روايات رومانسية

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل التاسع عشر 19 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل التاسع عشر 19 بقلم تقي حامد 

الفصل طويل، لأ حرفيًا طويل، طويل جدًا !
ومليان شقلبه زمنية تخرم النافوخ فهاتوا ورقة وقلم وركزوا في التفاصيل تفصيلة تفصيلة وإللي هتقع منه معلومة أنا ماليش دعوة🫵
وعمومًا أنا استمتعت جدًا بكتابته وقراءته ومتأكدة هتستمتعوا برده _الكلام ده للي فاهم الأحداث وعارف يلضمهم ببعض_.
1
_______________
تحركت بكرسيها المتحرك لتفتح باب الشقة، رفعت عينيها لترى الزائر والذي لم يكن سوى دارين منكسة الرأس شاحبة الملامح، فاعتلى ثغرها بسمة مُستهزأة:
-مش مصدقة عنيا ! دارين هانم جابر بنفسها عندي؟ ده إيه الزيارة الـ…غير متوقعة دي!
دخلت دارين تقول بصوتٍ منكسر مبحوحٍ:
-ا..ازيك يا مدام يُسرية.
ابتسمت بشماتة:
-كويسة يا أختي، طبعًا جاية عشان بنتك؟؟؟
انحنت دارين تجلس القرفصاء أمام يُسرية تترجاها بقلبٍ مكلوم:
-أبوس إيدك، رجعولي بنتي وأنا هرجعلكم فلوسكم كلها، بس رجعولي بنتي!
أطلقت يُسرية ضحكة خفيفة متهكمة:
-ترجعيلي فلوسي؟؟ لأ..رجعيلي شبابي اللي راح، رجعيلي عمري اللي راح هدر، رجعيلي قلبي اللي كسرتيه إنتِ وطارق ورائف، رجعيلي طفولة إبني اللي اتحرم منها لما نزل يدور على شغل يصرف بيه عليا وهو لسه مكملش ١٨ سنة، رجعيلي صحتي ورجليا عشان أمشي تاني! رجعيلي نفسي يا دارين!
1
التمعت الدموع بعيني كلتيهما، واحدة حسرةً وكمدًا على شبابها المهدور ،والأخرى ألمًا ووجعًا على ابنتها المأسورة!
-بنتي ملهاش ذنب يا يُسرية!
فصاحت الأخيرة بانفعالٍ:
-وهو أنا اللي إبني كان له ذنب؟؟؟ إنتِ خدتِ فلوسه وفلوس أبوه! خدتِ حقه وورثه! أبوه رماه ورماني عشان خاطرك إنتِ!!!
هزت رأسها نافية بشدة وهي تسابق عبراتها:
-لأ، والله كان غصب عني، انا معملتش كده بمزاجي والله العظيم ما كان بمزاجي!
رمقتها يُسرية باشمئزازٍ وضحكت بغلٍ:
-مش هتفرق، زي ما إبني اتشحطط وطلع عينه هيعمل في بنتك، وزي ما أنا على كرسي لا بعرف أدخل الحمام ولا أتحرك لوحدي…هتبقي كده من حسرة قلبك على بنتك.
هزت رأسها يمنى ويسرى بهستيرية، وانحنت لتُقبل كف يُسرية راجية فأبعدت الأخرى كفها باحتقارٍ:
-أبوس ايدك رجعيلي البت، متعملوش فيها حاجة بالله عليكم!
-امشي اطلعي برا.
ورجاءها يزداد إلحاحًا:
-عشان خاطر ربنا يا يُسرية البت لأ، بالله عليكِ ما تحاسبوها على غلطاتي أنا وأبوها بالله عليكِ.
صاحت بغضبٍ:
-قولتلك اطلعي برا!!!
وعلى أثر الصياح خرج عز الدين من غرفته مسرعًا، فوجد دارين أسفل قدمي أمه تترجاها فابتسم ساخرًا وربع ذراعيه أمامه:
-إيه ده حماتي؟ جاية تطمني على بنتك ولا على شرفها؟؟؟
انتفضت تقترب منه وهي تمسكه من كتفيه هاتفة بنحيبٍ:
-أريچ…أريچ كويسة؟؟؟
-ماما.
صرخت الفتاة وهي تهرول إليها فتضمها دارين بشدة إلى صدرها، متشبثة فيها بقوةٍ حتى اختلط نحيبهما معًا في صالة المنزل..
تفحصت دارين وجه إبنتها وتحسسته متسائلة بقلقٍ:
-عملك حاجة؟؟ حصل بينكم حاجة!!!
ناظرتها أريچ بأعين غائمة في العبرات، حتى أنها لم تراها بوضوحٍ!
فيما جذبها عز الدين بقوةٍ وخبئها خلف ظهره :
-تحبي أجيبلك المنديل من جوا؟؟
قالها باستهزاءٍ، فاتسعت حدقتي دارين وهمست:
-يـ…يعني إيه؟؟؟!
رفع حاجبيه بدهشةٍ زيّفها ببراعة:
-مش بنتك بقت مدام! قوليلها مبروك يا حماتي!
صرخت دارين صرخة نبعت من قلبها المفطور، وصاحت:
-لأ…مستحيل!
-مستحيل ليه بس يا حماتي ده أنا كاتب عليها قدامكم!
لطمت دارين على خديها بانهيارٍ وسقطت على الأرض كالبناء المتهالك، فيما صرخت أريچ باسمها وتحررت من عز الدين لتحتضن أمها الساقطة أرضًا تنظر للفراغ بخواءٍ..
قد…ضاعت ابنتها..
تمزق قلبها أشلاءً وأطرقت صامتة ..
تنقل بصرها بين وجه ابنتها الباكي ونظرة عز الظافرة…
-ودلوقتي…اطلعي برا بيتي يا دارين هانم
قالتها يُسرية بترفع إمرأة ارستقراطية كارهة لعامة الشعب، ورفعت دارين عينيها المنكسرة لتنظر بهما بحقدٍ إلى يُسرية، نهضت على ساقيها بمساندة إبنتها، ونظرت لأريچ:
-هتيجي معايا.
سحبها عز الدين بقوة صارخًا:
-تيجي معاكِ فين!!! هي وكالة من غير بواب! اطلعي برا متخلينيش أتغابى عليكِ!
-مش ماشية من غير بنتي!
زفر حانقًا، والتقط كفها بعنفٍ ملقيًا إياها أمام الشقة ومحذرًا:
-لو جيتي هنا تاني هطلبلك البوليس.
ثم صفع الباب في وجهها فانهارت أمامه تطرق عليه بأناملها المرتجفة:
-هاتلي بنتي…متاخدهاش مني!
فيما سحب عز أريچ الصارخة باسم أمها ودفعها للغرفة ملقيًا إياها بالداخل وابتسم بتشفٍ واضح:
-عايزة ترجعي لأمك؟ طب وحياة أمك ما أنتِ متحركة من هنا، ولحد ما أشوف أبوكِ راكع قدامي مش هسيبك يا أريچ!
دفعها فسقطت أرضًا تبكي بنواحٍ عالٍ، ازداد حين سمعت صوت المفتاح يدور في الباب من الخارج..
حيث أغلق عليها الغرفة تاركًا إياها في حالتها البائسة!
2
***
وضعت لارا الملف أمام صابر الذي التقطته وفتحه يتفحص ما فيه بدقةٍ حتى لمعت عيناه وهو يقلّب الصور بين يديه، ابتسم بظفرٍ ونشوة، قاطع غروره بنفسه صوت لارا المبحوح:
-أنا عملت كل اللي قولتلي عليه أهو.
ابتسم ومال وهو يحتضن كتفها إليه هاتفًا بخبثٍ:
-جدعة يا قلب صابر من جوا.
ناظرته برجفةٍ:
-هتتجوزني إمتى؟؟؟
-ما إحنا متجوزين يا لولو!
قالها بمراوغة، فصاحت بانفعالٍ:
-رسمي يا صابر، هتتجوزني رسمي إمتى؟؟؟
مال يتشمم عطرها الأنثوي المفعم بالحيوية هامسًا:
-قريب…قريب أوي.
لثم ثغرها بخفةٍ وأشار لها لتنهض:
-خشي يلا خديلك دوش محترم كده وحضرلينا لقمة.
ضربت عينيها بفضولٍ إلى الصور:
-هي الصور دي بتاعت إيه؟؟؟
-تؤتؤتؤتؤ، إحنا مش اتفقنا متسأليش! تنفذي وبس.
ناظرها بهدوءٍ يعلم أنه يُرعبها، فابتسمت برجفةٍ، ونهضت لتلبية طلباته..
فيما أشعل صابر السيجارة والتقمها في فمه متمتمًا ببسمة ظافرة:
-وقعت ومحدش سمّى عليك يا نزنز.
2
***
قبل خمسة عشر عامًا
2
-فهد وصل!
أطلق فادي صرخته وهو يهرول للخارج ليستقبل أخيه بعد عودته من القاهرة حيث أتم شهادته وأصبح الآن ظابطًا في الشرطة!
استقبلته العائلة بأكملها في فرحةٍ وسعادة، بالقبلات والضحكات ..
ناهيك عن أخيه الذي احتضنه بقوةٍ ولم يحرره إلا بعد دقيقتين تبادلا فيها العناق القويّ!
1
عانقه أبوه عناقًا دافئًا وبعده كانت أمه تستقبله بحضنٍ حانٍ، ثم دخل المنزل فرأها تقف بوجهٍ مكفهر جوار أبيها الباسم وأمها مقتضبة الملامح
2
اقترب زهد يحييه ويحتضنه، ورغم ذلك لم تنزاح عيني فهد عن قدره!
خرج من أحضان خاله ونظر لها منتظرًا كلمة..
يا لا جرأته! ماذا ينتظر منها مثلًا؟؟؟ عناقًا؟؟؟ هو الذي تركها في خضم مشاعرها المضطربة ورحل ! وها هو يعود بعدما أمضى سنواته في كلية الشرطة دون أن يُعلمها بذلك؟؟؟
-إزيك يا قدر.
التمعت العبرات في عينيها، فـ رق قلبه لذلك واقترب منها متجاهلًا نظرات يمنى الحارقة له، حاوط وجنتيها هامسًا:
-أنا آسف.
انفجرت باكية وهي ترتمي في أحضانه فعانقها بقوة باسمًا، وسمعها تتمتم بصوتٍ مبحوح:
-كنت فين يا حيوان!
ضحك بمرحٍ:
-كنت بتعلم إزاي أدافع عنك يا حيوانة !
1
في ذلك اليوم، حين عادا أبوه وفادي فقط وتركاه مع حسام في النرويج، حينها هدده رعد بأن يختار..
إما أن يعش حياته كلها مع حسام في بلدٍ غريبة..
أو يعد لبلده فيدخل كلية الشرطة كما يحلم أبوه! وهو اختار أن يحقق حلمًا لم يكن حلمه..
فدخل كلية الشرطة جامعة القاهرة وأمضى فيها سنواته الخمس حتى عاد الآن ليجد الصغيرة باتت مراهقة بجسدٍ فتي تنظر إليه بلومٍ وعتابٍ!
3
ابتعدت عن أحضانه تكفف دموعها وتخبره بحنقٍ:
-مش هسامحك بسهولة، أنا كنت ناوية أقتلك لما أشوفك تاني!
ضيق عينيه مشاكسًا:
-أهون عليكِ؟
لكمت صدره بكفها الصغير:
-للأسف متهونش!
عانق رقبتها بذراعه وشدد عليها بعبثٍ وهو يعبث في خصلاتها التي أطالتها الآن!
اقترب فادي منهما فاردًا ذراعيه بمرحٍ:
-مش مصدق، إحنا كده هنعيد ثلاثيتنا الشهيرة !
1
مال يهمس لأخيه:
-جبتليش حاجة من القاهرة وإنت جاي؟؟؟
رمقه فهد شزرًا:
-أكيد مش مستني مني أخش عليكم بخروف !
قهقه فادي ضاحكًا:
-يكونلك نظر.
صفعه فهد على رقبته :
-اخرس يا حيوان.
فرك فادي رقبته ورمق أخيه ببسمة:
-طب تصدق وحشني القفا ده!
صاحت شهد باسميهما:
-فادي فهد، تعالوا يلا الغدا.
جذب فهد قدر من ذراعها معه وحاوط فادي عنقيهما بذراعيه وسارا لمائدة الطعام حيث قال فهد:
-ويا ترى فيه غدا ولا البيه نسفه كله!!!
-عيب عليك يا ابني إنت أخويا بردك!
وبالخلف..
وقفت يمنى تحدق فيهم بصمتٍ وجمود..
كمن يستعد لأن يقتنص فريسته.
وعلى مائدة الطعام كانت شهد تحشر الطعام حشرًا في فم فهد، بينما نظر فهد لسارة ضاحكًا :
-صحيح يا عمتو، مبروك الحمل.
امتعض وجه يامن فيما ضحكت سارة قائلة:
-الله يبارك فيك يا قلب عمتك
-إيه توأم ولا إيه؟؟
-آه، الدكتورة قالتلي إنهم ولد وبنت.
لوى يامن شفتيه حانقًا، فضحك فهد:
-واضح إن يامن مبسوط أوي.
ابتسم الأخير بسماجة:
-أوي يا أخويا.
نظر لأبيه متحدثًا:
-تعرف إن مرات عمي حسام حامل يا بابا؟
أومأ رعد :
-آه، عمك قالي إمبارح.
لوت سارة شفتيها حانقة:
-الحرباية! شوفتوا بتقلدني إزاي؟!
رمقها يامن بطرف عينه لتصمت، ففعلت وهي تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، فتدخلت يمنى:
-بتقلدك إزاي يا بنتي ما نصيبها كده!
-لأ يا يمنى نصيبها مش كده، أنا لما خلفت تالا وتالين بعدها على طول حملت في يزن ويزيد، واديها دلوقتي برده حامل معايا يعني بتقلدني ولا لأ!
ضحكت يمنى باستهزاءٍ:
-ربنا يشفي.
فيما قالت شهد وهي ترمق رعد نظرة جانبية حادة:
-ناس مبتضيعش وقت.
رمقها رعد بنظرة جانبية، فلاحظ فهد ذلك ونظر لأخيه يلكزه متسائلًا، فانحنى فادي بفمٍ ممتلئ يهمس لاخيه:
-أمك عايزة تخلف على كَبر.
