روايات رومانسية
رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثاني 2 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثاني 2 بقلم تقي حامد
إني ابتليتُ بأربعٍ ما سُلطوا إلا بشدة شقـوتي وعنائي
إبلــــيس والدنيــا ونفسي والهـوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟
ترنمت بكلماتٍ أندلسية دون موسيقى، تختمها بجملتها المحببة ثم تصمت:
من لي رحيم شكوتي
فى الحب من لوعتي
تتنهد، تحترق، وتُنهي لفة خمارها أمام المرآة، ثم تنهض، تنظر لإنعكاسها برضا، وتهمس بصوتٍ خافت:
-اللهم أحسن خُلُقي كما أحسنت خلقتي.
هي حسناء..
وتعلم أنها حسناء..
وتحمد الله على ذلك..
هي حسناء..
وهي اسمٌ على مسمى.
-الفطار جاهز يا حسنــــــاء.
التقطت حقيبتها بعدما وضعت بها كل ما تحتاجه من مستلزماتٍ لا تغادر حقيبتها..
تأكدت من ذلك وهي تفتح باب الغرفة لتغادر وتلتقط هاتفها باليد الأخرى مُعلنة بذلك إنتهاء الموشح الأندلسي السابق..
خرجت من الغرفة ووقفت أمام طاولة الطعام، تسند حقيبتها إليها وتراجعها جيدًا، إلى أن أتت زوجة أخيها من المطبخ حاملة طبقًا به أصابع بطاطس شهية كما تحبها هي..
مقرمشة تمامًا..
تلك الأصابع التي تعشق صوتها في فمها..
البطاطس نعمة في حياتها..
تشكر ربها يوميًا على تلك النعمة تحديدًا..
فلتحيا قرمشتها ورائحتها..
فلتحيا البطاطس المقرمشة.
-البطاطس اللي بتحبيها أهي، أي خدمة.
قالتها زوجة أخيها بجدية شديدة، فتركت “حسناء” حقيبتها وتوجهت لها، احتضنتها من الخلف بحبٍ:
-بحبك يا سوسو، والله إنتِ خسارة في الواد حسن.
-يا فتّاح يا عليم ع الصبح، إنتِ لسه هنا بتعملي إيه؟ اتفضلي روحي شغلك.
قالها أخوها القادم من غرفة نومه الخاصة به وزوجته، يحمل على ذراعه ابنهما الأكبر سنًا وخلفهما طفلة صغيرة تسير برداء نومٍ قصير، خصلاتها الناعمة القصيرة مبعثرة، وبين يديها جهاز التحكم الخاص بالتكييف تلعب به دون أن تبدي إهتمامًا لشيء.
أخرجت حسناء لسانها لأخيها مغيظة:
-قاعدة على قلبك ومربعة.
جلس على مقعده هاتفًا بسخرية:
-شكلك مربعة فعلًا، اتجوزي بقا وريحينا منك.
عقدت حاجبيها بضيقٍ وتخصرت:
-وأنا قاعدة فوق دماغك!
أومأ مكفهر الملامح:
-أيوه قاعدة فوق دماغي!!
أشارت عليه وهي تشتكي لزوجته:
-شايفة جوزك!
ربتت “سعادة” على كتفها وكأنها تهدهد أطفال:
-معلش يا حبيبتي إنتِ أعقل منه.
زفرت “حسناء” بنزقٍ مستغفرة الله ثلاث مراتٍ متتالية، إحدى عاداتها حين يغيظها أمر..
لا تغضب..
لا تصرخ..
لا تنفعل..
فقط تستغفر الله ثلاث..
ويطمئن قلبها.
.
سحبت حقيبتها وانحنت تُقبِّل خد الصغيرة التي ضحكت ببراءة وهي ترفع لها ذراعيها لتحملها، فاحتضنتها “حسناء” هاتفة برقة:
-متأخرة ع الشغل يا فيرو، أول ما أرجع ههريكِ لعب وتنطيط.
-هي بس؟
قالها الصغير المشاكس عابس الوجه، فاستدارت له ضاحكة بعبثٍ وهي تقضم أنفه بأسنانها برفق:
-وإنت كمان يا مغرور.
التمعت عينيه بحماسٍ وهو يعتدل على ساق أبيه:
-عايز حاجة حلوة وإنتِ جاية.
نهرته والدته بحدة:
-قُصي! متبقاش شحات كدا يالا!
-سيبك من أمك الرخمة دي وقولي نفسك في إيه؟
سألته بابتسامة واسعة، فأضاف بلهفة:
-مارشميللو وشيبسي ولبان.
قرصت أنفه بإصبعيها في مشاكسة:
-بس كدا؟ عنيا ليك يا قُصي قلبي.
ثم انتصبت واقفة وتحركت إلى باب الشقة لتغادر، فأوقفتها “سعادة” بقولها:
-استني، خدي ساندوتش البطاطس دا كُليه في المواصلات.
هرولت “حسناء” إليها والتقطته منها مُقبّلة خدها وشاكرة إياها، حتى خرجت تمامًا من الشقة فنظرت “سعادة” إلى زوجها بلومٍ:
-هو لازم كل يوم تقطّمها كدا؟
استنكر “حسن” حديثها:
-قطّمتها في إيه!
-محسسها إنها تقيلة علينا عشان بترفض العرسان، أختك ملهاش غيرك احتويها شوية واهتم بيها.
ابتسم بسماجة:
-حاضر. أما تيجي هاخدها اشتريلها شوكلاتة وبومبوني وأخش أحميها.
تأففت سعادة بضجرٍ هامسة بينما تلتفت لتعود إلى المطبخ:
-مفيش فايدة فيك.
***
رموكَ بسهام الغدر..
وأنت من تلقيت عنهم سهام القدر..
ليتكَ لم تُضحي، ليتكَ ما اتخذتهم يومًا عضُدًا..
توقف به الزمن، ربما ذلك أقل وصف يمكن أن يوصف به حاله المخذول..
يبادر بنظرة إليها في رجاء..
فتشيح بعينيها عنه وكأنه تلفظه بازدراء..
ينظر لأخيه بحسرة..
فتبتسم عيناه إليه وكأنه لم يرتكب جُرمًا..
ارتكب أخوه جُرمًا لا يدريه.
1
-مبروك.
كلمة خرجت بصعوبة من بين شفتيه المشقوقتين بعد شجاره مع أبيه، وإبتسامة خفيفة مرت على ثغره ومحاها سريعًا، لم تكن بسمة مُبارَكة، وإنما كانت بسمة ساخرة…على حاله، وعلى نفسه، وعلى ضلاله، اتضح أن أخيه مَلَك كل شيءٍ، وخسر هو كل شيء!
ألقى عليهما نظرة أخيرة متمنيًا السعادة لهما وإن كان قلبه تعيسًا..
استسلم؟ نعم استسلم..
يئس؟ لقد مات قنوطًا..
غادر؟ نعم…سيغادر ولن يعد تلك المرة أبدًا.
سحب فادي قدر واضعًا ذراعها أسفل ذراعه، متجهًا إلى المطبخ بها صارخا بتلك النبرة التي لا تظهر في صوته إلا عند جوعه فقط:
-جعــــــــــان يا ماما، من كتر الجوع مستعد آكُل صنية القشطة اللي تحت إيدي دي.
ونظر لها غامزًا بعبث، فابتسمت بسمة شاحبة لا معنى لها، لم يلاحظها هو، منشغلًا بطعامه لم يهتم بكل تلك النظرات التي أُحيكت من وراءه، ولا بكل تلك المشاعر التي انبثقت دفعةً واحدةً، حتى أنه قال لها مبتسمًا:
-صاحبك رجع أهو.
1
عقدت حاجبيها:
-تقصد مين؟
التقط تفاحة يقطمها بنهمٍ متمتمًا:
-فهد أخويا.
-فهد مكانش صاحبي.
كان حبيبي!
لم تقلها، ولن تفعل.
ابتلع ما بفمه وترك التفاحة على الطاولة، التقط كفيها بين كفيه ونظر لها برجاء:
-قدر، عشان خاطري متحسسيهوش إن علاقتكم مش كويسة بسبب اللي حصل، هو مالوش غيري أنا وإنتِ دلوقتي في عِز ما كلهم مش طايقينه، معلش أنا مقدر إنك متضايقة منه وأوي كمان ومتقدريش تسامحيه أبدًا مهما حصل، بس… لو سمحتِ حاولي، مش عايز أشوف أخويا وحيد كده!
1
آهٍ لو يدري..
لو يدري أنهما ليسا أصدقاء..
وأنهما لم يكونا يومًا كذلك..
لو يدري أن قلبها ليس له..
وأنه محكومًا بحبِ آخر!
ابتسمت بزيفٍ ممتقعة الوجه:
-حاضر…هحاول!
فانحنى يطبع قبلة خفيفة على وجنتها، فترفرف بأهدابها مجفلة، ويستدير هو إلى المطبخ، باحثًا عما يأكله.
***
دخلت الغرفة كالزوبعة، وخلفها الرجل الهادئ الذي تحملها سنواتٍ ولا زال يفعل..
استدارت له على حين غرة، تصرخ بغضب يوازي النيران المستعرة بداخل قلبها الفائر بغليان القدور:
-هو جاي يهبب إيه! مش كفاية اللي هو عامله!
جلس زهد على الفراش متخذًا منه مقعدًا يريح عليه جسده من إنهاك اليوم الشاق، يخلع نظارته الطبية ويضعها جواره، ثم ينحني لخلع حذاءه:
-حقه يا يمنى، بيته وبيت أهله، وخطوبة أخوه مينفعش ميحضرهاش.
قهقهت بتجبرٍ ساخر وهي تعقد ذراعيها أمامها بمنتهى العصبية:
-لأ والواد بار بأهله أوي.
ناظرها نظرة خاطفة جانبية، قبل أن يحرر رابطة عنقه وكذلك أزرار قميصه في حين كانت هي تشتعل بلظاها:
-وجوده في حد ذاته بيعصبني! أنا مشوفتش بجاحة كده في حياتي!
تنهد بعمقٍ يائسًا، ونهض يتجه إلى المرحاض:
-يمنى، قفلي السيرة أنا تعبان، مش عايزاه انزلي اطرديه.
وأوصد الباب خلفه، تاركًا إياها تشتعل..
ولم ينتبها للصوت العالي، الذي تسرب من خلف الأبواب الموصدة، وسمعه الذي كان يمر متجهًا إلى غرفته القديمة، فتنهد بقنوطٍ، وغض الطرف عن وِجهته، متخذًا من الدرج مفرًّا ليهرب من هذا الجحيم.
***
جلست وفاء بجانب شقيقتها التي تفصص البازلاء، ممتقعة الوجه تتلوى بغيرتها وحسدها، فسألتها شقيقتها:
-إيه يا وفاء مالك!
1
همست بغلٍ وهي تستدير بكُليتها إلى أختها:
-أنا بدي أفهم البت بسمة دي قاعدة معانا في البيت ليه؟
2
لوت الأخيرة شفتيها بسخطٍ:
-علمي علمك.
هزت وفاء ساقها اليسرى بغضبٍ تقضم أظافرها بضيق، فاستطردت شقيقتها بسؤال:
-هي عملت حاجة ولا إيه؟
ابتسمت بسخرية مجيبة:
-البت بقولها طبقي الغسيل تقولي بغسل المواعين أما أخلص هروح أطبقهم! تخيلي الفُجر! بتعصى كلامي!!
2
اتسعت حدقتي دُرة الجالسة منذ مدة تسمع الحوار، بينما هتفت سناء بذهول:
-إيه البت دي!! قلة ذوق.
تدخلت درة أخيرًا هاتفة:
-إنتو من كفار بنى قريظة!
2
اتجهت أنظار الشقيقتين إليها، أختهم الغير شقيقة تتحدث وبسخرية فتقول:
-قلة ذوق عشان رفضت تعمل حاجة مش المفروض تعملها عشان تكمل غسيل المواعين اللي هي أصلًا مش مُطالب منها تغسلها وإحنا عندنا خدم!!
نهضت تحمل هاتفها وتضعه في جيب بيچامتها مستطردة:
-طب الحقوا بقا خرجوها من المطبخ، شاهين ومراته لسه ممشيوش.
وانصرفت ممتعضة، بينما اتسعت حدقتي المرأتين وهن ينظرن إلى بعضهن البعض بهلع، خاصةً حين سمعا صوت شاهين وزوجته يهبطان الدرج، وصوت ضحكة يُسرا يدب في قلوبهم الرعب!
