيان وسنينه.
قالتها إحدى خادمات القصر وهي تدخل من الباب الخلفي للمطبخ :
-لأ كلهم برا البيت، هجيبه على طول وأطلع مش هتأخر، سلام.
أغلقت هاتفها ودخلت المنزل على عجلة..
فيما توقفت السيارة التي تقل يُسرا أمام بوابة المجمع السكني، فهبطت يُسرا تمسك بطنها وتعض على شفتها السفلى بألمٍ، ورغم ذلك ابتسمت للسائق بشحوبٍ:
-خلاص يا عمو روحلهم بقا عشان توصلهم
هز رأسه نافيًا بإصرارٍ:
-أبدا، شاهين بيه قايلي أشوفك وانتي بتخشي
ابتسمت بوهنٍ:
-أنا خلاص هخش أهو، يلا عشان متتأخرش عليهم.
وفي النهاية استسلم، وغادر بالسيارة، فيما سارت يُسرا عدة خطواتٍ ببطءٍ..
تتأوه في كل خطوة..
وثُقل بطنها يزداد..
حتى ان قدميها باتت واهنتين فأصبح الدعس عليهما بالغ الصعوبة..
وقفت جوار حوض الزرع أمام القصر، وصرخت بوجعٍ وهي تنحني ألمٍ وتمسك بطنها بقوة..
لقد جاءها ألم المخاض!!!
فاستندت بكفها على حوض الزرع جوارها، تتأوه بخفة، ظنت أنه الألم الذي أصبح لا يفارقها بما أنها في الشهور الأخيرة، أنزلت عينيها مكذبة حاستها حينما شعرت بمياه تُغرق ساقيها سرعان ما جحظت عينيها وهي ترى ما ينساب ببطءٍ مغرقًا فستانها، لم تستطع في تلك اللحظة أن تميز ما إن كانت مياه الرأس أم دماء!
تصرخ بألمٍ، تنادي أحدًا من الداخل لينقذها، حتى استوعبت أنه ما من أحدٍ بالمنزل، الجميع بالحفلة، وفضيلة عند شقيقتها، والخدم إجازة لأن غدًا الجمعة!
كافحت لتخرج المفتاح من حقيبتها، إلا أنها سقطت أرضًا تصرخ بوجعٍ رهيب وهي تستند بظهرها على حوض الزرع، حاولت الوصول لحقيبتها التي سقطت بعيدًا عنها، كافحت لذلك حتى صرخت بألمٍ، بعرقٍ غزير غمرها، ودمعات تساقطت بكثرة، احتضنت بطنها رافضة أن تخسرها..
لن تخسر نسختها..
لن تخسر إبنة شاهين!
1
-حد…حد موجود؟ ساعـ…ساعدوني…حد..يساعدني!
صرخت بوهنٍ..بألمٍ…بعجزٍ! ولا حياة لمن تنادي!!
رفعت رأسها للقصر لعل به من ينقذها أو يأتيها الله بمعجزة! فلمحت طيف ينظر لها من النافذة، يختلس النظر من وراء الستائر، وما إن رأته حتى تراجع وعادت الستائر مكانها، تلك غرفتها…غرفة فضيلة!
ابتلعت لعابها بصعوبة، وعضت على شفتها السفلى وهي تكافح للإعتدال حتى تصل لحقيبتها، حتى سمعت صوت صرخة يأتيها من الخلف:
-يالهوي! ست يسرا!!!
قالتها الخادمة التي جثت جوارها لا تدري ما تفعل، بحثت حولها عن من يساعدها صارخة:
-الحقوني يا ناس، الحقوني يا خلق..
سرعان ما نهضت مسرعة وهرولت إلى المنزل المقابل..
البيت المَهيب، بيت آل عمران تطلب منهم العون..
طرقت الباب ودقت الجرس وبسرعة هائلة، حتى خرجت فتاة ذات شعر قصير حافية القدمين ترمقها بانزعاجٍ صارخة:
-فيه إيه!!!
وبسرعة هتفت الفتاة برعبٍ:
-ستي يسرا واقعة قدام البيت مش عارفة أعمل إيه!
هرولت قدر أمامها بسرعة دون أن تسأل..
وخلفها نارين التي لا تفهم شيئًا فقط تتبعها كظلها!
جثت قدر أمام يسرا التي تتلوى أرضًا بألمٍ وصرخاتها تعلو بوهنٍ، وتلك المياه الممزوجة بالدماء تُغرق الأرض أسفلها بعدما طُبِعت على فستانها، سرعان ما صرخت بنارين:
-الإسعاف بسرعة يا نارين.
أومات واتصلت على المستشفى التي تعملان بها، في حين حاولت قدر تهدأة يسرا بكل ما تعرفه:
-حاولي تتنفسي، اتنفسي براحة وخرجيه..
تعرقت يسرا وتأوهت بألمٍ،..
وهي تتنفس بتقطعٍ..
عافرت..
حاولت ألا تخسرها..
ولكن…
الألم لا يُطاق..
جحظت عيني قدر تهز رأسها بنفي وتهز جسد يسرا بعنفٍ صارخة:
-فوقي متناميش، اوعي يغمى عليكِ، فوقي!!!
ولكن..
يسرا ليست بالقوة التي تجعلها تصمد أمام إجهاضٍ متعمد.
9
_____________
إنتو بجد كنتو متخيلين إن شاهين ويُسرا هيفضلوا عايشين في العسل من غير أي عوائق؟؟؟😂😂
صباح الفل إحنا بدأنا الشقلبة🫂
زر الذهاب إلى الأعلى