اتسعت حدقتيه:
-إيه؟؟؟
ابتلع ما بفمه وثرثر لأخيه بحماسٍ:
-وربنا، اتخانقت مع أبوك من كام يوم عشان عايزة تخلف بنت قال إيه تونسها، يامن قالها خدي تالا ولا تالين وفضي مكان للي جايين.
كتم فهد ضحكته بكفه فرمقهما رعد بنظرة حادة سُفلية، فصمت كليهما وابتلعا الطعام بضحكٍ مكبوت.
-هتبدأ تدريب إمتى؟
سأل رعد إبنه بنبرة جافة، فأجاب فهد:
-آخر الأسبوع ده إن شاء الله.
1
شهقت شهد بصدمة:
-بسرعة كده!
هز رأسه بقلة حيلة:
-هعمل إيه بس.
-وهيقعد قد إيه؟؟
-يعني تسع شهور كده، تكون سارة ولدت.
قالها بمزاحٍ، فضحكت سارة وتحدثت شهد بضيقٍ:
-بس ده كتير أوي!
وأثناء تناولهم الطعام، اقتحم المنزل عاصفة هوجاء..
دارين جابر!
-رائف…رائف فين؟؟؟
سألت إحدى الخادمات، فيما انتفضت شهد متعجبة:
-مالك يا دارين حصل إيه؟؟
-أنا عايزة رائف، رائف يا جندي انزلي دلوقتي حالًا!!!
وبسبب صوتها العالي الأشبه بالزئير، هبط رائف الدرجات هرولًا، وخلفه شريف وفجر ..
اقتربت دارين منه وهي تضع الورقة نصب عينيه بيدٍ ترتجف:
-إيه دي؟؟؟؟
تجمد أمام الورقة فصاحت:
-ما ترد عليا إيه دي؟؟؟؟؟
ازدرد لعابه متوجسًا، فيما اقتربت فجر منها لتهدئتها، ولكنها دفعت يدها عنها صارخة بقهرٍ:
-بتتجوز عليا يا رائف؟؟؟؟
-اهدي بس يا دارين .
صاحت دارين فيه:
-أهدى إيه يا عمو؟؟ إبنك متجوز عليا وتقولي إهدي؟؟؟
ثم عادت تنظر له باحتقارٍ:
-ويا ريته متجوزها عرفي ده رسمي!!
وغزته في صدره بإصبعها :
-ما تنطق! ولا القطة كلت لسانك!!!
حاول تهدأتها بأن أمسكها في ذراعيها فدفعته صارخة:
-انطق !!! بتتجوز عليا؟؟؟ أنا تعمل فيا كده يا رائف أنا!!!
تعالى صوت بكاء أريچ ذات العامين أسفل قدمي أمها، فانحنت شهد تحملها بعيدًا وتحاول تهدأتها فيما قال رائف بجمودٍ:
-اهدي يا دارين وتعالي نتكلم في اوضتنا
-هنتكلم نقول إيه إن شاء الله؟؟؟ هتشرحلي اتجوزتها إزاي؟؟؟؟
زفر حانقًا، ورفع نظره إليها هاتفًا ببساطة:
-ولو اتجوزت عليكِ، عايزة إيه يعني؟؟؟؟
اتسعت حدقتيها ووقفت متجمدة بصدمة أمامه تضحك بعدم تصديقٍ ضحكة متهكمة وتكرر ورائه بخواءٍِ:
-عايزة إيه يعني؟؟؟؟
استجمعت شجاعتها واستطردت:
-مش عايزة حاجة، أنا بس كنت خارجة من عند الدكتورة…. واللي قالتلي إن أنا حامل بالمناسبة!! بس للأسف قابلت الهانم اللي متجوزها واللي جاتلي ورمت في وشي نسخة من عقد جوازكم! بس تصدق…ذوقك في الستات بقا متدني جدًا!!
قالتها وهي ترمقه من أعلاه لأسفله بازدراءٍ، وتابعت:
-طلقني يا بتاع يُسرية…مش اسمها يُسرية برده؟؟؟؟
1
وقف الإثنان أمام بعضهما يتناطحان، هو يرمقها بغلٍ وغضب، وهي أحقد منه ! ترمقه بنظرة قاسية مزدرية.
لم تمر العاصفة مرور الكرام، فبين محاولة فجر والنساء التخفيف عن دارين المجروحة، وبين محاولة شريف والرجال إثناء رائف عن عناده والإعتذار لدارين وإنهاء زواجه بالمدعوة يُسرية، رضخ رائف!
وسار لدارين وجلس أمامها على فراشهما، فإذا بها تشيح بوجهها الباكي عنه، فانحنى يلثم جبينها معتذرًا:
-أنا آسف.
-آسف؟ تصدق اتصالحت! وإنت المفروض تيجي تقولي آسف أقولك خلاص يا حبيبي محصلش حاجة مش كده؟؟؟
-كانت نزوة يا دارين! قابلتها في كافيه و…
قاطعته صارخة:
-إنت كمان هتحكيلي قابلتها فين وإزاي؟؟؟؟ رائف اطلع برا…برا!!!
اقترب يحاوط ذراعيها هامسًا باستجداءٍ:
-متعمليش فينا كده يا دارين، أنا غلطان وأستاهل ضرب الجزمة، بس أريچ وإللي في بطنك ذنبهم إيه؟؟؟
رمقته باحتقارٍ:
-ذنبهم إن أبوهم قذر ماشي بشهواته.
تلقى سُبابها بصدرٍ واسع:
-حقك…بس..متخربيش البيت يا دارين! وحياتك عندي هطلقها وما عدت هعملها تاني!
بالتفكير في الأمر، هو محق..
أولادهم لا يستحقون حياة بين والديهما المنفصلين..
فإن جاء الأمر لمصلحة أبنائها، فـ تبًا لكرامتها.
-لو اتكررت تاني، تطلقني يا رائف!
فابتسم، ومال يضمها إلى صدره، فظلت تنظر للفراغ بخواءٍ..
في اليوم التالي كانت دارين أمام منزلها، خلعت نظارتها الشمسية وصعدت الدرج حتى أول طابق..
طرقت الباب طرقتين، ففُتح بعدها..
ورأت شابًا فارع الطول في ريعان سنواته المراهقة وسألته:
-يسرية موجودة؟
أومأ متسائلًا بحاجبين مقضبين:
-أقولها مين؟؟؟
-مين يا عز؟
جاءت من خلفه، تمسح كفيها في منشفة مطبخ، ووقفت متمسمرة أمام دارين التي دخلت الشقة وسمحت لنفسها بالجلوس على إحدى مقاعدها، فابتلعت يُسرية ريقها وأشارت لإبنها بالدخول:
-خش أوضتك دلوقتي.
ففعل بلا جدالٍ، وجلست يسرية أمام دارين التي اعتلى ثغرها بسمة مُستهزأة:
-زيارة غير متوقعة مش كده؟؟؟
ابتسمت يسرية بهدوءٍ:
-توقعتها، بس مش بالسرعة دي.
وبين نظراتهما المتبادلة، كان قول دارين صارمًا:
-أنا مش هسألك إيه إللي يخليكِ تتجوزي واحد متجوز، لأ وكمان أصغر منك، أنا هسألك كرامتك سمحتلك إزاي تفرقي بين راجل وولاده ومراته!
ابتسمت متهكمة:
-إنتِ آخر واحدة تسأل سؤال زي ده يا دارين!
عقدت حاجبيها بغرابةٍ، فواجهتها يُسرية بالحقيقة المُرة:
-اللي فتحلك الباب ده يبقى إبني، عز الدين ..طارق.. الباشا!
وبين كل اسم والآخر تتسع عيني دارين صدمةً، ويسرية تستأنف بلا رحمة:
-مبيفكركيش بحاجة الإسم ده؟؟
ازدردت دارين لعابها بتوجسٍ، والأخرى تضربها في مقتلٍ بكل كلمة تخرج منها:
-آخر راجل لفيتي عليه واتجوزتيه! خدتيه من مراته وابنه برده، لا وسرقتي فلوسه إللي هي أصلًا فلوس مراته وكان واخدها يشغلها!
1
تمتمت دارين بتلعثمٍ أثر الصدمة:
-هو إنتِ…
-يُسرية الجّمال، مرات طارق الباشا اللي جبتي أجله لما سرقتيله فلوسه وفلوس مراته وإبنه!
تذكرت يومًا..
حين كانت تستغلها مديحة، فتزوجها للرجال أو تلقيها إليهم كلقمة سائغة فقط لأجل المال..
كان طارق هو الرجل الوحيد الذي تزوجها شرعًا وعلى يد مأذون، أحبته؟ نعم تعترف..
ولكن وقفت تهديدات مديحة أمامها بأن تنشر صورها مع الأغراب في الفراش..
حينها ضربت ضربتها واستغلت ثقته العمياء بها فتنازل لها عن ممتلكاته كافةً وحينها…هربت وهجرته!
عاد طارق الباشا خائب الرجا خالي الوفاض إلى زوجته الأولى يُسرية، ليجدها قد أنجبت طفلًا يُشبهه…أسمته عز الدين!
رفضت يُسرية وقتها الرضوخ له، ولكنها لم تكن بالقسوة التي تجعلها تطرده! فنام طارق الباشا بين زوجته ورضيعه، لتستيقظ يُسرية في اليوم التالي على بكاء رضيعها الذي شعر بجثة أبيه الباردة جواره منقطعة الأنفاس.
-جربتِ دلوقتي إحساس إن جوزك يسيبك ويبص لغيرك؟؟؟ جربتِ إحساسي وأنا زي الكلبة مستنية جوزي يحن عليا وأنا شايلة في بطنه وريثه؟؟؟ وريثه اللي خدتي منه حقه وحق أمه لدرجة خلته يشتغل سباك ونجار وميكانيكي!!!
وقفت دارين أمام سيل الذكريات المتدفقة تحاول كبح جماح دموعها، فوقفت كالجبل الشامخ تضع نظارتها الشمسية لتُخفي عبراتها الملتمعة في عينيها وقالت:
-الإحساس ده ليكِ يا يُسرية، هتحسيه تاني دلوقتي…لما جوزي يجي يطلقك ويرميكِ زي ما الأولاني عمل..
رفعت ذقنها بكبرٍ:
-أنا دارين جابر، إنتِ تتخاني وتتسابي…أنا أفضل دايمًا الأولوية في حياة أي راجل!!
3
خرجت من الشقة تكتم دموعها بقوةٍ، فيما بقت يُسرية تضحك بهستيرية مجنونة، وانهارت في مقعدها حتى استحالت الضحكات الهستيرية لبكاءٍ حاد وقوي، وصل لآذان ابنها المتلصص من وراء الباب على كل كلمة قيلت بين أمه…وطليقة أبيه!
انتفض وأغلق الباب حال سماعه لجرس باب الشقة، وصله صوت أمه تقول بلهفةٍ:
-رائف…
وصوته الحاد يصيح فيها:
-بتلوي دراعي؟؟؟ رايحة تقولي لمراتي يا يُسرية!
فتح عز الباب ونظر من خلفه لأمه التي تحاول استعطاف ذلك الرجل بكفيها هامسة:
-يا حبيبي أنا كان قصدي..
فينفض رائف ذراعها :
-بلا قصدك بلا مقصدكيش…هي كده خلصت يا يُسرية .
اهتزت حدقتيها بهلعٍ:
-يـ…يعني إيه؟!
– يعني إنتِ طالق، وورقتك هتبقى عندك بكرا الصبح.
التفت ليرحل فاندفعت تقف أمامه تترجاه بتذللٍ وهي تضغط على ذراعيه:
-لأ يا رائف، متسيبنيش زيه! إنت أحسن منه …عشان خاطري متسيبنيش!
دفعها عنه صارخًا:
-ابعدي عن وشي يا يُسرية!!
اندفع يخرج من الشقة فخرجت ورائه مهرولة على السلالم بقدميها الحافيتين وملابسها البيتية، منعته من ركوب سيارته فدفعها من أمام بابها، أغلق الباب فظلت تطرق على زجاجها ببكاءٍ حاد مترجية، واندفعت السيارة تغادر فهرولت خلفها حتى الطريق السريع رافضة فكرة تخليه عنها هو الآخر!
وقفت في منتصف الطريق بعدما أنّت قدميها الجريحتين وجعًا، لم تنتبه في خضم مشاعرها الثائرة لتلك السيارة المسرعة على الطريق والتي انتشلتها تمامًا بعدما ارتطمت بها في عنفٍ فطار جسدها حتى ارتطم بالرصيف القاسي فتهشمت جمجمتها والتوت ساقيها أسفلها مع الكثير من الدماء!
وأمام عيني المراهق رأى أمه تنزف حتى الموت..
وكان آخر كلماتها قبل أن تسقط في دوامة الإغماء:
-متسبنيش…يا رائف!
2
***
توقف الدبابات والسيارات التي تحمل حديثي التخرج من كلية الشرطة، هبط فهد أولًا ثم تلاه صاحبه الذي ابتسم متفائلًا:
-شكلها هتبقى تسع شهور فُل الفُل.
والثالث يقفز من السيارة حاملًا حقيبته خلف ظهره فاردًا ذراعيه بحماسٍ متنهدًا بعمقٍ ليستنشق عبق المدينة الساحرة:
-هلا سيناء الحبيبة، اااه ما أجمل الطبيعة وما أقبح التدريب!
-إنت مكشر كده ليه يا عم!
سأله بلال بحنقٍ وهو يلكمه في كتفه بقوة، فتمتم بنزقٍ:
-لا بقولك إيه أنا مش طايق نفسي!
فبادر الآخر بقوله:
-ليه يا إبني ما الجو بديع والدنيا ربيع أهو!
-يا ست السندريلا سعاد حسني خف ع الواد شوية.
قالها صاحب البشرة الخمرية والعينين العسليتين الذي حاوط عنق صديقه مستأنفًا:
-أبو الفهود متعصب عشان ملحقش ياخدله يومين نقاهة.
رمقه بلال :
-وإنت خدت يومين نقاهة؟؟
أومأ مبتسمًا بخبثٍ:
-قضيت أحلى يومين نقاهة في حضن حبيبة قلبي هدير على سريرها الواسع الدافي وهي بتلعبلي في شعري.
