روايات رومانسية
رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل العاشر 10 بقلم تقي حامد
رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل العاشر 10 بقلم تقي حامد
دخلت شادية الحارة بأرجل واهية، وقلبٍ مكلوم يشعر بالذل والمهانة، خطوتين نحو منزلها رأت فيهم الجميع يرمقها بين شفقة ولا مبالاة وحزن!
فدخلت أكثر ليصدمها منظر أختيها، نادية التي تبكي بقوة وتتمسك بكف والدها مقصوم الظهر، وفادية التي تصرخ في الرجال الذين يُلقون أساس البيت خارجًا بمنتهى الإهمال والوحشية، هرولت بسرعة تضع كفها على وشاح رأسها حتى لا يطير صارخة:
-فيه إيه؟ فيه إيه يا فادية!
وصاحب البيت يقف كالوتد أمام العمارة بعينه الواحدة والأخرى ذات الغطاء الأسود التي تخفي خلفها عين مخلوعة، ينظر لها هاتفًا بسخرية:
-فيه إيجار متأخر عليكم داخله في العشر شهور يا أختي، وأنا بصراحة صبرت عليكم أوي وعداني العيب وأَزَح.
صرخت فادية وكادت تنقض عليه لولا أمسكتها شادية:
-يا راجل يا ناقص، بتطردنا في نِصاص الليالي يا معفن يا قُرَني!
اقترب يدفعها بكفه في وجهها بقوة فارتدت للخلف ومعها شادية:
-متخلنيش أوريكِ مين المعفن اللي بجد يا مَرة دُون منك ليها، أنا محترم الراجل الكبير أبوكم، غير كده كنت دفنتكم مطرحكم.
زمجرت فادية بقسوة:
-بتمد إيدك عليا يا لمامة الشوارع يا زبالة، ماشي..وديني وما أعبد لا أوريك النجوم في عز الضهر يا أعور يا أبو عين واحدة.
كاد يدفعها مجددًا فمنعته شادية بالصراخ:
-بـــــــــــس، بس بقاااا.
ودفعت شقيقتها بعيدًا عن مرمى يداه، ونظروا أربعتهم للعفش الذي أُلقِي خارج المنزل، والثياب التي تبعثرت هنا وهناك، وحِلل الطبيخ والملاعق والأطباق، كل شيءٍ ضاع في لمح البصر..
بعد ساعة كانت شادية جالسة على رأس الأغراض، تجاورها فادية التي تضع رأسها بين كفيها في حسرة، ونادية تقف جوار أبيها الجالس على أحد كراسيهم، شُردوا وطردوا شر طردة، وصُفع باب العمارة في وجوههم أجميعن قبل أن يقول بصوته الجهوري:
-يومين وإيجار التسع شهور يبقوا عندي، وإلا بقا أبوكو الحنين ده يشرف في التخشيبة.
حتى رأت شادية حِبو يقترب منهم، يتساءل بقلقٍ:
-أول ما سمعت جيت جري، ولا يهمكوا أنا عندي مطرح فوق السطوح اقعدوا فيه فترة و…
صرخت شادية بعنف:
-إنت إيه اللي جابك هنا يا قذر! أنا مش قولتلك لو شوفت خلقتك هوريك اللي عمرك ما شوفته!
رفع حاجبه بحدة ونظر لعم لطفي:
-يرضيك كده يا عم لطفي! جاي أساعدكم وبنتك بتشتمني!..
نهرها لطفي بصوتٍ مُتعب مبحوح:
-بس يا شادية عيب كده.
نظرت لوالدها ثم لحِبو وهدرت:
-عيب؟؟؟ وده يعرف العيب؟؟؟ اللي ماشي يديرها مع أي حتة طرية!!!
حذرها حِبو بعينيه، وقال للطفي:
-أنا قولت أجي اقترح عليكم يا عم لطفي، إنت راجل تعبان وجتتك مفيهاش حتة سليمة، ومعاك بنتين زي الفل عيب تتشحططوا في الشوارع في انصاص الليالي!
بنتين!!
هل قال بنتين ولم يذكرها معهما!
ستقتله..
ذلك الفاجر تُقسم ستقتله يومًا.
-طب والحتة دي، مضمونة يا ابني؟
نظرت شادية لأبيها بفاهٍ فاغر، فابتسم حِبو بظفرٍ:
-إلا مضمونة، ده مطرحي، أوضة فوق السطوح اقعدوا فيها حبة وأنا هقعد مع الواد أوس أوس صاحبي تحتكم، لو عوزتوا حاجة يعني.
أومأ لطفي:
-كتّر خيرك يا ابني، ساعديني أقوم يا نادية.
هرول حِبو يعاونه على النهوض، وتلاقت أعينهم، فأشاحت نادية ببصرها بعيدًا، وبلل حِبو شفتيه، ثم ركز قوته في معاونة الرجل على النهوض..
-طب والعفش يا أبا!
قالتها نادية بصوتها الرقيق، فبادر حِبو بالقول:
-هجيب الرجالة وننقله فوق السطوح قدامكم، الأوضة فيها عفشها متقلقوش.
نهضت فادية بوجهٍ شاحب، تنفض عن عباءتها الغبار، ورحل أربعتهم مع حِبو الذي كان يُسنِد عم لطفي، وسارت شادية معهم بقلة حيلة..
صعدا السلالم المكسور بعضها بحذرٍ، وحِبو يرحب بهم بحفاوة:
-اتفضلوا اتفضلوا، بيتكم ومطرحكم.
فتح باب السطح بقوة، وتحرك حتى الغرفة الصغيرة جوار الباب، فتحها وأشار لهم بالدخول، وكانت رائحتها قذرة، امتعضت ملامح فادية وشادية حين اشتمتا رائحة حشيش ممزوج برائحة سجائره الملفوفة ورائحة عطنة تشبه رائحة البيض الفاسد، أشار لهم بالدخول:
-اتفصلوا اتفضلوا، هي الأوضة بس محتاجة شوية نضافة وتبقى عروسة.
سخرت شادية:
-شوية نضافة؟ دي محتاجة إبادة.
رمقها حِبو بحدة، وعاد ينظر للعم لطفي:
-اتفضل يا عمي.
لم يدخل لطفي لأن للمفاجأة الرائحة قلبت معدته فقال وهو يضع كفه على أنفه:
-اتفضل فين بس يا ابني، الريحة زنخة أوي أخاف أخش أفطس جوا!
تأففت شادية بضيقٍ، وظلت فادية ترمق المكان بخواءٍ، ونادية منكسة الرأس شاردة لا تتفاعل، فارتبك حبو وقال:
-خلاص هبعتلكم البت زيزي أخت أوس أوس تنضفهالكم هوا.