انتفضت وفاء مهرولة إلى المطبخ، حتى وصل شاهين ويسرا إلى الطابق السفلي، فبصر سناء تفصص البسلة بأيدٍ ترتجف، حتى سألها بصوتٍ بالنسبة له عادي، وبالنسبة لها الرعب بحد ذاته:
-بسمة فين؟ دخلنا عليها أوضتها ملقينهاش؟!
نظرت له متلعثمة:
-ببببـ…بسمة! معر…معرفش، شوفها ع السطح يمكن بتأكل الحَمام بتاعها.
ضيّقت يسرا عينيها بشكٍ من لعثمتها وتوترها، بينما رمقها شاهين بجمودٍ، مشددًا على كف زوجته القابع بين كفه الكبير دليلًا على شكه هو الآخر بسبب إرتباكها الزائد.
خرجت وفاء من المطبخ تسحب بسمة بين يديها، فتاة هزيلة، قصيرة القامة، شاحبة الوجه وقليلة الحيلة، تضع على رأسها إيشارب صغير، وترتدي بيچامة ربما كانت لفتاة في الثالثة عشر، لا تناسب البتة أنثى تبلغ الواحد والعشرون من عمرها! فكان بنطالها قصير، ولونها باهت، تمامًا كوجه صاحبتها..
انتفضت وفاء حين رؤيتها ظهره الضخم، فارتبكت وكادت تنكب على وجهها بقدميها المرتجفتين، استدارت تدفع بسمة إلى المطبخ مجددًا، فإذا بها تتصنم على هديره الصاخب:
-استني عندك!
اتسعت حدقتيها وتصاعدت دقات قلبها عنان السماء، يضرب صدرها بعنفٍ وتكاد تصاب بسكتة قلبية!
-بسمة كانت بتعمل إيه في المطبخ يا وفاء!!
استدارت لهما ببطء، تبتسم بإرتجافٍ هاتفة بصوتٍ مبحوح:
-مـ…مـ…مبتعملش..
صرخ:
-متمأمأيش!
فانتفضت هي وأختها وبسمة! مستطردة حديثها المرتبك:
-كانت بتغسل المواعيين، وأنا…أنا قولتلها يا بسمة إنتِ لسه صاحية من النوم، اطلعي ارتاحي وراكِ كلية ومذاكرة، قالتلي…قالتلي بقالي كتير بذاكر قولت أنزل اساعدهم هنا، سحبتها من ايدها وقولتلها والله لا إنتِ طالعة كفاية عليكِ كده..
ثم ضغطت على كفها مبتسمة بارتعاش:
-مش كده يا بسمة….قوليله.
وبسمة؟
لا تملك أي بسمة..
بسمتها شاحبة، باهتة، لا لون لها ولا حياة..
تهتف بصوتٍ ضعيف مبحوح:
-معاها حق يا شاهين، اتحايلت عليا أطلع وأنا موافقتش.
فتنهدت وفاء بارتياح، وزفرت سناء، بينما تحدث شاهين بصلابة:
-اطلعي يا بسمة أوضتك، ومتطلعيش منها إلا ع الأكل أو ع السطح أو لو هتخرجي، واستنيني هوصل يُسر وأرجعلك.
أومأت له، تنكس رأسها، وتنسحب بهدوءٍ صاعدة لأعلى، وفي ذلك الوقت كانت وفاء تتسحب للمغادرة، فأوقفها هادرًا:
-استني.
تصلبت ساقيها، ونظرت له برعبٍ، فوّجه تلك المرة حديثه لها ولشقيقتها:
-الموضوع ده ميتكررش تاني، دي أول وآخر فرصة ليكم، المرة الجاية هتبقوا المواعيين اللي هتتغسل.
ثم هسهس بتحذير ونظرة شريرة احتلت حدقتيه:
-مفهوم؟؟
أومأت وشقيقتها عدة مراتٍ بذعر، فسحب يُسرا خلفه، وغادرا المنزل، حينها فقط، ارتمت وفاء على الأريكة جوار أختها التي تركت طبق البسلة وارتمت بظهرها للخلف تلتقطان أنفاسهما المسلوبة!
تنهدت يسرا بقنوطٍ هاتفة:
-والله البت بسمة دي صعبانة عليا، لا أبوك ولا إخواتك بيعاملوها كويس، خليك حنين عليها يا شاهين ملهاش غيرك.
وتركيزه منصب على القيادة، مقطب الجبين، مكفهر الملامح كعادته خارج المنزل، تحديدًا…خارج غرفتهما.
-شهشوهتي، بقولك.
قالتها بدلالٍ، فنجحت بذلك أن تجعله يبتسم بهدوءٍ مغمغمًا بتساؤل، فاستطردت وهي تداعب ذراعه الأيمن المستند على المقود:
-عايزة أنزل بعد الشغل أشتري حاجات….لوحدي!
نظر لها بذات البسمة الهادئة، فأوهمها بموافقته، سرعان ما صدمها بقوله:
-لأ.
تأففت حانقة وهي تعلو بنبرتها غاضبة:
-يوووه بقا يا شاهين! هو أنا لازم كل ما أمشي خطوة تكون معايا سواء إنت ولا الكام بودي جارد اللي حاطينهم قدام الڤيلا! دا أنتو شغالين حلوانية يعني مش مافيا ولا عصابات!
وبنبرة قاطعة قال:
-قولت لأ يعني لأ يا يُسرا.
وذِكره للألف في إسمها يعني أنها لن تستطيع إثناءه عن رأيه، فتراجعت متمتمة بعبارات حانقة لم تصله، فتوقف في منتصف الطريق فجأةً وبضغطة زرٍ أعاد مقعدها للخلف منحنيًا عليها متجاهلًا تلك الشهقة المجفلة التي خرجت منها بفعلته السريعة، نظر إليها بنظرته القاتمة هاتفًا:
-بتبرطمي؟!
هزت رأسها نفيًا عدة مراتٍ، فأصر قوله بنفاد صبر:
-برطمت قولت إيه يا عم يُسري!
ضمت شفتيها تمنعهما من الحديث، فهمس بإغواءٍ:
-سيبيهم يتكلموا!
ففتحتهما قائلة بسرعة:
-ربنا ياخدني ويريحك مني.
جحظت عينيه بغضبٍ، فرفعت إصبعها تحذره:
-لو اتهورت هتموت البت.
جز على أسنانه فخرجت كلماته مضغوطة من بينهما:
-ما هو اللي مسكتني عليكِ البت!
شهقت بصدمة تقلّب الطاولة بحديثها:
-يعني أنا مهمكش يا شاهين؟ كل اللي هامك بنتك؟ طب وسع بقا كده الإهتمام مبيطلبش.
ودفعته في صدره تُبعده عنها، فالتقط كفيها بكفٍ واحد، والآخر لا زال بجوارها مستندًا على المقعد، يرمقها بصمتٍ ونظرة مرعبة، فهمست له بتلعثم:
-هنموت، إنت واقف في نص الطـ..ريق!
فلم يُجِب، لتتابع:
-هتأخر ع الشغل.
وأيضًا لم يُجِب، فتأوهت بألمٍ مزيف:
-آآآه، بطني بتوجعني يا شاهين.
وأيضًا…لم يرف له جفن!
فزمجرت غاضبة بصوتٍ حانق:
-البت هتموت مخنوقة بقولك!!
فتحدث أخيرًا بهسيس:
-مش أحسن ما أمها هي اللي تموت مخنوقة! ولا إيه؟!
اهتزت شفتيها وكأنها على وشك البكاء، فهتفت بنبرة مرتجفة:
-خلاص يا باشا شوف هتتهبب تفضى إمتى وتعالى خدني من المخروبة اللي أنا شغالة فيها، حلو كده؟!
ابتسم برضا، وخطف من ثغرها المرتجف قبلة صغيرة، ثم عاد لمقعده يتولى القيادة، فصرخت من الخلف:
-رجع أم الكرسي زي ما كان فيه بطيخة مش عارفة تقوم هنا!
وبضغطة زرٍ أعاد المقعد كما كان وهي عليه، تحاوط بطنها المنتفخة بضيقٍ، تنفخ وجنتيها الحمراوتين بحنقٍ متمتمة وهي تصعد بالمقعد:
-حسبي الله في الظالم والمفتري.
-بتبرطمي تاني؟!
فصرخت تلك المرة بإنفعالٍ وهي ترمقه بحدة:
-مبرطمتش بقا!!
توقفت سيارته أمام شركتها الصغيرة، انحنت تقبل خده مبتسمة بحبٍ، متناسية ذلك الموقف السخيف منذ دقائق:
-ميرسي يا شهشوهتي.
فتحت باب السيارة وكادت تهبط فأوقفها بأن منعها من ذراعها هامسًا بضيق وحاجبين معقودين:
-ما بلاش الألقاب اللي تسِّد النِفس دي!
1
زمت شفتيها بحنقٍ:
-الحق عليا بدلعك!
-الدلع مش بالألقاب المُهزأة اللي بتقوليهالي!
ابتسمت ساخرة:
-أومال بإيه يا أبو العُريف؟
تلاعبت نظرة وقحة في عينيه، وابتسامة عابثة إلى شفتيه وهو يقترب منها ببطءٍ مُغري محررًا ذراعها:
-بحاجات تانية.
3
شهقت مصعوقة وهي تتخلى عن مقعدها مغادرة السيارة بسرعة، فيما تبسم هو بسمة مشحونة بالغل، كارهًا تركها له في منتصف قبلة كان يتمنى الحصول عليها!
أشارت له بالوداع مبتسمة باصفرارٍ، وكأنها تغيظه!
فتوعد لها بنظرة قاتلة، جعلتها تضحك ملء فيّها، وتلتفت لتدخل بينما تحاوط بطنها بذراعيها لعل ذلك يخفف عنها الحُمل الثقيل لطفلتها، وفي طريقها سار جوارها ذلك الشاب المقيت، المُتدرب الذي يقف لشاهين في حنجرته كالغُصة، يبتسم لها بأدبٍ ويحييها، فتبادله ذلك، يدفع لها الباب، فتدخل ويدخل خلفها، وذلك تحت أنظار شاهين مقطّب الجبين مكفهر الملامح، يقبض على المِقود كالقابض على جمرٍ من نار، تغلي مراجله كمياهٍ تُرِكت لتجف، وصك على ضروسه حتى برزت عضمتيّ فكه، اشتعل بالغضب المكبوت، وبراكين تغلي بداخله، إلا أنه أعقل من ان يقتل ذلك الفتى…الآن!
2
ضغط الفرامل وانطلق بسيارته في الطريق الواسع، مخلفًا خلفه غبارًا سيستغرق الكثير حتى يختفي.
***
في ظلام الغرفة الدامس..
الغرفة الصغيرة التي تحوي بقايا جثمان تحللت أعضاؤه..
ولم يبقى سوى قلبٍ مشروخ..
وجسد بالي لبقايا أنثى
نحيطها يصم جدار القلب..
ونحيبها يهد جدران غرفتها المظلمة..
أو سجنها الأبدي كما تُسميها..
لا أحد يُحبها، ولا أحد يريد.
أنثى على الهامش، والجميع سعداء..
فتاة مهمشة، والجميع أثرياء..
بالحب والإهتمام والرعاية يعيشون..
وبالوحدة والخذلان والقهر مُحاوَطة هي..
البسمة التي لم يتردد صداها حتى عند ولادتها..
البسمة المخذولة، التي لم يُسمع لها صوت.
دق بابها دقتين، فمسحت عبراتها واعتدلت على الفراش، هامسة بإنكسارٍ ونبرة ضعيفة لم تكن يومًا صلبة:
-اتفضل.
ودخل هو، بجسده الصلب الطويل..
يوصد الباب خلفه..
ويقترب منها ببطءٍ..
ثم يجلس على الفراش أمامها..
ويبتسم بهدوءٍ:
-وصلت يُسر وجيت.
نكست رأسها تفرك كفيها ببعضهما في توتر:
-مـ…مكانش له لزوم يا شاهين.
تنهد بيأسٍ، ومد كفه يلمس ذقنها فتنتفض كالحَشرة، تنظر إليه بذعرٍ خوفًا من أذيتها، فترى في عينيه حنو الدنيا، وإهتمام العالم..
-أنا مش هأذيكِ يا بسمة!
هو الوحيد الذي لم يؤذها..
وهو الوحيد الذي تخشاه أكثر منهم!
