روايات رومانسية

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الخامس 5 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الخامس 5 بقلم تقي حامد 

سلامًا على قلوب تركتنا..
سلامًا على أجساد هجرتنا.
____________
خرج فكرت غيث من المكتب، يودع رعد بعد نقاشٍ طال، وشهد وآيات تقفن جوار الباب تنتظران، ما إن غادر فكرت تمامًا هرولت شهد لزوجها تسأله بقلق:
-قالك إيه؟
ناظرها بصمتٍ دفين ونظرة ثاقبة، وأردف بهدوء:
-متقلقيش كان بيراجع معايا شوية ورق.
اندفعت آيات تهدر:
-أنا سمعته جاب سيرة جيهان!
اتسعت حدقتي شهد هادرة:
-جيهاااان!!!!
-اسمها متقالش خالص، اقفلوا ع السيرة كأنكم لا سمعتوا ولا شفتوا حاجة، سامعين؟
قالها بحدة، وعاد للمكتب يغلق ضرفتيه في وجههما، بينما نظرت آيات لشهد، وهمست الأخيرة بتنهيدة مرتجفة:
-ربنا يستر.
فيما قالت آيات بخوف:
-هي ممكن ترجع تاني؟
انفعلت شهد تصرخ:
-ترجع فين إنتِ متخلفة! إشحال ما كانت خارجة متفحمة قدامنا.
4
قضمت آيات أظافرها بعدم ارتياحٍ، بينما زفرت شهد وسارت بعيدًا.
***
ترجلت قدر من السيارة وكذلك نارين، ترمق مؤمن بنظرة شرسة ناقمة، سارت وخلفها نارين التي هتفت بحماسٍ:
-البودي جاغد ده چنتل أوي بيفتحلنا باب العغبية.
1
جزت قدر على أسنانها هامسة بتوعد:
-متتحمسيش أوي، مهواش مطول.
زمت نارين شفتيها بحنقٍ، وفي طريقهما للدخول تلاقيا مع عروسة الباربي التي لا يمقتا سواها…
شاهندا عسكر، خطيبة أخيهم، وأكثر فتاة مكروهة في العائلة..
-هاااي رورو، هاي ناري.
زفرت قدر بضيقٍ وهي تدير عينيها في محجريهما بنفاد صبر، ترتدي قناعًا باسمًا باصفرار وتهتف:
-هاي شاهي.
قبلت شاهندا قدر بطريقتها المصطنعة، قبلتين في الهواء على جانبي الخد دون تلامس، وفعلت المثل مع نارين، وابتعدت تقيّم نارين بأعين مذهولة:
-OMG!
نارين! إنتِ تخنتِ تاني!!!
1
عضت نارين على شفتها السفلية مجيبة:
-لأ، ده عز.
قهقهت شاهندا قهقهتها البطيئة المتدللة باصطناع، آهٍ كم تكرهها نارين!!!!
-سو كيوت، لما بتتعصبي خدودك المبقلظة دي بتحمر.
أغمضت نارين عينيها محاولةً لتهدئة النيران المشتعلة في صدرها، وقدر تتابع تلك المبارزة بتسلية، إلى أن أردفت نارين بجدية:
-قوليلي إيه الفرق بينك وبين البطة!
عقدت شاهندا حاجبيها بتعجبٍ من سؤال أخرق كهذا، ولكن أجابت بتفاخرٍ:
-أنا أجمل.
هزت رأسها نافية ببسمة واسعة:
-طبعًا لأ، البطة بنـدبحها في أي وقت، إنتِ ممكن ندبحــك ع العيد…الكبيغ تحديدًا.
جذبت ذراع قدر وتحركا للداخل:
-يلا يا قدغ.
كتمت قدر ضحكتها وهي تدخل مع أختها، بينما بقت شاهندا واقفة لبرهة تستوعب أنه تم سبّها!
وهرولت خلفهما غاضبة تتساءل عما قالا! وأثناء دخولها كادت تصدم سارة التي شهقت متفاجئة وتراجعت خطوتين للخلف بعدما كادت ترشق بها:
-ما تفتحي يا بنتي!
-هاي أنط سارة.
مصمصت شفتيها هاتفة بامتعاض:
-وعليكم الهاي يا أختي.
أشارت شاهندا لتالا التي كانت تمر خلف سارة تحمل بين يديها كوب من العصير:
-هاي تالا.
رمقتها تالا بازدراءٍ، وتجاهلتها وهي تتجه للجلوس مع أشقائها أمام التلفاز، كما فعلت شاهندا التي وقفت أمامهم تبتسم:
-هاي يا شباب.
1
زفر إسلام بحنق متمتمًا:
-أهي الآنسة شاهندا هاي وصلت.
صرخ غاضبًا عندما هزمه يزيد في لعبة البلايستيشن المعروضة على الشاشة الكبيرة:
-يا عم بطل غش بقا.
هز يزيد منكبيه بلا مبالاة:
-محدش قالك تبصبص ع الستات.
انتفض ساجد واقفًا وهو يقترب منها مبتسمًا ببلاهة، يمسك كفها ويديرها حول نفسها مصفرًا بإعجاب وهاتفًا:
-بسم الله ما شاء الله، حتة قشطة لسه متشالة من على وش اللبن.
قهقه يزن قائلًا:
-طب براحة ع القشطة عشان محجوزة.
التفت له ساجد متعجبًا:
-متقوليش إن المزة دي خطيبة الواد نور!!
-هي خطيبة الواد.
عاد يلتفت لها متحدثًا بانبهار:
-الباربي دي، خطيبة الجلنف اللي اسمه نور ازاي!
وما هي إلا لحظة ضحكت فيها شاهندا ضحكة قصيرة متدللة، بترها صرخة ساجد بعدما صفعه نور على قفاه قائلًا:
-لم نفسك.
اقتربت منه شاهندا تقبل خده هامسة:
-ازيك يا حبيبي.
ابتسم بخفة:
-ازيك إنتِ.
1
عاد ساجد يجلس جوار يزن وهمس له:
-الحق يالا ده بيسبلها!
-يالا!
صفعه على قفاه:
-أنا أخوك الكبير يا حيوان.
فرك ساجد قفاه صارخًا بقهر:
-لا دي مبقتش عيشة بقا!!!
2
***
دخل فهد المكان مستعدًا لأي شجارٍ كان، مستعد أن يقتل ذلك المدعو إياد صقر بيديه العاريتين..
ويا ليته ذكر سيرة مليون جنيهًا..
-إيه يا عم فهد! خلصت المهمة من هنا وخلعت من هنا ولا شوفنا وشك.
صك فهد على أسنانه مستديرًا لذلك السمج، صاحب الشارب الطويل الأشبه بالقرموطي، المصاب بصلعٍ وراثي جعل شعره يزحف شيئًا فشيئًا للخلف، يبتسم له تلك البسمة السمجة كوجهه، ويضع يديه في جيبي بنطاله الأبيض كدنچوان عصره، رمقه فهد من أعلاه لأسفله مشمئزًا، وسأله ناقمًا:
-إنت مش فردتلنا صدرك وقولت هنزل المهمة وسيبوا الطلعة دي عليا وعملت فيها أحمد عز! فين فتحة الصدر دي بقا دلوقتي!
2
ابتسم الأخير باصفرارٍ:
-يا عم المهمة دي قليلة على واحد زيي كانوا بيأكلوه تعابين، أنا متعود ع البهدلة مش عايز أروح عشان مجرحش مشاعر الزُملا، وخصوصًا صاحبك ده اللي اسمه بلال، مهمة زي دي صغيرة جدًا عليا.
وصوت بلال من خلفه يأتيهم هادرًا:
-لا والنبي متسيبنيش أروح لوحدي..
اقترب منهم وواجه إياد بخشونة:
-أصلي ممكن اغرق في شبر ماية من غير وجودك معايا يا إياد باشا.
عدّل السمج ياقته باغترارٍ:
-عشان تعرف قيمتي في أي مهمة.
جز بلال على أسنانه وانتفض يجذبه من ياقة قميصه صائحًا بغضبٍ:
-إنت هتستعبط يالا! يعني إيه تعتذر عن المهمة؟ فاكرنا رايحين دريم بارك يا روح أمك!
أمسك فهد ذراع صديقه يمنعه بترفقٍ، بينما قال إياد بصوته المستفز:
-الله الله الله الله، فيه إيه يا سيادة الرائد نزل إيدك كده واعرف بتتكلم مع مين
زاد بلال من قبضته وفهد يحاول إبعاده:
-عارف، بكلم واحد فاشل داخلنا بالكوسة ومطلع عين أهلنا بس وحياة أمي يا إياد الكلب لا أقتلك، هقتلك سامعني؟
أبعده فهد بصعوبة هامسًا له:
-اهدى يا بلال مش كده.
-هقتله يا فهد، هموته الكلب أبو شنب القرموطي ده هقتـــــــــــــله.