-لا يا أخويا هنضفها إحنا، خليلك إنت زيزي.
كانت كلماتها ذات مغزى، فشادية لن تخرس عما عرفته عنه، وإن علمت نادية بذلك…فلن تنظر في وجهه أبدًا، وهو أكثر ما يمقته أن تتجاهله نادية!
-طب أنا هنزل أشوف الرجالة وننقلكم العفش هنا، سلامو عليكو.
خرج من الغرفة، وبقت شادية تنظر لأرجائها بقرفٍ هاتفة:
-على آخر الزمن بنتحوج للحشاش الخمورجي إبن هياتم.
تحدثت نادية برقة:
-وهو إحنا لقينا مين ينجدنا وقولنا لأ يا شادية.
اقتربت منها شادية تهتف بصرامة:
-بت، لسانك ميخاطبش لسانه، وتفضلي في ديل أبوكِ وفادية طول ما أنا في الشغل، لو لمحتك واقفة معاه ولا بتسبليله لا أطربقها فوق دماغكم، سامعة؟؟؟
تدخل لطفي هاتفًا بقلق:
-يا بنتي ما تسيبهم يرجعوا لبعض، حرام الواد روحه فيها.
-طلعت روحه! أبا والنبي لو ما تعرفش حاجة تسكت إنت مش ناقص أمراض.
أشارت لنادية لتخرج:
-خدي أبوكِ يقعد برا في الهوا، وتعالي أنا وإنتِ وأختك ننضف الخرابة دي خلينا نقضي فيها الليلة ومن بكرا هشوفلنا مطرح تاني يلمنا.
أومأت نادية، وسحبت أبيها ببطءٍ، وتحرك معها بوهنٍ، فأجلسته على إحدى مقاعد السطح، وعادت لأختيها بسرعة..
وعلى الدرج وقفت زيزي تتخصر وهي رافعة الحاجب بحدة، تنظر لحِبو الذي يهبط الدرجات بسرعة، فتأفف حال رؤيتها:
-ناقصين بقا بوزك الفقر ده ع المسا! عايزة إيه يا وحش النحس!
-إيه اللي جاب البلاوي دي فوق؟ والبت المعصعصة دي بتعمل إيه في أوضتك هي وأهلها؟
شهقت بصدمة وهي تضرب صدرها:
-لا تكونش اتجوزتها ياض!
-أتجوز مين ببوزك ده، إنتِ مشوفتيش قُرني وهو بيطردهم في عز الليل، قولت أتاويهم عندي وأكسب فيهم صواب.
رفعت حاجبها الرفيع ساخرة:
-صواب؟ هو إنت بتاع صواب برده؟ على زيزي يالا!!!
تأفف حانقًا:
-بقولك إيه أنا مش فايقلك، لسه هتنيل أشوف عفشهم، وإنتِ اطلعي زي الحلوة كده ساعديهم في تنضيف الأوضة.
شهقت بقوة:
-إنت عايزني أنا زيزي…أطلع أساعد الجرابيع بتوعك!
قلب عينيه بمللٍ، فاستأنفت بحدة:
-اوعى تكون هتنام معاهم فوق!
-أنام فين إنتِ كمان، لأ هنزل أنام عندكم.
ضيقت عينيها بمكرٍ:
-بس أوس أوس مسافر إنت عارف.
اقترب أكثر حتى التصق بها وهمس في أذنها:
-ما هي مصلحة بقا، أخوكِ مسافر، ومفيش حد في الشقة غيرنا، والشيطان تالتنا.
رقعت ضحكة خليعة في منتصف السُلم، فأخرسها بكفه:
-بس الله يخربيتك هتفضحينا.
أنزلت كفه ورمقته بإغواء:
-ماشي يا حِبو، هطلع أساعدهم، أما نشوف أخرتها معاك إيه.
وتخطته لتصعد الدرجات بتمايل قذر بجسدها الملفوف بقميصٍ أحمر يلتصق بها، فتابع تمايلها بجشعٍ وهو يبتلع لعابه ببطءٍ:
-أخرتها فُل إن شاء الله.
1
رمقته من فوق كتفها بدلالٍ ضاحكة بخفة، فتنحنح وهبط السلم كابتًا كل أفكاره القذرة حال يُنهي مشكلة العم لطفي وبناته.
***
انقلب الوضع في لحظة، وأصبح فهد أسفل شاهين، ذلك الذي انحنى يواجهه بنظرة غاضبة:
-أنا ميفرقش معايا غيرها، تولع الدنيا ونارها متطولش يُسرا.
1
ضحك فهد ساخرًا:
-الدنيا كلها هتولع وأول حد هيتشاط هي.
غضب شاهين بشدة..
وشدد قبضته، وفهد يتابع بضحكة جانبية ساخرة:
-صدقني محدش هيكسب في الحرب دي، كله هيطلع خسران..
1
حرب ضروس..
بدأت منذ القدم..
ولا زالت مستمرة حتى الآن.
زمجر شاهين غاضبًا، ولكمه في وجهه بقوة، ثم عاد يهمس له:
-إنت فاكرني بريالة يالا، ها؟ فاكرني هسيبه يلمس شعرة منها؟ صحصح وفوق….أنا شاهين يا مغفل، أنا اللي معلمكم الألعاب القذرة دي من الأول..
1
ابتلع فهد لعابه الممزوج بدماؤه، وضحك بلهاثٍ:
-هنشوف.
1
رفع قبضته لأعلى، وكاد يهبط بها بقوته على وجه فهد إلا أن صراخها أوقفه:
-شــــــــــــــاهين.
نظر لها بسرعة، فوجدها قد انتفضت واقفة ترمقه بتحذيرٍ، فزفر بحنقٍ، ولكم الأرض جوار رأس فهد، ثم نهض من فوقه ينظر له بتعالٍ، مد كفه إليه ليعاونه على النهوض، فرمق الأخير كفه متذكرًا…
-افتكر دايمًا إن نقطة ضعفك هي قوة خصمك، اوعى تبين لعدوك إن عندك نقطة ضعف.
ومد كفه إليه ليُنهضه، فأعطاه فهد كفه ونهض.
نهض فهد بمفرده، وتخطى كفه الممدودة، وظلا يرمقان بعضهما بتحدٍّ، قاطع نظراتهم صوت ساجد:
-واضح إن فهد إبننا كسب.