لهيبته ربما، أو لأنه…الأكبر بينهم..
أو لخوفهم منه الذي انتقل إليها فأصبحت تخشاه وهي لم تتعامل معه طوال سنوات حياتها العشرين سوى مراتٍ قليلة أنقذها فيها من براثن فضيلة وبناتها أو من استحقار سعاد زوجة أبيها، فأصبحت ممنونة له، لكن لا تزال تخافه!
شاهين الذي قدّم لها في كليتها التي تحب..
شاهين الذي وقف أمامهم لكي تنال تعليمها كاملًا..
شاهين الذي صفع أول شاب تطاول عليها..
شاهين الذي جعلهم يخصصون لها غرفة كاملة بفراش وخزانة وغرفة تبديل ملابس ومرحاض خاص!
شاهين الذي ساندها في كل مراحل حياتها!
شاهين…
ابن عمها المَهيب، المُهتَم بها!
-أنا….مش خايفة منك!
قالتها بذعرٍ حقيقي التمع في عينيها، فابتسم بسمة جانبية مُهلكة:
-واضح!
تمتمت بصوتٍ خافت متهربة بعينيها من خاصتيه:
-أنا مرعوبة!
عقد حاجبيه بغضبٍ:
-إيه حكاية البرطمة معاكم إنهاردا!
رمقته بدهشة، فمسح على وجهه بكفيه، ثم استعاد هدوءه من جديد، وعاد يناظرها به:
-إنتِ ناقصك حاجة يا بسمة؟
سألته بتوجس:
-حاجة زي إيه؟
هز منكبه:
-يعني…كشاكيل، كتب، أقلام، هدوم مكياچ فلوس أو مثلًا لبس، أي حاجة!
ربما لو كانت تملك الجرأة لقالت…إهتمام!
ولكنها كانت أجبن من تصريحها الخيالي!
ابتسمت بوهنٍ:
-لأ، شكرًا مش عايزة حاجة.
نقل بصره لبيچامتها المهترأة، ثم إلى وجهها الشاحب وجسدها النحيل، رافعًا حاجبه بشكٍ:
-متأكدة؟
لاحظت ذلك، فتبسمت بمرارة هامسة بغُصة:
-آه.
لا تدري أهي إجابة، أم تأوه ناجمًا عن ألمها الداخلي..
داخلها نقطة تريد أن تبوح بإحتياجاتها..
والصراع بداخلها يقمعها صارخًا بأنها لن تطلب، ولن تستطع..
والنَفْس تستغيث طلبًا للنجدة..
والروح غارقة في الوحل..
تحاول الهروب بعدما تلطخت بالسواد..
فيعيدها الوسواس الداخلي بأنها نكرة..
وأن لا شيء تطلبه سيأتي!
-بسمة…متأكدة إنك مش عايزة حاجة؟!
سألها مرة أخرى بإصرارٍ..
وهي تعافر لتخبره بحاجتها..
لا تدري لِم يُشل لسانها عند الطلب!
لم يثقل قلبها عند النظر في عيون الناس..
لذلك تنكس رأسها كلما مر عليها أحدهم!
لماذا مُرسخ بداخلها ذلك الشعور كونها نكرة!
-لأ.
وانتصر الوسواس.
نهض شاهين ورمقها نظرة أخيرة:
-لو عوزتي حاجة اطلبي مني، أو من يُسر.
أومأت مطأطأة رأسها من جديد، منغمسة في الوحل أكثر..
فهز شاهين رأسه بقلة حيلة، وغادر الغرفة الكئيبة..
تاركًا الفراشة في شرنقتها..
تعافر لكي تخلع عنها جلد “الدودة”..
تكافح للخروج من كبد حشرة..
لتصبح فراشة يعشقها الجميع!
4
***
جالسًا على مقعده المُذهب، في منتصف غرفة الإستقبال الواسعة، وحوله على مقاعد صغيرة يجلس أشقاؤه الثلاثة، وإبن عمه محفوظ.
-يا فهيم المحلات محتاجة إدارة حد غير شاهين!
قالتها فضيلة زوجته مُحرضة، بغضبٍ ربما أو بإنفعالٍ!
-شفيق قايم بالواجب مع إبن عمه يا فضيلة
قالها حليم مبتسما بسخرية، مدركا ما تحاول فضيلة فعله وإغماسه في عقل أخيه..
بينما تدخل شاكر هاتفا:
-أنا مستعد أقنع عباس وعاصم ينزلوا من انهاردا المحلات.
وأثناء ذلك لم يجد محفوظ بُدًا من قول:
-ونصيب دولت أنا هديره.
نظرًا لكونهما رُزقا بالبناتِ فقط..
فكان محفوظ دائمًا هو المتصدر لكل ما له علاقة بالأموال أو غيره..
وفهيم صامت..
يسمعهم وفقط..
هو الكبير بعد وفاة أبيهم..
يسمعون كلامه لا إحترامًا وإنما خوفًا..
فهو مثله كمثل ابنه..
قد أخذ منه شاهين كل شيءٍ..
إلا شيئًا….لم يأخذ منه طبع الخيانة وحب النساء!
يعقد أصابعه أمامه مستندًا على عصاه الأبنوسية ذات رأس أفعى، ربما من شدة عشقه لفضيلة قرر وضع رأسها على قمة عصاه!
2
تحدث بعدما تأكد من صمتهم وإنتظارهم حديثه:
-خلصتوا؟ محدش هيمد إيده في المحلات طول ما أنا عايش، ونصيبكم أنا هديره أنا وشاهين وشفيق، حقوقكم استغنيتوا عنها من ساعة ما وكلتوني أمشيلكم شغلكم، أما أبقى أموت كل واحد يقسم المحلات زي ما هو عايز، والبيت ده وبيت المنصورية والتجمع وأرض الشيخ زايد محدش هيهوبلهم، كل مليم أبويا سليمان الحلواني سابه هيفضل محفوظ، وأظن محدش فيكم محتاج جنيه منه بالعز اللي إنتو عايشين فيه، طلباتكم وبتيجي لحد عندكم، أكل بتاكلوا لبس بتلبسوا وفلوس متمرمغين فيها، أظن كده عداني العيب.
رمقوه بغلٍ مكبوت، غضبٍ لن يستطيعوا إظهاره! تعفنت قلوبهم بحب المال، وأُشرِبَت بسُلطة واهية، يريدون الحصول عليها من أخيهم الذي هو أكثرهم تسلطًا وطغيانًا، الذي هو أشدهم حُبًّا للمال، وأشدهم حرصًا عليه!
1
فسلب العظمة من فمِ الكلب صعبة، وسحب اللحمة من بين فكي الأسد…مستحيلة.
دخل عليهم النسخة المشابهة لأخوهم، “شاهين الحلواني”..
الطاغية الكُبرى..
والراعب لهم ولأبنائهم..
فبنظرة يجعلهم يخرون ساجدين..
ونظرته…قاتمة بقدر سوداوية قلبه..
وعينيه…داكنة بالقدر الذي يذيب العظام!
-يلا يا حج.
حثه على النهوض، فأومأ له، ونهض مستندًا على عصاه بقوة، يرمقهم بجبروته وقتامة عينيه مُشابهة تمامًا لخاصة إبنه..
-اللي عندي قولته، واللي عايز حاجة يروح المحكمة.
وكلمته نافذة..
وقوله سيف على رقابهم..
وعتق الرقاب…لن يكون هينًا!
انسحب مع إبنه يسيران سويًّا بخطواتٍ موازية، الخطوة تلو الأخرى تحمل من الصلابة ما يبث ذعرًا في قلوب أعتى الرجال..
ومن خلفهم انسحبت فضيلة، بوجهٍ ممتعض غاضب..
قهقه محفوظ ساخرًا، وانحنى على أذن زوجته يهمس لها بتهكم:
-أخوكِ هيفضل راكبكم كده لحد إمتى؟
فنهرته بشدة:
-محفوظ! متغلطش في أخويا لو سمحت.
دفعها في كتفها بازدراءٍ لتتأوه بصمت:
-اشبعي بيه يا أختي، أهو اداكم خازوق ومش هيوزع الورث.
فتحدث شاكر متعقلًا بنبرة رزينة:
-فهيم معاه حق، إحنا وكلناه.
وحليم يصرخ كالثور المنحور:
–وكلناه يديرها بدالنا مش ياكل حقنا!
عقد الأخير حاجبيه بتعجبٍ مصرّحًا بغرابة:
-حقك بيجيلك يا حليم فيه ايه! فلوسك معاك! وابنك بيدير نصيبك! وإنت وبتنزل تقعد في محل الميدان عايز إيه تاني!
تحدثت دولت بنبرة ضعيفة خافتة:
-اللي ليه الحق يعترض هو إنت يا شاكر، لا حاطط إيدك في المحلات، ولا ولادك كمان.
لكزها زوجها بقوة، فتأوهت تلك المرة بألمٍ ترمق وجهه المكفهر بوهن، فيما تحدث حليم بغلٍ:
-ولا الكلبة اللي إسمها فضيلة، عايزة تخرّج شاهين وشفيق من الليلة كلها، وتحشر إبنها اللي منعرفش عنه حاجة.
تنهد مستطردًا:
-آه لو أعرف هو فين إبن فضيلة، لكنت دبحته وشربت من دمه.
الإبن المفقود…
إبن فضيلة..
الإبن الأخير لفهيم الحلواني..
المُستبعد من النعيم..
المحكوم عليه بالنبذ المؤبد..
الأخ الذي أراد أن يتذوق التفاحة المحرمة..
فأقصاه الله إلى الأرض، حيث له فيها مستقرًا ومتاعٍ إلى حين!
ولكن الفارق…أنه لم يكن آدم…بل كان إبليس!
***
انحنت دارين تجمع ثياب إبنها المتناثرة على أرض غرفته بعشوائية، تتحرك لتفتح باب الشُرفة فيدخل منها هواء الصباح لينعش الغرفة المكتومة، فتململ ذلك النائم صارخًا بغضب:
-اقفلي الزفت ده…
أجفلت على صراخه، وتنهدت بقنوطٍ وهي تراه يضع الوسادة الصغيرة على رأسه، فتحدثت بحزمٍ:
-قوم يا جواد الساعة 7، الباص مش جاي إنهاردا عمك عبدالله تعبان، كده أريچ هتروح لوحدها، قوم يلا شوف مصلحتك بقا.
زمجر غاضبًا:
-ملكيش دعوة، اطلعي برا واقفلي الباب والبلكونة!
1
صرخت فيه بعصبية:
-إيه مالكيش دعوة دي! لِم نفسك أنا أمك!
انتفض جالسًا على ركبتيه على الفراش، بوجهٍ مكفهر وعليه أثار النوم، يصيح فيها بعلوٍ:
-بقولك إيه، مش كل يوم نفس الموال! أنا عايز أتخمد.
-إيه طريقة الكلام دي يا جواد اتكلم عِدل!!
نهرته بحدة، فتأفف بنزق، لتستطرد هي بانفعال:
-واضح إني غلطت لما موديتكوش تعيشوا مع أبوكو، كان زمانكم كل يوم في بلد شكل وحياتكم مش مستقرة معاه وساعتها كنت هتحسوا بالنعمة اللي في إيديكم.
مشت إلى الباب لتغادر، فاعتلى ثغره بسمة جانبية ساخرة وهمس:
-على أساس العيشة معاكِ نعمة أوي..
1
توقفت دارين متجمدة مكانها، بعد وصول همسات إبنها إليها، زاغ بصرها، والتفتت إليه لتجده قد عاد لينام من جديد، غير مبالي بما قال، ولا بالشرفة المفتوحة، ولا حتى بأمه التي ألمها قلبها، وشعرت بنغزاتٍ مستمرة به..
فخرجت من الغرفة لا تحملها قدميها، وارتمت على أقرب مقعد قابلها، ألقت ثيابه من بين يديها على الأرض، انحنت تحاوط رأسها بكفيها، تستند بكوعيها على وركيها، وتسمح لعبراتها بالهبوط في عجزٍ.
هي من عانت..
وهي من تحملت..
هي من صبرت، وتجلدت..
ووافقت على زواجٍ لم تدري كم سيكون كارثي..
الزواج من رائف؟ كان حُلم..
عاشت فيه سنوات، حتى بدأ يعمل، فينشغل عنها..
يأتيها متأخرًا، تبرر له، وتحبه، وتعطيه من الدلال ما يشاء..