1
-ثابت يا افندي منك ليه.
صوت جهوري جعلهم ينتصبوا واقفين بجسدٍ مشدودٍ متأهب، تحرك اللواء واضعًا ذراعيه خلف ظهره برزانة ووقف أمامهم قائلًا بصلابة:
-قدامي على المكتب يا حضرات.
تحدث بلال معترضًا:
-يا فندم بس…
قاطعه اللواء صارخًا:
-قولت قدامي
تحرك بلال يليه فهد الذي رمق إياد بشرٍ، وتحرك إياد خلفهم بتعابير وجهٍ خرقاء حانقة..
دخلوا المكتب وحضر اللواء جالسًا على مقعد مكتبه، متحدثًا بلهجة رسمية جامدة:
-أولًا، تجهزوا عشان المهمة.
اعترض إياد قائًا:
-بس يا فندم..
قاطعه بحدة:
-إنت وبلال، هتروحوا المهمة، وقسمًا عظمًا يا سيادة المقدم لو العملية دي باظت بسببك لا أكون مديك طلقة في نص نافوخك، وبنفسي! سامع؟!!
زفر إياد حنقًا وتمتم:
-مفهوم يا فندم
-مش سامع.
علا بنبرته:
-مفهوم يا فندم
نقل بصره لفهد متحدثًا:
-وإنتَ، في نفس يوم العملية لا عايز أشوفك ولا أسمعلك صوت، وبالنسبة لقرار نقلك اللي قدمته..
ناظره بلال بطرف عينه متوعدًا، فتابع اللواء:
-مرفوض.
صرخ فهد منفعلًا:
-إيه؟! مرفوض ليه؟!
-انتباه يا سيادة الرائد.
عاد ينصب جسده ويشد قامته يعض على شفته السفلية كابتًا غضبه، فيما تابع اللواء:
-دي مش شغلتك، الطلب مرفوض.
نظر لهم نظرة أخيرة جميعًا وأشار للباب:
-اتفضلوا.
اعترض فهد:
-بس يا فندم أنا كنت بقول إن المقدم صقر يقعد وأنا أروح مكانه ويبـ…
وللمرة التي لا يعرف عددها قاطعه:
-أنا قولت اللي عندي، اطلعوا برا.
زفر فهد حنقًا، وخرج خلف صديقه وتبعهم إياد، وأثناء خروجهم وبخه بلال صارخًا:
-بتصيع عليا يا فهد؟ بتبعت طلب نقلك المهمة من ورايا؟ فاكرني كروديا يالا بتستأفني!
-أنا قولتلك هقدم طلب نقلي مش مشكلتي إن الدنيا هنا ماشية بالكوسة يا صاحبي!
كاد بلال ينعته بأقذع الألفاظ، لولا رنين هاتفه الذي أخرجه ووضعه على أذنه ليأتيه صوت هدير الغاضب وصياحها، فصرخ فيها غاضبًا:
-هدير مسمحلكيش تعلي صوتك عليا أنا مش ناقصك!
ثم خفتت نبرته هامسًا بترجٍ:
-طب وطي صوتك دلوقتي متزعقليش قدام حمزة.
1
سمعها وتحدث:
-حاضر يا حبيبتي هعملك اللي إنتِ عايزاه، ممكن تقفلي بقا دلوقتي كفاية أبوكِ.
أغلق معها ليجد فهد يقهقه ساخرًا:
-ده إنت مفيش بجنيه سيطرة.
تنهد بلال متحسرًا:
-بكره تتجوز وتتحط قدام اختيارين، يا تعيش سعيد، يا تعيش راجل.
1
تدخل إياد السمج الذي لا يعرفان من أين ظهر أو أين كان يختبئ:
-وإنت مش عايش الإتنين
2
غضب بلال وهمس من بين أسنانه وهو يتحسس المسدس الكامن في جرابه:
-أقسم بالله هديله رصاصة في نص شنبه!
منعه فهد هامسًا:
-اتقل ع الرز.
نظر فهد لإياد وقال:
-إياد، قولي مبرر واحد يخليني مستحملك لحد دلوقتي!
رفع ياقته مغترًا:
-إني إبن اللوا أحمد صقر
نظر فهد وبلال لبعضهما وقالا في نفسٍ واحد بسخرية:
-كــــــــــــوسة
-أسيبكم أنا بقا، فيه مُزة أجنبية بنت السفير المصري في إيطاليا بتخلص ورق، إنما إيه عليها وِسط، صااااروووخ.
تركهم وتوجه للمكتب المقابل، فساروا خلفه يهزون رؤسهم بقلة حيلة ناعتين إياه بأشنع الألفاظ، خاصةً حين وجدوه قد جلس جوارها وبدأ يداعبها بحديثه، همس فهد لبلال:
-أموت وأعرف بيعجبهم فيه إيه النِتن أبو قميص مستردة ده.
-السئالة نادرة في بلدهم جايين يستلقطوها هنا.
وأمام عينيهم قال إياد للشقراء بمكرٍ:
-تعرفي الظابط سموه ظابط ليه؟
هزت رأسها بعدم معرفة، فاستطرد بعبثٍ:
-عشان بيظَبَّط اللي قدامه، زي ما أنا مظبطك كده.
1
ضحكت الأجنبية بمرح، بينما نظر له كلًا من فهد وبلال بعبوسٍ واشمئزاز، فيما قال بلال بغصبٍ مكبوت:
-سيبني عليه خمس دقايق أعرفه الظابط اتسمى ظابط ليه!
منعه فهد مجددًا قائلًا بنفاد صبر:
-يا عم اتقل خلينا نخلص.
***
فتحت يارا الصغيرة الباب لشقيقتها التي دخلت تحتضنها، فتربت يارا بكفها على بطن يُسرا متسائلة:
-هتولدي إمتى بقا!
ضحكت يُسرا بمرحٍ:
-أنا لسه داخلة السابع مبقاليش يومين.
خلعت حذاءها وتساءلت:
-ماما فين؟
التقطت يارا منها الحقيبة وأشارت على المطبخ:
-في المطبخ
سارت يسرا بتثاقلٍ للمطبخ وفي طريقها قالت:
-يا سلام يا سلام على ريحة الملوخية اللي مالية الشقة.
احتضنت ظهر أمها فضحكت الأخيرة والتفتت لها تضمها لصدرها بقوة:
-وحشتيني يا حبيبتي.
-وإنتي كمان يا ماما وحشتيني أوي.
ابتعدت عنها وجمعت خصلاتها تقترب من الموقد هاتفة:
-طابخة إيه بقا غير الملوخية.
استدارت أمها تعود لما تفعل هاتفة ببرود:
-مطبختش غيرها.
شهقت يسرا مصدومة:
-إيه؟! ليه كده يا ماما إنتِ عارفة إن شاهين مبيحبش الملوخية!
1
-والله مش مشكلتي، وبعدين أنا عزمتك إنتِ معتزمتهوش معاكِ جاي ليه البارد ده!
قالتها أمها بغيظٍ، فردتها يسرا بلومٍ:
-ماما لو سمحتِ، مش هنكرر الموال ده كل مرة، شاهين جـــــــــــوزي، وحامل منه، مستنية إيه تاني عشان تحبيه أو على الأقل تقبليه!
لوت أمها شفتيها وصمتت بينما تتابع تقطيع الخضروات، فهزت يسرا رأسها بقلة حيلة متمتمة:
-أعمل فيكِ إيه بس يا ناهد.
رن جرس الباب، فهرولت يارا تفتحه، طل أخيها من خلفه مشاكسًا، وزوجة أخيها التي بادلتها القبلات ثم دخلت المطبخ لترحب بيسرا وتساعدهم، كادت يارا تغلق الباب فأردف ياسر وهو يخلع حذاؤه:
-استني شاهين جاي ورانا.
دخل ياسر فهمس لؤي ليارا:
-اقفلي الباب في وشه.
نهرته يارا بحدة:
-لؤي عيب كده!
زم شفتيه متضايقًا، ودخل المطبخ يرتمي في أحضان عمته التي ضحكت بمرحٍ، وانحنى يسمع حركة الجنين في بطنها بحماسٍ هاتفًا:
-أوحش حاجة إن البت دي هتطلع بنت شاهين.
1
صرخت أمه فيه بغضب:
-لؤي احترم نفسك.
ضحكت ناهد بشماتة:
-براڤو عليك يالا قولت اللي في قلبي، ليك مني طبقين بليلة بالمكسرات.
-لا اديله نصيبي، الواد طلّع اللي في قلبه بكل صراحة.
احمر وجه أم لؤي، وامتعضت ملامح ناهد، بينما رمق لؤي شاهين بضيقٍ، فوضع الأخير الأكياس التي كان يحملها أرضًا في ركنٍ جوار الثلاجة هاتفًا:
-جبتلكوا شوية حلويات إصدار جديد، لسه منزلتش السوق ومحدش داقها…
نقل بصره ليُسرا وأكمل:
-غير يُسر طبعًا.