رمقه شاهين بطرف عينه، واستدار له كليًا، فتراجع ساجد خوفًا من هيئته الضخمة، وتراجع عن حديثه:
-واضح إن الأستاذ شاهين كسب، ألف مبروك يا باشا، يلا نسقفله…نسقفله…
وصفق له وفعل البعض، في حين خرج فهد من الحلبة يمسح دماؤه، وتلاه شاهين الذي هرولت يسرا إليه تسبقها بطنها المتتفخة، تربت على جروحه هانسة بقلقٍ:
-إنت كويس؟
أومأ بهدوءٍ، وتأمل ملامحها القلقة بشغفٍ…وخوف!
أن يخسر يُسرا! لا…
لن يسمح بذلك أبدًا..
يُسرا خطه الأحمر من يتخطاه فاقدًا لحياته..
مسك كفها وسحبها خلفه، معتذرًا بلباقة من رعد وحسام ويامن وزهد الجالسون، فأومأ له رعد بثقةٍ ورحل يسحبها معه، يضغط على كفها بقوة خوفًا من خسارتها!
أما قدر فتابعت كل ذلك بفاهٍ فاغر، متعجبة تمامًا مم شراسة فهد الجديدة عليها!
حتى جاءها فادي الذي ضمدت له نارين جروحه، وانحنى جالسًا القرفصاء أمامها، وفمه يمضغ طعامًا مجهول الهوية، ابتلعه وسألها:
-عاملة إيه انهارده؟
-إنت اللي عامل إيه بعد اللي الجحش ده عمله فيك!
ضحك ممازحًا:
-يا بنتي حسني ملافظك! وبعدين كنا بنلعب عادي.
عقدت حاجبيها بغرابة، وسألته بتعجبٍ:
-فادي إنت بجد مش شايف معاملته ليك عاملة إزاي ولا بتستهبل! ده حرفيًا بيعاملك أحقر معاملة! لو كان يطول إنه يقتلك دلوقتي كان عملها..
4
ابتسم بخفةٍ:
-يقتلني مرة واحدة…
1
تنهد بعمقٍ ورمقها بنظرة تفيض ثقةً:
-مفيش توأم بيقتـل توأمه يا قدر.
1
رمقته بشفقةً، فادي المسكين الذي تعميه طيبة قلبه عن رؤية كم الحقد الذي يكنه توأمه له!
2
انحنت عليه وقالت:
-طب طلعني الأوضة بقا عايزة أنام.
ضحك ومال يحملها بين ذراعيه، سرعان ما تأوه مصطنعًا الألم:
-آه يا ضهري، إنتِ تِقلتي من الركنة ولا إيه!!
لكمته في صدره هادرة بغيظٍ:
-اتلم!
ضحك عاليًا وتلاعب بحاجبيه مشاكسًا:
-اتقلي كمان وكمان، معنديش مانع تاكلي أكلي بس بشرط على يوم جوازنا ألاقيكِ بقيتِ أكرڤ من الكيرڤي.
قلبت شفتيها بامتعاضٍ وهمست:
-أكرڤ!!!!
1
تأففت:
-يلا يا فادي، يلا يا فادي الله يهديك يلا.
1
تأرجح بها وهو يتحرك للدرج، يوهمها أنه سيوقعها فتصرخ فيه بغيظٍ، وتتعالى ضحكاته مرحًا، يتابعهم ذلك الجالس على أريكة الصالون بأعين حمراء، يضمد جروحه لنفسه، بمفرده تمامًا…
1
سرعان ما ألقى المنديل من يده بغضبٍ، وشد خصلات شعره بقوة.
***
دخلا غرفتهما، تسير خلفه بتوجسٍ، وهو قد قرر خلع قميصه لعلها تهدئ نيرانه، فشهقت يُسرا محذرة:
-شاهين هتاخد برد كده!
لم يجبها، دخل المرحاض مسرعًا وأوصد الباب خلفه جيدًا، ثم وقف أمام مرآته يستند بكفيه على الحوض، يتذكر كل كلمة قيلت منذ لحظاتٍ، وكل ذكرى مر عليها سنواتٍ..
-حبيبنا راجع وناوي على الشر.
الشر لم يكن إلاه..
ولم يُخلق لسواه..
هو الشر بعينه..
وإن كان نزار شرًّا مستطيرًّا؛ فشاهين شرًّا مقيمًا..
1
جلست يُسرا على طرف الفراش متعجبة، تتساءل عن سبب تغير شاهين المفاجئ ووحشيته الشديدة تجاه ذلك الرجل في منزل العمرانية، لا تدري لما ضحكت! ولكنها تذكرته حينما كان رجل الكهف كما كانت تحب أن تلقبه، فكانت وحشيته قديمًا تضاهي الحديثة بمراحلٍ..
تنهدت، وارتمت على الفراش بثيابها، وغطت في نومٍ عميق حيث لم تشعر بنفسها..
فخرج شاهين بعد دقائق يجفف خصلاته، يرتدي برنص الإستحمام، فبصرها وقد غفت، ليلقي المنشفة ويقترب منها ثم ينحني عليها للحظاتٍ كتأملًا ملامحها التي جذبته للوهلة الأولى..
انحنى وقبّل جبينها، ثم ربت على خصلاتها هبوطًا متمتمًا:
-مش هسمح لحد يأذيكِ يا يُسر، مش هسمحلهم ياخدوكِ مني.
لمعت عيناه بحنانٍ حين تقلبت مغمغمة بكلماتٍ غير مسموعة، وتشبثت بكتفه واحتضنته كأنه وسادة، فتبسم بإنطفاءٍ..
وسمح لها أن تتخذه عضدًا الآن…وللأبد.
***
في الصباح الباكر، كانت سارة جالسة على الطاولة وجوارها فريد الصغير، تشير له على كتابه هاتفة بنفاد صبر:
-اخلص يا ابني بقا متضيقش خُلقي! خمسة في خمسة بكاااام!
رد ببديهية:
-بعشرة..
صرخت بغضبٍ:
-يالهوي، يا حبيبي ركز، خمسة في خمسة في خمسة بكام؟
حك ذقنه وفكر قليلًا، ثم قال بحماسٍ:
-ب 20؟؟؟
كمشته من رقبة تيشرته وقالت:
-يعني إنت يالا بيتدفع فيك إنت وأختك مبالغ قد كده في المدرسة الخاصة بتاعتكم، واسألك سؤال تافه زي ده متعرفش تجاوب!
تأفف حانقًا وهو يحاول التملص منها:
-جرا إيه يا سارة إنتِ مش قادرة ع الحمار هتتشطري ع البردعة!
فغرت فاهها بصدمة:
-حمار وبردعة!
هزته من ثيابه صارخة:
-أوديك فين تاني عشان تتمدن وتتحضر يا سرسجي يا إبن السرسجي..