عض بلال على شفتيه كابتًا غضبه:
-نزار حبيبي، أنا مقدر إنها أختك بس حسن ميتين أم ملافظك !!!
1
هز نزار رأسه نافيًا بمشاكسة:
-تؤتؤتؤ، مش أختي..
قرب سبابتيه من بعضهما ليجعلهما متلازمان:
-توأمتي.
كاد بلال يسبه سبة نابية، لولا صراخ القائد:
-انتباه.
شدوا أجسادهم واستقاموا رافعين الرؤوس والأذقان، يسمعون تعليمات قائدهم:
-أنا القائد شاهين الحلواني، مدربكم وهبقى القائد بتاعكم.
2
تأمل فهد قامته الطويلة التي تفوقه طولًا، وجسده المشدود ونظرته الصارمة التي تشع من عينين زرقاوتين، فبدا كأنه جندي محارب ومغوار منذ حرب السادس من أكتوبر! ناهيك عن تلك الحلقة السوداء الملتفة حول إصبعه الأيمن دلالةً على كونه خاطبًا!
-كل واحد على أوضته، الأوض متوزعة بحيث كل أربعة في أوضة، هنبدأ تدريب من بكرا، بكرا الساعة خمسة ونص الفجر ألاقيكم قدامي، تأخير دقيقة عقابه لف المنطقة ٢٠ لفة، دقيقتين ٤٠ لفة، نص ساعة يعني ٦٠٠ لفة، اللي فاكرها هتعدي ببركة دعا الوالدين..
ونظر لأحد الجنود الذي نكس رأسه..
-وإللي فاكرها هتعدي بالكوسة..
ثم نقل بصره لنزار الذي يقف بثباتٍ متجاهلًا التلميح الصريح، وبعده نقل بصره لآخر ذو طولٍ فارع ونظرة مستهترة.
-يبقى متخلف وأهبل، مفيش تهاون مع أي متدرب منكم، كل كلمة هتتقال تتنفذ بالحرف الواحد، وممنوع منعًا باتًا الخروج عن الأسوار، اللي هيخرج ويختلط مع حد من البدو هتبقى ليلته سودا، مفهوم ؟؟؟
صاحوا في نفسٍ واحد:
-مفهوم يا فندم.
-انصراف.
انصرفوا في طابورٍ الواحد تلو الآخر بانتصابٍ وقوةٍ..
ارتمى نزار على الفراش السُفلي وترك العلوي لبلال، وقال بضيقٍ:
-حسيت الراجل ده بيلقح عليا!
ضحك فهد باستهزاءٍ وهو يضع حقيبته على السرير المقابل لهما:
-حسيت؟؟؟
نهض نزار جالسًا ونظر لفهد بأعين ضيقة:
-تفتكر بيلمَّح؟
نفى فهد برأسه:
-تؤ، بيلَّقح.
ضحك نزار بمرحٍ وهو ينهض مقتربًا من صديقه وناظرًا بفضول لداخل حقيبته، سرعان ما انتشل منها سلسالٍ فضة وقرأ النقش عليه:
-إنت لسه معاك البتاعة دي؟
انتشلها منه فهد على غفلةٍ وارتداها:
-آه..
تلاعبت بسمة شقية على شفتي نزار ووكز فهد من خصره:
-مين قدر دي يا خلبوص؟
رمقه فهد بحدة:
-ولا اتلم!
راقص نزار حاجبيه:
-ولو متلميتش ؟!
ألقى فهد عليه المنشفة:
-يلا يا مستفز.
احتضنها نزار ضاحكًا بقوة، وارتمى جالسًا على سريره مجددًا وقال بينما ينحني ويُخرج السيجارة الملفوفة بالحشيش من چرابه ومعها القداحة:
-معايا حتة مستوردة إنما إيه، جمدان بس.
1
اتسعت حدقتي بلال وانحنى عليه من الأعلى:
-يخربيت شيطانك ! دخلت بيها إزاي دي ؟؟؟؟
نفخ صدره وهو يعدل ياقة ملابسه الميري:
-Special method.
صاح فهد فيه من بين أسنانه:
-ولا ارمي البتاع دي مش ناقصين بلاوي! إنت شايف القائد عامل إزاي.
أشاح نزار بكفه باستهتارٍ:
-يا عم محدش واخد منها حاجة، ده هما نفسين يهونوا علينا المرار اللي هنشوفه.
أشعل السيجارة فصرخ بلال:
-يخربيتك هتولعها في الأوضة ! هتودينا في داهية يالا!
استنشق منها نفسًا جعله في غاية الإنتشاء، حتى انه قال ببسمة خاوية:
-كبر الجمجمة يا مان، بص شدلك نفسين..
مدها له فرفضها بلال بعنفٍ:
-إنت عبيط يالا ما أنت عارف إني مبدخنش!
أصر عليه نزار بمزاحٍ:
-يا عم خد مش هقول لهدير .
انتصب بلال جالسًا على الفراش العلوي قائلًا بحدة:
-أقسم بالله أرميهالك من هنا!
-إنت الخسران، خد يا أبو الفهود.
مدها لفهد فناظره بصمتٍ لبرهة، ثم التقطها منه ووضعها بين أسنانه ثم امتص منها ما شاء من دخانٍ أطلقه بعد برهةٍ، فجلس بلال يضرب كفيه ببعضهما:
-هتودونا في داهية أقسم بالله!
ضحك بلال موجهًا حديثه لفهد:
-لسه عريس بقا عايز يبقى بصحته.
قهقه فهد بمرحٍ ومد السيجارة لنزار:
-لا وإنت الصادق خايف العروسة تنصبله المحكمة.
-ده هيتنفخ!
وضحكا بصوتٍ عالٍ فزفر بلال بضيقٍ وخلع سترته متمتمًا:
-عيال ***
صاح نزار صافعًا كفيه ببعضهما فجأةً ثم أشار على بلال:
-امسك، ده قال لفظ أبيح! طب وربنا لا أقول لهدير.
ضحك بلال ساخرًا:
-هخاف أنا كده؟؟؟
رفع نزار حاجبه :
-طيب تمام.
أخرج الهاتف الخاص به ذو الأزرار وكاد يضغط رقم هدير فأوقفه بلال بأن انتشل الهاتف من سريره العلوي وابتسم:
-نزار حبيبي أنا صاحبك! يرضيك يتنكد عليا؟؟؟؟
أعاد السيجارة لفهد وضحك:
-أيوه كده جيب ورا.
صوت تنحنح خافت ودقتين على الباب الخشبي المفتوح على مصرعيه جعلت فهد الذي يستند بكوعه على عمود الفراش حاملًا السيجارة بين أنامله، ونزار وبلال الجالسين يتأملان ذلك الشاب هزيل البنية قصير القامة صاحب الشامات المتعددة على وجهه أملس الذقن وضعيف الهيئة .
-مساء الخير .
أجابه كلًا من نزار وبلال فيما بقى فهد يرمقه من أعلاه لأسفله بتفحصٍ ممتصًا دخان السيجارة.
-أ..أنا صدقي جبر الله، ظابط متدرب زميلكم.
7
عقد نزار حاجبيه متسائلًا:
-إيه ده أنا مشوفتكش قبل كده! إنت مكنتش معانا في الكلية يا إبني ولا إيه؟؟؟
أومأ بارتباكٍ وهو يعدل حمل حقيبته على ظهره:
-أيوه، بس أنا كنت قليل الظهور.
ردد نزار وراءه بسخرية من طريقة كلامه:
-قليل الظهور؟!
ارتبك الأخير، فأشار له فهد ليتقدم قائلًا:
-أنا خدت السرير اللي تحت، خُد إنت اللي فوق.
أومأ مبتسمًا ببشاشة:
-مفيش مشكلة.
صعد الدرجات ببطءٍ وهو يحاول التمسك بأي شيءٍ أثناء صعوده الأخرق حتى لا يسقط، فيما تابعه نزار بعينيه وتسطح بلال غير مبالٍ واقترب فهد جالسًا جوار نزار يمرر له السيجارة.
-وإنت بقا وصلت متأخر ليه يا زميل؟
سأله نزار، فنظر له مبتسمًا بتوترٍ:
-أصلي قعدت شوية يعني على ما عرفت الأوضة وكده.
أومأ نزار على مضضٍ وأشار على نفسه معرفًا:
-أنا نزار الديب.
وأشار على فهد وبلال:
-ودول فهد وبلال أصحابي.
ابتسم محييًا إياهم برأسه:
-فرصة سعيدة، أنا صدقي جبر الله.
ضحك نزار ساخرًا:
-أيوه ما أنت لسه قايل!
هز رأسه لأعلى ولأسفل يومئ بارتباكٍ، فضيّق نزار عينيه هامسًا لفهد بينما يتأمل ذلك الصدقي الذي يحاول جاهدًا فتح حقيبته حتى نجح أخيرًا بعد محاولاتٍ عدة فابتسم بظفرٍ وراح يُخرج منها مستلزماته:
-الواد ده ماله لخمة كده ليه؟!
-مش عارف، بس شكله ميديش ظابط خالص، ده لو نزل التدريب هيتفعص.
-طبعًا إنت مش شايف جسمه عامل إزاي ده هيكله العظمي باين يا ابني!
هز فهد رأسه وزم شفتيه دلالة على الإستغراب، ونهض يقول لنزار:
-اطفي البتاع دي بقا خلينا نتخمد ده بيقولك خمسة ونص الصبح.
ونام الأربعة في الغرفة حتى طلوع فجر اليوم التالي، حيث استيقظ الجميع على صوت الصافرة واستعدوا للنزول إلا ذلك الأخرق الذي ظل نائمًا في سريره تنبعث منه أصوات الخرير، فخرج نزار وبلال وفهد مسرعين متناسيين تمامًا وجوده.
كان تدريبًا قاسيًا بحق، فمع أول صافرة تزامنت مع شروق الشمس، اندفع المتدربون إلى ساحة التدريب، خمسة كيلومترات من الجري كانت مجرد البداية، ثم عشرات تمارين الضغط والعقلة حتى ارتجفت الأذرع..
لم يمنحهم القائد دقيقة راحة، وما إن انتهوا حتى اصطفوا في الطابور لتلقي أوامر التدريب على الرماية وفك وتركيب السلاح، كان أي خطأ يعني جولة عقاب إضافية من الجري أو الزحف فوق الرمال.
وبين ذلك هرول يقترب منهم بجسده الضئيل، وقف خلف القائد يلهث مستندًا بكفيه على ركبتيه، ناظره القائد بطرف عينه من فوق كتفه، والتفت له ببطءٍ لينتصب شاددًا جسده، رفع القائد ساعته ناظرًا بها حيث تشير إلى السادسة تمامًا!
-متأخر نص ساعة يا متدرب!
قال بارتجافٍ:
-آسف يا فندم.
-لا حصل خير بتحصل في أحسن العائلات ولا تشغل بالك.
ابتسم الشاب بارتياحٍ وارتخت عضلاته، سرعان ما اشتدت مجددًا برعشةٍ حين صاح القائد:
-آسف دي تقولها لما تخبطني في صوباع رجلي الصغير وحتى دي مش هسامحك فيها!! إنت متأخر نص ساعة يا متدرب!
ازدرد لعابه بتوجسٍ منتظرًا العقاب الذي يعلمه الجميع!
– ٦٠٠ لفة حوالين السور، لو لمحتك وقفت مرة واحدة هتعيد الـ ٦٠٠ تاني من الأول.
ظل يبتلع لعابه حتى جف حلقه من أي لعابٍ، فأطلق القائد صافرته ليهرول صدقي في جولاته الستمائة حول الأسوار!
فيما تابعوا تدريبهم حتى حل المساء وبدأت استراحة الغداء، الكثير من الفاصوليا الصغيرة التي يمقتها الجميع، وبعض الأرز الذي لا يُشبع مع اللحم الذي لم يصل لمرحلة السِواء المطلوبة..
اتجه الجميع إلى صالة الطعام، امتدت الطوابير أمام شبابيك التوزيع، وكل متدرب يحمل صينيته المعدنية، في دقائق امتلأت الصينية بأرز أبيض، والكثير من الفاصوليا، وقطعتين لحم، لم يكن الطعام فاخرًا، لكنه كان كافيًا لإخماد الجوع الذي خلفته ساعات التدريب.
جلس بلال ونزار وفهد في مقابلتهم يقول:
-الواد ده صعبان عليا بشكل!
ملئ بلال ملعقته بالطعام ودسها في فمه، فيما امتعضت ملامح نزار وهو يزيح كتلة الدهون المتكومة على قطعة اللحم:
-ميصعبش عليك غالي يا أخويا، محدش قاله يغرق في العسل كل ده.
فيما تحدث بلال والطعام يتطاير من فمه:
-إنت بتعمل إيه يا نزار!
-مبحبش دهون اللحمة!
كاد يُلقيها بعيدًا فأوقفه فهد :
-بتعمل إيه هات، حد لاقي.
التقطها وأكلها في مرة واحدة، فاشمئزت ملامح نزار ليضحك بلال عليه:
-ده منظر ظابط متدرب! ده إحنا كنا بناكل السحالي في الكلية!!
-اتكلم عن نفسك، أنا كنت باكل رز وشوربة.
قهقه بلال ساخرًا:
-يوغتي بطة !
رمقه نزار شزرًا، وظلوا يأكلون حتى علقت عين نزار بصدقي الذي دخل قاعة الطعام يسير بصعوبةٍ ويلهث ككلبٍ أجرب، بهيئته الرثة وخصلاته المشعثة والعرق المتصبب من جبينه وبشرته الحمراء التقط صينيته المعدنية ونظر للطاهي طالبًا الطعام فزجره صارخًا:
-الأكل خلص، اتأخرت يا متدرب!
أغلق النافذة في وجهه، فبقى واقفًا بيأسٍ والتفت فقابلته النظرات الساخرة والهمزات الضاحكة عليه، فخرج من القاعة يجرجر أذيال خيبته ..
منهكًا وجائعًا وهزيلًا!
تابع نزار مضغ طعامه متجاهلًا ما شاهده، وعاد يمزح مع رفاقه في مرحٍ.
تكرر الأمر يوميًا بلا راحة أو رحمةٍ، خاصةً أن القائد شاهين قاسيًا فيما يتعلق في الإلتزام بالمواعيد أو التدريب..
كان قد مر على تدريبهم سبعة أشهر حتى الآن، وقد تبقى من المدة المطلوبة شهرين أخرى من التعذيب اليومي..