ابتسمت سلمى زوجة ياسر بمجاملة:
-تعبت نفسك يا أستاذ شاهين.
تنهد بعمقٍ:
-لا تعب ولا حاجة لو مجبتش لأهل مراتي أجيب لمين.
مد كفه ليُسرا طالبًا كفها، ففعلت حتى سحبها معه للخارج حيث ركن قصي جوار السفرة همس لها فيه:
-هنطول هنا؟
تنهدت بتعبٍ:
-عايزة أقعد مع أهلي يا شاهين!
أومأ:
-ده شيء أكيد، هنقعد لحد ما تقولي يلا نروح.
حايلته برجاءٍ:
-مينفعش أبات وتروّح إنت؟
ونظرته كانت كفيلة بأن تعلمها برأيه، نظرة جانبية صامتة تحكي بالكثير، زفرت بيأسٍ ونكست رأسها، فتركها وتوجه ناحية أخيها وجلس معه يتسامران أسفل نظرات لؤي المتفحصة….والكارهة!
1
***
تأرجحت قدميها المدلتين من العربة التي يجرها الحِمار المسكين، يسوقه الصبي الذي يرتدي جلبابًا أكبر من عمره، أوقف العربة أمام الوحدة، فقفزت الفتاة قفزة رشيقة وهي تستدير مُعدِّلة من وضع حجابها المهندم، تنفض عن بنطالها الجينز أي غبار، تبتسم له بتفاؤلٍ:
-تسلم يا عرابي، متنساش تبعت بهية عشان تاخد الدوا.
أومأ لها مبتسمًا باتساعٍ ونافخًا صدره بفخرٍ:
-ولا تقلقي يا داكتورة، الساعة 4 بالدقيقة بهية هتكون عندك في الوِحدهِ.
استدارت تدخل المكان تومئ للممرضات الجالسات والواقفات، ثم تزفر بضيقٍ عند رؤيتها لمدير الوحدة، الدكتور فاروق، الطبيب البشري الموكل بالهيمنة عليها ضمن ممتلكات الوحدة.
-صباح النور يا دكتورة، متأخرة خمس دقايق.
زفرت بضيقٍ، ورسمت بسمة سمجة على وجهها:
-على ما لقيت حد يوصلني بقا.
أشار لها على مكتبها:
-اتفضلي.
ذهبت لمكتبها الصغير في ركن أصغر بالوحدة، هي طبيبة بيطرية، تخصصت في الدواجن والأرانب، وحيوانات المزارع، قضت فترة امتيازها هنا بهذه القرية، وتعينت هنا بشهادة المدير السابق للوحدة، هذا لأنها ليست كُفء، بل لأنها الطبيبة البيطرية الوحيدة بالوحدة، كما هو الحال للطبيب الوحيد وهو الدكتور فاروق، والدكتورة مروة صيدلانية الوحدة، ربما هم الثلاثة أعلى المناصب هنا، بمن فيهم السِت عفاف، المشرفة العامة على الممرضات، وهي كأمها، حازمة، صارمة، ولا تبتسم أبدًا، ربما نست كيف تبتسم!
تنهدت وأعادت رأسها للخلف، تنظر من النافذة إلى السائرين من أهل القرية في الشارع ذهابًا ومجيئًا، حتى أنبئها صوت الممرضة التي قالت:
-دكتورة چليلة، السِت عفاف بتقول لحضرتك تروحي بيت فضل بيه عشان تولدي الچاموسة عنايات.
كتمت ضحكتها، فكلما تذكرت أن ذلك الفضل العاشق لزوجته أسمى الجاموسة خاصتهم على اسم زوجته تضحك!
1
نظرت لها بجدية قائلة:
-روحي إنتِ وأنا خمس دقايق وأكون هناك.
-لأ، أصل الست عنايات شيعتلك بسرعة تيچي.
قلّبت عينيها بمللٍ مردفة:
-طيب يا فوزية روحي انتِ.
خرجت الممرضة فيما تنهدت الطبيبة وهي تنهض بتمهلٍ وتكاسل…
لحظاتٍ كانت فيها أمام القصر المهيب، تسير خلف الحارس الذي يوجهها إلى المزرعة، انحنت لتواجه الجاموسة المقلوبة على جانبها، أخرجت سماعتها الطبية وتحسست بها بطنها المنتفخ، سرعان ما علا صوت صياح فتاة بالغة:
-إنت يا زفت يا اللي اسمك سعد..
هرول إليها الحارس صارخًا:
-اؤمريني يا ست چميلة.
فقال صوتًا لسيدة عجوز:
-الداكتورة الهباب دي مچاتش لسه!
رفعت الطبيبة حاجبها الأيمن بحدة، ونظرت أمامها بجمودٍ وسمعت الحارس يهتف متوترًا:
-چـ…چچـ…چوا اهي يا ست هانم.
نهضت الطبيبة تخلع قفازتها الطبية التي ارتدتها لتوها، تلملم أشياءها رافضة تمامًا التواجد هنا، حتى دخلت عليها “عنايات”، ناظرتها بصرامة:
-لسه فاكرة تيچي؟
استدارت لها مبتسمة بسماجة:
-لأ، لسه فاكرة حالًا إني أمشي.
تخطتها فمنعتها عنايات بأن قبضت على ذراعها بقوة هادرة:
-تمشي فين، إنتِ چاية هنا تولديها، تجوليلي ماشية! مشش في ركبك يا بعيدة.
هدرت الطبيبة وهي تنفض ذراعها:
-لمي نفسك يا ست انتِ!
شهقت عنايات والحارس والفتاة! بينما ناظرت الطبيبة عنايات بتحدٍّ والأخيرة تهدر:
-اسمك ايه يا بت!
وبتبجحٍ أكملت الطبيبة بمنتهى الغضب:
-بت اما تبتك! انا دكتورة..الدكتورة جليلة الحلواني
-انتي مش جليلة الحلواني إنتِ جليلة الرباية!
1
رفعت كلتا حاجبيها وصرخت:
-تصدقي إن إنتِ اللي قليلة الأدب ومشفتيش بربع جنيه تربية!
-إنتِ اتجننتِ يا بت!
-بقولك إيه يا ولية متخلنيش أعملها معاكِ بقا.
أشارت عليها بعدم تصديق مع شهقة:
-تعملـ…زفت يا سعد مين دي يا ولا!!!
والأخير يهتف فاغرًا الفاه:
-المفروض الداكتورة!
-دي داكتورة مچانين..
ابتسمت جليلة بسماجة:
-تمامًا، عشان كده صابرة عليكِ لحد دلوقتي.
تدخلت الفتاة بحمية:
-إنتِ إزاي تجرؤي تكلمي خالتي بالشكل ده يا قليلة الأدب إنتِ!
رمقتها جليلة بازدراءٍ من أعلاها لأسفلها، ورفعت ذقنها بشموخٍ:
-والله أنا في الوحدة، هتعتذروا هولدها، مش هتعتذروا هسيبها تطرمخ فوق دماغ الكل، أظن كلامي واضح يا…
رمقتها بنفس النظرة المزدرية:
-عنايات
ورحلت!
ببساطة رحلت بعدما أشعلت السيدة التي أسندتها ابنة أختها وتحملت صراخها:
-دي بتناديني باسمي! روح يا زفت الطين جول لسيدك اللي حصل، اچري يا چلّاب المصايب.
وبالفعل..
هرول ليشتكي لسيده عما فعلته طبيبة الوحدة..
ولم يشتكي لسيده فحسب!
بل أخبر القرية بأكملها.
***
خرجت قدر من مكتبها تبتسم في وجه حلا هاتفة:
-متنسيش بقا، بكرا بليل الخطوبة.
1
أومأت حلا بسعادة:
-طبعًا يا دكتورة، ألف مبروك.
ربتت قدر على ذراعها وهتفت:
-الله يبارك فيكِ يا حلا عقبالك يا حبيبي.
عدّلت من وضع حقيبة ظهرها وسارت في الممر المؤدي البوابة، تنحنحت وهي تنظر لحسناء التي خرجت هي الأخرى من مكتبها استعدادًا للخروج، وهتفت:
-دكتورة حسناء.
استدارت لها الأخيرة باقتضابٍ ووجهٍ متهكم، فقالت الأخرى بابتسامة رقيقة:
-خطوبتي بكرا بليل، أتمنى تشرفيني.
لانت ملامح حسناء قليلًا، ولكنها لم تبتسم بل قالت برفقٍ:
-مُبارك يا دكتورة، أكيد لو عرفت آجي مش هتأخر.
ابتسمت قدر بلطفٍ:
-هبعتلك اللوكشين في مسدچ، هتنوريني بجد.
ابتسمت حسناء بسمة جانبية مُجامِلة، والتفتت تغادر المكان بعجلة، ركبت سيارة أجرة طارت بها إلى شقة أخيها، ولم تنسَ بالطبع أن تشتري بعض الحلويات لأبناء أخوها، دخلت الشقة وجلست جوار أخيها منهكة:
-السلام عليكم.