فيتمنع…
يهرب..
ثم في لحظة غضب..
يعايرها بماضٍ لم يكن بيدها!
بكونها ليست إمرأة..
وليلتها…تكتشف كم هو خائن!
حتى أتتهما أول بذرة..
“أريچ”… العطر اللطيف..
الذي مر عليهما وأصابهما بالسكون للحظات..
لتعود الإنفجارات من جديد..
تزامنًا مع حملها بـ “جواد”..
” انحنت تحمل سترته المُلقاة على المقعد، واضعة إياها على العلّاقة، فتلتقط أنفها رائحة غريبة..
ليست رائحته..
يخرج من المرحاض يجفف خصلاته هاتفًا:
-دارين اعمليلي قهوتي.
وقف أمام المرأة ليجفف خصلاته، فاستدارت له تحمل بين كفيها السترة، تلتمع بعينيها عبرات الخذلان، تتساءل بخواء:
-إيه ريحة البرفان الحريمي دي يا رائف!
التفت لها سريعًا، تزوغ عينيه، يرتبك، يبحث عن كذبة..
يفتش عما يقول! فلا يجد سوى مبررات واهية:
-تعاملاتي كلها مع ستات في الشركة، طبيعي الريحة بتلزق.
أومأت عدة مراتٍ بتحسر:
-والله!!
ثم ألقت عليه السترة، محاوطة بطنها المنتفخة بمولودها الثاني بعد سنواتٍ من الحرمان رزقها الله باثنين، تفتح باب غرفتهما، وتخرج منها تمامًا، فيتبعها بعدما ألقى المنشفة، صارخًا بها أن تتوقف، تهبط الدرجات بحذر، وعينيها غائمتين في الدموع، تمسك الطرابزين بكفٍ، والأخرى على بطنها..
تتلقفها شهد بالأسفل، توقفها، فترتمي دارين بأحضانها باكية، والأولى تنظر لرائف بصدمة وشحوب:
-فيه إيه يا رائف؟ مالك يا دارين إيه اللي حصل!
ويتدخل شريف، الذي كان يجلس مع رعد أمام التلفاز، يهرول إليهما مذعورًا، وينظر لإبنه منتظرًا تبريرًا، والآخر يهتف بضيق:
-محصلش حاجة يا شهد هي اللي بتحب تأڤور الدنيا!!
1
صرخت دارين منتفضة من أحضان شهد بوجهٍ احتقن بالغضب:
-أنا اللي بأڤور الدنيا؟ ولا إنت اللي خاين يا كداب.
هدر بعلوٍ يماثلها في الغضب:
-دارين! لمي لسانك! قولتلك زفت شغل.
قهقهت ساخرة، ثم عادت لحدتها:
-وهو الشغل يتطلب منك تاخدهم بالأحضان ولا تبوسهم يا رائف بيه!
مسح على وجهه عدة مرات، ثم زفر محاولًا تهدأة أعصابه، ومد كفه يسحبها من ذراعها محذرًا:
-يلا يا دارين نطلع أوضتنا ونتفاهم.
نفضت ذراعها صارخة بصوتٍ أعلى وقد توقف إنهمار العبرات وتكتلت رموشها وتركت الدموع آثارها على وجنتيها:
-مش طالعة، ومش عايزة أتفاهم، طلقني يا رائف.
وكانت تلك الجملة التي توقف عندها الجميع بصدمة، ومن ضمنهم رائف، الذي لم يستوعب فهتف متهكمًا:
-أطلقك! بعد كل ده؟! ما أخدتك على عيبك واستحملتك واستحملت نكدك وقرفك، بعد ما اتجوزتك وإنتِ مش بنت!
1
صرخت شهد تنهره:
-رائف!
وسحبه والده بعيدًا بعنف، وعينيه لا تبرحان النظر لها، يرمقها بخواء، لمحت في عينيه نظرة إزدراء!
فضحكت ضحكة خفيفة بعدم تصديق، وفغرت فاهه تبادله النظرة بأخرى مصدومة، تعيسة، مخذولة وبائسة!
يُعايرها؟! يعايرها على ماضٍ وافق عليه منذ البداية ولم يعترض!
ليتها سمعت النصيحة التي وجهتها لها قدر! حين قالت لها أن الماضي لا يُنسى، وأنه سيظل راسخًا بالعقول مهما حاولوا تناسيه..
حاوطتها شهد بذراعيها تسندها، واقتربت يمنى وسارة كذلك، بينما توجه رعد إلى رائف بغضبٍ، يلكمه في وجهه بقوة، فسقط الأخير أرضًا، يتأوه بألمٍ…
توترت الأجواء، وهرولت فجر تسحبه مُبعدة إياه عن رائف، تصرخ في الخادمة:
-خدي الولاد كلهم فوق.
ففعلت متوترة، سحبتهم جميعًا لأعلى، بينما حاولت فجر تهدأة الجو المشحون بقولها الحانق:
-بطلوا لعب عيال بقا إنتو مش صغيرين!!
أنهض يامن رائف الذي مسح جانب فمه المتورم من الدماء، ونظر لرعد بحقدٍ، وكاد يتوجه إليه لرد اللكمة، لكن أبوه أوقفه هادرًا:
-متتغاباش إنت كمان.
أشار رائف على رعد بيده صارخًا:
-هو اللي بدأ..
والأخير يصرخ في مواجهته:
-تعالى خد حقك، لو راجل قرّب.
فزمجر رائف مندفعًا ناحية رعد كالثور الهائج، يحاول تسديد اللكمات له، والآخر يتفادى البعض ويغفل عن البعض، فشُحنت الأجواء بينهما، وتدخل شريف ويامن وأيضًا زهد للتفرقة بينهما..
ووسط كل هذا، سقطت دارين بين يدي شهد ويمنى، تتأوه بعلوٍ وهي تمسك بطنها، فتبصر سارة مياه تسيل بين فخذيها، لتصرخ:
-دي بتولد!
ورغم صراخها لم يلتفت لها أحد من الرجال المتصارعين كالديوك..
فبقت دارين تصرخ بين أيديهم، وهن يحاولن إيقاظ أزواجهن من الغفلة..
وكل هذا..
تحت أنظار فتاة مراهقة..
شبت عن الطوق..
وحيدة..
حاقدة..
منتقمة..
تسيل عبراتها بخوفٍ..
تنظر لما يحدث بصدمة! “
-ماما؟ إنتِ إيه اللي مقعدك كده؟
قالتها أريچ التي خرجت من غرفتها ترتدي كامل ثيابها إستعدادًا لمدرستها، فاعتدلت دارين على المقعد تمسح دموعها بكفيها، تتنفس بقوة، وتنظر لإبنتها ببسمة مزيفة ترسمها لتطمئنها:
-مفيش، جهزتِ كده؟
أومأت عدة مراتٍ وهي تضع حقيبة مدرستها على الطاولة الصغيرة بالمطبخ:
-جواد مش جاي؟
هزت رأسها باقتضاب:
-لأ.
-طـ…طب هروّح مع مين؟
قالتها بذعرٍ احتل مُقلتيها، فآثارت بداخل أمها مشاعر خانقة أعادتها للحظة خسرت فيها إبنتها، ونفسها، وكل شيء!
نهضت دارين تمسح على وجهها برفقٍ مُطمئنة:
-هاجي آخدك، مش هسيبك تمشي لوحدك في الشارع، ولا حتى مع أصحابك.
ألمها وجه ابنتها الشاحب، ونظرتها التي باتت خاوية، فضمتها إلى صدرها بقوة، تعتصرها بين ذراعيها، تبكي ألم المعاناة، وتعتصر جفنيها بقوة لعل ذلك يُبطل تلك النغزات بقلبها!
***
كانت دُرة متسطحة على فراشها تعبث بهاتفها بملل، حتى اقتحمت فضيلة عليها الغرفة ممتقعة الوجه هاتفة بسخرية:
-اسم الله عليكِ! قاعدة ايدك في الماية الباردة بتلعبي ع المدعوق ده ليل نهار، قولتلك اتهببي انزلي اشتغلي في أي محل من محلات أبوكِ متقعدليش كده.
انتفضت جالسة على الفراش صارخة بحنق:
-هشتغل إيه يعني يا ماما؟ هشتغل حلواني وأعملكم حلويات على آخر الزمن!
صفعتها أمها على كتفها فتأوهت:
-لأ، تشتغلي في الحسابات، تشوفي بيخش كام وبيطلع كام، تشوفي الفلوس دي كلها بتروح فين.
سخرت:
-آآآه، جاسوسة يعني!
عضت فضيلة على شفتها ترمق ابنتها شزرًا:
-آه يا أختي جاسوسة، تعرفيني الفلوس اللي فهيم أبوكِ مخبيها دي مخبيها فين وليه! مش هنسيب كل حاجة للملعون شاهين.
انفعلت دُرة عند ذكر أخيها:
-ماما من فضلك، أخويا مش ملعون..
لوت فضيلة شفتيها متهكمة:
-إلا ما شوفتك مرة بتدافعي عني قصاده ولا قصاد أبوكِ زي ما بتدافعي عن إخواتك كده.
زفرت دُرة وقلّبت عينيها بمللٍ من موشحات أمها المتكررة:
-حضرتك عايزة إيه دلوقتي يا ماما!
-عايزاكِ تقومي تشتغلي في محلات أبوكِ.
أومأت دُرة مطيعة:
-حاضر هتكلم مع شاهين في الموضوع ده، أي أوامر تانية؟!
رمقتها فضيلة بازدراءٍ واستدارت لتخرج، سرعان ما التفتت لها متذكرة:
-وآه صحيح، متنسيش معادك مع الدكتور فوزي العايق انهارده بليل في الكافيه اللي قولتلك عليه يارب يبقى فيه البركة وتتجوزي بقا وتحلي عن قفايا.
ثم غادرت الغرفة..
فعادت دُرة تتسطح على الفراش وتعبث بهاتفها غير مبالية..
فليحترق العالم في سبيل راحتها.
***
تسلل اللص إلى المطبخ، حيث تقف أمه تُشرِف على الطعام، تلاحظه الخادمة فبعبث ماجن يرفع إبهامه أمام فمه يحذرها من الحديث، فتبتسم متفهمة، ويكمل تسلله إلى حيث أمه، فيلكزها في خصرها ممازحًا بمشاكسة، تنتفض بسببها شهد المُسنة، وتستدير بشهقة أمتعته، ثم تصفعه على كتفه غاضبة:
-إيه البواخة دي يا فادي!
يضمها قسرًا وهي تتململ رافضة:
-اوعى كده..
تستسلم لبرهة بفضل قوله المشاكس:
-بحب أنكشك يا شوشو.
تكتم بسمة تكاد تنبت، وتعيد التململ بعدم إرتياح، فيكتم ذلك بقبلاتٍ متناثرة على وجهها وعنقها وشعرها، وعناقه القوي لها بعضلاتٍ كلما تراهم لا تصدق متى أصبح له مثلهما!
فتتعالى ضحكاتٍ كتمتها، وينفرج حاجبيها المقطبين، ويتورد وجهها..
وأيضًا…
يشاهد مشهد لم يكن يريد رؤيته..
مشهد آخر يُثبت له كم هو منبوذ، وغير مُرحب به أبدًا..
-فهد، تعالى يا حبيبي…جعان أجيبلك طبق بشاميل؟
تناظره بحنو، ويناظره اخيه باسمًا وهو يحاوط كتف أمه ويميل برأسه على كتفها الآخر مقلدًا نبرتها بسخرية:
-أجيبلك طبق بشاميل يا حبيبي، إلا ما قولتيلي أجيبلك طبق يا فادو.
هتفت بسخرية:
-إنت متوصي يا حبيبي مش محتاج عزومة، وبعدين إبني بقالي سنين مشوفتهوش، ده أنا كنت هخلص الأكل وأروح أبات في حضنه إنهاردا.
رفع فادي حاجبه بغيرة:
-يا سلام! طب ما أنا إبنك وبقالي إسبوعين مسافر برشلونة إلا ما عبرتيني!
-هو فيه واحد يبقى في بلاد الغُرب وسط المزز ويعوز يكلم أمه ولا حد أصلًا.
ضحك مصفقًا بعبث:
-أيوه يا شوشو يا جامد يا فاهمني.
وضعت كفها على فمها محذرة:
-ششش اخرس قدر لو سمعتك هتطين عيشتنا.
-هقولها إنتِ اللي بتحضيني ع الفساد والرذيلة.