في إحدى الأيام ليلًا خرج نزار يدخن سيجارته في منأى عن ملاحظة القائد أو تابعيه، وفي تلك المنطقة خارج الأسوار النائية عن المعسكر، سمع صوت أنينًا مكتومًا فألقى سيجارته داهسًا إياها أسفل قدمه وسار ناحية الصوت بحذرٍ، حتى وجد ذلك الشاب الأرعن ممزق الملابس مُلقى على الأرض الرملية يسعل دماءً، فتنهد هاتفًا:
-مين اللي عجنك كده!
انتفض كالدجاجة التي تحتضر ونظر لنزار برعبٍ بعينيه المتورمة أثر الضربات، فانحنى نزار جالسًا القرفصاء وهو يستند بساعديه على فخذيه، فتمتم الشاب برهبةٍ وهو يحاول النهوض:
-محدش.
فشل وتعثر، فمد نزار يده ليعاونه ليجده يغطي وجهه بذراعيه في ذعرٍ متراجعًا للخلف، فزفر نزار ونهض ناظرًا له من علوٍ وهتف بقسوة:
-متتأخرش عشان التفتيش.
وعاد يدخل الأسوار معطيًا ظهره لصدقي الذي ظل لبرهة يكتم عبراته، حتى اختنق حلقه بها فأطلقها في نحيبٍ منخفض وهو يدفن وجهه في كفيه..
صباحًا خرجوا جميعًا للتدريب، حيث نزار يشاكس بلال وفهد كعادته وصدقي يخرج بجسده الهزيل لا يستطيع الحراك..
اصطفوا أمام القائد بأجسادٍ مشدودة، فلاحظ صدقي أحد الرجال ينظر له باسمًا بخبث وابتسم من يجاوروه أيضًا، فازدرد لعابه وعاد ينظر أمامه بخوفٍ.
وفي نهاية التدريب ودخولهم لقاعة الطعام وجد صدقي من يجذبه من أولئك الرجال الثلاث باسمي الوجوه بخبثٍ:
-شايفك قُمت يعني بعد علقة إمبارح!
ثم لكمه في صدره بعنفٍ:
-بعد كده متبقاش تفرد صدرك أوي، ماشي يا قمور؟؟؟
دفعه بعيدًا ودخل هو وزميليه القاعة، فوقف صدقي يرتجف متذكرًا كيف نهرهم أمس برؤيتهم خارج الأسوار يدخنون الحشيش، فأكل علقة معتبرة منهم أردته قتيلًا يبكي كالأطفال!
إلا أن نفض عنه كل شيءٍ ونفخ صدره وتنفس، ثم دخل القاعة وحمل صينية الطعام وملأها ثم جلس في أبعد ركنٍ على طاولة بمفرده منحني الظهر يأكل طعامه بسرعة وتصله ضحكاتهم الساخرة.
أثناء الإستعداد للنوم كان نزار وبلال فقط من بالغرفة، فيما خرج فهد ليحادث عائلته بالخارج وكانت أمه تخبره بترددٍ:
-متشغلش بالك إنت يا حبيبي، ارجع بالسلامة بس.
-سارة ولدت؟
أجابه الصمت على الطرف الآخر، مع صوت نهنهة خفيف فكرر سؤاله:
-ماما إيه إللي حصل!
لم تجد بُدًا حينها من إخباره:
-البنت نزلت سليمة، والولد نزل برئة مش كاملة ومات.
عقد حاجبيه بشفقةٍ، فيما أكملت شهد:
-سارة منهارة ويامن كمان.
-ودارين؟
تنهدت بتعبٍ:
-في المستشفى محجوزة، لسه بيشوفوا هيولدوها إزاي العيل نازل بدري، ده غير إن خناقاتها مع رائف مبتخلصش وإمبارح عرفت إنه بيخونها تاني واتخانقوا والواطي عايرها بماضيها، ساعتها وقعت بتصوت وعرفنا إنها هتولد .
شرقت بأنفها:
-بس مشتغلش بالك إنت، كل حاجة هتبقى زي الفل، هترجع إمتى؟؟؟
تنهد بتعبٍ:
-لسه شهرين.
-ترجع بالسلامة يا حبيبي.
-سلميلي عليهم كلهم.
-يوصل يا قلب أمك يوصل.
أغلق الهاتف معها وزفر بضيقٍ، حتى سار عائدًا لغرفته وهو يعبث في هاتفه وإثر ذلك ارتطم بكتف أحدهم، فزفر بنزقٍ وكاد يعتذر لولا قول ذلك الشاب:
-إيه بتخبط وماشي كده عادي!!
رفع فهد حاجبه باستنكارٍ، وأثنى عن رغبته في الإعتذار :
-إنت اللي خابطني!
ضحك ساخرًا:
-أنا؟؟؟
-آه إنت!!!
نظر لزميليه اللذين يحومان حوله منذ مجيئهم للمعسكر، فاقترب منه يلكمه في صدره بقسوةٍ:
-اعتذر.
نفض فهد ذراعه:
-مش معتذر!!!
-إنت عارف أنا أبقى مين وممكن أعمل فيك إيه؟؟
ضحك مستهزئًا:
-يا ترى مين؟؟؟ الفنانة الراقصة لورديانا؟؟؟
جز الآخر على أسنانه بغضبٍ، ثم قبض على كفه ولكم فهد في وجهه بقوةٍ مال لها الآخر، ثم اعتدل يرمقه باعين متسعة:
-يا نهار أبوك مطين!
وبدأ التشابك بالأيدي!
خرج المتدربون من جحورهم يتابعون الشجار القائم في منتصف الردهة..
وخرج بلال ونزار الذي كان حافي القدمين مبعثر الخصلات وعاري الصدر يحمل على كتفه منشفة ينظران لمن يتقاتل، حتى برزت رأس فهد وقفاه الذي عرفه نزار على الفور فهرول ناحية فهد صارخًا:
-بتتكاتروا على صاحبي يا ولاد الـ ****
1
وراح يضرب الآخرين وبلال معه يتولى واحدًا منهم وفهد مع الأخرق الذي أمره بالاعتذار!
وانقلبت الردهة الهادئة إلى ساحة معركة، يضربون فيها بعضهم والباقي يصفق ويصفر ويشجع!
حتى وصل القائد ببنطاله القطني عاري الجذع وصاح:
-انتباه.
وقف الجميع مشدودي القامة ونهض فهد من فوق ذلك الشاب ومد كفه لنزار الذي تشبث بكفه لينهضه، ونهض بلال بمفرده ينفض ملابسه..
مرر القائد عينيه على ثلاثتهم، وعاد ينظر للثلاثة الآخرين، وبنبرة صارمة قال:
– ١٠٠٠ لفة حوالين السور.
صاح بلال معترضًا:
-يا فندم بس..
صرخ:
-١٥٠٠ لفة حوالين السور.
اعترض ذلك الشاب متذمرًا:
-يا قائد هما اللي..
اتسعت حدقتيه صارخًا بحزمٍ:
– ٢٠٠٠ لفة حوالين السور!!!
2
كاد فهد يفتح فمه فأوقفه نزار بأن همس له بترجٍ:
-أبوس ايدك اخرس لا يخليهم ٣٠٠٠ لفة أروح فيها دي!!!
2
وقضوا الليل بأكمله حتى وقت التدريب يدورون حول الأسوار ثلاثة ألف لفةٍ، حتى سقط ثلاثتهم بعد الإنتهاء على الأرض الرملية يلهثون بتعبٍ غارقين في العرق ينظرون للسماء التي بدأت تُخرج من كبدها الشمس!
يواجههم الثلاثة الآخرين وقد انسحبوا للداخل بعد انتهاء جولاتهم..
نظر نزار لفهد متسائلًا:
-إنتو كنتو بتتخانقوا ليه صحيح؟!
-خبط في كتفي وعايزني أعتذرله!
صمت لبرهة وصحح:
-بصراحة انا اللي خبطت في كتفه، كنت هعتذرله بس لما قل أدبه سكتت.
أجابه نزار بدعمٍ:
-يستاهل هو اللي غلطان.
-يا إبني بقولك أنا إللي خابط فيه!
رفع حاجبه بحدةٍ:
-ولو برده! صاحبي مبيغلطش !!!
3
ناظره فهد لبرهة، ثم انفجر ضاحكًا وتذكر منظره وهو يهرول حافي القدمين عاريًا ومشعث الخصلات لينقذه:
-مسخسخ كده ليه؟؟!
أجابه من بين ضحكاته:
-شكلك وإنت بتجري عليا بشعرك اللي واقف ده كان مسخرة بصراحة.
1
-أومال أسيبك تتعجن وأقف أتفرج، أقسم بالله لولا قفاك المفلطح ده ما كنت عرفت إن إنت إللي بتتخانق أصلًا.
توقف فهد عن الضحك، وناظره بامتنانٍ شاكرًا:
-شكرًا يا نزار.
-شكرًا على إيه ! إنت أخويا إللي أمي مخلفتهوش يالا.
2
وتبادلا النظرات الممتنة بينهما، حتى وصل لهما شخير بلال من جوار نزار فقطع عليهما اللحظة الأخوية، فرمقه نزار بضيقٍ وهمس:
-الله يكون في عونك يا هدير يا أختي
علا شخير بلال على صوته وكأنه يجيبه فبصق عليه مشمئزًا، وعاد ينظر لفهد بتلك النظرة الحانقة، حتى انفجر كليهما يضحكان بمرحٍ حتى طلوع الشمس وبدء تدريبٍ جديد.
بعد الإنتهاء من التدريب وفي قاعة الطعام، تبادل فهد النظرات المستترة مع ذلك الشاب الغاضب ورفيقيه، فيما تململ نزار هامسًا:
-عايز أقوم أفشفش دماغه وأقلعله عينه! شوف بيبصلنا إزاي!
همس فهد:
-اتقل ع الرز، أي حركة دلوقتي هتلففنا خمس تلاف لفة .
تأوه نزار متذكرًا وهو يفرك قدمه بتعبٍ:
-لأ أنا معدتش قادر!
هرول بلال إليهما وجلس وهو يضع صينيته أمامهم هاتفًا بحماسٍ:
-إنت عارف إللي ضربته ده يبقى مين؟
-مين؟
-حازم الشربيني، إبن رأفت الشربيني
اتسعت حدقتي نزار متسائلًا:
-احلف؟
-وربنا.
وسأل فهد بغرابةٍ:
-مش رأفت الشربيني ده اللوا ؟؟
-هو بعينه.
ضحك بعدم تصديقٍ:
-عشان كده كان بيقولي إنت متعرفش أنا مين!
أومأ بلال فضرب فهد كف في كفٍ وهتف:
-يخربيت الكوسة اللي ملت البلد، كل واحد ماشي في ديل أبوه يشغله بالكوسة ويعلمه بالكوسة! لا مؤاخذة يا نزار.
-مؤاخذتك معاك يا قلب أخوك.
3
فيما تابع بلال :
-بس القائد لملم الدنيا وهدى الأمور، وتخيل بقا إنه لبس الليلة كلها للي اسمه حازم ده.
تمتم نزار بما سمعه صديقيه:
-ما هو طلع جدع أهو أومال عاملنا فيها الشاويش عطيه ليه!!!
انتهوا من الطعام، وأثناء خروجهم رأى فهد ذلك الصدقي وهو يرتطم في شجارٍ جديد مع حازم الذي ذل صدقي حين دفعه ليسقط أسفل قدميه ويرفع قدمه ويضعها على كتف صدقي لينحني الأخير أكثر فيضحك السفيه حازم وزميليه أكثر !
انتفض ليتدخل فأوقفته بلال بأن وضع كفه على كتفه مانعًا:
-مش ناقصين مشاكل خلينا نعدي الشهرين دول على خير.
فزفر فهد بضيقٍ وسار مع صديقيه مبتعدين عن صدقي المتذلل لحازم وزملائه.
ارتمى فهد على السرير ناظرًا لسقف السرير الذي يعلوه، وهمس مناديًا:
-نزار.
غمغم الآخر فتابع فهد:
-تفتكر هنموت شُهدا ؟؟؟
-يا ساتر يا رب! إيه التشاؤم ده يخربيت شكلك ع المسا!
-لا والله بجد، أصل بعد كل ده لو مامُتش شهيد هزعل.
4
صاح نزار فيه بحنقٍ:
-طب اكتم واتخمد بدل ما أقتلك أنا.
1
خرج بلال من جُحره العلوي ونظر لفهد مبتسمًا:
-أنا نفسي أموت شهيد، حاجة تفرح أمي وأخواتي وتخليهم رافعين راسهم طول العمر.
2
ركل نزار سرير بلال بقدمه وصاح:
-عايز ترمل أختي يا صعلوك!!
4
-ما هي هتبقى مرات الشهيد!
نهض نزار يرتدي خُفه متمتمًا:
-لا ده إنتو هبت منكم ع الآخر أنا طالع أشدلي نفسين منكم لله.
خرج وتركهم ينامون في صمتٍ، حتى نادى بلال فهد فأجابه الآخر ليقول بلال:
-لو مُت هتاخد بالك من أمي وأخواتي وهدير؟؟؟
1
أومأ فهد بإصرارٍ وسأله:
-وأنا لو مُت هتاخد بالك من أهلي؟؟؟
-لأ دول كتير أوي !
1
سبه فهد سبة بذيئة فضحك الآخر بمرحٍ:
-يا عم على عيني، بس قولي أسماؤهم واشرحلي صلة القرابة تاني عشان بنسى وربنا.
2
-نام يا بلال، نام نامت عليك حيطة.
وبالخارج كان نزار يدخن سيجارته في منأى عن أيًا من كان يترصده، وصلت إليه نهنهة جانبية لصوتٍ أرق مضجعه طوال الشهور السبع..
– بتتشحتف على إيه تاني؟؟
نهض من جلسته القرفصاء يمسح عبراته منكسًا رأسه:
-مفيش حاجة.
زفر نزار حانقًا:
-لأ اخلص إنت مش خطيبتي !
ناظره صدقي بصمتٍ، نظرة أثارت شفقة نزار، فمد له السيجارة:
-بتدخن؟
هز رأسه نافيًا، فأعاد نزار السيجارة لفمه ونفث دخانها وسأله:
-الولا أبو شعر ملزوق بتفة ده هو اللي مشحتفك كده؟؟؟
لم يُجبه، فاستأنف:
-أنا عجنته أنا وأصحابي مرة، لو عايزنا نعجنه تاني عشانك نعملها بس بعد التدريب بالله عليك مش ناقصين نلف حوالين السور.