-عليكم السلام.
تنهدت بتعبٍ:
-أومال العيال فين؟
ردت سعادة وهي تمد يدها لحسناء بكوب شاي:
-نايمين، خدي.
التقطته منها شاكرة، وساد الصمت الأجواء، حتى بترته حسناء:
-واحدة زميلتي عزمتني ع خطوبتها بكرا.
قالت سعادة بحماس:
-الله يا حسناء، فستان بقا ومكياچ وكده.
-فستان إيه؟! أنا يدوبك هلبس الخمار بالعافية تقوليلي فستان!
تحدث حسن ساخرًا:
-لأ إزاي، تروحي تخضي الناس وترجعي.
رمقته حسناء شزرًا، حتى تابع:
-اعملي حسابك بكره متقدملك عريس، قبل ما ترفضي أخدت معاه ميعاد وجايين بعد العشا، هتجهزي وتقابليه يا حسناء.
كادت تعترض بغضب فقاطعها:
-من غير لك كتير، هتقابليه يعني هتقابليه
ونهض يدخل الغرفة لينام، فنظرت لزوجته بغضبٍ، والأخيرة تهز رأسها بقلة حيلة وعجزٍ.
***
جلست العائلة على السفرة، وقالت سلمى زوجة ياسر بحماس:
-تسلم إيدك يا طنط الأكل ريحته تجنن.
رمقها شاهين بنظرة جانبية سوداء، شاهين يكره المجاملين لدرجة التقديس!
-تسلميلي يا حبيبتي.
تحدث شاهين بهدوء:
-أنا مبحبش الملوخية.
رمقته ناهد بطرف عينها وتجاهلته بينما تغرف لياسر:
-أحطلك عيش مقرمش يا حبيبي؟
هز رأسه نافيًا وهو يرمق شاهين بتوجسٍ، بينما تنحنحت يسرا قائلة:
-بعملك مكرونة خمس دقايق وتبقى جاهزة.
نظر لها ثم نقل بصره لحماته هاتفًا:
-لأ وعلى إيه، طالما أهل البيت مش كارمين ضيفهم، هيأكلوه كمان!
تأففت ناهد بنفاد صبر:
-اللهم طولك يا روح.
ابتسم شاهين بسماجة:
-هتتطول أكتر من كده؟ ده إنتِ قرّبتِ ع التسعين.
شهقت ناهد من وقاحة شاهين _المعهودة_ فيما هتفت يسرا تتدارك الأمر بتوتر:
-ميقصدش يا ماما ربنا يديكِ الصحة وطولة العمر.
نظرت ناهد لشاهين بغلٍ وأعينها تبثق الكراهية بثقًا، بينما الأخير يبتسم ببلادةٍ واتساع وكأنه لم يقل ما لا يُقال!!
همس ليسرا التي كانت بجواره تلكزه مانعة إياه من الإكمال:
-بس أنا كنت أقصد.
عضت على شفتها السفلية هامسة:
-شاهين عدي الليلة بقا.
أومأت لها وعاد ينظر لحماته مبتسمًا:
-متزعليش يا حماتي، كلها أعمار وبيد الله مين عالم يمكن مَلَك الموت يزورك في أي وقت.
لطمت على صدرها واتسعت حدقتيها ذعرًا وهي تبثق داخل جلبابها الفضفاض تُبعد الشر عنها، بينما تحدثت يسرا بعنف:
-شاهين خلاص بقا.
نظرت له ناهد بعنفٍ هادرة:
-إنت بتفول عليا! عايزني أموت وأسيبلك البت تمص دمها!
اعتلى ثغره بسمة متهكمة:
-دم إيه بنتك عندها أنيميا!
2
صرخت بانفعالٍ وهي ترمي الملعقة التي كانت تمسكها:
-إنت عايز إيه دلوقتي؟!
أسبل عينيه ببراءةٍ وهو يرفع الطبق الفارغ الذي أمامه بكفيه:
-عايز أكل.
أغمضت ناهد عينيها تعتصرهما بعنف وغضب، بينما هرولت يسرا إلى المطبخ وخرجت بعد لحظات تحمل طبق معكرونة وضعته أمام شاهين هاتفة بحدة:
-كُل.
ابتسم لها باصفرارٍ:
-أكليني.
رفعت حاجبها بحدة وانحرجت سلمى التي احمرت وجنتيها وهي تضع الطعام في طبق لؤي الذي ينظر لشاهين بغلٍ ونظراتٍ تشبه إلى حد كبير نظرات جدته! متحدثًا بغضب:
-تأكلك ليه وإنت اتشليت!
1
لكزته أمه ونهره أبوه، بينما أجابه شاهين ببرود:
-مالك يا لؤلؤ بس، مراتي يا حبيبي ومتعودين ع الحاجات دي مع بعض، احمد ربنا إنك مبتشوفش غير وهي بتأكلني…
1
أمسك كف زوجته واعتصره بينما يحدق في عيني لؤي بتحدٍّ:
-في بؤقي.
احمر وجه يسرا هامسة بحرجٍ:
-منك لله يا كاسفني.
ورفعت الشوكة تدسها في فمه هامسة من بين أسنانها بغل:
-كُـــــــل واسكت.
مضغ الطعام مبتسمًا ذات البسمة الباردة وهو يهمس لها:
-من يد ما نعدمها يا أم يُسر.
1
ضحكت بيأسٍ، متذكرة ذات الموقف منذ خمسة أعوام حين كانت أمها مكان لؤي، تغار عليها وتأبى أن تُطعمه في فمه حتى أسكتها شاهين بقوله:
-مش مشكلتنا والله إنك مكنتيش بتأكلي الحاج الله يرحمه في بؤقه.
وقتها غضبت أمها، وتداركت يسرا الموقف كعادتها، وهمس لها وهي تضع ملعقة الشوربة في فمه:
-من يد منعدمهاش يا أم يُسري.
ذلك الأرعن كان يريدها أن تنجب له صبيًا يُسميه يُسري! من كان سيسمح له من الأساس!!! بل من كان سيسمح له أن يلمسها…في ذلك الوقت.
مال عليها يهمس لها:
-اديلي سبب يخليني مقومش أعجن إبن أخوكِ اللي بيبصلي زي الأرنب ده!
-معلش إنت قد أبوه.
-أبو إيه أنا مبخلفش شُحطة!
قالها بضيقٍ وهو يتململ في مقعده بعدم ارتياح، يشعر أن نظرات لؤي ستقتله في مكانه! ويُسرا تضحك بلا صوتٍ، فهي تُقدّر كم من الغيرة يكنها لؤي لزوجها.
***
وقفت رندا السكري تتابع العامل الذي يرفع الزينة أعلى الكوشة المُزينة بطريقة أنيقة تتحدث عن نفسها، تخصرت وهي تأمره بصرامة:
-هات الستارة في النص شوية.
نفذ أوامرها، تحت نظرات شهد التي تجلس على إحدى الطاولات تضع كفها أسفل خدها ترمق تلك الصفراء بخصلاتها الشقراء الباهتة تأمر هذا وتتأمر على هذا، والله لولا أن رعد حذرها لكانت الآن جذبتها من شعرها ومسحت بها أرضية الحديقة العشبية!
1
-طنط شهد إنتِ مش معايا خالص!
انتبهت لميرا الواقفة جوارها وتحدثت:
-ها، بتقولي ايه يا ميرا؟!
أشارت لها على التابلت بيدها:
-بقولك أجيب ضوافر لون الفستان ولا لون الشال؟!
-لأ لون الفستان طبعًا.
وتالا تسير خلف والدتها كأنما لم ينقطع بينهما الحبل السري تصر عليها بالحديث:
-يا ماما بالله عليكِ، كفاية معرفتش أروح عيد ميلاد صاحبتي، والنبي هحط بس مكياچ خفيف خالص.
صرخت سارة رافضة:
-قولت لأ يعني لأ يا تالا.
دبدبت على الأرض بتعنت:
-اشمعنا ما ميرا وسيرا وسيلا ونارين وكمان إنتو هتحطوا!
التفتت لها سارة الغاضبة:
-فايا وتالين ونغم مش هيحطوا، وأقسم بالله يا تالا لو ما حليتِ عني لا أحبسك في أوضتك لبعد الخطوبة أنا على آخري ومش طايقة اللي يهرشلي في مناخيري!
زمت تالا شفتيها حانقة، بينما رحلت سارة وأتت آيات من خلفها تحتضنها من كتفيها هامسة:
-هحطلك أنا يا بت ولا يهمك.