تركته ونفخت غاضبة، ثم أغلقت الكتاب والتقطت آخر:
-خلاص سيبك من الماث، العربي بقا…لغتنا الأم..
فتحت الكتاب، وأشارت على قطعة فيه وقرأت:
-اعرب ما تحته خط، وظل محمد في منزله، منزله تتعرب إيه؟
لم يجب، فنظرت له مكررة:
-ما تنطق يا ابني تتعرب إيه!
أشار على نفسه بغرابة:
-بتكلميني أنا؟
ضربت على الطاولة بحنق:
-بكلم خيالك، انطق يا إبن يامن في منزله تتعرب إيه!!!
غمغم مفكرًا لبرهة، ثم تبسم قائلًا:
-سهلة، مضاف إليه
سخرت:
-سهلة ومضاف إليه؟ والله ما حد مضاف إليه هنا غيري.
-يعني غلط ولا صح!
قرصت أذنه:
-وهو إنت عمرك قولت حاجة صح!
تركت أذنه ففركها وهو يقول بغيظٍ:
-ايه طيب اسم مجرور؟
نظرت له بعدم تصديق، وابتسمت بأملٍ متنهدة براحة:
-الحمدلله، شاطر، اسم مجرور بإيه بقا؟
فكر قليلًا وسأل بتوجس:
-بالجرة ممكن؟
1
ألقت القلم بغضبٍ:
-طب يعني إيه؟ قولي يعني إيه اسم مجرور بالجرة؟ ولما أجرك من قفاك أبيتك في الشارع! إنت يا ابني بتخترع لغة جديدة!
1
ازدرد لعابه بخوفٍ، وتحدث بحذرٍ:
-طب بالشّدة طيب؟
-بالشدة! يا فاجر! فيه علامة إعراب اسمها الشّدة!
عقد حاجبيه بعدم فهمٍ:
-أومال هتبقى بإيه بالفتحة مثلًا؟
نفخت خديها بنفاد صبرٍ، ونظرت له بهدوءٍ مصطنع:
-أنا مش قولتلك مجرور يعني مذلول يعني مكسوووور؟ يبقى مجرور بإيييييه؟؟؟؟
صمت يفكر، فظنته قد عرف، فإذا به يفاجئها بغبائه الذي يذكرها بغباء أبيه:
-بالجرة؟
زفرت وهي تضرب كفٍ بكف هامسة:
-أستغفرك وأتوب إليك يا رب العالمين.
صاحت آيات تخبرها زنوبة:
-زنوبة معلش خشي شوفي الفطار اتأخر ليه.
أومأت الأخيرة وهرولت بجسدها الضئيل لتحرير نفسها وسط النساء في المطبخ صارخة بصوتها الذي لا يلائم قُصرها:
-ما تخلصي يا أختي منك ليها العيال عايزة تروح مدارسها!
رمقتها أم فاطمة شزرًا، وتابعن عملهن دون أن يلتفتن لها إلا إحداهن التي قالت:
-سبحان الله، ربك خد من جسمها حطه في زورها الولية صوتها أعلى من الراديو.
دخلت تالا المطبخ تحادث أن فاطمة:
-اعمليلي عصير برتقان يا أم فاطمة بليز.
أومأت السيدة، بينما كادت تالا أن ترحل حتى ارتطمت بزنوبة القصيرة التي تهرول في المنزل كالرهوان، فتأوهت هاتفة:
-إيه ده!!!
نظرت لمستوى زنوبة واتسعت حدقتيها بذهولٍ متسائلة وهي تشير بإصبعها عليها:
-إيه الحجم ده؟!
-أنا قصيرة آه بس أحير.
قالتها زنوبة بمرحٍ، فابتسمت تالا بانبهارٍ:
-واو! إنتِ elf؟
1
-إيف إيه ربنا ما يجيب ريحة وحشة يا هانم، أنا خالتك زنوبة من كفر البطيخ.
ضحكت تالا بشدة وهي تقول:
-OMG, You’re really so cute!!
وخرجت من المطبخ تضحك بشدة، فالتفتت زنوبة للخادمات تصرخ فيهم:
-الست آيات بتستعجلكم عشان مدارس العيال.
زفرت أم فاطمة بنفاد صبر وهي تكمل تقطيع الطماطم:
-اللهم طولك يا روح.
رمقتها زنوبة بتعالٍ والتفتت لتغادر، وفي الخارج كانت فايا قد هبطت تحمل على ظهرها آلة موسيقية كبيرة، فابتسمت شهد لرؤيتها وربتت على ظهرها:
-خلاص قررتِ؟؟
أومأت فايا هاتفة بحماسٍ:
-ادعيلي بس شغفي يفضل كده.
ضحكت وهي تقرص أنف ابنتها:
-إن شاء الله يفضل كده، يلا افطري مش عايزة لكاعة.
جلست فايا وشهد تلقنها:
-أنا سمحتلك عشان تتعلمي حاجة جديدة، بس مش معناها تهملي دراستك، اوعي يا فايا ادبحك أنا بقولك أهو
قلبت عينيها بمللٍ:
-حاضر يا ماما.
غمزت لأبيها الذي ضحك بخفة يهز رأسه يمنى ويسرى بقلة حيلة، فابتسمت وهي تتناول طعامها وتقدم له قطعة خبزٍ فيلتقطها مبتسمًا، ويقبّل كفها بحبٍ ورقة، فالصغيرة دومًا تتدلل وأبوها ينفذ.
للمرة الألف تدخل زنوبة المطبخ فعند نفاد صبر أم فاطمة أعطتها كأس البرتقال قائلة:
-بقولك إيه، انزلي من على دماغنا وخدي الكوباية دي اديها لتالا.
-تطلع مين تالا دي؟
تكملت إحدى الخادمات من خلفهم:
-اللي إنتِ لسه خابطة فيها من شوية..
حملت الكأس وغادرت، فدعت أم فاطمة:
-ياكش تتلخبط بينهم ويطردوها ونخلص.
هبطت تالين بسرعة على الدرج ولم تنتبه لزنوبة التي لا تظهر من الأرض، فكانت تسقط عليها لولا تداركها الأمر، لتنظر لها بصدمةٍ، فتلتفت لها زنوبة ضاحكة:
-كنتِ هتخبطي فيا تاني بس جدعة خدتي بالك، اتفضلي العصير بتاعك.
عقدت حاجبيها بغرابة ونظرت للكوب بذهولٍ:
-بس أنا…مبشربش برتقان!
زفرت تالا الجالسة على الطاولة تنظر لما يحدث من بعيدٍ، فنهضت تقترب منهم قائلة وهي تلتقط الكأس:
-إنتِ بتعملي إيه بس.