لمعت عيني الفتى وهمس:
-بـ…بجد!
أومأ نزار، وألقى عقب سيجارته أسفل قدمه يدهسها ومد كفه في كف الشاب يصافحه ويشدد على كفه:
-اتدرب كويس عشان لما تبقى ظابط تعرف تجيب حقك وحق اللي زيّك، العالم ده مرتع للي زي حازم، ومالوش مكان للي زيك! يا تبقى أسد وتنهش إللي إنت عايزه وتهبش اللي يقربلك، يا تبقى قطة آخرها تخربش وتنونو!
ترك كفه ورفع خاصته ليهبط بها على كتف الفتى:
-فيه مقولة بتقول إن فشلت في الوصول لما تريد حاول مجددًا، فالظافر كان يومًا فاشلًا.
5
ابتسم له صدقي ممتنًا، فودعه نزار ودخل المهجع.
مر شهرًا من التدريبات القاسية وتسلط القائد شاهين والكثير من الجولات حول السور حتى انقطعت الأنفاس..
مسح فهد عرقه وسقط جالسًا جوار نزار الذي يلهث بتعبٍ متمتمًا بتذمر:
-ده ظلم، الراجل ده إيه مبيتهدش !
-إنت بتحسده يا نزار!
صاح بغضبٍ:
-يا عم حاولت…حاولت أحسده مبيتهدش إبن اللذين !
4
ضحك فهد بمرحٍ وهو يلكم صديقه بخفة، سرعان ما ارتمى بلال جوارهما منهكًا، ومر من أمامهم صدقي بجسده الذي لم تنبت فيه عضلةً واحدة رغم كم التدريبات الصارمة، ابتسم لنزار محييًا، فحياه الآخر بهزة رأسٍ، أسفل نظرات فهد الذي سأل صديقه:
-إيه ده من إمتى المجاملات دي؟؟؟
-ده عيل غلبان حازم ماسكه غسيل ومكواة، وعدته هعجنله حازم ده بس بعد التدريب.
ناظره بلال بتحذيرٍ:
-بلاش يا نزار إحنا مش قد أبوه!
-أنا أبويا العميد جمال الديب!
-وهو أبوه اللوا…هاه مصحصح معايا؟ اللوا..
زفر نزار بحنقٍ، ولكم الأرض الرملية بغضبٍ مكبوت.
في آخر يومٍ في ذلك الشهر، بدأت فاعلية الملاكمة بين المتدربين، من يفز له راحة يومًا، وكان هذا كرمًا بالغًا من القائد شاهين الحلواني!
تصارع الواحد تلو الآخر، وكان من نصيب بلالٍ أن تصارع مع زميلٍ هين هزمه بلال في ضربتين، وعن صدقي فوقع مع حازم، وتردد قبل أن يدخل الحلبة لولا أوقفه نزار وقال:
-هدخل أنا مكانك.
وبالفعل، احتل نزار مكان صدقي وبدأ العد التنازلي، وما إن انتهى حتى باغت نزار حازم بلكمة تفاداها الآخر ببراعة، وسيطر على عنق نزار بسرعة أسفل ذراعه يهزه بين ذراعيه متمتمًا:
-متفكرش تحط الواد ده في صفك، هتقف قدامي همحيك إنت وأبوك من الوجود، ماشي يا نزار يا جمال؟؟؟؟
ركله نزار ركلة جانبية بساقه فأسقطه أرضًا وتحرر منه، لكمه في وجهه بقوة فكسر له أنفًا، بطحه برأسه بقسوة فسالت الدماء من رأسه، قبض نزار على خصلاته متمتمًا من بين أسنانه بغلٍ:
-مبحبش حد يجي على أصحابي!
3
ابتسم حازم بخبثٍ وهو يتأرجح بين الوعي والإعياء، فبطحه نزار ثانيةً حتى أرداه أرضًا وخرج من الحلبة بعدما أعلن فوزه.
حمله رفيقيته إلى مكانٍ ناءٍ وتساءل أحدهم:
-إنت كويس يا حازم؟
دفعه عنه صارخًا:
-غوروا من وشي!!
اندفعا يهرولان بعيدًا عنه، فتمتم وهو يبصق دماؤه:
-ماشي يا نزار.
ومكالمة واحدة، كانت كفيلة بقلب الموازين رأسًا على عقب!
وتلك المرة كان الصراع بين فهد والقائد بنفسه!
بدأ بأن تسرّع فهد ولكم الخصم لكمة في الهواء تفاداها القائد ببراعة وهو يقبض على ذراع فهد ليضعه تحت إبطه ضاغطًا عليه بقوة وهامسًا:
-اوعى أبدًا تبدأ ضربك ببوكس!
سدد له شاهين ركلة جانبية أطاحت به أرضًا،
فسقط وسقط شاهين فوقه يثبت كفيه فوق رأسه بكفٍ واحدة، فحاول فهد التملص بقوة ليهمس شاهين:
-متحاولش تزق الخصم عنك خليه فوقك وحاول تشل حركته.
1
حاول فهد أن يتبع تعليمات القائد، لكنه لم يفلح لأنه يقيد كفيه! لذلك نهض شاهين منتظرًا نهوض فهد، ذلك الذي اندفع ينهض بحماسٍ لأخذ ثأره، فنصحه شاهين:
-لو الخصم أقوى منك أحسن حلّ ليك تثبته ع الأرض، وقوفه على رجليه يعني هيكون أقوى.
فبدأ بركلة صوبها لساق شاهين الذي تفاداها بمهارةٍ واستدار بسرعة فائقة حول جسد فهد ليلقيه أرضًا بركلة أرضية خبيثة جاءت من خلف فهد فأوقعته!
نهض شاهين منتصبًا ونظر لفهد في عينيه ببرودٍ:
-اوعى تفتكر نفسك أذكى من خصمك، دايمًا انزل لمستواه وحط نفسك مكانه.
مد كفه إليه ليعاونه على النهوض، فتشبث فهد بكفه ليسحبه شاهين بقوة هامسًا:
-إنت مختلف يا فهد.
نقل بصره للقلادة في عنقه المحفور عليها اسم “قدر” وتجرأ ليسأله:
-حبيبتك؟؟؟
نظر فهد للقلادة، وعاد ينظر لشاهين مبتسمًا وأومأ، فاستأنف الأخير:
-واضح بتحبها أوي لدرجة تخليك تحط اسمها قريب من قلبك، هي حلوة؟؟؟
أومأ فهد وتحدث:
-حلوة ورقيقة وقلبها أبيض وبتحب تساعد كل الناس، لدرجة لو لقيتك في الشارع بتنزف وهي متعرفكش ممكن تسيب كل حاجة وتجري عليك.
ربما أخذ فهد عليه قليلًا حيث كاد يخبره بمقاس حذاء تلك القدر!!
إلا أن شاهين ابتسم وربت على كتفه بعزمٍ:
-المهم تكون بتعرف تسامح، والأهم بقا…تكون بتحبك بجد.
2
تركه واقفًا في منتصف الحلبة يتطلع لظهره الراحل وهو يحك عنقه، فاقترب منه نزار وبلال متسائلين عما قيل بينهما، وفي خضم ذلك التقط نزار هاتفه الذي أصدر أزيزًا في جيب سرواله، فالتقطه واتجه لمكانٍ معزول ليتحدث:
-أيوه يا بابا.
-إنت يا زفت! إيه إللي ورطك مع إبن اللوا رأفت يا حيوان!!
عقد حاجبيه بغرابة، وسمع أبيه يصرخ:
-اللوا لسه مكلمني وبيشتكي لأ وهددني، أبعد عن ابنه يا نزار، أنا محتاج السُمعة الكويسة دي عشان أعرف أترقى للوا !!! الراجل هددني يرفدني ويبقى هو النقطة السودا في تاريخي اللي مفيهوش ولا غلطة!
-أيوه يا بابا بس..
-مبسش، الكلام يتسمع وإلا إنت كمان مش هتلحق تفرح برُتبة ملازم ولا حتى هتلحق تتهنى بعد سنين الكلية والتدريب إللي مطلع عينك!!!
ثم…
أغلق الخط في وجهه..
فقبض نزار على هاتفه وهو يبحث بعينيه عن ذلك الوغد الذي التقت عينيهما في لحظة، حازم بنظرته الخبيثة، ونزار بغضبٍ مكبوت!!!
صباح يوم الحادث:
أعطى القائد لهم جميعًا ذلك اليوم راحةً كمكافأة، خرج نزار يحمل بين يديه كتابًا ضخمًا تحت عنوان “سياسة الإذلال” لـ “أوتا فريفرت”..
وجلس بمنأى عن الجميع يندمج مع كتابه في تركيزٍ شديد، حتى اقترب منه صدقي وجلس جواره مبتسمًا:
-صباح الخير.
تردد نزار قبل أن يجيبه باقتضابِ:
-صباح النور.
نظر صدقي للكتاب في يد نزار وابتسم:
-أول مرة أعرف إنك بتقرأ!
-ليه حد قالك إني أُميّ ولا إيه؟!
ضحك صدقي بارتباكٍ وهو يفرك أنفه بسبابتيه:
-لا مقصدش بس…
من خبرة نزار في القراءة في شتى المجالات، أدرك أن ذلك الفتى ارتبك لتوه من إحراجه الغير متعمد له، بدليل أنه فرك أنفه بحرجٍ، واحمرت أذنيه كذلك!
-أنا بحب القراية من صغري، أمي الله يرحمها حببتني فيها.
ابتسم متمتمًا:
-الله يرحمها.
صمت قليلًا، ثم تابع:
-عندك أخوات؟
أومأ نزار:
-أخت واحدة، توأمتي.
-ربنا يخليهالك.
سأله نزار:
-وإنت؟
-أنا؟ عندي أختين بنات، واحدة متجوزة والتانية بتتجوز فرحها الشهر اللي بعد الجاي عقبالك.
صمت كليهما لبرهة، حتى تابع صدقي بعشمٍ زائد:
-ابقى تعالى فرحها، إنت دلوقتي صاحبي الوحيد هنا !
2
تثاقلت أنفاس نزار ونظر له مبتسمًا بزيفٍ، ثم استأذنه ونهض، وقبل أن يذهب التفت لصدقي مبتسمًا بهدوءٍ:
-إنت طيب أوي يا صدقي، ومتستاهلش تبقى وسطنا، أتمنى تفضل بطيبة قلبك دي للنهاية.
1
ورحل!
بعدما أخلف بكلماته ألف علامة استفهامٍ في ذهن صدقي!
وقت الحادث:
قرروا الإحتفال، بالطعام والمشروبات والمشاوي، وبينما يجلس نزار مكتئبًا مع صديقيه همس له فهد:
-مالك يا ابني عامل زي الضفدعة المتطلقة كده ليه؟!
-مفيش، روح هاتلي ورك الخروف إللي بيتعذب هناك ده.
ضحك فهد ونهض ليجلب لصديقه ورك الخروف!
فيما اقترب حازم منه وابتسم:
-ازيك يا برو.
سرسجي الطبع ارستقراطي المنشأ!
هكذا وصفه نزار..
-عايز إيه؟؟؟
-ثانية على انفراد.
ونظر لبلال وكأنه دخيل، فنهض نزار معه حتى سارا لمكانٍ بعيد، فوقف نزار يسأله بعد زفرة ضيقٍ:
-اخلص عايز إيه؟
-أنا شايفك رايح جاي مع الواد صدقي ده، علاقتكم شكلها ألسطة ومية المية.
قلّب نزار عينيه بمللٍ:
-المطلوب؟؟؟
-عايزك تجرجرلي الواد ده لحد الدبابة اللي هناك دي، هنتسلى عليه شوية.
اعتدل نزار في وقفته وصاح:
-افندم؟؟؟؟
-ششششش وطي صوتك الله يخرب بيتك!
ثم تلاعبت بسمة خبيثة على شفتيه:
-إيه؟ خايف من ماما شاهين يا قطة؟؟؟
-بقولك إيه، أنا حطيت جزمة في بؤقي وسكتت، غير كده مش هقدر!
رفع حاجبه بمكرٍ:
-والله؟ طب حيث كده نكلم الحاج الوالد نشتكيله منك تاني.
جز نزار على أسنانه حتى برزت تلك العظمة عند فكيه، فاستأنف حازم متلاعبًا:
-متنساش إن ترقية أبوك…واقفة على مكالمة تيلفون مني لأبويا!!
وتركه بعدما تلاعب به بقدر ما يشاء، فزمجر نزار غاضبًا وراح يضرب الكراتين المتراصة بجواره في غضبٍ!
في تلك النصف ساعة فكر نزار في أي طريقة للهروب، ولكن حازم ظل يقف له بالمرصاد..
فرضخ في النهاية وقرر التخلي عن صديقٍ وثق فيه!
-صدقي ممكن ثانية.
جذبه معه إلى خارج الأسوار، وسار به في الصحراء يخبره:
-عايز بس أكلمك في مكان هادي بعيد عن الدوشة.
لن ينكر صدقي سعادته لوجود نزار في تلك اللحظة، ولظنه أنه بدأ يعتمد عليه!
حتى أنه فتح معه حوارًا أثناء سيرهما بقوله:
-أنا معجب أوي بصداقتك إنت وفهد وبلال، ربنا يخليكم لبعض واضح بتحبوا بعض أوي.
قالها صدقي بلطفٍ، فازدرد نزار لعابه وكان كالأشواك تُدك في عنقه! أكملا سيرهما حتى وصلا لتلك الدبابة فوقف نزار ومعه صدقي الذي عقد حاجبيه بغرابة وتساءل بجهلٍ:
-إحنا جايين هنا نعمل إيه؟؟؟؟
2
ظل نزار يرمقه بصمتٍ، حتى خرج صوت حازم البغيض يقول بمكرٍ:
-وحشتنا والله يا صدصد!
ارتجف صدقي ونظر لثلاثتهم وقد حاوطوه، ثم نظر لنزار مستجديًا، ولكن تلك النظرة البائسة في عيني نزار جعلته يرمقه بأعين جاحظة بخواءٍ وقد أدرك أنه قد وقع في الفخ كالفأر تمامًا!