استدارت لها سريعًا تبتسم ببلاهة:
-صحيح يا مرات خالي؟
قرصت أنفها بعبث:
-صحيح يا حبيبتي، بس بطلي مرات خالي دي عشان ما أطلعهمش عليكِ، تمام يا روحي؟
وربتت على ذقنها ببسمة سمجة، فضحكت الأخيرة بمرحٍ وتشبثت بعنقها تحتضنها بقوة كادت تخنقها، ثم تركتها وهرولت للأعلى لغرفة الفتيات اللواتي يجهزن للغد، اقتربت آيات من يمنى وشهد الجالستين وبجوارهم ميرا تعبث باللوح الإلكتروني خاصتها:
-إيه يا جماعة هي قدر هتتأخر ولا إيه! إحنا داخلين ع المغرب لازم تجهز لبكرا، دي لا قاست فستان ولا جزمة ولا حتى اختارت هنجيب مين ميكب أرتيست، دول البنات متحمسين عنها!! لولا إن هي وفادي بيحبوا بعض كنت هقول إنها مجبورة ع الجوازة.
1
لوت يمنى شفتها بحسرة:
-لأ إزاي، شغلها الأول وبعدين حياتها، إزاي تسيب شغلها الأسطوري وسباقات الشوارع بتاعتها وتقعد معانا كده تنقي مع ولاد خلانها وأعمامها، دي يدوبك جت غيرت ونزلت تاني حتى مقالتش رايحة فين.
1
تحدثت آيات بحيرة:
-الله! مش إنتِ يا بنتي اللي دخلتيها الكلية دي وزقتيها زق عليها!
-هي اللي اختارت.
قالتها يمنى بتململ، فتحدثت شهد ساخرة:
-مش هنشتغل بعض يا يمنى، بنتك كانت عايزة تخش فنون جميلة وإنتِ اللي رفضتِ.
-يعني واحدة كانت جايبة 98 في المية تخش فنون جميلة في شرع مين ده!
-خلاص متصيعيش علينا بقا، إنتِ اللي استخسرتِ مجموعها في كلية زي دي.
تدخلت آيات هاتفة بلومٍ:
-ملكيش حق يا يمنى بصراحة!
وفي تلك الأثناء دخل ساجد يحمل بين يديه فلاشة مبتسمًا بسعادة:
-حبايب قلب ساجد، الفلاشة جهزت.
عقدت يمنى حاجبها:
-فلاشة إيه دي يا ساجد؟
قالت ميرا ضاحكة بسخرية:
-الفرفور عمل فيديو يحيي فيه الحفلة، مباركة لقدر وفادي.
-آه مش ده الفيديو اللي جمدتونا ساعتين عشان تصوروه!
قالتها يمنى بتذكر، فأومأ ساجد بفخر مربتًا على صدره:
-فكرتي.
أومأت عدة مراتٍ، بينما غادر ساجد إلى رندا متنحنحًا:
-احم، مساء الخير يا مُزة.
استدارت له عاقدة الحاجبين بانزعاجٍ رامقة هيئته باحتقارٍ:
-مُــــــزة؟!!!
1
مد يده له بالفلاشة هاتفًا ببسمة بلهاء:
-عايزين نشغل دي ف الحفلة بكرا وحياة أبوكِ.
تعجبت من طريقته العربجية في الحديث، إلا إنها رفعت حاجبها بحدة، وأردفت قبل أن تستدير لما كانت تفعله:
-لأ، مينفعش.
قفز ساجد أمامها من العدم مما أجفلها:
-مينفعش ليه بس يا ست البنات، دي فلاشة، حاجة كده تسليك زور ومباركة لقرايبي.
ربعت ذراعيها أمامها ببرود ناطقة:
-قولت مينفعش، دي خطوبة لطبقة مخملية، دي مش حنة شيماء.
1
انتفضت شهد بعدما نفد صبرها من تلك الحمقاء:
-فيه إيه يا ساجد! مالك يا حبيبتي ما تحطي الفلاشة واسلكي بقا!
1
ابتسمت لها رندا بجمودٍ:
-مينفعش.
صرخت شهد غاضبة وهي تُبعد ساجد من أمام رندا وتتصدر الساحة بعنفها:
-هو إيه يا حبيبتي اللي مينفعش مينفعش مفيش على لسانك غير مينفعش! إحنا جايبينك تحضرلينا الحفلة ولا تنكدي علينا ده إيه البلاوي دي..
أشارت عليها رندا محذرة:
-مش هسمحلك أبداً تكلميني بالأسلوب الحقير ده!
كادت شهد تنقض عليها هادرة:
-أنا أسلوبي حقير يا مهزأة.
1
لولا يد رعد التي جذبتها لجانبه، لا تعلم متى جاء، إلا إنه كان يرمق شهد بتحذير، فاستمرت رندا في استفزازها:
-مكنتش متوقعة خالص إن ده هيكون المستوى اللي هتعامل معاه بعد كل سنين الشغل دي.
-مستوى إيه يا ولية ده إنتِ ضاربة قُصتين أكسچين يا صفرا ولابسة شوية هدوم كسر من العتبة ولا موسكي وجاية تعملي علينا سيدة الطبقة المخملية!!!
انفعلت رندا صارخة:
-إنتي زودتيها أوي أنا مسمحلكيش تكلميني كده! إنتِ فاكره نفسك مين!
صرخت شهد بأعلى طبقات صوتها باغترارٍ وثقة:
-شهد المسيري، انا شهد المسيري اللي عمرك ما كنتي تحلمي تعدي من قدامي حتى، دلوقتي واقفة تبجحي فيا بكل وقاحة!
شهقت رندا، ورفعت كفها وكادت تصفع به وجه شهد:
-احترمي نفسك.
تعلق كفها في الهواء عندما أمسكه فهد، ناظرته بتوجس غاضب، وناظرها بفتورٍ، بينما وقف فادي أمام والدته حائلًا بينهما يحدجها بنظراتٍ مشتعلة..
جاء ولديها من العدم، ليحموها من تلك الصفراء!
ترك فهد كفها ووقف جوار أخيه يخفيان جسد أمهما خلفهما وهتف:
-بكل هدوء هطلب منك تعتذري منها لو عايزة تاكلي عيش.
– آكل عيش! أنا رندا السُكري ألف مين يتمنى أجهزله حفلاته تقولي لو عايزة آكل عيش! إنتو اللي محتاجيني مش أنا!
قهقه فادي ساخرًا:
-لأ ما هو بعد اللي حصل ده مفيش كلب هيرضي يخليكِ تأكليه حتى.
تابع بنبرة صارمة:
-أنا ممكن جدا ألفقلك تهمة سب وقذف ودي عقوبتها صعبة على واحدة رقيقة زيك والخروج منها بملايين خصوصًا لو اللي ملفقهالك وكيل نيابة!
اتسعت حدقتيها مصدومة، وتابع فهد مكملًا حديث أخيه:
-أو تهمة إرهاب العامة، دي بقا إعدام على طول، خصوصًا لو اللي لفقهالك…
اقترب منها هامسًا جوار أذنها بفحيح لم يسمعه سواها:
-ظابط.
كتمت أنفاسها، وشحب وجهها وازدردت لعابها أكثر من مرة بتعثر..
بينما خلفهما وقفت شهد متخصرة، رافعة الذقن بفخرٍ، وابتسامتها تشق وجهها باتساع، وزوجها جوارها يبتسم بخفة، فهو ولأول مرة منذ سنوات يرى ابنيه بهذا الإتحاد والقوة!
-إنـ…إنتو عايزين إيه دلوقتي؟
رفع فهد ذقنه هاتفًا بجمود:
-اعتذري لأمي.
نقلت بصرها بين فهد وفادي، اللذان يرمقانها بمنتهى القسوة والوعيد، النظرة في عينيهما فقط تكفي لبث الرعب في قلوب أعتى الرجال، ماذا لو كانت هي امرأة هشة تدعي القوة!
-أنا آسفة يا مدام شهد، بس معلش اعذريني، الفلاشة دي هتبوظلي شغلي، مش هينفع أحطها.
كادت شهد تنقض عليها لولا رعد الذي منعها بقوله:
-تمام يا آنسة رندا، اتفضلي شوفي شغلك.
1
أومأت بتردد، وقبل أن تنصرف راحت ترمق فهد وفادي بتوجسٍ، ثم عادت لعملها، وشهد تنهار بغضب:
-قولتلك سيبني عليها أربيها الصفرا دي!!
جذبها من كفها ناهرًا إياها بحدة:
-بس بقا.
نقل بصره لولديه هاتفًا بصرامة:
-فهد روح هات فايا من المول، وإنت يا فادي شوفلنا خطيبتك فين خلينا نخلص من الهبل ده.
انصرف الجميع، وبقى فهد وفادي بنظران لبعضهما اابعض نظراتٍ جانبيه حذرة، تحدث فادي متخصرًا:
-هتروح تجيب فايا؟
ناظره فهد بشكٍ وهو يغمض نصف عين:
-هتروح تشوف خطيبتك فين؟
نظر أمامه زافرًا بضيق:
-شكلها كده.