ضحكت بعلوٍ وهي تلكمه في صدره:
-يا ولا بقا.
وضحك في مقابلتها بمرحٍ، يتابع عبثه معها، ومرة أخرى…
يتم تجاهله تمامًا!
-أنا همشي.
قولًا واحدًا، وإنصرافًا سريعًا..
قلب الأجواء بين الأم وتوأمه، حيث هرولت خلفه هادرة:
-رايح فين بس؟
استدار لها، يناظرها بجمودٍ وتبلد..
صلابة النظرة تكفي لتصف ما يعانيه من إجحافٍ ووحدة.
-تعبان، هروح أرتاح.
-تروّح فين! ده بيتك.
بيته! أي بيت الذي يتجاهله أصحابه..
بيته الحقيقي هو المنزل الذي يعيش فيه بمفرده، دون تلك النظرات الجامدة…واللائمة.
-ده مش بيتي يا ماما، ولا دول أهلي…
صمت.. صمت لأنه إذا تحدث سيقول مالا تُحمد عواقبه، وأمه…لن تتحمل.
مال يقبّل كفها، وابتسم بسمة مبهوتة وضامرة هاتفًا:
-متقلقيش عليا، أنا بس عايز أرتاح.
ربتت على كتفه بحنوٍ وإن كانت بسمتها يشوبها الحزن والأسف..
سمحت له بنظرة وقول أن يغادرها وإن كانت تتوق لإبقائه في أحضانها للأبد:
-متتأخرش عليا بكرا.
فرّق الكف..
وأدار الظهر..
وسار مبتعدًا..
تودعه من على باب المنزل..
المنزل الذي لم يعد منزله.
مطلقة زفرة قوية ملتاعة، هبطت دمعة من زرقاوتيها..
أشعلت الجُرح بعد أن ظنته التُئِم.
جلست نارين أمام التلفاز، جوار فادي الذي يحمل في أحضانه صينية كاملة بها بسبوسة، فنهرته هاتفة:
-حغام عليك صحتك يا فادي، كل دي بسبوسة! هتموت فطسان مننا يا ابني!!
رمقها شزرًا، وعندًا رفع قطعة بسبوسة والتقمها في فمه دفعةً واحدةً بتلذذ مهمهمًا، فابتلعت لعابها بجوعٍ حقيقي، تلك الحِمية الحقيرة!
لالالا يا نارين، أنتِ سمينة، وجب عليكِ النحول، لا تنظري له، لا تنظري…للبسبوسة!
جاءت حينها شهد تحمل بين يديها طبقٍ كبير به كرياتٍ صغيرة تلمع، فتمتمت نارين بصوتٍ باكٍ:
-بقلاوة!!
وضعت شهد الطبق على الطاولة أمامهما بشرودٍ، ورحلت لتجلب شيئًا آخر، تائهة..
تنظر إلى الفراغ بتفكيرٍ قد أوهن جسدها..
فنظر الإثنين إلى بعضهما ببطءٍ، لحظة…والثانية..
وبدأ التصارع على ذلك الطبق الشهي، هو يدفعها وهي أيضًا، هي تصرخ وهو يصرخ:
-كفاية عليك صينية البسبوسة يا مفجوع.
-إنتِ مش عاملة دايت! سيبي الطبق بقولك!
تسحبه من بين يديه وهو لا يفلته:
-بطل غاخمة بقا ده أنت سئيل.
دفعها باستماتة:
-بيقولك أصلًا الأكل الكتير بيزود اللدغة.
صكت على أسنانها تدفعه بكتفها:
-ملاكش دعوة أنا عايزة لدغتي تزيد..
تصاعدت صوت ضحكاتٍ لفتاة صغيرة، وكانت تلك الضاحكة الصغيرة “تالين”، تشير عليهما وتنفجر في الضحك من جديد، فيما تتأفف نارين صارخة:
-عاجبك كده! أهي البقغة الضاحكة جات.
وفي أثناء إنشغاله بالنظر لتالين، سحبت نارين الطبق، وهرولت راكضة إلى المطبخ، تفترس من الطبق ما تشاء، حتى أدركت فادي ذلك وهرول خلفها:
-خدي يا بت يا حرامية.
وتالين تضحك!
اختبأت نارين بجسدها الممتلئ خلف يمنى، تهتف بخوفٍ:
-الحقيني يا ماما.
ويأتي هو محاولًا الإمساك بها من خلف يمنى التي ضحكت بمرحٍ:
-يلا يا شوية أطفال..
وقف فادي أمامها متخصرًا وهاتفًا بضيق:
-سرقت البقلاوة!
داعبت يمنى وجنتيه هاتفة بنبرة طفولية كما لو كانت تهدهد طفل:
-متزعلش يا كتكوتي كوتي، أعملك طبق غيره يا أبا.
ابتسم بسعادةٍ والتمعت عينيه بفرحة، فسحبته يمنى من كفه وذهبا إلى داخل المطبخ، فأخرج لسانه ليغيظ به نارين، التي ابتسمت له باصفرارٍ والتقطت قطعتين من البقلاوة وألقتهما في فمها تمضغهما بغلٍ.
وعادت تخرج إلى الصالة فإذا بها تصطدم بتالين التي لا تزال تضحك، وجوارها سارة تعبث بجهاز التحكم لتفتح التكييفات، فوقفت جوارها تمضغ البقلاوة وتقرمش بها هامسة:
-هي بنتك دي هتفضل تضحك على أي حاجة كده؟
هزت سارة رأسها بقلة حيلة وهي تضع جهاز التحكم على المنضدة وتضرب وركيها بيأس:
-والله ما أعرف يا بنتي، تقريبًا أنا مخلفة الچوكر.
رأتا الأخرى التي تشبهها تمامًا تسير في المنزل، تعبث بخصلاتها وتضع هاتفًا على أذنها تتحدث بسهتنة مع أحدهم، فشهقت نارين بإثارة وهي تأكل المزيد من البقلاوة:
-المايصة تالا بنتك، بتكلم غجالة!
1
اتسعت حدقتي سارة وشهقت بذعرٍ، تهرول إلى إبنتها التي تتجول في المنزل بدلالٍ، والتقطت منها الهاتف تنظر لشاشته بحاجبين معقودين بغضب، حتى رأت اسم فتاة، وضعته على أذنها تستمع لصوتٍ رقيقٍ آخر يهمس بكلماتٍ بالإنجليزية تارة، وبالعربية تارة أخرى، فأعادت الهاتف لإبنتها متنهدة براحة، فتسألها الأخيرة وتنظر لها ببراءة:
-فيه حاجة يا مامتي؟
ربتت على خصلاتها مبتسمة، ثم عادت تستدير إلى نارين،فإذا بها تسمع ضحكة رقيعة من إبنتها خلفها، فتستدير لها سريعًا جاحظة العينين بصدمة، ومن هنا هتفت نارين تشعلل الأجواء:
-بغافو يا ساغة، مخلفلنا غقاصة.
-غقاصة!
تمتمت بها تالين، وانفجرت في نوبة ضحكٍ من جديد.
هزت نارين رأسها يمنى ويسرى بيأسٍ متمتمة:
-بقالها ستاشغ سنة بتسمع اللدغة مني وفي كل مرة بتضحك! روحي اكشفي ع البت يا ساغة.
وسارة تقف في المنتصف، بين ابنتها الرقيعة، والأخرى الضاحكة بلا سبب، ونارين الشُعلة التي تُهدي شعلتها للآخرين على طبقٍ من ذهب! تحتار ماذا تفعل، سرعان ما رفعت رأسها للسقف تصرخ بيأس:
-يا رب ليه ابتليتني بـ6 مصايب أنقح من بعض!
جاءها صوت صغيرتها “فرح” من أسفل، فنظرت إليها لتجدها تهتف:
-سبعة يا ماما.
وهنا لم تجد سارة بُدًا من….البكاء!
***
أمام قاعة الأفراح، حيث الأضواء والأصوات العالية بالزغاريد والتصفيقات، وقف أمام القاعة يمتص آخر نفس من سيجارته ثم يُلقيها أرضًا داهسًا إياها بكعب حذاؤه الأسود الفاخر، وما كاد يدخل حتى أوقفه كف صديقه الذي جذبه من ذراعه جانبًا ومحذرًا:
-عباس، هدِّي اللعب وكفاية تهور لحد كده.
رفع عينيه الزرقاء، تشبه إلى حد كبير ذلك الصقر الذي يخشاه الجميع!
-خرّج نفسك إنت منها يا محمد.
دفعه وكاد يتخطاه فأوقفه مجددًا:
-مش هتنيل، اهدى واسمع اللي هتعمله ده أكبر غلط.
تنهد الأخير بحُرقة متحدثًا بمرارة:
-مبقدرش يا محمد، كل ما بشوفها معاه ببقا عايز أقوم أعجنه في بعضه وآخدها في حضني وأجري بيها!
رفع صديقه حاجبه بدهشة، يهز رأسه بعدم تصديق هاتفًا:
-ولا يا عباس! فوق يا حبيبي ده جوزها وإنت عايز تشقطها منه!
احمر وجهه بانفعالٍ هادرًا:
-ده مبرر يعني يخليها تكرفلي وتروحله!
1
تصاعدت دهشة صديقه عنان السماء وهو يهتف:
-ولا إنت أهبل! البت بتتجوز جوا!!!
وبنظرة كلها امتلاكٍ وجنون نظر لصديقه:
-كانت بتاعتي وراحتله، هطربقها فوق دماغهم وعليا وعلى أعدائي.
وسار بتلك النظرة الشريرة داخل القاعة، يقترب منهما، حيث يتراقصان على ألحان أغنية رومانسية، اخترق الصفوف ووقف أمامهما فقابلته نظرة مرتبكة مذعورة منها، ونظرة كلها تحدٍّ منه.
ابتسم باستفزازٍ لها:
-مبروك يا عروسة.
ونظر له:
-مبروك يا عريس…
صافحه واحتضنه هامسًا جوار أذنه:
-مبروك عليك الخازوق.
تحدٍّ..
نعم هو تحدٍّ بينهما، سرق هو فيه ما كان يمتلكه عباس..
تحدٍّ بدأ حين دخلت تلك الفتاة حياته..
فبطبعه الإمتلاكي قرر إمتلاكها، حتى أتى منافسه..
وسلبها منه..
-أنا سيبتها…بمزاجي!
ابتعد عنه يغمزه بخبثٍ، فضحك الأخير بتهكمٍ..
أشار عباس لذلك الذي يمسك المكبر فقذفه له، أمسكه عباس وتحدث فيه:
-ألو ألو واحد اتنين تلاتة…يا مساء الأنوار في فرح صاحبي الغالي عمرو ومراته منال، أطهر مخلوقة في الوجود، لا كانت تعرف رجالة قبله ولا كانت بتخرج تعط مع حد…
لطمت منال على وجهها بذعرٍ وهو ينظر لها بخبثٍ قبل أن يستطرد متسائلًا:
-بس فيه سؤال يطرح بلح بيدور في راسي لحد دلوقتي يا منال…وحمة كتفك الشمال شلتيها ولا لأ؟ أصلها كانت مضايقاكِ أوي، وكانت مضايقاني أنا كمان!
تعالت الشهقات والهمهمات، والنظرات بين عمرو وعباس تتصاعد بالشرار، في حين اقترب أبوها منها يناظرها بغضبٍ جم وعباس يكمل:
-العروسة منال المصونة…كانت مرافقة نص شباب الجامعة، يعني لا مؤاخذة…عروسة…بس عروسة بلاستيك.
استدار لها في لحظة مبتسمًا باستفزاز:
-أنا مبتسابش يا منال، أنا اللي بسيب!
وهنا انفجر والدها فيها ودوّر فيها صفعاتٍ وصيحاتها تتعالى والمعازيم يشهقون في صدمة، وعمرو يصرخ:
-آه يا إبن الكلب يا واطي..
ولكمة كانت في محلها لعباس، إلا أن والد العروس أخذها بدلًا منه حينما كان يؤدب ابنته وينعتها بـ “الفاجرة التي جلبت لهم العار”!
ابتسم عباس بنصرٍ وهو يرى تلك الفوضى التي عمّت المكان، وهتف في المايك:
-ربنا يوفق راسين في الحلال، سلامو عليكو.
وألقى المكبر أرضًا وتحرك خارجًا من القاعة، يضع يديه في جيبي بنطال الحُلة، يغمز لصديقه الذي قابله في طريقه، والأخير يناظره بصدمةٍ من قذارته! وذلك الصفير الذي يخرج من بين شفتيه يصدح في أرجاء المكان الفوضوي!