-كده مهمتك خلصت يا نزار، جود باي.
قالها حازم وهو يشير له بالوداع، فسار نزار مبتعدًا وهو يسمع صرخات صدقي المستجدية حيث يناديه بصوتٍ مكتوم:
-نزار…متسبنيش!
2
التفت بترددٍ لينظر إلى تجمعهم حوله وإسقاطهم له بل وضربه..
فاقترب بلال وفهد منه، حاوط فهد كتفه، وربت بلال على ذراعه مهدئًا..
وأمام عيني نزار وفهد وبلال سُحق الفتى منهم، يشاهدونه وهو يُضرَب بقلة حيلةٍ…
وبينما يُهان الفتى أسفل أقدام حازم وشلته..
ناظره نزار بأسىً..
فتلاقت أعينهما ورأى الخزي والخذلان في عيني صدقي الذي سألته عيناه:
-ليه؟ أنا وثقت فيك، إنت كنت صاحبي الوحيد!!!
1
وصديقه الوحيد…
قد خذله…للأبد!!
مرت ساعات، اقتلع فيها حازم عين صدقي اليمنى بمنتهى الوحشية، ومن فرط الضرب اقتلع ثلاثة أظافر من يده اليمنى، حتى انسابت دماؤه من كل عضوٍ..
2
فابتعدوا منتشيين بساديتهم ووحشيتهم الحقيرة..
وظل الفتى يرثي حاله على الأرض الرملية، يبكي وينوح بعلوٍ، ويعاون نفسه بنفسه على النهوض، وفي كل محاولة كان يصرخ ألمًا..
ويضع كفه على عينه اليمنى الفارغة من الحدقة..
ويرى حدقته قد دهستها أرجلهما كما دهست رجولته وكرامته!
سار بمعافرة نحو المعسكر، يضع كفه على عينه المفقودة، ويحمل في كفه الآخر حدقته المدهوسة!، عافر للوصول إلى المعسكر الذي أغلق أبوابه وناموا جميعًا مخلفين ورائهم قلبٍ لن يتلئم جرحه أبدًا!
-صدقي…أنا..
واجهه نزار الواقف جوار الأسوار بندمٍ، متسع العينين لمنظره البشع وعينيه المقتلعة بعنفٍ، دفعه صدقي وانهار في البكاء من عينه اليسرى صارخًا:
-ليه؟؟؟ عملت كده ليه؟؟؟ سلمتني ليهم ليه؟؟؟ أنا اعتبرتك صاحبي! أنا مكنتش بثق في حد غير فيك!!! ليه خُنت ثقتي وعملت كده ليه؟!!! أنا عملتلك إيه!!! رد عليا أنا عملت فيك إيه؟؟؟!!!
1
تنهد نزار بأسىً ونكس رأسه بخزيٍ، وهتف بخيبةٍ:
-أنا آسف إني خذلت ثقتك.
رفع نظره إلى عيني صدقي المكسورة وقال بحزنٍ:
-اوعى تثق في حد إلا نفسك، محدش هينجدك إلا نفسك.
اعتلى ثغره بسمة ساخرة، وصاح:
-هو ده اللي إنت فالح فيه، تقعد تديني حكم ومواعظ وتسيبني أتداس تحت رجليهم صح؟؟؟ وإنت وأصحابك واقفين تتفرجوا!!!
1
-صدقي..
قاطعه بصياحه الحاد بصوتٍ بُح من الصياح ألمًا حينما كان يُسحق أسفل أقدامهم:
-أنا مش عايز أسمع صوتك، أنا بضرب نفسي مليون جزمة عشان وثقت في واحد زيك!! حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنا خصيمك يوم القيامة إنت وأصحابك كلهم، مش هسامحك عمري كله يا نزار، مش هسامحكم أبدًا.
ألقى كلماته الشاكية وهرول مبتعدًا ينحب بصوتٍ مكتوم، فيما ألقى نزار جسده على الأرض الرملية، وأخرج سيجارته المدككة بالحشيش ليُسكت بها رأسه التي لا تخضع…
ظل يدخنها حتى أنهاها، لم يتناسى فقط تلك الحادثة، بل غاب عن وعيه تمامًا !!
نهض بعد لحظاتٍ يتأرجح بين شعرة اللاوعي واليقظة، سار ناحية الدبابة المستقرة خارج الأسوار وهو يضحك ويغني:
-يا بتاع النعناع يا منعنع ،،يا منعنع يا متدلع
1
ظل يدندن بكلماتٍ غير مفهومة وفتح باب الدبابة ففتحت معه! استقلها وهو يصيح بحماسٍ:
-الله! أنا بقيت قبطان!!!
أدارها فأخذت تتحرك ببطءٍ في الطريق الصحراوي الفارغ المظلم، بينما نزار يدندن بعدم اتزانٍ:
-ياللي حبيبك قاسي وسابك ويا عذابك…آآآآآآه
النار النار النار ده حبيبي سايبني في نار
وظل يراقص جسده بداخل الدبابة التي تأرجحت به فجأةً، وعلا صوت صياح وأنين مكتوم، فعقد حاجبيه بانبهارٍ وتحسس مكانه:
-إيه داااا، الدبابة بقت بتطير!!!
2
أوقفها بأعجوبة، ونزل منها متأرجحًا حتى كاد يسقط، تبع ذلك الأنين القادم من خلفه، فالتفت بحاجبين معقودين هامسًا:
-في الصحرا كده مالكوش أوضة تلمكوا!
ولم يكن ما في باله القذر صحيحًا..
اقترب من الجسدين الجاثيين فوق بعضهما..
فاتسعت حدقتيه تدريجيًا حال رؤيته لبحرٍ من الدماء اختلطت بالأرض الرملية، وأربعة أقدام مهروسة تمامًا..
وأحشاءً تتناثر أسفل مكان مرور الدبابة مع علامات تروس الدبابة نفسها!
-أ…أنقذني!
هتف بها ذلك الفتى صاحب العِمة الملفوفة حول رأسه بإحكامٍ، فتراجع نزار للخلف عدة خطواتٍ بذعرٍ، ورفع كفه صافعًا وجهه عدة مراتٍ لعله يفيق من ذلك الكابوس البشع!
تعالى أنين الفتى وهو يحاول بذراعه المتبقية طلب العون حيث الأخرى مبتورة وقد هُرست هي الأخرى أسفل تروس الدبابة، فهمس بأنينٍ وبكلماتٍ خرجت بصعوبة بسبب كسر فكه وإحادته عن مكانه الصحيح :
-ساعدني…. أرچوك!!!
ظل نزار يرمق الجثمانين بفاهٍ فاغر محدقًا فيهما بنظرة خاوية لا تستوعب ما يحدث!
ماذا فعلت يا نزار!
ماذا فعلت أيها الغبي! لقد دعست اثنين من البدو بالدبابة حتى ساويتهما بالأرض!
تبًا لسيجارة الحشيش وتبًا لحازم وتبًا لصدقي وتبًا…لي!
2
-إنت عملت إيه!!!!
علا صوت صدقي من خلفه يقفز من الدبابة مقتربًا من الأشلاء المتناثرة أرضًا وصاح بعدما اتسعت عينه السليمة حيث الأخرى قد غطاها بضماضة عينٍ:
-الله يخربيتك عملت إيه!!!!
تراجع نزار هاتفًا بذعرٍ:
-معملتش حاجة…أنا معملتش حاجة..هما اللي جُم تحت التروس! أنا معملتش حاجة!!!
انحنى صدقي متجاهلًا رائحة الدماء الصدأة الزاكمة يجس نبض الفتى الوحيد الذي تبين ملامحه من أسفل الدماء المتناثرة على وجهه والمختلطة بتراب الصحراء، كان نبضه ضعيفًا للغاية فصرخ في نزار:
-اتحرك اطلب النجدة! بسرعة!!!
سار نزار بظهره للخلفٍ يرمق المنظر بذهولٍ، سرعان ما التفت يهرول إلى المعسكر بخطواتٍ واسعة، يتعثر عدة مراتٍ ويسقط، ثم ينهض ويتابع سيره فيتعثر ويسقط، وهكذا حتى وصل للمعسكر فأنبئ الجميع بضرورة العون لأن هناك شابين بدويين تم دهسهما بالدبابةِ في ظلام الليل وحلكته!
***
حكمت المحكمة حضوريًا، على المتهم صدقي جبر الله بتهمة القتل الخطأ بالسجن لمدة عشر سنواتٍ مع الشغل والنفاذ، رُفعِت الجلسة.
10
ومع صوت المطرقة، انتهت حياة شخصٍ..
وخُلِق شخصٌ آخر من جديد!
سحبه العسكري بالأصفاد والحُلة البيضاء من قفص الإتهام، فواجه مع خروجه السبعة..
نزار أحمر العينين الذي يرمقه بخزي جلي..
فهد الذي شهد لتوه زورًا عليه..
بلال الذي شارك فهد في جريمته!
حازم الذي ابتسم له بخبثٍ وهو يهز منكبيه ببساطة..
شاهين الحلواني الذي وقف مع عسكري آخر يوصيه عليه، ومن المؤكد…أنه لا يوصيه بالخير أبدًا..
والعميد جمال الديب الذي يشد على عضد إبنه شاحب الوجه…
واللواء رأفت الشربيني الذي يرمقه بجمودٍ.
3
وأمام نظراتهم جميعًا، خرج صدقي يجره العسكري، لمحهم بعينه متراصين جوار بعضهم كالبنيان المرصوص..
فاعتلى ثغره المشقوق بسمة متهكمة..
يالا عدالة الأرض!
تُعطي الطامع أكثر وأكثر، وتُسلِب من المحتاجين كل يومٍ لتعطيه للطامعين!
سحبه العسكري بقوةٍ للخارج، وسيق كالبهيمة لعربة الترحيلات….
بعدما دقق النظر في كلٍ منهم بعينه السليمة..
وكأنه يحفظهم عن ظهر قلبٍ حتى لا يُنسيه الزمن كيف عانى في تسعة أشهر فقط من ظلمٍ وجورٍ وقهرٍ لمجرد أنه أراد أن يكون ظابطًا نزيهًا تفتخر به أمه وأختيه وأبيه !
وأُغلِق عليه الباب تمامًا…
وانتهى فصله..
أو ربما…بدأ لتوه.
2
***
بعد مرور خمس سنواتٍ:
-هتستقيل يا شاهين؟؟ طب ليه؟
نطق بها اللواء جمال بتعجبٍ، فوقف شاهين أمامه مشدودًا وقال:
-ظروف شخصية يا فندم.
هز جمال رأسه يمنى ويسرى :
-خسارة يا شاهين، ده إنت في ذروة مجدك في الداخلية دلوقتي!
-محتاج أركز أكتر مع مراتي وعيلتي يا فندم.
أومأ جمال بقلة حيلة:
-اللي تشوفه يا ابني.
خرج شاهين من عند اللواء يُحييه الجميع ببشاشة، مودعين إياه باسمين الثغر في وجهه..
خرج من المبنى كاملًا وتولى قيادة سيارته حيث بيته، وما إن وصل أمام المنزل حتى اصطدم بسيارة أمام بابهم، خرج من سيارته عاقدًا لحاجبيه بغرابة وسأل عطوة:
-العربية دي مستنية مين يا عطوة
-ألا سيادتك متعرفش؟ دي العربية اللي هتوصل الست صفية هانم والبيه أمجد للمطار، إنت مش رايح معاهم ولا إيه؟!
توقف به الزمن، ووقفت متجمدًا أمام خروج أمه بنظارتها الشمسية السوداء وملابسها الأنيقة وجوارها أمجد..
اقترب منها متسائلًا بخواء:
-رايحة فين يا ماما؟؟؟
ناظرته بقسوة استطاعت رؤيتها رغم ما يغطي عينيها:
-رايحه في داهية، بعيد عن فضيلة وأبوك، بعيد عن القرف إللي معيشني فيه، وبعيد عنك إنت كمان…
-وأنا يا ماما؟
سألها بخواءٍ، ووقف القائد أمام أمه كطفلٍ مرتبك، فتنهره بحدة:
-إنت شبهه، زيه!
3
ولأنه شبهه أو مثله..
قررت هجره..
سارت بالسيارة مع أخيه مبتعدة..
وتركته خلفها متزوجًا من إبنة أختها يتيمة الأبوين..
رنيم..
الفتاة التي تزوجها إرضاءً لأمه..
وإن كانت أمه قد غادرته، فلتغادر رنيم أيضًا.
-إنتِ طالق يا رنيم.
وجملة..
أنهى كل صلته بأمه..
وحبس نفسه في غرفته شهورًا..
وفي يومٍ ممطر..
خرج من غرفته مرتديًا حُلة فاخرة..
ووقف أمام أبيه مقررًا:
-هنزل الشغل معاك.
وفي تلك اللحظة..
انطوت صفحة “القائد شاهين”..
وفُتحت صفحة ناصعة البياض
ليخط فيها “شاهين الحلواني” أولى كلماته..
1
***
نزل فهد مستعدًا للعمل، كان المنزل هادئًا فاصطدم للأسف بيمنى الجالسة ترتشف قهوتها الصباحية أمام التلفاز، أوقفته قبل الرحيل:
-استنى يا فهد، محتاجة أتكلم معاك شوية لوحدنا.
وفي غرفة مكتب رعد، جلست يمنى تضع ساقًا فوق الأخرى بكبرٍ، وبدأت الحديث:
-إنت عارف إن قدر دلوقتي كبرت ومبقتش عيلة صغيرة بضفاير ممكن يتضحك عليها مش كده؟
أومأ بمللٍ، فتابعت:
-وإنت بقيت شاب ناضج بالغ مش كده؟
عقد حاجبيه متعجبًا:
-إنتِ عايزة توصلي لإيه؟؟
اعتدلت في جلستها تواجهه بغضبٍ مكبوت:
-أنا استحملتك خمس سنين من ساعة ما رجعت من القاهرة وعرفت تضمها لصفك تاني، لكن أكتر من كده مش هقدر، أنا مش مختومة على قفايا وواخدة بالي كويس أوي من النظرات إللي بينكم، هي ولو بتحبك هنقول دي مراهقة وهتعدي، لكن إنت لو بتحبها..تبقى بتخون الأمانة…ولا إيه؟؟؟
تحركت عينيه في محجريهما، واهتزت حدقتيه..