ونظر فهد أيضًا لتفس النقطة التي ينظر لها فادي، ووقفا صامتين بشرود، حتى أتاهم صراخ أبوهم:
-إنتو لســــــــــــه واقفيـــــــــــــــن؟؟؟؟؟
هرول فهد وفادي يدفعه للأمام.
1
**
أمام الرخامة الكبيرة كان العم لطفي يغلِّف طبق الحلوى، مادت به الأرض، ولكنه حاول أن يتماسك بكل ما فيه من قوة، متمسكًا بالرخامة أمامه سعل فجأةً دون أن يدري، وعلى الحلوى!
رآه شفيق الذي كان يُشرف على العمال بدلًا من إبن عمه شاهين الذي ترك العمل لعزومته عند حماته، صرخ فيه بحدة:
-إيه ده إيه ده! بتكُح ع الحلويات يا عم لطفي!!
احمرت وجنتي العجوز، وحاول جاهدًا أن يتحدث ولكن صوته خرج مبحوحًا منهكًا:
-معلش يا شفيق بيه، امسحها…فيا، أنا..أنا آسف.
رمقه شفيق بشفقة، بينما عاد الأخير يتحرك ببطءٍ ويحمل طبق الحلويات هاتفًا:
-تقدر تخصمه من مرتبي، هاخده معايا وأنا مروّح.
استند لطفي على الرخامة بأيدٍ ترتجف، ونظرات شفيق له قليلة الحيلة مُشفِقة، استدار شفيق يكمل إشرافه، وعندما قابل أحد العمال همس له:
-بقولك يا وزة، عم لطفي شغال هنا بقاله أد إيه؟!
غمغم الأخير مفكرًا ثم أردف سريعًا:
-آه، بقاله كتير من عمر جدك الحاج سليمان الله يرحمه، يعني قول كده من قيمة 28 سنة 30 سنة حاجة كده.
-متعرفش عمره بقا كام دلوقتي؟
ضحك الأخير متفكهًا:
-ده رجله والقبر، داخل ع السبعين أهو يا باشا ربنا يطول في عمره.
ربت شفيق على كتفه وأمره بالإنصراف، ثم زفر حانقًا، والتفت ينظر للطفي بنظراتٍ مبهمة.
التقط هاتفه يتصل بزوجته بحماسٍ، انتظر دقيقة كاملة حتى أجابت بصوتها الناعم الذي يقع في عشقه كلما سمعه!
-الحتة اللي ع الشمال، إيه الأخبار؟
أصوات الأطفال لا تكف عن الصراخ واللعب حولها، وهي تصرخ فيهم بخشونة:
-سليمان قولتلك سيبلها اللعبة بطل غتاتة بقا!!
ثم التفتت لزوجها:
-عايز إيه يا شفيق؟
-نزلتِ قعدتِ معاهم تحت؟
صرخت بشروق:
-شروق سيبي إيده هيديهالك، متعضيهوش يا غلباوية!!!
ضحك شفيق بمرحٍ وهو يهتف:
-أنا كنت بتطمن عليكم، بس واضح إن الحياة ماشية عندكم كما هو معتاد.
-والنبي ما ناقص خفة دمك ع المسا يا شفيق، اسمع بقولك..
انتبه لها مغمغمًا، فتابعت:
-عايزين اتنين كيلو موز وكيلو تفاح، شروق نفسها في سلطة فواكه، ومتنساش تعدي ع الشقة تشوف خلصت ولا لأ أنا معدتش مستحملة أعيش مع فضيلة العقربة ولا مستحملة أمك بصراحة.
-لأ متلبخيش في الكلام يا رشا!
زفرت بضيقٍ، كما زفر هو، وما كاد يهتف بإعتذارٍ حتى سمع صوت إغلاق الخط، فنظر لشاشة هاتفه مصعوقًا، سرعان ما نفخ وجنتيه بنزقٍ وهو يدس الهاتف في جيب بنطاله، فقد اعتاد على طريقة رشا الحادة.
2
***
جلسوا بعد الغداء، تضع سلمى أمامهم صينية الشاي، مع مزاح لؤي وياسر، ويارا التي تهمس لشقيقتها وهي تريها بعض الصور على هاتفها، تأوهت يسرا وهي تعتدل فنظر لها شاهين فجأةً هادرًا بخشونة:
-إنتِ كويسة؟!
أومأت يسرا مبتسمة بوجعٍ:
-آه.
قالت ناهد وهي تعطيها كوب الشاي:
-خدي يا حبيبتي، قولتلك تعالي باتي عندي الشهرين دول قبل ولادتك، بس نعمل إيه منه لله اللي رافض.
ابتسم شاهين بهدوءٍ:
-آه والله، يلا حسبي الله ونعم الوكيل.
1
ثم نقل بصره لحماته هاتفًا باستفزاز:
-معلش بقا يا حماتي، مبقدرش أنام إلا وهي في حضني، مراتي بقا.
جزت على اسنانها وهي ترمقه بغيظٍ، كم تكرهه!
رنين هاتف يُسرا هو ما قطع تلك النظرات، انفردت بنفسها في ركنٍ وتحدثت، أما سلمى فهمست للؤي:
-بطل تبص لجوز عمتك كده اتربى بقا.
رمقها بضيقٍ، حتى قالت يسرا:
-معلش يا جماعة هضطر أروح الشركة دلوقتي.
نظرت لشاهين وأكملت:
-فريدة كلمتني عشان التصاميم، لازم أروح أبص عليهم قبل ما يروحوا المشغل الصبح.
أومأ لها ونهض يستأذنهم:
-معلش بقا يا حماتي، وراها شغل.
ابتسم لها بسماجة، فرمقته شزرًا هاتفة:
-أنا مش عارفة إيه اللي مخليني مستحملاك لحد دلوقتي!
ضحك ضحكة فخمة، وانحنى يهمس لها:
-يمكن….عشان بنتك بتعشقني؟!
ثم غمز لها بعبثٍ، فصكت على أسنانها وحضنت ابنتها مودعة، وكذلك فعلت مع زوجة أخيها وأخيها ولؤي الذي لم ينس أن يسدد نظرة نارية لشاهين الذي هتف له:
-يا حبيبي بطل تزغرلي كده هتحرق قبل ما أشوف عيالي!!!!
2
رحل شاهين ويسرا، وفي سيارته قال لها:
-بقولك إيه، أنا معدتش طايق أمك ولا ابن أخوكِ اللي بيبصلي كأني واكل ورثه، أنا قرفت.
ضحكت بتعبٍ وهي تستند بظهرها على ظهر المقعد:
-يا حبيبي بيحبك فبينكشك.
-أومال لو مش بيحبني كان عمل إيه! طخني عيارين؟!
ضحكت متأوهة، فنظر لها نظرة خاطفة قلقة:
-مالك يا يُسر؟
عضت على شفتها السفلية بوجعٍ:
-مفيش يا حبيبي، بطني بس بتوجعني شوية.
-خلاص هنروح.
-لأ يا شاهين بالله عليك، وديني الشركة خليني أخلص من التصاميم دي.
استستلم لها في النهاية، هي لا تتحمل وهو لن يزيد الطين بلة عليها، دقائق ووصلت السيارة أمام الشركة، فقال لها قبل أن تهبط:
-متتأخريش، هستناكِ.
-ما تروح إنت وأنا هاجي بأوبر.
شدد على حديثه:
-متتأخريش.
ابتسمت بامتنانٍ، وهبطت من السيارة، تصعد إلى الشركة، وظل هو ينتظرها في الأسفل..
صعدت فوجدت الجميع ينتظرها في مكتبها، خلعت حقيبتها وربطت خصلاتها خلف رأسها، وانحنت تنظر للتصاميم هاتفة بعملية:
-عملتوا إيه؟
تحدثت فريدة:
-لسه مستنين رأيك عشان نبعتهم للمشغل.
أومأت، وظلت تنظر للأوراق أمامها بدقة، حتى هتفت بعدها:
-تمام أوي، مين اللي رسم الفستانين دول؟
أشارت على إحداهم، فتحدث شادي:
-أنا يا يُسرا.
رفعت عينيها إليه، مبتسمة بمجاملة:
-براڤو يا شادي، براڤو عليك.
أشارت لفريدة:
-خدي التصاميم دي وابعتيها للمشغل.
أومأت لها بطاعة، فخرج الجميع، إلا شادي الذي وقف أمامها مبتسمًا بامتنان:
-شكرًا يا يُسرا.
-على إيه يا شادي بس، ده مجهودك.
-لولا الفرصة اللي ادتيهالي مكانش زماني وصلت هنا.
ابتسمت بحرجٍ، حتى تجرأ ومسك كفها بين كفيه هاتفًا بعينين ملتمعتان:
-بجد، أنا ممتن للصدفة اللي عرفتنا على بعض.