انتفضت زنوبة بصدمة وهي تبصق داخل جلبابها بذهول وتعاود النظر لهن:
-بسم الله الرحمن الرحيم، إنتو..إزاي…يالهوي!
أومأت تالا بمللٍ:
-أيوه أيوه إحنا اتنين مش واحد ودي مش مراية.
سحبت شقيقتها معها والتي تساءلت:
-مين دي؟!
هزت تالا منكبيها:
-معرفش ماما بتقول إنها الدادة الجديدة، تقريبًا اسمها شرشوبة من كفر التفاح باين.
عقدت تالين حاجبيها بذهولٍ:
-شرشوبة!
في حين نهض يزن من أمام شاشة التلفاز يتمطع، ليقابله أخوه في طريقهم للمائدة، سرعان ما توقف يزن أمام مظهر زنوبة العجيب، تلك المصعوقة الواقفة ترمق الفراغ بذهول، فضحك على مظهرها وابتسم بخبثٍ، يهمس لأخيه ببعض الكلمات، فيرمقه الأخير ببرودٍ، ليسبقه يزن مقتربًا منها ينفخ صدره هاتفًا بجدية:
-إيه يا ست أنتِ؟! جايبينك تبحلقي في الحيطان كده ولا تشتغلي!!
رمقته بخضةٍ، سرعان ما اعتذرت هاتفة:
-آسفة والله يا أستاذ حقك عليا.
أشار لها بكفه محذرًا:
-خدي بالك إحنا هنا مبنحبش اللكاعة.
أومأت بشدة:
-حاضر يا بيه اللي تؤمر بيه أنا آسفة.
كتم ضحكته وهو يلتفت لظهرها يقف خلفها تمامًا، حتى أتى يزيد خالعًا نظارته يرمقها بهدوءٍ هاتفًا:
-بعد إذنك مفيش بطاطس على الفطار ليه؟؟
التفتت له سريعًا ترفع عينيها لقامته الطويلة، فتنتفض فجأة صارخة بقوة:
-بسم الله الرحمن الرحيم إنت مش لسه كنت…مش إنت اللي..
لكنها يزن من الخلف فالتفتت له لتتسع حدقتيها برعبٍ هامسة بارتجافٍ:
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قل هو الله أحد، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث يا رب..
تحدثت يزن بجدية:
-فيه إيه يا ست إنتِ جرا حاجة لمخك ولا إيه؟
التفتت بجنونٍ خلفها لتجد الآخر قد اختفى، فأمسكت برأسها تشعر بالدوار يأخذها، كادت تسقط لولا اسندها يزن ضاحكًا بمرح:
-لأ اهدي كده قلبك على قده أوي.
رمقته بإعياءٍ هاتفة:
-إنت إزاي…كنت…
قال من بين ضحكاته:
-إهدي كده وجمدي قلبك، إنت مش في بيت الرعب ولا حاجة متقلقيش.
-هو انتو كمان اتنين؟
احتضن يزن كتفها وسار بها إلى الأمام مشيرًا على الجميع الجالسين على المائدة:
-بصي يا أخت زنوبة، إحنا هنا كلنا توائم، يعني بصي..
أشار على زهد وقال:
-عمي زهد كان له توأم بس مات..
وأشار على إسلام وفارس قائلًا:
-دول توائم بس مش متماثل..
وعلى ساجد وسيرا:
-دول كمان توأم..
والصغار فريد وفرح:
-دول كمان توأم..
وتالا وتالين:
-توأم..
وأخيرًا أشار على فادي الواقف جوار فايا يشاكسها:
-فادي بقا له توأم بس..
-مات؟
قاطعته فضحك:
-مات إيه فال الله ولا فالك كانوا لسه بيعجنوا بعض امبارح، لأ عايش عادي بس مش عايش معانا هنا.
وأشار على نفسه وعلى يزيد أخيه الذي يقف على رأس الطاولة يتناول طعامه بهدوءٍ:
-ده بقا يزيد، وشي التاني.
ناظرته بعدم فهمٍ فضحك قائلًا:
-أقصد توأمي يعني بس شخصياتنا مش زي بعض فبعتبره نسختي التانية.
ابتلعت لعابها بخوفٍ، ورمقت العائلة الكبيرة بدهشة هامسة:
-يا ريتني فضلت عند التانيين!
ضحك يزن وهو يعود بظهره للخلف فاردًا ذراعيه حيث يجلسون:
-مرحبًا بكِ في عالم العمرانية، هنا ستجدي ما يسرك.
ضحك وسار للمائدة هرولًا، وتركها واقفة ترمقهم بفاهٍ فاغر في دهشة!
سألت ميرا أخيها بغيظٍ:
-كنت فين يا أهطل!
-اتكعبلت في الدادة الجديدة.
عقدت حاجبيها متسائلة:
-دادة إيه؟
رمقها يزن بذهولٍ:
-إنتِ لسه مشوفتيهاش إزاي!
سخرت تالا:
-ما هي مش باينة من الأرض.
نظرت لهن زنوبة بغيظٍ وقالت من بعيد بصوتٍ عالي:
-ربنا مش بيدي كل حاجة وعلى فكرة بقا الطول مش كل حاجة المهم المضمون، ياما ناس فِرعة بس عرة.
قالتها والتفتت بكبرياءٍ تعود للمطبخ، فنظر يزن لإسلام متسائلًا:
-تفتكر بتلمَّح؟
رد عليه الأخير:
-تؤ، بتلقح.
***
كانت جليلة تقف أمام مكتبها تنظر لهما وهم ينقلون المكان بحماسٍ، جوارها مساعدتها ذات البطن المنتفخة والتي تنتظر طفلًا بعد ثلاثة أشهر، تحدثت قائلة:
-خير وبركة إنهم عملوا وحدة بيطرية، معدتش قادرة أستحمل الجحش مدير الوحدة ده.
رمقتها جليلة بتوجسٍ:
-متتعشميش أوي كده لسه منعرفش مين مدير الوحدة عندنا.
هزت منكبيها ببساطةٍ:
-أي حد المهم مش التخين أبو كرش.
خرجت جليلة تتأبط ذراع مروة مساعدتها هاتفة:
-تخيلي يطلع أنيل من أبو كرش.
وكزتها مروة بحدة:
-تفي من بؤقك هي ناقصة.
ضحكت مروة بمرحٍ، وسارت مع صديقتها حتى الكُشك القريب، وقفت أمامه تتحدث مع البائعة التي قالت:
-أهلًا أهلًا بست البنات والدكتورة بتاعتنا.
ضحكت جليلة قائلة:
-ازيك يا أم زينب.
-بخير يا زينة البنات، اؤمروني.