هو بالفعل قد بدأ ينسحب تدريجيًا حين ثارت مشاعره تجاه الفتاة المراهقة التي ستُكمل اليوم عامها التاسع عشر!
عاد لينتبه إلى حديث يمنى:
-أنا مش هسمح للي حصل زمان يحصل تاني، أنا شايفة فيك فهد المسيري، بجبروته وقوته اللي استقوى بيهم على بنت ضعيفة عندهل تسعتاشر سنة معملتلوش أي حاجة غير إنها حبته! وأنا مش مستعدة لده إنه يتكرر تاني! وأعتقد إنت كمان مش هتسمح لده إنه يحصل!
1
تتلاعب عن أوتار قلبه بحرفية..
تعلم كيف تراوغه جيدًا!
-المطلوب؟
-ابعد عن قدر، سافر، شوفلك بيت بعيد عننا، ابعد عن بنتي يا فهد! لأني مش هسيبك تمس شعرة واحدة منها طول ما أنا عايشة! لدرجة إني مستعدة أجوزها لأي واحد ماشي في الشارع على إن يكون الواحد ده إنت!
وحينها…
أخرس فهد قلبه النابض باسم قدر.
وترك لعقله القيادة..
فلا هو مستعدًا لأن يكون فهدًا جديدًا..
ولا هو مستعدًا لجعلها قدرًا جديدة..
3
***
-انقذني…أرچوك!
وقف في بحرٍ من الدماء، ينظر حوله لمن ينقذه فلا يهتدي! والأنين يطن أذنه:
-ساعدني…أرچوك!
تعالت الأصوات أكثر حتى التفت على صوت صرخاتٍ يألفها تستجديه وتنادي باسمه:
-نزار…متسبنيش!
ثم ذنبه الأول يقف أمامه بعينٍ واحدة، واليسرى تنزف دماءٍ غزيرة، يهمس له بجمودٍ:
-إنت كنت صاحبي الوحيد!!
يلتفت على يدٍ تشبثت بكتفه، فصرخ هلعًا حين يراها يدًا مبتورة تنشب في ذراعه بقوةٍ فراح يحاول دفعها عنه، ويتراجع ويتراجع بخوفٍ حتى زلت قدمه وسقط في بحر الدماء ليغرق فيه تمامًا.
1
انتفض يشهق على صوت صياح أبيه المعتاد في الهاتف، حيث يأمره بالنهوض والتواجد في ظرف نصف ساعة أمامه..
فنهض معتدلًا على الفراش يفرك عينيه متثائبًا بتعبٍ..
وقد قضى ليله كله وسط زجاجات الخمر وسجائر الحشيش..
فبات كالبوم..
يكره النهار ويعشق الليل الذي يقضي فيه كل مجونه وصحوته.
غسل وجهه الشاحب بفعل المخدرات وإدمانها، وارتدى ملابسه غير المرتبة، وخرج من المنزل وركب سيارته مشيرًا للسائق بالتحرك..
فبعد تلك الليلة المشئومة لم تطئ قدمه مقعد السائق، ولم يفعلها…أبدًا.
رن هاتفه بنغمة مميزة، ففتح الخط مجيبًا ببسمة، فجاءه صوتها الرقيق المشجع:
-نزز قلب أخته أنا، لسه صاحي؟
أومأ مجيبًا بصوتٍ أجش:
-آه.
تنحنح يُجلي صوته، فيما قالت هدير متذمرة:
-اصحى بدري يا إبني وشوف شغلك بقا! ده زمان اللوا جمال مستحلفلك على الآخر.
فرك ما بين عينيه بتعبٍ:
-الاسطوانة اتشرخت، غيري يا متر.
قهقهت ساخرة:
-دمك خفيف حضرتك.
تحولت نبرتها لأكثر جدية:
-اسمع، متتأخرش بليل ع الحفلة، وتلبس بدلة يا نزار لو جيت كاچوال هطردك تخيل تتطرد من حفلة عيد جواز أختك وصاحبك الأنتيم!
-يا أختي هي حفلة تأبين الملك.
-يا بني آدم يا مستفز!
ضحك وقال:
-حاضر يا هدير، حاجة كمان يا سيادة الدوقة؟
-آه، هتلبس ماسك يا نزار، شئتَ أم أبيتَ.
تمتم بصوتٍ منخفض:
-ما هي ناقصة خنقة بقا.
-بتقول إيه!
-مقولتش، اقفلي بقى كلتِ دماغي.
كادت تغلق، ثم صاحت:
-استنى، سلّم على حمزة.
لم يسمع سوى صوت إمتصاص الفتى لقاعدة الهاتف، وأمه تحاول تلقينه الكلمات:
-قوله باي باي يا خالو.
والصغير ينطق بلهجة شبه معدومة :
-بباي آلو.
ثم يسيل مخاطه على هاتف هدير فتضطر آسفةً لإغلاق الهاتف مع أخيها الذي ظل مبتسمًا طوال سماعه صوت الرضيع وحركاته الطفولية البريئة.
وصل للمبنى وهبط يُحيي الجميع، ثم وقف يسعيد رباطة جأشه أمام مكتب أبيه، ثم طرق الباب فسمع الإذن ودخل، ليجد صديقيه يصطفان أمام أبيه الجالس يبتسم بسخرية:
-ناموسيتك كحلي يا سعادة البيه!
شد جسده وأدى التحية العسكرية:
-تمام يا فندم.
-مأمورية المنتجع عليكم، وشدوا حيلكم شوية عايزين نشيل رتبة ملازم وملازم أول دي خالص ونحط نقيب.
شدوا أجسادهم وحيوه، ثم اصطفوا ليخرجوا فنادى جمال إبنه وأمره بالإنتظار:
-إستنى يا نزار.
ناظره بلال بشفقةٍ وهو يوصد الباب خلفه، فيما وقف نزار أمام أبيه ينتظر جلسة التقريع المعتادة:
-فهد وبلال هنا من بدري! والبيه صاحيلي اتناشر الضهر!! كانوا هينزلوا من غيرك لولايا، إنت إيه؟ عايز تفضل ماشي في ضل فهد كده كتير؟؟؟ شوف هو فين وإنت فين! عمال ياخد في ترقيات وصلاحيات وإنت محلك سر ! يا أخي ده الحاجة الوحيدة اللي إنت شبهه فيها صوتك!
6
-لو سمحت يا بابا بطل تقارننا ببعض!
قالها بانزعاجٍ، فضحك جمال متهكمًا:
-إنت تطول أصلًا تتقارن بيه! ده شرف ليك إني بقارنك بيه دلوقتي!
1
ناظره بتحذيرٍ واستأنف:
-أنا مش هقعد ألم وراك كتير، فوق لنفسك قبل ما تقع أكتر من كده وتتنيل بنيلة، غور جاتك القرف.
رحل نزار بوجهٍ مكفهر غاضب، فقابله بلال متسائلًا:
-هزأك تاني؟
رمقه نزار بغضبٍ، وتركهما يقفان ورحل، فنظر بلال لفهد بعدم فهمٍ ورحلا خلفه.
***
في أمسية الحفلة التنكرية وقف نزار في جانبًا يرتشف من كأس العصير بضجرٍ، فحتى شقيقته رفضت رفضًا قاطعًا وضع الخمر على قائمة المشروبات..
فظل يرتشف من العصير ما ملأ معدته..
مختنقًا بذلك القناع الذي أصرت هدير عليه وضعه، قناعًا يُشبه قناع باتمان الأسود ولكنه مميز بالقليل من الزخرفة الفضية التي كسرت لونه الأسود.
حتى لمحها…
تقف مرتبكة في ركنٍ ما تخلع عنها قناعها بتوترٍ..
عينيها بنيتين صافيتين..
وخصلاتها معكوصة بتسريحة أنيقة..
ترتدي فستانًا أسودًا ينساب على قوامها بأريحية..
فاقترب منها مسحورًا، ووقف أمامها مبتسمًا يمد كفه في حاجة للتعارف:
-نزار الديب.
فابتسم بتوترٍ، ومنحته كفها ليضمه ويطبع عليه قبلة فارتجفت وهي تقول:
-حِلم.
7
وكان اسمها…كالحُلم!
***
صباحًا هبط فهد بنشاطٍ بعدما قضى ليله كله يُفكر في أنثى البرق التي سلبت لُبه..
قابلته قدر بابتسامتها اللطيفة، فبادلها ببسمة أخرى خفيفة وتخطاها ليخطف فايا الصغيرة البالغة من العمر ثلاثة أعوام، وراح يؤرجحها ويلاطفها ببالٍ رائق..
فيما اقتربت يمنى من ابنتها الواقفة ترمقه بخيبة وهمست لها:
-قولتلك حُبه ليكِ ميتخطاش كونك بنت خاله.
ثم ربتت على كتفها بشفقة أجادت تزييفها، ورأت ابنتها تهرول لغرفتها بأعين باكية..
حينها فقط…ابتسمت بظفرٍ.
2
***
فتحت هدير باب الشقة حيث اندفع فهد يدخل بسرعةٍ:
-لا إله إلا الله داخل زريبة يا ابني!
التفت يرمقها بتساؤلٍ وهو يخلع حذائه عند الباب:
-البنت اللي كانت لابسة قناع الفضة إمبارح ! تعرفيها؟؟؟
ضحكت بعدم تصديقٍ:
-بشويش بس ابلع ريقك ولا قول صباح الخير حتى!
صاح بعجلةٍ:
-اخلصي يا هدير!
-لأ معرفش! مشوفتش حد لابس قناع فضة أصلًا إمبارح.
قلّب عينيه بضيقٍ وارتمى على الأريكة مستنزَفًا، تلك الفتاة لا ينبغي ان تكون مجرد وهمًا..
في أشد حاجته لها…لا ينبغي أن تكون حلمًا سخيفًا!!
ومن نفس الباب الذي دخل منه استقبلت هدير صديقتها، ودخلت تقدمها له بمرحٍ:
-ده فهد صاحبنا من زمان، دي حلم صاحبتي بس مش من زمان.
ابتسم لها مجاملًا ولم يكلف نفسه عناء تأملها..
وجلست حُلم..
وساد الصمت بينهما، فيما وقفت هدير تتلصص عليهما من خلف ستارة المطبخ وخلفها بلال يحمل حمزة ويهمس:
-مش إللي بنعمله ده غِش؟؟؟
هزت رأسها نافية بقوةٍ:
-لأ مش غِش، واسكت بقا.
أشاح بكفه وهو يسير بالصغير للشرفة:
-أنا مالي إنشالله تولعوا كلكم.
رن الجرس مجددًا فهرولت هدير لتفتحه، فإذا بأخيها يبتسم بمرحٍ وقبل أن يتحدث جذبته للداخل بسرعةٍ قبل أن يلتقط أنفاسه، وراحت تتابعهما من مكانها السابق، فاستدار نزار يهمس لبلال متسائلًا:
-هو فيه إيه؟؟
-أختك بتوفق راسين في الحلال.
تمتم نزار بجهلٍ:
-أنا مش فاهم حاجة!!!
وبالخارج..
بادرت حلم بقولٍ واحد..
كان كفيلًا بتغيير حالة فهد البائسة:
-على فكرة، رقصك حلو اوي.
ناظرها بعدم تصديقٍ، ليجدها تبتسم بخجلٍ ووجههٍ مشتعل بحرجٍ…
فابتسم بدوره…
وابتسمت الدنيا كلها!!!
1
***
تلك الليلة عاد لمنزله شاردًا..
هو لن يختار الصغيرة ليطمس برائتها..
وإنما سيختار من سحرته لوهلة لأنها ببساطة…من تلائمه!
1
-فهد.
أوقفه نداءها له، فالتفت يبتسم لها بلطفٍ هامسًا:
-منمتيش ليه لحد دلوقتي؟؟؟
-مش جايلي نوم.
وقفت أمامه بارتباكٍ، تفرك طرف منامتها الوردية، فسألها بنبرة رقيقة:
-عايزة تقولي حاجة يا قدر؟
وفجأة قالت بحزنٍ:
-إنت ليه بعدت عني فجأة؟؟ من ساعة من بقيت تمنتاشر سنة وإنت بتتجنبني، أنا خلاص بقيت كبيرة، أنا هكمل تسعتاشر سنة أهو!
أعتصر عينيه بانهاكٍ..
لأنكِ صرتِ كبيرة فلم يعد ينفع !
-أنا مش بتجنبك ولا حاجة، كل الحكاية إن أنا مشغول بشغلي زي ما أنتِ مشغولة بدراستك..
نظرت في عينيه بشدة تستشف منهما الصدق، ولكنها لم تجده! فأستنشقت أكبر قدرٍ من الهواء، وتشبث بالسلسال المعلق في عنقها المحفور عليه اسمه وكأنها تستمد منه القوة وصاحت:
-أنا بحبك.
رفعت عينيها إليه وبجرأة استأنفت:
-أنا بحبك يا فهد وعايزة أتجوزك.
اتسعت حدقتيه بصدمةٍ، ولم يكن وحده من صُدِم..
بل كانت أمها التي وقفت تتلصص عليهما من المطبخ حيث كانت ستأتي بكوبٍ من الماء فأوقفها حديث ابنتها المتوتر!
-قـ….قدر إنتِ..
قاطعته:
-متقولش حاجة دلوقتي، أنا عارفة إنك مصدوم، بس فكر شوية ورد عليا.
ضحك بعدم تصديقٍ:
-أ…أرد عليكِ إزاي يا قدر! قدر أنتِ ..إنتِ أختي!!!
2
حينها..
تهشمت أحلامها على صخرة الواقع..
ولدغها عقرب الرفض!
-أ..أختك!!!
كاذب..
ويعلم أنه كاذب..
-أيوه أختي، أنا عمري ما شوفتك غير أختي ، اللي بتفكري فيه ده حب مراهقة وهيعدي.
التمعت العبرات في عينيها، تستوعب لبرهة كيف لفظها بقسوةٍ! فلم تجدها نفسها إلا وهي تصيح بانفعالٍ:
-أختك ؟؟؟ والسلسلة دي كانت تعبيرًا عن أخوتك؟؟؟ المرجيحة إللي عملتهالي في الجنينة أخوة برده؟؟؟ غيرتك عليا من فادي وغيره أخوة؟؟؟
أومأ بشدة:
-أيوه أخوة، إحنا أخوات يا قدر، غير كده متحلميش.