-ممتن لإيه يا روح أمــــــــــــك؟؟؟؟
انتفضت يُسرا بذعرٍ وهي تسحب كفها من بين كفيه، بينما تراجع شادي عدة خطوات للخلف بتوترٍ، ودخل شاهين مسرعًا يقترب منه هادرًا:
-بتحسس على إيد مين يالا؟ وصدفة إيه اللي ممتننلها ده أنا هطلع ممتنين أهلك.
جذبه من ياقته بعنفٍ، فأحالت يُسرا بينهما قائلة:
-شاهين اهدى يا بابا، اهدى يا حبيبي الله يخليك.
رمقها بحدة صارخًا:
-اخرسي إنتِ.
ثم عاد لشادي يهزه بين يديه:
-انطق يالا ممتن لإيـــــــــــــــــه.
جذبت يسرا يده تدفعه عن شادي صارخة:
-شاهيــــــــــــــن بس بقااااا.
تركه بإرادته، فهدرت يسرا فيه:
-اطلع دلوقتي يا شادي لو سمحت.
خرج مهرولًا، فنظر شاهين ليسرا منتظرًا التبرير بأعين تشتعل غضبًا:
-الواد ده قولتلك يترفد يا يُسرا، ده بيمسك إيدك وبيقولك ممتنن! ممتن لإيه النتن ده!!!!
-ممتن لشغله معايا في إيه يا شاهين!
-فيه إيه؟ تعالي خشي عليا وشوفي واحدة ماسكة ايدي وعنيها بتفصص فيا وشوفي هتعملي إيه.
زفرت حانقة، وتخصرت تناظره بضيقٍ:
-إنت مكبر الموضوع أوي.
صرخ منفعلًا من برودها:
-وهو انا المفروض لما اخش ألاقي واحد ماسك ايد مراتي أروح أديله ايدي أنا كمان ولا إيه!!!
خفتت نبرتها هاتفة وهي تربت على كتفه:
-يا حبيبي اهدى، والله كانت حركة عفوية منه ميقصدش.
-برده هتقولي ميقصدش! ولما أروح أكسرله إيده؟ ما هي حركة عفوية بقااااا.
رفعت كفها تحاوط وجهه الأحمر المحتقن، تهمس بهدوء:
-خلاص، أوعدك معدتش هتعامل معاه بعد كده، أو هتعامل…بحدود.
قالتها بتوجس فصرخ:
-يُـسـرااااا
-يا شاهين ما هو مينفعش يعني متعاملش مع رجالة خالص عشان جوزي بيغير! ده شغلي يا شاهين، شغلي اللي إنت أول واحد شجعني عليه!
ناظر عينيها الغائمتين في الحزن، فزفر بقوة وهو يفرك وجهه بكفيه في عنفٍ، عاد ينظر لها متحدثًا بصرامة:
-آخر مرة، آخر مرة أشوف فيها الواد ده قريب منك بأي شكل من الأشكال وإلا هقتلهولك يا يُسرا سامعاني؟ هقتله.
ابتسمت بامتنانٍ، وأشار لها مستأنفًا بتهكم:
-اتفضلي قدامي.
حملت حقيبتها ومدتها إليه بنظرة بريئة، تطلب منه حملها، فانتشلها منها بقوة لتتحرك أمامه تكتم ضحكتها، وهو خلفها يحمل حقيبتها
قابلهما ذلك الأرعن، فأسر شاهين خصر يُسرا وابتسم في وجهه مجاملًا يشدد على أول كلامه:
-ممنتن للصدفة اللي جمعتنا….يا عم شوشو.
ابتسم بتوترٍ، فمر شاهين من جواره ليرحل وهمس له من بين أسنانه بوعيد بما لم تسمعه يسرا:
-ده أنا هطلع سلسفيل أبوك.
1
حدج شادي ظهره برعبٍ، فكر في تلك اللحظة أن يستقيل وينهي مسيرته تمامًا!!!
فتح لها باب السيارة فدخلت، وضع حقيبتها على قدمها، وأغلق الباب ثم التفت لبابه، وما إن دخل وأدار المحرك تحدثت:
-إنت لسه متضايق؟
هز راسه نافيًا وهو يخرج بالسيارة من المكان بملامح مقتضبة:
-لأ.
صمتا، وسارا الطريق بأكمله صامتان، إلا من صوت أغاني ميادة الحناوي المنبعثة من المذياع الصغير، نظرت له ثانيةً تهتف:
-إنت قولتلي إنك مش متضايق أومال وشك عامل كده ليه؟!
رد باقتضابٍ:
-خِلقة ربنا.
1
نفخت بضيقٍ، وربعت ذراعيها أمامها وأكملا الطريق في صمتٍ، إلا من صوت مدام ميادة التي تُشرق الليل بصوتها..
حبيبي يا أنا..يا أغلى من عنيا..
نسيت مين أنا؟
أنا الحب اللي كان
ليه نسيته أوام؟
من قبل الأوان
نسيت اسمي كمان
نسيت يا سلام..
على غدر الإنسان.
__________
الوداع لمن أحببنا..
الوداع لمن أحبنا..
_______________
-يعني لازم كده يا بلال تسيبني وتسيب مراتك وعيالك وإنت مبقالكش أسبوع معانا؟
قالتها أمه بلومٍ، فقال وهو يقترب منها:
-شغلي يا ماما.
4
ابتسم لها، وانحنى يُقبّل جبهتها بحبٍ هامسًا:
-ادعيلي يا ست الكل.
ناظرته أمه بخضة، وابتسمت بتوترٍ تربت على كتفه هاتفة:
-ربنا يحميك يا ابني ويجعل شغلك في ميزان حسناتك..
مال يُقبّل كفها قبلة مطولة، فدب ذلك الرعب في قلبها، ولدها لا يفعل ذلك إلا لو كان ذاهبًا في مهمة!
-بلال، إنت نازل تدريب بس صح؟
سألته أمه بشكٍ، فابتسم لها مؤكدًا بمرح:
-فيه حد يكدب على أمه برده يا سوسو!
أتت هدير من الداخل على مظهره وهو جاثيًا أمام أمه لتهتف بغيظ:
-طبعًا، أمك بوس وأحضان وأنا تاخدني حضن ع الماشي كأنك مكسوف تحضني.
نهض يضحك بمرحٍ وأمه تنظر لها مُغيظة:
-وّلعي يا بت كمان وّلعي يا بنت جمال الديب.
تركهما يتشاكسان ودخل غرفة حمزة، وجده أمام شاشة البلاي ستيشن غافيًا وفي حضنه الدرع، ابتسم بحنوٍ وأبعد الدرع ثم حمل صغيره بين يديه وسار به للفراش، والصغير يتشبث بعنقه مغمغمًا:
-بابا نام جنبي.
سطحه على الفراش ودثره جيدًا، ثم انحنى يُقبّل جبينه ويتأمل وجهه الملائكي ببسمة خفيفة:
-بكره يا حمزة، بكره هننام احنا الإتنين في حضن ماما.
والصغير يبتسم بسمة خفيفة، ربما كانت الملائكة تداعبه! أو أن حديث والده قد وصله..
خرج من الغرفة يُغلق الشاشة والأضواء، يقابل زوجته التي وضعت حقيبته على طاولة السفرة تنتظره هاتفة بعملية:
-حطيتلك ساندويتشات جبنة رومي ولانشون تاكلهم في الطريق، وبيض بالبسطرمة اللي بتحبه تاكل وتأكل الناس معاك كفاية افترى عليهم، طبعًا تاخد بالك من الإنفكشن، متتأخرش علينا بكره الساعة 4 وربع الفجر وبالدقيقة ألاقيك قدامي هظبط المنبه وهاخد تقرير من بابا بتحركاتك، متفتريش على المتدربين كفاية بتأكلوهم سحالي، ماية كتير يا بلال عشان الحر، ولو فيه ست عدت من قدامك تغمي عينك بدل ما أقلعهالك، وتتـ…
ناظرته بعدم تصديقٍ وهي تراه منفجرًا في ضحكٍ عالٍ:
-إنت بتضحك على إيه!
وأمه تتدخل من بعيد حيث تجلس أمام التلفاز:
-من تعليمات الجيش اللي بتديهاله، بيروح هناك يدي تعليمات ويجي هنا ياخد، يا خيبتي في ولادي.
أشارت عليها هادرة من بين أسنانها:
-شايف أمك!!!
أنزل يدها وسحبها للمطبخ، وارب بابه ونظر له وهي غاضبة:
-إنت هتمشي وتسيبني مع أمك، شوفلك فيها صرفة، مس هستحملها كده وهي بتعاملني بالشكل ده! دي زعقلتي عشان حطالك وايبس يا بلال!
ابتسم بحبٍ ومال يقبّل ثغرها مطولًا، ذابت هي..
وذاب معها!
ابتعد بعد دقائق ربما، يلهثان وهو يحاوط وجنتيها ناظرًا لعينيها باشتياق:
-هتوحشيني.