تنهدت مروة بتعبٍ:
-عصير وشيبسي يا أم زينب الله يكرمك.
أشارت على عينيها وانصرفت لتجلب لها ما طلبت، أما جليلة فاتخذت جانبًا تحادث والدتها التي استقبلتها بعتابٍ:
-كده يا جليلة، مش قولتي هتيجي قريب!
-معلش يا ماما والله نقلوا مكتبي لوحدة بيطرية فتحوها جديد، وكان لازم أنقل حاجتي بسرعة.
-طب هتيجي إمتى؟؟
زفرت مستغفرةً، ثم أردفت:
-معرفش يا ماما معرفش.
-طيب يا حبيبتي، ابقي كلميني طمنيني عليكِ.
أومأت مبتسمة بقلقٍ:
-حاضر يا ماما.
أغلقت معها والتفتت لمروة، فيما رأت من بعيد تجمهر الناس حول نقطة معينة، فضيقت عينيها تستفسر:
-هي الناس دي ملمومة على إيه؟!
خرجت أم زينب تعطي مروة الكيس وتهتف مبتسمة:
-آه، ده الدكتور إبن العمدة رجع بالسلامة من القاهرة وقرر يستقر هنا.
التفتت مروة تسألها:
-هو العمدة عنده إبن غير إبنه اللي عينه زايغة ده؟
عقدت أم زينب حاجبيها:
-هو عينه زايغة؟
أومأت مروة :
-أيوه إنتِ إزاي متعرفيش! ده أنا لوحدي وأنا بكرشي ده اتعاكست منه خمس مرات.
ضحكت أم زينب بمرحٍ:
-آه، تلاقي ذوقه الستات المتجوزة بس.
التقطت مروة منها الكيس وأعطتها الحساب هاتفة:
-عيل مترباش، يا رب أخوه يطلع محترم عنه.
سحبت جليلة من يدها وأكملتا السير إلى الوحدة عائدتين، قررت مروة أن ترى ما يتجمهر الناس حوله، فوقفتا معهم ينظرون لما يحدث وسألت مروة إحداهن:
-هو فيه إيه؟
-دِه سباق خيل بين إبن العمدة ومدير الوحدة.
نظرت مروة لليلة وقالتا في نفسٍ واحد:
-أبو كرش!!!!
أصرتا على إكمال مشاهدة السباق، حتى رأتا الحصانين يهرولان بسرعة مهولة تجاه الواقفين، فتراجعوا جميعًا عن الممر إلا جليلة التي تسحرت بخضة وذعرٍ عندما رأت إقتراب الحصان منها بجسده الضخم وصهيله العالي، فصرخت بخوفٍ تحت نظرات مروة التي حاولت مساعدتها ولكنها لم تستطع المبادرة بأي شيءٍ!
سقطت جليلة أرضًا صارخة برعبٍ وهي تحمي وجهها بكفيها ظنًا أن اللحظة التالية ما هي إلا الدهس أسفل حوافر الحصان، إلا أن فارسه أوقفه بسرعة كابحًا جماحه حتى ارتفعت قوائمه مصدرًا صهيله العالي بتمردٍ، أسفل نظرات أهل القرية المذهولة هبط الفارس يطمئن على طبيبة القرية..
مال عليها يتساءل بصوتٍ قلق:
-إنتِ كويسة؟
فرقت أصابعها تناظره من خلفهم، سرعان ما أنزلتهم ببطءٍ وعينيها جاحظة بذهولٍ، فتسمر أمام عينيها ينقل خاصتيه من يمناها ليُسراها بدهشة وانبهارٍ، كريستالة صافية تحتل مُقلتين واسعتين فعينيها أصبحنا حقًا…سبحان المعبود!
-أنا….كويسة؟!
تسأله أم تطمئن!
تحسست جسدها بخوفٍ ثم ابتسمت بسعادة وهي تناظره بعدم تصديق:
-أنا كويسة! مموتش متداسة!
لم يجيب وإنما كان غارقًا في البحر الذي شده إليه بقوةٍ حتى غرق…
غرق تمامًا!
-إنتِ عينيكِ دي…
1
سألتها بحاجبين معقودين:
-مالها؟
-حقيقية!!
-افندم؟؟؟
هز رأسه وكأن كلمتها أفاقته من سحرٍ طويل الأمد، فنهض يمد كفه إليها معاونًا، فتشبثت به حتى عاونها على النهوض حيث شدها بقوة لترتطم بصدره، فرفعت عينيها له بغرابة، لتجده يحملق فيها بانسحار..
-إنتِ كويسة؟!
هرولت عليها مروة ترمقها بخوفٍ، فأومأت لها مبتسمة، وسحبتها معها هاتفة:
-على مهلك.
استدارت مع مساعدتها تلتفت بين الفنية والأخرى إليه بنظراتٍ مرتبكة، فحك عنقه مبتسمًا ببلاهة وهو يتابع خطاها وكأنه شابًا مراهقًا قد حصل للتو على نظرة إعجاب من فتاة جميلة!
-إنت كويس يا ضنايا؟!
سألتها عنايات بهلعٍ وهي تتفحص جسده، فابتسم مربتًا على كتفها:
-اهدي يا ماما أنا كويس، أنا اللي غلطان.
1
أشارت على مكان الطبيبة صارخة:
-جولتلهم ألف مرة الداكتوره دي حولة محدش صدجني.
تنحنح متسائلًا:
-هي دكتورة؟؟
أومأت له هاتفة بحنقٍ:
-دكتورة البهايم في الوحدة هنا.
التفت يرمق أثرها ببسمة خافتة متمتمًا:
-دكتورة البهايم!
ابتسمت جليلة حين أخبرتها المساعدة بقولٍ خافت:
-ده إبن العمدة، سمعتهم بيقولوا إنه دكتور مسالك قد الدنيا.
1
تمتمت بضحكة:
-دكتور مسالك!!
التفتت تناظره نظرة سريعة، وعادت تنظر أمامها بذهولٍ:
-هو دكتور مسالك وأنا دكتورة بهايم!!!
1
***
وطرٌ ما فيه من عيبٍ سوى..
أنه مر كلمح البصر
سدد السهم وسمى ورمى
فؤادي نُهبة المفترس..
دندنت برقةٍ مع كلمات الموشح الأندلسي وهي تلف الخمار باحترافية استعدادًا للنزول إلى عملها، كعادتها كل يومٍ بعد صلاة الفجر ووردها اليومي تستمتع بذلك الموشح بكلماته الراقية العميقة بمزاجٍ رائق لا يعكره سوى العمل الذي هي مقبلة عليه…
ضع على صدري يمناكَ فما..