ضحكت بانكسارٍ:
-إنت بتهزر صح؟؟
وبصرامة صاح:
-لأ مش بهزر، ولو اتكلمتي في الموضوع ده تاني اعتبري حتى علاقة الأخوة إللي بيننا معادتش موجودة.
وتركها تقف تحتضن بكفها السلسال المعلق في عنقها بقهرٍ..
تنظر في ظله بخواءٍ…
وكالعادة…ومن العدم..
خرجت يمنى تواسيها، تحتضنها بين ذراعيها، فتنهار الفتاة في أحضان أمها التي تربت على شعرها بحنوٍ:
-ميستاهلكيش، إنتِ أحسن منه، بكره تبقي دكتورة وتجيبي مجموع عالي وتخشي طب، وتقهريه هو وغيره.
8
واستقرت الفتاة في أحضان أمها..
تنظر للفراغ بخواءٍ..
بأعين حمراء تنضح بالألم..
***
تململ نزار بعدم ارتياحٍ وهو يسمع بالإجبار تقريع أبيه المعتاد له بقوله:
-فهد أحسن منك في إيه؟؟؟ إنه يقتحم المكان ويحط خطة الخداع بالأصوات دي؟؟؟ رد عليا إنت مش بتتقدم زيه ليه!!
نهض نزار صارخًا بنفاد صبرٍ:
-كفاية بقا!! كرهتني في صاحبي وفي نفسي وفي شغلي! ليه لازم أبقى كوبي بيست منه لما ممكن أبقى نفسي!!! ليه حاطط عليا ضغط وحمل كبير أنا لازم استحمله غصب عني زي الكلب وأنا حاطط جزمة قديمة في بؤقي!!! كفاية بقا يا أخي قرفتني!
فغر جمال فاهه بصدمة، ولأول مرة يرفع كفه ليصفع إبنه بحدة، لعل تلك الصفعة توقظه من جنونه!
-إنت واضح إن القرف إللي بتبلبعه ليل ونهار ده لحس مخك، اوعى يا أهبل تكون فاكرني مش عارف إنت بتضرب إيه ولا بتشرب إيه؟؟؟ عارف ومطنش يا حمار، أقول بكرا يعقل، بكرا يشيل المسؤلية، لكن إنت طوووور، حماااار ولا بتفهم.
ابتسم بجنونٍ وقد استحالت نظراته لأخرى سيكوباتية بحتة:
-خلاص، اتبرى مني وروح اتبنى فهد، هو هيعرف يمثل الصورة المثالية للإبن البار إللي في دماغك أحسن مني.
توسعت حدقتي جمال وهو يرى إبنه يغادر بعد كلماته اللاذعة، فصرخ فيه بعلوٍ:
-نزار، تعالى هنا يالا..نز…نزار.
وانهار ساقطًا على الأريكة يحارب ضيق تنفسه بتحرير رابطة عنقه قليلًا ليلتقط أنفاسه سليمًا!
1
***
شاردًا في نقطة وهمية حيث انتهى حديثه مع أبيه بتركه له المنزل والمبيت عند هدير أخته..
إلا أن ظهور حلم من العدم في النادي جعله يبتسم فور رؤيتها ويقف تحيةً لها فصافحته برقةٍ هامسة:
-إزيك يا نزار.
-الحمدلله، إنتِ عاملة إيه؟
أومأت متمتمة بالحمد، ثم بحثت بعينيها عن شخصٍ بعينه وعادت تسأل نزار الهائم في معالمها بشرودٍ:
-فهد لسه مجاش؟؟
انتبه لها على الفور، وهز رأسه نافيًا فرآها تزم شفتيها الصغيرتين بضيقٍ، سرعان ما نهضت تستأذنه:
-معلش بقا كنت جاية أسلم عليك وماشية على طول.
وهو الذي لم يغازل يومًا إمرأة وقف أمامها مرتبكًا لا يدري ما يفعل..
فكانت حلم حبه الأول والمراهق والأخير…والأبدي!
بعد ساعة ألقى فهد وبلال بجسديهما على مقاعدهما جوار نزار الشارد في كوب عصيره، فضحك فهد يلكزه بعبثٍ:
-إيه النظرة الولهانة دي؟ إنت بتكراش ولا إيه يا اسطا؟؟
أومأ نزار فصفّر بلال مصفقًا بحماسٍ، وسأله فهد ببسمة واسعة:
-قول سرك في بير، نعرفها؟؟؟
ابتسم بهيامٍ وصرّح بالإسم الذي أرق مضجعه لشهورٍ:
-حلم…صاحبة هدير.
اختفت بسمة فهد تدريجيًا، وازدرد لعابه عدة مراتٍ بتوجس، ونظر لبلال الذي توتر هو الآخر، ثم شرد في الكوب أمامه..
فيما سمع نزار يقص عليهم بحماسٍ:
-لما بشوفها بحس إني اتبرجلت، مبعرفش أقولها كلمتين على بعض، كل ما أبص في عينيها أحسني تايه ومش على بعضي، بتخلق جوايا إحساس غريب…كأني….كأني طاير! مش هتصدقوني بس بتديني نفس إحساس سيجارة الحشيش بالظبط! إنتشاء!
نظر فهد لصديقه الذي بدا مجنونًا في وصفه لحُلم..
لم يصف معالمها الجسدية بل وصفها بسيجارة حشيش تُنسيه آلامه..
تمامًا كما تفعل معه!
والآن..
صديق عمره أم حبيبته؟
أيختار القلب بين ساكنيه!
أم يُدفن ويُجبر على الإختيار قسرًا؟
وإذا كان ذلك ممكنًا…فكيف سينجو من تلك المقبرة التي دفنه فيها القدر!
3
***
حفلة عيد ميلاد حمزة..
كان نزار يرتدي حُلة فاخرة، مما أثار غرابة هدير التي سألته:
-إيه يا ابني ده! إلا ما لبستها في فرحي!
قال وهو يلاعب حاجبيه لحمزة الصغير:
-الحاجات دي مبتطلعش غير للغوالي.
وكزته في صدره وهي تزم شفتيها بضيقٍ:
-اخص عليك يا نزار يعني أنا مش غالية؟؟؟
انحنى يختطف قبلة من وجنتها بمشاكسةٍ:
-مفيش أغلى منك يا جامد.
فضحكت وضحك بمرحٍ..
وبدأ الحفل وانطفأت الشموع واستعد نزار لمفاجئته، ولكن…
-حلم…تتجوزيني؟
حينها انهارت جدران المنزل من التصفيق المباغت، وعلا الصفير وأومأت حلم وهي تبتسم بسعادةً له فيما يضع في كفها الصغير عند إصبعها تحديدًا خاتمًا رقيقًا ذو فصًا ورديًا لامعًا!
4
قبض نزار على العلبة القطيفة المخبأة خلف ظهره بغلٍ..
وصك على أسنانه بغضبٍ مكبوت..
واسودت حدقتيه بسوادٍ ليس له مثيل…
والآن…
انفجرت البراكين..
1
***
لكمة سددها لفهد بعد إنتهاء الحفل وأمام هدير وبلال واللواء نفسه، حاول بلال إبعاده عن فهد ولكنه كان أقوى وظل يعافر فيعود ليلكمه بغضبٍ صارخًا والدموع تحرق عينيه:
-ليه! انا وثقت فيك! خنتني ليه يا فهد ده انا جيت اقولك اني بحبها!!! جيت أقولك إنت عشان صاحبي !! هونت عليك يا فهد!!! هونت عليك!!!
وقف فهد مطأطئ الرأس مذنبًا، يتلقى لكمات نزار القاسية بصمتٍ وبسالة..
فصرخ نزار بانفعالٍ وهو يُشير على بلال:
-وإنت يا بلال…إنت كنت عارف!! كنت عارف إنه بيحبها وسكتت؟؟؟؟
التفت ينظر لأخته التي تحتضن ابنها الذي يبكي بين أحضانها من سماع تلك الصرخات:
-وإنتي يا هدير كنتِ عارفة؟؟؟ عارفة ومقولتليش؟؟؟ إنتِ…إنتِ توأمتي!!!
صاح وهو يشير عليهم جميعًا:
-كلكم كنتو عارفين واستكردتوني! كلكم زبالة! كلكم خونة…
2
وفي فرط إنفعاله وحاجته إلى الحشيش، راح يكسر كل ما تقع عينيه عليه، حتى كاد يُصيب هدير نفسها…
إلا أن الشظية الزجاجية طارت صوب بلال فجرحت قدمه دونًا عن زوجته..
وحينها…جذب جمال إبنه وصفعه بقوةٍ أمامهم جميعًا، هزه بين ذراعيه صارخًا:
-فوق يا نزار …فوق!!!!
ظل ينظر لجميعهم بخواءٍ، بصمتٍ…
بخيبة أملٍ! وبكسرة..
-إنت تروح المصحة…لازم تتعالج، أيوه لازم تتعالج، همضيلك على أجازة..
تمتم والده ببعض العبارات في عدم اتساقٍ، وبحث عن هاتفه ثم أجرى اتصالًا، فيما وقف نزار يرمق فهد ببسمة تشكلت على فمه ببطءٍ هادئ…
واقترب منه خطوة تلو الأخرى وفهد يهمس له باستجداءٍ:
-نزار افهم..
عانق نزار صديقه بشدةٍ، وبذراعٍ واحدة، ثم همس جوار أذنه بنبرة مُغيّبة ذات فحيحٍ منخفض:
-أنا كنت صاحب وفي، وإنت كنت صاحب وسخ.
5
ابتعد عنه فتلاقت أعينهما، نزار بعينيه الحمراء القاتمة، وفهد بعينيه الثابتة التي تحمل في طياتها توجسًا خفيًا.
تأكد فهد حينها…
أن ذلك كان العناق الأخير بين صديقٍ وفي…وصديقٍ…خائن!
1
تمتم نزار بنبرة منخفضة وهو يدور بحدقتيه في المكان:
-متثقش في حد غير نفسك، محدش هينجدك إلا نفسك…متثقش في حد غير نفسك، محدش هينجدك إلا نفسك..
ومن قال أن الدنيا دوارة…فهو على حقٍ..
2
***
مر أربعة أشهر حُجِز فيهم نزار في مصحة للإدمان، عولج فيها بمنتهى القسوة والتشدد..
من جلسات كهربائية لجلدٍ بالأسواط وغيره..
واظب فهد في خلال الأربعة أشهر على زيارته وكذلك بلال وهدير، إلا أن رفض نزار القاطع لرؤية أيًا منهما وقف بالمرصاد..
فتراجعوا يجرون أذيال الخيبة..
ولكن اليأس لم يتملك من فهد الذي واظب على زيارته رغم رفضه، بل والاطمئنان عليه من طبيبه المعالج، وأيضًا طمأنة هدير المفطورة على حالة أخيها التي انتكست فجأةً دون سابق إنذار!
***
في ليلة الخميس..
حيث تجمعت عائلة العمرانية استعدادًا لجولة من الملاكمة في حديقة المنزل، جلس فهد جوار قدر محاولًا استمالتها بملاطفة خفيفة…
فصدته بعنفٍ حين نهضت تبتعد عنه تمامًا، كحالها طوال الأربعة أشهر الماضية..
ناهيك عن خلعها لسلسال اسمه واستبداله بآخر جلبته أمها من الذهب محفور عليه اسم “قدر” بخطٍ بارز وعريض.
3
تنهد بتعبٍ وفايا الصغيرة تتشبث بساقه مختبئة من فادي الذي يلاعبها ويركض وراءها، فأشارت عليه تشتكيه لفهد صارخة بنبرة طفولية لم تنطق الأحرف كاملةً بعد:
-ادي الب، هد ادي الب.
ورغم استحالة فهم حديثها إلا أن فهد فهمها مرددًا:
-أضرب فادي؟؟
أومأت الصغيرة بشدة، فصرخ فادي ضاحكًا:
-آه يا بيّاعة!
مثّل فهد أنه يضرب فادي على كفه:
-أهو..أهو..
فتأوه فادي تأوهًا مزيفًا وراح يُمسك كفه وينفخ فيه بألمٍ، فضحكت الصغيرة وراحت تصفق بكفيها الصغيرين ببلاهةٍ وتتعالى زقزقاتها الطفولية، فينحني فادي وينتشلها راكضًا بها حيث الحديقة وضحكتها تعلو بمرحٍ.
تنهد فهد بتعبٍ وأخرج هاتفه الذي لم يكف عن الأزيز في جيبه، فأجاب على بلالٍ:
-خير.
-نزار هرب من المصحة!!
حينها…
اسودت الدنيا في عينيه..
مع رنة جرس الباب..
وسير الخادمة لتفتحه..
سار كل شيءٍ أمام عيني فهد بالتصوير البطيء..
الخادمة تفتح الباب، يندفع منه نزار مبتسمًا باتساع..
يندفع معه تسعة رجالًا أشداء..
يفرد ذراعيه كالأيام الخوالي مرّحبًا:
-فهد، صديقي الصدوق…وحشتني يا جدع!
3
ينهض ببطءٍ ناظرًا بأعين جاحظة إليه، هامسًا بنبرة مرتجفة:
-نزار!!!
ضحك نزار بمرحٍ وحاوط عنق فهد بمشاكسة:
-جيت أزورك، مش معقول يعني تيجي تزورني في المستشفى كل يوم وأنا مجيش أشقر عليك، دي حتى تبقى عيبة مني!
2
وقف كلاهما أمام بعضهما ..
الأول يبتسم بمكرٍ، والآخر يرتعب من فكرة وجود نزار في مكان واحد مع عائلته!
عائلته التي رحبت بنزار كواحدٍ منهم..
وكان أول من رحب بنزار، شريف الذي ابتسم له وصافحه بقوةٍ.
6
_______
4
بالنسبة لجروب الفيسبوك، فيه أسئلة للإجابة قبل قبول الطلبات الأسئلة دي مش مرازية في حد لا سمح الله دي مجرد طريقة أميز بيها القارئ المهتم من اللي داخل كده وخلاص..
فمن فضلكم اللي مش هيجاوب هيترفض طلبه وهيتعمله بلوك لو دخل زعقلي في المسدچ! فتخيل تبقى مطرود من الجروب ومتبلك من صاحبة الجروب !
رأيكم؟
العشرين من هنا 
زر الذهاب إلى الأعلى