***
زفرت دُرة بحنقٍ وهي تنظر لساعة يدها، فقد أوشكت الساعة على الوصول للعاشرة مساءً وعريس الغفلة لم يأتِ بعد!
لحظاتٍ مرت عليها سنوات حتى جلس أمامها رجلًا ليس برأسه شعرة، يبتسم بحماسٍ:
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، آنسة دُرة؟
ابتسمت بمجاملة ونهضت تمد كفها إليه:
-أيوه يا فندم، أهلًا وسهلًا أنا دُرة.
ربت على صدره محييًا وهو ينكس رأسه:
-معذرةً، مبسلمش.
ضمت دُرة أناملها بحرجٍ، وجلست كما جلس..
-أنا فوزي العايق، دكتور جامعي في كلية آداب، عندي 38 سنة..
ابتسمت دُرة لهذا التقرير الذي لم تطلبه! وقالت بالمثل:
-أنا دُرة فهيم خريجة حاسبات ومعلومات، مبشتغلش لسه.
عقد حاجبيه بدقة:
-ناوية تشتغلي!
رمقته بغرابة:
-أكيد إن شاء الله.
هز رأسه نافيًا:
-آنسة دُرة، من البداية وباختصار أنا مبحبش زوجتي تشتغل.
ابتسمت بسعادة:
-يا سلام! ولا أنا بحب أشتغل موافقة طبعًا.
ابتسم برضا قائلًا باعجاب:
-واضح إننا هنتفق مع بعض أوي.
لا تنكر أنها أُعجبت في تلك اللحظة بتدينه وخُلقه الحميد وخصوصًا عدم قبوله لعملها! هي فتاة تعشق التدلل تكره الفتيات العاملات المدعيات للمساواة والفيمنست! فلتكن كما خلقها الله…أنثى تتدلل!
-بصي بقا، أنا راجل دُغري وأحب الصراحة، أنا هسكنك في بيت عيلة ده لو ميضايقكيش.
-لا خالص يضايقني إزاي، أنا دلوقتي برده عايشة في بيت عيلة عادي يعني.
تنهد براحة وتابع:
-كده الحمدلله، اتفقنا، بكره هنيجي نتقدم لحضرتك، نتعرف أكتر بقا…إنتِ ليكِ علاقات سابقة؟
عقدت حاجبيها بغرابة، لقد بدأ يُثير تعجبها!
-لأ خالص…
وبجدية استطرد:
-يعني لا ارتباط ولا خطوبة ولا غيره؟
لماذا تشعر أن هناك…خازوق!
-قولت لأ!
فابتسم براحةٍ وهتف:
-الحمدلله، كنت هقلق لو طلعتٍ مش تمام.
رفعت حاجبها بحدة:
-مش تمام!!!!!!
ضحك بخفة محرجًا:
-اعذريني بنات اليومين دول مش مضمونين، تخيلي يا آنسة دُرة كل عروسة يا مطلقة يا فسخت خطوبتها يا اتقرت فتحتها، كنت بدور على واحدة زي حضرتك كده زي ما بيقولوا لسه متبرشمة.
فغرت فاهها مصعوقة!
-متبرشمة؟!
أومأ مستطردًا:
-متبرشمة.
هزت رأسها ضاحكة ضحكة خفيفة بعدم تصديق:
-لا ده إنت جاي تشتري تلاجة بقا!
ضحك بعلوٍ مغمغمًا:
-مش معقول حضرتك دمك خفيف موت.
تحوّلت نظرات إعجابها لـ…اشمئزاز!
تنهد بعمقٍ:
-أصل الجواز بقا صعب الفترة دي أوي يا آنسة دُرة، مصاريف وشقق وجهاز وخشب ونجف، كل ده محتاج عروسة لسه بكيسها، عشان تستحق الحاجات دي.
-مينفعش تبقا ليها تجارب سابقة زي راجل نطع مثلًا وتستحق؟!
ابتسم ساخرًا:
-مفيش راجل نطع، الستات هما اللي ناقصات عقل ودين.
غلت مراجلها، وضمت قبضتها حتى كادت أظافرها الطويلة أن تنغرس بكف يدها، وإذا به يتابع:
-طبعًا إنتِ أكيد هتتحجبي قبل الخطوبة، أحبك تكوني حلوى مغلفة.
ضحكا سويًا، هو بمرحٍ وهي بأسنان تصتك:
-حلوى مغلفة ها؟!!!
رن هاتفه مقاطعًا جلستهم، فإذا به يجيب بما أثار شكوكها:
-أيوه يا أم قيس، لا يا أم قيس قولتلك نزول لمامتك لأ، عايزاكِ تجيلك من إمتى بتخرجي من البيت من غيري؟ نشوف الموضوع في بيتنا، السلام عليكم.
وأغلق الهاتف، ودُرة تناظره بفاهٍ فاغر متسائلة! فإذا به يقول بابتسامة مجاملة:
-معلش كنا بنقول إيه؟
رن هاتفه مجددًا ففتحه مجيبًا:
-السلام عليكم يا أم عبلة، أم عبلة أنا حذرتك من الموضوع ده مِرارًا وتكرارًا والدتي تخدميها انهارده وتباتي معاها تشوفي طلباتها..
ابتسم لدُرة باصفرارٍ وهمس في الهاتف بعيدًا عن عيني دُرة وهو يغطي فمه:
-انهارده مش ليلتك ده ليلة أم هيثم.
سرعان ما أغلق الهاتف معها تحت أنظار درة المرتابة، وما كاد يتحدث مجددًا حتى رن الهاتف فالتقطه مجيبًا بتعب:
-أيوه يا أم هيثم، لأ الأ…
وبعيدًا عن عيني دُرة همس:
-الأحمر هيكون رائع عليكِ انهارده.
وأنهى مكالماته ناظرًا لتلك المستغربة، يتحدث:
-معلش اعذريني، إخواتك في الله ربنا يحببكم في بعض، الموضوع متعب ولكن..
أشهر اصبع السبابة:
-بعون الله أقدر عليكم وأسكنك شقة فوقهم على طول
رفعت حاجبيها معًا تناظره بتساؤل وبسمة غبية:
-فوق مين معلش؟
وّضح بغرابة:
-التلات زوجات
كذّبت أذنها وسألته بغباءٍ:
-يطلعوا إيه التلات ورقات دول؟
فتح عينيه على وسعهما هامسًا بنبرة منخفضة:
-هو إنت متعرفيش؟
وسعت عينيها كخاصته وهامسة بنفس نبرته:
-لا معرفش!
أشهر أول ثلاث أصابع مبتسمًا بسماجة:
-أنا متجوز قبلك 3.
اتسعت عينيها أكثر هامسة:
-يا راااااجل!
أومأ متابعًا بذات البسمة المستفزة:
-وحضرتك هتبقى الرابعة إن شاء الله لما توافقي.
ضحكت بجنونٍ:
-احلف؟
هز رأسه ضاحكًا بمرح:
-والله.
وظلت تضحك عدة دقائق تحت أنظاره التي تحوّلت لمتعجبة! هل هي مريضة نفسيًا؟!
توقفت عن الضحك تمسح عينيها الدامعة وتهتف:
-يا ما شاء الله، وجايبلهم صحة منين يا أستاذ فوزي!
تنهد بانهاكٍ:
-ربك بيعين.
أومأت عدة مراتٍ:
-آه، ربي بيعين…
سرعان ما انتفضت تصفع الطاولة بكفيها صارخة مما لفت انتباه الجميع:
-بقا عايزني أبقا الرابعة يا راجل نص كم! وبتكلمهم قدامي يا معتوه! وقال إيه هجيبلك شقة فوقهم يا مهزأ يا حيوان..
التقطت حقيبها واستطردت:
-عايزني الرابعة؟ ليه هتكمل الفريق ولا نازل الدوري؟
نهض محذرًا:
-مسمحلكيش! اتكلمي باحترام أنا دكتور مرموق!
-بلا مرموق بلا مزنوق جاتك البلا في شكلك إنت واللي زيك، اخلع يالا من هنا..
ضمت قبضتها وهددته بلكمه فتراجع مذعورًا:
-اخلع بقولك بدل ما ما اديك بالشنطة في خلقتك، غووور.
هرول هاربًا من المكان هامسًا:
-دي مجنونة!
وارتمت دُرة على المقعد تمسك رأسها بتعبٍ، ونظرات الجميع تتجه لها بغرابة!
***
فردت شهد الأغطية على الفراش إستعدادًا للخلود إلى النوم، النوم الذي لن تذقه بعد ما عاصرته اليوم، وما رأته في عيني إبنها..
-فهد مشي ليه من غير ما يقول؟
رمقت زوجها بطرف عينها نظرة خاطفة، تُعيد ترتيب الأغطية هتفت باقتضابٍ:
-قالي إنه ماشي.
-ومقاليش ليه؟
قالها حانقًا عليه، فاعتلى ثغرها بسمة ساخرة:
-ويقولك ليه؟ إنت إديته إهتمام ولا حتى عبرته لما جيه؟ ده كل واحد فيكم سابه واقف في الصالة لا عارف يقعد ولا عارف يعمل حاجة!
-قصدك ملقاش الإهتمام اللي كان متوقعه بعد عملته.
ألقت الغطاء من يدها واقتربت تقف أمامه صارخة بشفتين مرتجفتين راغبتين في إطلاق شهقات البكاء:
-هو عمل إيه لكل ده؟ لولا إبني مكناش هنبقى مع بعض، لولاه العيلة دي مكانتش لسه موجودة!
تمدد رعد على الفراش مبتسمًا بسخرية:
-لولاه مكانش كل ده حصل…
نظر لها بنظرة مليئة باللوم والندم:
-مكناش خسرنا شريف.
اختنقت بعبراتها، فيما أعطاها ظهره وشرد، كانت هي تبكي وتنحب بصوتٍ مكتوم، تجلس على طرف الفراش متألمة!
***
جلست قدر على فراشها تتنهد بتعبٍ وإنهاك، ترفع ذراعها لتضعه على جبهتها وتفكر..
لماذا عاد!
الإبن الضال، بعد سنواتٍ من العذاب!
أليس هو من تخلى بدلًا من المرة ألف!
أليس هو من غدر وغادر!
زفرت بضيقٍ وهي تنزلق أسفل الغِطاء وكادت تنام، حتى فتحت هاتفها عند وصول تلك الرسالة إليها، فاعتلى ثغرها بسمة مُحببَة، وظلت تبعث الرسائل بمنتهى السعادة!
***
دخل شاهين الغرفة المُظلمة إلا من إضاءة خافتة مصدرها الحاسوب الخاص بزوجته الجالسة نصف جلسة على الفراش، وعلى فخذيها حاسوبها تعمل عليه، تغطى جزءها السفلي بغطاءٍ، وترتدي نظارة وتدقق النظر بما في يدها، تقدم منها، وفي كل خطوة كان يخلع شيئًا، سترته التي ألقاها أرضًا، ثم رابطة عنقه التي ألقاها في مكانٍ لا يدري ما هو، ثم أزرار قميصه حتى خلعه عنه تمامًا، حتى وصل إليها، فرفعت بصرها إليه بتعجب، فإذا به يحمل الحاسوب ويضعه على الكومود جوار الفراش، ثم يستلقي عليه، ويضع رأسه على فخذيها، فتبتسم بشفقة، حين سمعت زفرته المرتاحة، علمت كيف كان يعاني طوال اليوم، فمدت أناملها تهذب خصلاته وتداعبهما برفقٍ، لم تستطع أن تنحني وتقبّل جبينه لذلك العائق الكامن ببطنها، إلا أن لمساتها كانت كافية..
-مالك يا شهشوهتي؟
سألته بهمسٍ خافت، فسمعت تنهيدة أخرى حارة زفرتها أنفاسه، فأثرت الصمت؛ لأنه لن يجيب..
فتركته ينعم بالراحة، وينعم بأناملها التي تُبخر كل ذرة تعب، أو وصب في بدنه!
دق باب الغرفة، فتأفف غاضبًا، ينتفض جالسًا على الفراش صارخًا:
-مين الزفت اللي ع الباب!!
انتفضت الخادمة الواقفة بالخارج، وارتعدت فرائصها برعبٍ متلعثمة:
-سِـ…ستي فضيلة بتناديكم عشان العشا..