أجدر الماء بإطفاءِ اللهب..
بسطت كفها على جانبها الأيسر الذي يخفق بشدة، مؤخرًا كلما تذكرت يوسف كلما تألمت..
يومًا ما كان يشاكسها كعادته، وتلك هي المرة…التي ظنت أنها تكن له مشاعر..
“وقفت حلا أمام حسناء تخبرها بهدوءٍ:
-عمومًا الدكتورة قالتلي اقولك على عملية يوم الخميس، المفروض تحضريها مع المتدربين الجداد للخبرة
أومأت حسناء واستدارت لترحل، فهزت حلا رأسها بقلة حيلة تتمتم:
-أنا فقدت الأمل فيها خلاص.
هرولت جنى خلف حسناء تخبرها مسرعة:
-دكتورة حسناء لو سمحتِ..
التفتت لها الأخيرة لتخبرها جنى بلهاث:
-المدير عايزك في المكتب.
عقدت حاجبيها بتعجبٍ فأكملت جنى بتوجس:
-عشان العملية بتاعت أول إمبارح اللي إنتِ عملتيها من غير دكاترة جنبك.
مشت حسناء إلى المكتب، وطرقت ثم سمعت الإذن ثم دخلت، وجدته يجلس منتظرًا إياها مع الطبيب المسؤول عن تدريبها، اذن لها بالجلوس ففعلت وقال:
-سمعت إنك نفذتِ عملية بدون وجود طبيب مشرف جنبك يا دكتورة، وده منافي لللوايح والقوانين.
أخذت نفسًا عميقًا، وتذكرت كيف وجدته ملقى أمام باب المستشفى ينزف، ولأنه لا يملكه المال تركوه على بابها دون مساعدة، فأخذت لغرفة العمليات وأتمت له العملية دون أي استشارة أخرى ولحظها نجحت وتعافى الرجل، ما كادت تفتح فمها حتى فُتح الباب بقوة ودخل هو، يقف لاهثًا ويقول:
-اسمحلي أتكلم يا دكتور.
أشار له المدير ليفعل، بينما تململ الطبيب بعدم ارتياح فقال يوسف:
-الراجل كان مرمي قدام المستشفى بينزف، الدكتور مسعد كان في إيده ينقذه ويدخله بس معملش كده، والدكتورة هي اللي اتطوعت عشان الراجل ميموتش ودخلته على مسؤوليتها، ومعتقدش إن فيه قانون في أي كتاب ينص إننا نشوف راجل بيموت ومنرضاش ندخله لمحرد إن مش معاه فلوس، إحنا لما أقسمنا أقسمنا إننا نصون كرامة المريض، دون تمييز ف الجنس أو اللون أو الدين، وإننا نسخر علمنا لنفعه مش نبقى قادرين ننقله ونسيبه يموت يا دكتور.
نقل بصره بتحدٍّ لمسعد الذي رمقه بحقدٍ، وكان المدير ينظر له بصمتٍ، وحسناء بذهولٍ، فاغرة الفاه، حتى نبض قلبها النبض الأولى..
-رأيك إيه في الكلام اللي قاله ده يا دكتور مسعد.
خفف مسعد من قبضة رابطة العنق عن عنقه، وتنحنح ولم يقل شيئًا، فابتسم المدير وأشار لحسناء بعينيه مطمئنًا:
-كده الرؤية وضحت يا دكتورة، مصروفلك مكافأة ومن بكرا هتمضي ورق تعيينك كدكتورة رسمية في المستشفى بعد نجاح عمليتك إمبارح، تقدري تتفضلي.
نهضت تبتسم بهدوءٍ:
-شكرًا يا دكتور، متشكرة جدًا.
-متشكرنيش أنا، اشكري الشاهد.
التفتت بطرف عينها ترمق يوسف بنظرة خاطفة، ثم عادت تنظر لمسعد الذي احمر وجهه وبهتت ملامحه وقالت:
-بعد إذنك يا دكتور مسعد.
غمغم بعدم ارتياحٍ وملامح لا تبشر بالخير، فغادرت حسناء تبتسم بتسليةٍ، يتبعها يوسف الذي بادلها النظرة بأخرى عابثة، فخرجا سويًا وأغلق الباب، وعاد ينظر لها بصمتٍ، فانفجرا ضاحكين في وقتها، تضحك برقةٍ وبلا صوت، وهو بصوتٍ عالٍ حتى قال لها:
-كان شوية ويقلب بطيخة من كتر الإحراج.
كبحت حسناء ضحكتها ووقفت تنظر لقدمها بتفكيرٍ، ثم رفعت عينيها له وقالت:
-متشكرة يا دكتور.
-على إيه، هو يستاهل.
ابتسمت له، والتفتت لتغادر فأوقفها بقوله:
-لسه عندي طلب.
استدارت له بحاجبين معقودين، فقال مبتسمًا وهو يمد كفه إليها:
-تقوليلي اسمك، عمومًا أنا يوسف الشامي.
نقلت بصرها بينه وبين كفه، وابتسمت بهدوءٍ:
-هقولك نصيحة لوجه الله، متمدش إيدك تسلم على أي ست، حتى لو هي اللي مدت اوعى تسلم عليها.
انزل كفه محرجًا وهو يحك عنقه متسائلًا:
– اشمعنا؟!
ابتسمت وهي تميل برأسها:
-عشان حرام يا دكتور.
ضيقت عينيها على احمرار وجهه وقالت لتتلاشى حرجه:
-وعمومًا أنا حسناء حمدي.
والتفتت لتغادر، وبقى ينظر في أثرها مبتسمًا بلطفٍ”
تنهدت وهي تنهض لتسحب عودين من القرنفل أسفل ضرسها وأغلقت العلبة تدسها في حقيبتها، والتقطت ذراع الحقيبة تغادر الغرفة وهاتفها بين يديها تعبث به، فاصطدمت بوجه أخيها المقتضب لتستغفر ربها صارخة:
-أنا ماشية يا سعادة.
التفتت لها زوجة أخيها من المطبخ هادرة:
-استني الفطار أهو.
-لأ مش جعانة، السلام عليكم.
وخرجت من الشقة أسفل نظرات سعادة اللائمة لزوجها الذي جلس ينتظر الإفطار بلا تعبير مبالٍ..
***
للمرة التي لا يعلم عددها يزر زوجة صديقه، يفعل مثلما أوصاه، جلس في ذات المكان وتكرر السؤال بخواءٍ:
-اتفضل يا فهد، تشرب إيه؟
ناظرها بشفقةٍ، حالها المزري، وعينيها الحمراوتين المنتفختين، وجهها الشاحب، وجسدها الذي نحل كثيرًا، صوتها المبحوح..