-مش طافحين، غوري من هنا.
قالها بنبرته الصارخة المُخيفة، فهرولت الأخيرة وكأنه نُجِدت من براثن الأسد!
عاد شاهين يلتصق بيُسرا في نفس وضعيته السابقة متمتمًا بتذمر:
-الله يقلقك قلقتي راحتي.
فضحكت يُسرا ضحكة مكتومة، وهي تراه كالطفل المتذمر، يتشبث بأمه، ويغضب عندما يحاولون نزعه منها، ويبكي عندما تبتعد عنه!
داعبت وجنته بعبثٍ:
-حبيبي التَعبان.
فابتسم براحةٍ وهو مغمض العينين، يتنهد ثانيةً بهدوء، زافرًا عنه تعبه، وألمه، وكل ما يجول بصدره ويعبث من غضبٍ أو إنفعال، فوجوده في أحضانها هو المُزيح آلامه، والمربت على قلبه، والمهدهد لأحزانه.
1
***
في ظهيرة اليوم التالي، رن الجرس مرتين متتاليتين، سرعان ما فُتِح له، وظهرت من خلفه إمرأة تصغره بالقليل من الأعوام، تحيط خصلاتها بحجابٍ أنيق لا يُظهر منها شعرة، تبتسم في وجهه ببشاشة، وترحب به هاتفة:
-أهلًا أهلًا حضرة الرائد، متأخر خمس دقايق يا أستاذ!
دخل هاتفًا بإرهاق:
-إمبارح كان يوم متعب أوي يا هدير، يدوبك روّحت الشقة استحميت ونمت طول اليوم حتى لا فطرت ولا اتغديت.
1
تحدثت بإبتسامة متسعة:
-ربنا يكون في عونك يا رب، إنت وبلال وكل اللي بيشتغل عشان يحمي البلد دي.
تمتم خلفها:
-آمين يا رب.
واستطرد متسائلًا:
-أومال فين حمزة؟
استدارت له قبل أن تدخل إلى المطبخ وأشارت على إحدى الغرف بالشقة:
-تعالى شوف يا سيدي، من ساعة ما جيبتله البلاي ستيشن وهو مبيقومش من قدامه، شكرًا يا فهد.
ضحك بعلوٍ وهو يتجه إلى الغرفة الموصد بابها:
-يعيش ويتمرقع حمزة البطل.
فسخرت هدير قبل أن تختفي في المطبخ:
-بطل أوي.
فتح الباب ودخل على الصغير المشاغب، الذي ما إن رآه حتى ألقى الدرع وهرول إليه صارخًا:
-فـــــــهــــــــد.
فالتقطته فهد بين أحضانه يضمه إليه بقوة ويحمله على ذراعه، يتشمم رائحته النظيفة ويغمض عينيه متمتعًا بذلك الدفء الذي غمره فجأةً، ابتعد عنه الصغير يستند بكفيه على منكبي فهد هاتفًا بسعادة غامرة:
-مش هتصدق أنا بقيت بعرف ألعب بلاي ستيشن كويس جدًّا.
اتسعت عيني فهد بدهشة زائفة:
-بجد! إيه الشطارة دي! طب علمني بقا أصلي فاشل فيه أوي.
أنزله، فهرول الصغير يجلس على الوسائد الموضوعة أرضًا، وجلس فهد بجانبه، وتناول درعًا، وراحا يلعبان سويًا، بقهقهات الصغير المنتصرة، وتذمر فهد الزائف بكونه فشل! فهو لم يفشل ولن يفشل، هو فقط يتعامل مع الصغير بطريقته..
-الله الله…ده إحنا قولنا إنت اللي هتيجي تخرجه من الأوضة جيت قعدت معاه!
قالها بلال مرحًا وهو يستند بكتفه على إطار الباب، فنظر له فهد نظرة خاطفة، وعاد ينظر للشاشة أمامه مبتسمًا بعبث:
-بنتعلم من المعلم.
تعالت ضحكات بلال المرحة، تزامنًا مع خروج هدير من المطبخ قائلة:
-العشا جاهز..
ألقى فهد الدرع وانتفض ناهضًا، فمنعه حمزة بقوله المتذمر:
-قومت ليه!
غمزه فهد مشاكسًا وهو يفرك بطنه بجوعٍ:
-الخزان فاضي عايزين نملاه.
فتابع الصغير اللعب هاتفًا بعناد:
-خزاني مش فاضي ومش هقوم أملاه.
ضيّق فهد عينيه بمكرٍ:
-بقا كده؟
ثم انحنى بلمح البصر فخطف الصغير حاملًا إياه على كتفه، والأخير يضحك بسعادةٍ ومرح:
-يبقا نملاه بالعافية.
وخرج به إلى الخارج، واضعًا إياه على إحدى المقاعد، ناظرًا إلى المائدة الشهية عاليًا بنبرته:
-أول مرة أشوف مائدة رحمن ع العَشا.
جاءه صوتها من الداخل:
-أديك شوفت، بطل تنمر واقعد كُل.
أشار على المائدة ملتفتًا لصديقه القادم خلفه:
-تقريبًا مراتك هتغديكو باقي الأسبوع بواقي.
اعتلى ثغر بلال بسمة ساخرة هامسًا:
-متعودين.
كاد فهد أن يجلس ويتناول طعامه، حتى منعه بلال، هامسًا له بصوتٍ منخفض:
-صقر هينزل العملية آخر الأسبوع.
-آه ما أنا عارف، يارب يفلح الواد ده مبوظلنا هيبتنا وسط الإرهابيين والجواسيس.
ازدرد بلال لعابه بتوجسٍ قبل أن يفجر القنبلة في وجهه:
-وأنا نازل معاه!
تشنجت كف فهد قبل أن تصل إلى فمه بشريحة البطاطس المقرمشة، ونظر لصديقه بذهولٍ صارخًا بإنفعال:
-نهارك أسود!
تساءلت هدير بتفاجؤ:
-فيه إيه!!
تدارك بلال الموقف هادرًا:
-مفيش يا حبيبتي بنهزر بس.
لكزه في كتفه بانزعاج:
-وطي صوتك!
سحبه فهد بعيدًا عن المائدة حتى لا يسمع الصغير أو تنتبه هدير، وحدقه بنظرة غاضبة شرسة:
-إنت اتجننت يا بلال! نازل فين!
-مش هسيبه لوحده يخربها يا فهد! دي مسألة حياة أو موت! العملية دي لو فشلت الداخلية كلها هتقلب فوضى.
ابتسم الأخير بعصبية:
-مش أحسن ما تروح إنت وتقلب البلد كلها فوضى!
ربت بلال على كتفه مبتسمًا بإطمئنان:
-متخافش، مش هيحصل حاجة هتعدي على خير بإذن الله.
نفض فهد كفه هامسًا بإنفعال:
-خير؟! هيجي منين الخير وإنت رايح ترمي نفسك في حضن العدو! ما الزفت اللي إسمه إياد رايح!
تأفف بلال بضيقٍ، ثم عاد يقول:
-إنت بنفسك قولت إن إياد ده مسوأ سمعتنا، مش هقدر أسيبه يمسكها لوحده ويسوحنا كلنا! وبعدين أنا أقنعت اللوا جمال بالعافية إني أخش معاهم.
1
عض فهد شِفته السفلى بوعيد، يرمقه بنظرة شريرة قبل أن يقول:
-اللوا جمال! عشان حماك يعني! هي ناقصة واسطة! مش كفاية إياد الزفت داخلنا بالكوسة ومطلع ميتين اللي جابونا!
ناظره صديقه بلومٍ:
-فهد! متندمنيش إني قولتلك!
صاح في لحظة سهوٍ بصوتٍ عالي:
-قولت…
فحذره بأن جحظت عينيه بتحذير، فأخفض فهد نبرته هامسًا من بين أسنانه:
-قولتلي بعد الهنا بسنة! العملية بعد بكرا يا بلال!
لم يُجبه، فقط تابع إنفعالاته بقلقٍ، رآه يشد على خصلاته بجنونٍ، ثم يستدير له هاتفًا بعقلانية:
-تمام ماشي، أنا كمان من بكرا هقدم طلب نقلي معاكم.
-مينفعش!
وبضيقٍ هدر:
-يا سلام يا أخويا! حلال ليك وحرام ليا ولا إيه!
وللمرة الألف يحذره:
-وطي صوتك هدير متعرفش!
-ومش حرام عليك تُغدر بالغلبانة اللي جوا دي وفُرقع لوز اللي قاعد ده!
قاطع حديثهما دخول هدير تحمل بين يديها مقلياتٍ هاتفة بينما ترمقهما بغرابة:
-مقعدتوش ليه!
ابتسم لها بلال:
-منقدرش ناكل والقمر مش موجود.
ابتسمت بخجلٍ حتى توردت وجنتيها، بينما جلس فهد جوار صديقه الصغير، جلس مكفهر الملامح مقطّب الجبين، لا يأكل، فناظرته هدير بتساؤل:
-مبتاكلش ليه يا فهد!
رمق صديقه بطرف عينه نظرة جانبية حانقة قبل أن يتوجه ببصره إليها مبتسمًا بسماجة هاتفًا:
-بحاول أستوعب هنام إزاي إنهاردا والأكل ده كله في بطني.
ضحكت بتفكهٍ وهي تناول زوجها رغيفين من الخبز:
-ابقى فكرني أديلك فوار وإنت ماشي.
لم يهتم بحديثها..
بقدر ما اهتم بتبادل النظرات الخفية مع صديقه الذي كان يبلع الطعام كأنما يحاول بلع غُصة!
***
-تحب تاخد الخضرا ولا الحمرا؟
أشارت على قطعتي علكة كانت على الطاولة الصغيرة أمامهما، تنظر له بحذرٍ تنتظر إختياره، فإذا به يُقلِّب عينيه باستخفافٍ هاتفًا:
-طنط شهد أنا عندي 15 سنة، مش طفل هتاكلي عقله بلبانتين!!!
زمت شفتيها بحنقٍ رادفة:
-إنت اللي غتت ودمك تقيل..
التقطت العلكتين ووضعتهما بفمها دفعة واحدة هاتفة بشماتة وفمٍ ممتلئ ومكور بهما:
-متستاهلهمش.
زفر بمللٍ وأشاح بعينيه عنها، وخلفهما تروت سارة في السير وهي تحمل بين يديها طبقًا كبيرًا به شتى أنواع الفاكهة، تبتسم بحنانٍ وتضعه أمام الفتى، تتلاعب بخصلاته الناعمة المنسدلة على جبهته فيتأفف متضايقًا:
-كُل يا جَوَاد متتكسفش يا حبيبي إحنا زي خالاتك.
وباندفاعٍ أردف:
-أنا لا مكسوف ولا نيلة، لو تسيبوني في حالي وتبطلوا شغل الأطفال دا أنا هبقى مرتاح.
عقدت سارة حاجبيها بعصبيةٍ متمتمة:
-إيه الواد السافل دا!!!
1
سمعها ولكنه فضّل التجاهل عن أن يُعطيها أكثر مما تستحق _كما يرى هو_..
تبادلت هي وشهد النظرات بضيقٍ هاتفة:
-الله يرحم أيام ما كنا هوانم محدش يستجري يكلمنا ربع كلمة، يجي عيل فسل زي دا يعمل فينا كدا؟؟
أومأت شهد بتحسر، قائلة:
-آه والله فاكرة يا بت يا سارة نيرڤانا؟؟
1
ضحكت سارة بعلوٍ مجيبة:
-ودي حاجة تتنسي، يالهوي، كانت ذكريات، زمانها عايشة حياتها ومبسوطة بعد ما ربينها من أول وجديد.
وضحكتا، ثم في لحظة تذكرتا الماضي..
والبهجة التي نشرها اثنين ماتا في لحظة غدر..
تمتمت كلا منهما في آن واحد:
-الله يرحمهم ويرحم موتانا جميعًا.
تنهدت سارة بقنوط:
-الله يرحم بابا وماما وطنط نغم وجدو هابي و…
توقفت وهي تنظر لسيف بتوجس فأكمل لهما بهدوءٍ:
-وجدو شريف.
1
ذلك الرجل الذي منذ وفاته ولم يسمعا صوتًا للفجر..
الفجر الذي دحضه موت آخر سلب منه الحب…والعوض..
منذ وفاته وقد أضحت الفجر مدلهمًا..
أصبحت قعيدة، وصامتة دومًا…
ربتت شهد على كتفه برفقٍ:
-هو في حتة أحسن أكيد يا جواد.
هز منكبيه بلا مبالاة:
-أنا مقولتش حاجة.
جزت سارة على أسنانها بسُخطٍ هاتفة:
-بس انت كنت متعلق بيه وانت صغير.
ناظرها بسخرية:
-الكلام دا من حداشر سنة..
وعاد يشيح ببصره عنها ناظرًا للفراغ:
-دلوقتي أنا كبرت..
زفرت بحنقٍ متمتمة:
-أمك هتيجي تخلصنا منك إمتى بقا يا أخي..
لفت نظرها مجيء زوجها، وارتداؤه لحُلة سوداء مظبوطة عليه، وقد صفف خصلاته البيضاء بشكلٍ أنيق، لوت شفتيها بضجرٍ، وعلت بنبرتها تخبره بسخرية:
-أستاذ توم كروز، رايح فين؟
ابتسم لها ببشاشة، اتجه لهم وعبث بخصلات سيف ااذي تململ بعدم راحة وضيق، وجلس جوار زوجته مقبّلًا وجنتها بخفة هاتفًا بابتسامة لطيفة:
-قلب توم كروز، كنت رايح الشركة.
ضيّقت عينيها بشكٍ، تتفحص هيئته من أعلاه لأسفله، تعاود سؤاله بشكٍ أكبر:
-رايح الشركة ومتشيك الشياكة دي كلها؟ ليه رايح شركة فاشون؟؟
قهقه بسماجةٍ رادفًا بينما يقرص وجنتها بإصبعيه:
-عسل يا سو، لا يا حبيبي أخوكِ قالي فيه إجتماع مهم، قولت لازم أتشيكله يعني..
زمجرت بشكٍ تصاعَد، ونظرت لشهد التي ترمي نظراتها عليهما بعدم راحة، فقالت لها:
-أقطع دراعي إن ما كان رايح يخونك.
1
اتسعت حدقتيه هاتفًا بدهشة:
-أخون مين الساعة اتنين الضهر!! ما تخليكِ محضر خير يا شهد..
أشارت شهد عليه مبتسمة بثقة:
-شوفتِ؟ متوتر، خايف…يبقى أكيد فيها ست، وشكلها ست حلوة…ومسيطرة.
زمجرت سارة بهتافٍ حاد مُحذِّر يُطالب بالتبرير الآن:
-يـــــــــــــامن!!
انتفض الأخير ذعرًا ونظر لها بتوجس مجيبًا بصوتٍ خافت وخائف:
-نعم؟؟
تحوَّلت نظرتها إلى الجدية الشديدة وهي تسأله بصرامة:
-رايح فين يا يامن؟؟
كرر إجابته بهلعٍ يتفاقم:
-والله رعد كلمني قالي آجي، لو..لو مش مصدقة كلميه!
رن جرس الباب، فانتفض جواد هاتفًا بتأهب بينما ينهض متجهًا للباب:
-ماما جت..
وبدلًا من أن يسمح لإحدى الخادمات بفتحه، سارع لفتحه، وما إن رأى أمه حتى هتف ببرود:
-اتأخرتي ليه؟؟
اتسعت بسمتها اللطيفة على ثغرها الصغير، وأعادت خصلة من شعرها الطويل خلف أذنها، ناظرتها بعينيها البنيتين الحادتين هاتفة بحبٍ بينما تنثر خصلاته الناعمة وتتلاعب بها:
-آسفة يا حبيبي كنت مع أريچ في البيت مستنين أستاذ ثروت عشان الدرس.
أومأ عدة مراتٍ، ورفع سماعات الرأس إلى أذنه هاتفًا:
-هستناكِ برا..
تخطاها وخرج من القصر بتروٍ، حدقت فيه بشرودٍ وهو يتحرك أمامها، ثم تنهدت بقنوطٍ واستدارت تنظر للجالسين بابتسامة شاكرة:
-عاملين إيه؟
ابتسمت شهد في وجهها بسمة حنون هاتفة:
-الحمدلله إنتِ أخبارك إيه؟؟
اومأت عدة مراتٍ وتمتمت بالحمد، في حين أردفت، سارة بنزقٍ:
-دارين، نصيحة مني ربِّي إبنك!
حدجتها شهد بنظرة مميتة، فتأففت الأخيرة بغيظٍ، حتى قالت دارين بنبرة آسِفة:
-معلش يا سارة، امسحيها فيا لو جواد كلمك بطريقة مش لطيفة أو اتعامل معاكم بقلة ذوق، صدقيني بحاول معاه بس مش عارفة أوجهه، حتى إنه بيتعامل معايا كدا برده، ومع أخته.
هدرت سارة بتعصبٍ:
-يا دارين إبنك عايز أبوه، أبوه بس هو اللي يقدر يربيه ويعرفه الصح من الغلط، هو اللي يقدر يوجهه ويتعامل معاه، إنتِ مهما كان هتكوني أمه اللي متعود عليها ومبيخافش منها، أبوه حاجة تانية!!
حذرتها شهد من التمادي بأن قالت:
-ســـارة!!
أشاحت بكفها في لا مبالاة:
-بلا سارة بلا بطيخ بقا، خليهم يفوقوا من اللي هما فيه ويربوا ولادهم.
1
ووقفت دارين متجمدة، بجسدٍ صلب، شفتيها تهتزان وترتجفان بتوترٍ، ازدردت ريقها تبلل به حلقها الجاف، وابتسمت في وجوههم هاتفة قبل الرحيل:
-سلمولي على رعد ويمنى وزهد، والعيال كلهم..
ودعتهم واستدارت لترحل، مبتلعة الحديث السابق بصعوبة، تتنفس بعمقٍ لعل ذلك يزيل إختناق صدرها، ولم…يُزال!
رمقتها شهد بنظراتٍ حانقة:
-لازم يعني كلامك اللي يسم البدن دا يا سارة؟ أدي أخرة قُعادك مع يمنى.
تأففت الأخيرة وعقدت ذراعيها بضيقٍ:
-أهو اللي حصل، وبعدين لازم أفوقها، خناق وقلنا هيتصافوا، زعيق وقولنا ماشي، طلاق وقولنا متفقوش مع بعض، لكن كل واحد فيهم في بلد والعيال متشحططين بينهم لأ، أريچ وچواد ميستاهلوش اللي دارين ورائف بيعملوه.
تنهدت شهد بقنوطٍ:
-جوازهم السريع هو السبب، مسابوش فرصة يتعرفوا على بعض.
أومأت سارة متفقة مع حديثها تمام الإتفاق، تشرد ببصرها في نقطة وهمية، وتهمس:
-ربنا يرحمها قدر، هي الوحيدة اللي كانت شايفة جوازهم السريع مشكلة.
1
وعند ذكر الموتى…
خيَّم الصمت على المكان.
***
في السيارة حيث دارين تتحرك بها صوب المنزل وجواد بجوارها ينظر أمامه بشرود، سمعها تهتف ببسمة خفيفة:
-عملت إيه انهارده عندهم بعد المدرسة؟ لعبت مع فارس وإسلام؟
زفر بمللٍ:
-هلعب معاهم يعني إيه! أنا مش عيل صغير على فكرة!!
حادثته بهدوءٍ:
-مش قصدي يا جواد، يعني هما من سنك وإنتو في نفس المدرسة أكيد بتفهموا بعض وكده.
استند برأسه على ظهر مقعده:
-أنا لا عايز أفهم حد ولا نيلة ومعدتش عايز أروحلهم أصلًا!
زفرت دارين بنفاد صبرٍ، وأكملت طريقها في صمتٍ..
فيبدو أنها فشلت في تربيته، يبدو أيضًا أنها فشلت في أن تكون أمًا كما فشلت في كونها زوجة!
وصلا أسفل العمارة القاطنين في إحدى شققها بالإيجار الذي يدفعه طليقها، طليقها الذي لا يرى أطفاله إلا كلما أراد، يومًا في الشهر ربما! فسفرياته ومزرعته وكذلك الفتيات أهم..فتلك هي هوايات
“رائف الجندي”..
1
فتحت باب الشقة فاندفع جواد للداخل وصفع باب غرفته، فانتفضت دارين مجفلة، وتنهدت بضيقٍ تغمض عينيها وهي تفرك بينهما بتعبٍ وتُزيح خصلات من شعرها الأشقر الطويل خلف أذنها..
طرقاتٍ على الباب متتالية جعلتها تستدير لتفتحه مجددًا، فإذا بها ترى آخر من تريد رؤيته!
فغرت فاهها بصدمة، وهمست بتوجسٍ:
-إنت!
انفعلت وصرخت:
-إنت إيه اللي جايبك هنا!
دفع الباب واقتحم الشقة، ارتمى على الأريكة يرفع ساقيه على الطاولة أمامه، ينظر لها ببسمة عابثة هاتفًا:
-فيه حد يعامل جوز بنته كده!
جُنت، وهدرت:
-إنت مش جوزها…اطلع برا.
هز رأسه عدة مراتٍ بيأس:
-تؤتؤتؤتؤ، كده يا حماتي! هو ده إكرام الضيف عندكم؟
صرخت دارين بنفاد صبرٍ وغضب:
-جاي ليه؟ جاي عايز إيه يا عز الدين!
1
وأخيرًا وقف بقامته الطويلة المشدودة، واضعًا بده في جيبي بنطاله ناظرًا لها بصلابةٍ قائلًا بجمود:
-عايز حقي
أشارت على خارج الشقة وبعنفٍ هدرت:
-ملاكش حقوق عندنا، اطلع برا بدل ما أطلبلك البوليس..
هز منكبيه بعدم إكتراثٍ وزم شفته السفلية:
-اطلبيه، قوليلهم واحد نصبت عليه وجاي ياخد حقه مني، وشوفي بقا….مين فينا اللي هيتسجن.
ضحكت ضحكة خفيفة غير مصدقة:
-إنت هتكدب الكدبة وتصدقها ولا إيه! إنت ملاكش حقوق هنا، ولآخر مرة هقولك برا..
ابتسم باستفزازٍ وهو ينحني لقامتها الضئيلة هامسًا بأنفاسه اللاذعة أمام وجهها منفثًا بكراهية عن تلميحاتٍ سخيفة:
-ومش عايز حقي وبس يا مدام دارين، أنا عايز حقي…ومراتي!
صرخت تلك المرة بانفعالٍ وهي تدفعه في صدره ليبتعد:
-مراتك في عينك، مهياش مراتك يا عز، ده لما تعض قفاك!
نظر خلفها لتلك الواقفة ترتجف رعبًا مختبئة خلف العمود تناظره بحدقتين تهتزان هلعًا، فيبتسم باصفرار صارخًا:
-ايه يا روچا، مش عايز تروحي مع جوزك ولا إيه! لأ كده نزعل من بعض، ده إحنا متفقين نجيب أربع عيال!
وكزته دارين في صدره محذرة:
-إنت عايز مننا إيه! مش كفاية اللي عملته؟! خدت حق أبوك من بنتي وارتحت؟
ابتسم ساخرًا، وعاد بهمس بذات النبرة الكريهة:
-انا لسه معملتش حاجة، انا كنت بسخن بس، لسه الماتش مبدأش، وصدقيني المكسب ليا، انتي وبنتك وابنك وكمان جوزك، كلكم هتدوقوا من نفس الكاس، أمي وأبويا حقهم راجع راجع يا دارين هانم، وبلغي جوزك بالكلام ده
أشار للفتاة بكفه بالوداع، يغمزها بمكرٍ جلي:
-سلام يا روچا، كلها كام شهر وأجي أخدك أول ما تخلصي إمتحاناتك، البنت ملهاش غير بيت جوزها برده، ولا إيه؟؟
ضحك بصخبٍ حين رآها تهز رأسها نافية برعب، وغادر الشقة وهو يصفر ببرودٍ، فصفعت دارين الباب خلفه ووقفت تستند عليه بظهرها بجسدٍ يرتجف، هرولت الفتاة إليها لتحتضنها دارين أسفل ذراعها، فهمست أريچ بذعرٍ وهي ترتجف:
-ماما، إنتِ مش هتسيبيه ياخدني صح؟ ماما صح؟؟؟
أغمضت دارين عينيها تعتصرهما بألمٍ..
فلا زالت أخطاء الماضي تُطاردها حتى بعدما تركت الجميع وانعزلت..
فأخطاءنا لا تُمحى..
وماضينا لا زال يلاعبنا بوضاعة ومكر…
____________