كانت جثة تسير على قدمين..
-ولا حاجة يا هدير، أنا بس عايزك تركزي معايا، بلال اتغدر بيه، وأنا لازم أجيبله حقه، أنا مش هسكت يا هدير.
رمقته بخواءٍ، فأكمل بعدما ازردرت لعابه:
-أنا عارف إنه أخوكِ، بس أخوكِ مؤذي يا هدير، قتل ناس كتير ولسه هيقتل، أخوكِ اتحول من أشطر ظباط العمليات الخاصة لأخطر مجرم الداخلية كلها بتدور عليه!
كانت صامتة، ترمقه بنفس النظرة الجافية، فلم يجد بُدًّا سوى أن يُخرج المنديل الذي أُرسل إليه، مع قطعة البيدق السوداء:
-دول اتبعتولي على بيتي بعد استشهاد بلال..
مد يده لها بالمنديل..
المنديل الذي أعطته لحبيبها قبل سفره..
كان منديلًا أبيضًا منقوش عليه اسمه..
فعاد إليها منديلًا مخضب بالدماء وعليه علامات أصابعه الدامية..
التقطته منه بأنامل ترتجف برعبٍ، نظرت إليه قليلًا بملامح مزيج من الجمود والخوف قبل أن تحتضنه إلى صدرها…
وانفجرت في بكاءٍ مرير..
رمقها فهد بشفقةٍ، وتحدث بقلبٍ مفطور:
-أنا آسف يا هدير، بس حق بلال عندي، وهجيبه حتى لو من أخوكِ.
ترك لها المنديل ونهض ليغادر، محتفظًا بالبيدق بين يديه يحركه كاللُعبة مفكرًا بعمقٍ..
-متأذيش نزار يا فهد.
تجمد مكانه، والتفت لها بصلابة يرمقها بذهول، فإذ بها تهتف وهي ترمق المنديل بحزنٍ:
-مش عايزة أخسر الإتنين.
ضغط على فكيه بشدة حتى برزت عظمته، وأردف بهدوءٍ:
-مش هقدر أوعدك.
رفعت عينيها إليه وقالت:
-لأ هتوعدني، حمزة مينفعش يكبر على فضيحة إن خاله قتل أبوه، وأنا مقدرش أعيش من غير توأمي، إنت أكيد عارف إحساس أن يكون ليك أخ توأم بعيد عنك ومش عارف حتى تكلمه.
ضربته في مقتل..
هو لم يعلم من الأساس معنى الأخ التوأم إلاعندما كانا صغارًا..
وعندما انفصل عن فادي شعر بروحه تنفصل عن جسده..
وهدير أخت تخشى على توأمها من كل سوءٍ..
وهو لن يخبرها أن أخاها لم يقتل بلال وحده، بل قتل أسرته الصغيرة التي سعى جاهدًا لتكوينها، ففقد طفله وزوجته، وطفل آخر احتوته الزوجة في احشائها ضاع في لحظة إنتقام أعمى..
-الوحيد اللي حسسني الإحساس ده كان بلال يوم ما كلمني وهو بيموت وكنت عاجز مش قادر أساعده..
مالت برأسها تهز رأسها نافية بوجعٍ فكرة أن يكون أخوها هو المتسبب في ذلك..
فهتفت بقلبٍ مكلوم بخنجرٍ سام:
-ده أخويا يا فهد.
فغرز فهد الخنجر بقوة قائلًا:
-أخوكِ قتل أخويا يا هدير.
غادر مسرعًا..
فانهارت الأخيرة تصرخ بوجعٍ..
صرخاتها تعلو بألمٍ..
فتصل للصغير الصامت بغرفته المظلمة وصوت أبيه يرن في أذنه:
-هننام أنا وإنت في حضن ماما.
***
تثائب عباس وهو يتجه إلى المطبخ ليشرب الماء، فرأى ذلك الطاهي الجديد أسود الوجه طويل القامة ضخم فأجفل صارخًا:
-بسم الله الرحمن الرحيم، إنت جيت امتى يا عم إنت!
ابتسم له خيري ببشاشة:
-صباه الهير يا فندم.
1
فرك عنقه مجيبًا:
-صباح الرموش يا سيدي.
جلس على الطاولة خلفه يسأله:
-إنت سوداني ولا إيه؟.
أومأ له دون أن يتكلم، فالتقط عباس زجاجة المياه الموضوعة على الطاولة وأفرغ بالكوب المياه، حتى دخلت فضيلة تأمر الطاهي بحدة:
-انهارده ع الغدا عايزة مشاوي، هنجربك كده نشوف بتعرف تطبخ ولا لأ.
-أكيد يا فضيلة هانم.
اعتلى ثغر عباس بسمة ساخرة متمتمًا:
-هانم؟ رمضان بطيخة بقى مونامور.
خرجت فضيلة حتى قابلت يُسرا التي هبطت مبكرًا لتذهب إلى عملها، فتوقفت أمامها لبرهة، فقالت يسرا ساخرة:
-إيه البصة دي؟ بتفكري هتخلصي مني إزاي ولا إيه؟
ضحكت فضيلة بخفة وقالت بهدوءٍ:
-أنا عداوتي مش معاكِ، بس إنتِ كسبتيها يا يُسرا.
ضحكت يسرا بتهكمٍ:
-أخرك هاتيه يا فضيلة.
سقطت ببصرها إلى بطنها المنتفخة وابتسمت لبرهة، ثم رفعت عينيها إليها هامسة بهدوءٍ:
-هو مش أخري، بس طلبتيها ونولتيها يا مرات الغالي.
1
لاحظت يُسرا تلك النظرة، فحاوطت بطنها بحماية وهي ترى الأخيرة تنسحب من الجدال، فوقفت خائفة تحتضن ابنتها برهبةٍ!
***
طرقت يمنى باب غرفة قدر، ودخلت دون سماع الإذن، لتجدها جالسة على الفراش تعبث في هاتفها، فقالت لها:
-جايلك زيارة.
اعتدلت قدر في جلستها:
-إيه من المستشفى؟
أومأت يمنى باقتضابٍ، فقالت قدر مسرعة:
-طيب ماشي.
انتظرت حتى اعتدلت ابنتها، وتحركت من أمام الباب ليدخل بطول قامته ووجهه الشاحب، يحمل بين يديه باقة من الزهور الحمراء، لونها المفضل، يبتسم بشحوبٍ:
-سلامتك يا دكتورة.
وسعادتها عند رؤيته يخفق قلبها بجنونٍ، فتهمس بتلك النبرة الواهية:
-يوسف!
_____________