تنهدت بتعبٍ وأسندت رأسها إلى صدره تحتضن جسده الضخم بكامل قوتها:
-كل مرة بتنزل فيها ببقا عايزاك ترجع بسرعة، لازم تاخد أجازة طويلة.
قبّل رأسها ومسد على خصلاتها هامسًا بعبث:
-محتاج واسطة أنا كده.
ابتعدت عنه مكفهرة الملامح عاقدة لحاجبيها:
-والله لا أكلم بابا يا بلال.
جذبها إليه من خصرها مداعبًا:
-بتهدديني ولا إيه؟!
تدللت بنعومة:
-بحذرك يا قائد.
ضحك بمرحٍ…
وسحبها للخارج..
تُحمله الحقيبة وتودعه على باب المنزل هامسة بشر:
-هترجع مش هتلاقي أمك.
تساءل بخوفٍ مصطنع:
-هتقتليها!
ابتسمت بخبثٍ:
-هدوقها القهوة بتاعتي عشان تحرّم تيجي هنا تاني.
قرص أنفها مشاكسًا:
-يا شريرة.
ضحكت تلك الضحكة الشريرة، بينما هتف هو:
-أنا ماشي يا ماما.
-ماشي يا حبيبي ربنا معاك، خد مراتك يأكلوها تعابين خلينا نخلص.
2
عضت هدير على شفتيها بغيظٍ فهمس لها:
-اهدي.
-أمك مستفزة! بتعصبني هخش النار بسببها الست دي…
قاطعها بأن حاوط وجنتيها وناظرها تلك النظرة الصادقة النابعة من قلبه:
-هدير، المرادي مش هتأخر..
2
أغمضت عين وتركت أخرى تناظره بشك:
-أربعة وربع الفجر؟
أومأ مبتسمًا:
-أربعة وربع الفجر.
قبّلت وجنتيه بحبٍ وعانقت عنقه بقوة، وضم خصرها بقوة أكبر..
تفرقا بعد لحظاتٍ، إلا أنها أوقفته:
-استنى يا بلال.
هرولت إلى غرفتهما، استغرقت ثوانٍ حتى جاءت تحمل بين يديها منديلًا، فردته أمامه فلمع اسمه المنقوش عليه بخيوط مزيج البرتقالي والأصفر:
-إيه رأيك؟
ابتسم بسعادةٍ والتقطته منها:
-تحفة.
-خليه في جيبك، عشان تعرف إني دايمًا معاك.
3
اتسعت ابتسامته وهو يقبّل جبينها قبلة مطولة، أغمضت لها عينيها وكذلك هو، ابتعد عنها مودعًا، التمعت الدموع في عينيها لفراقه، ولكنها تماسكت وهي تشير له بكفها، فخرج، وأغلقت باب الشقة خلفه وهرولت للشرفة تفتحها وتنظر رؤيته يغادر..
وما هي إلى ثوانٍ وكان يسير في الشارع مغادرًا، يستدير واثقًا أنها تراقبه..
يبتسم، ويشير لها بكفه موّدعًا..
وقلبها يخفق بسرعة مهولة…تُشير له بالمثل..
تنهدت برجفة، وخرجت توصد الباب خلفها، استدارت لحماتها التي قالت:
-أهو غار من وشك اللي يقطع الخميرة من البيت.
جزت على أسنانها هادرة:
-هتروحي إمتى يا حماتي إن شاء الله؟
شهقت الأخيرة:
-أنا قاعدة في شقة ابني، مستنية حفيدي يصحى ألعب معاه خليكِ إنتِ في حالك يا بنت جمال.
تمتمت هدير وهي تدخل غرفة نومهما:
-صبرني يا رب.
التقطت المنبه الرقمي الموضوع على الكومود، وقامت بتظبيط المنبه على الساعة الرابعة وخمسة عشر دقيقة، ثم ابتسمت بحبٍ وهي تضعه مكانه.
1
***
زفر فادي للمرة الألف وهو يتصل بقدر للمرة المليون فلا تجيبه للمرة المليار! ترك الهاتف والتقط الشطيرة المجاورة له يقضمها بقوة، متلذذًا بكل قطمة فيها، فليحترق العالم، شطيرته أهم!
كان ساجد يجلس جواره، يرمق الشطيرة بجوعٍ حقيقي، وفادي يستفزه فذلك الحقير منذ جاء وهو يسرق طعامه!
سعل فادي بقوة أثر نظرات ساجد الثاقبة له، كور قبضته وضرب بها صدره يسأل ساجد بتعجب:
-إنت يالا باصصلي في الساندوتش كده ليه؟!
-جعان يا بني آدم خلي عند أهلك دم.
ازدرد لعابه وهو يرمق الشطيرة:
-شوفتك عملت اتنين، هات التاني بقا متبقاش مفجوع.
أجابه فادي ببرودٍ وهو يكمل تناول الشطيرة اللذيذة:
-التاني معيون.
صرخ بغضبٍ وهو يُشير على الشطيرة الأخرى بغلٍ:
-معيون إيه ما هو قدامك أهو!
-لأ معيون…العيون كلها عليه، أصله بسطرمة.
زمجر ساجد ناقمًا، فسمع ضحكات إسلام عليه وهو يهتف:
-قوم اعمل لنفسك يا ابني فادي مبيديش أكله لحد حتى لو كان مين، ده بينيمنا جعانين!
عض ساجد شفته السفلى بحنقٍ، فيما اقتربت سيرا ناحيتهم تهتف في إبن عمتها:
-إسلام بقولك، عايزة أستخدم أي لاب هنا عشان عايزة أطبع حاجات، عندك واحد؟
سألها ساجد متعجبًا:
-ما تشوفي يزيد.
-إنت عارف يزيد مبيخليناش نستخدم أي حاجة من عنده أصلًا.
أردف إسلام متحسرًا:
-والله يا غالية مكانش ينعز، بس أنا معنديش غير تيلفون ريلمي معفن إصدار السنة اللي قبل اللي فاتت، بصي روحي لفارس هيساعدك عنده واحد.
أومأت عدة مراتٍ شاكرة، وانصرفت، بينما عاد ساجد يهمس لفادي:
-ما تجيب حتة!
والأخير يرمقه باستفزازٍ ويُنهي الشطيرة!
دخل يزن القصر وهو يحمل بين يديه أكياسًا عدة، خلفه يزيد الذي يحمل أكثر منه ربما، الفارق أن يزن كان يتذمر، ويزيد كان صامتًا هادئًا كعادته.
اقتربت آيات مهرولة ومعها ميرا:
-اتأخرتوا كده ليه الليل ليل وإنتو لسه جايين؟
التقطت ميرا من أخيها يزن الأكياس فزفر يحرك يديه في الهواء ناطقًا بتذمر:
-مش على ما لقينا الحاجات دي، يعني إيه عايزة جبنة برا الميزان بريمو! إيه بريمو دي واشمعنا بريمو أصلًا!
رمقته آيات حانقةً:
-يباي عليك.
كادت تلتقط الأكياس من يزيد إلا إنه قال:
-هدخلهم أنا يا ماما.
ربتت على كتفه وهو يتحرك مبتسمة بسرور:
-قلب أمك محترم ومتربي..
ثم رمقت يزن بطرف عينها شزرًا:
-مش زي ناس.
زفر يزن متخصرًا، وبقى مكانه يلهث بتعبٍ، سرعان ما ضيق عينيه حين رأي العفريتين فرح وفريد يقتربان من تلك الشقراء التي جاءت حديثًا لإنهاء حفل خطبة قدر وفادي، ماذا سيفعل هؤلاء العفاريت!
اختبأت فرح خلف العمود، وفريد خلف العمود الآخر، هزت فرح رأسها لفريد تومئ له، فابتسم الأخير بمكرٍ، وهرول لرندا يصطنع البكاء:
-طنط يا طنط.
التفتت له متعجبة، فأكمل وهو يفرك عينيه ويصرخ باكيًا:
-فرح أختي وقعت في الأوضة وراسها بتنزل دم.
اتسعت عيني رندا، خاصةً عندما جذبها فريد قسرًا إلى الدرج هرولًا:
-بسرعة يا طنط أختي بتنزف.
كتمت فرح ضحكتها، بينما دفع فريد رندا إلى غرفة صغيرة أسفل الدرج:
-شوفيها يا طنط.
جذب الباب بسرعة يوصده بالقفل والمفتاح، ورندا لم تستوعب ما حدث إلا عندما سمعت الياب يغلق، فهرولت إليه تضرب عليه صارخة:
-افتح الباب ده يا غبي.
اقتربت فرح ضاحكة من فريد، وضربت كفها بكفه، وأمسكا بيدي بعضهما وهرولا لأعلى، تاركين رندا تصرخ في الغرفة، أوقفهما يزن هاتفًا:
-استنى يا ابني إنت وهي، إنتو حبستوها ليه! مقالبكم دي فينا إحنا مش في الناس.
هدرت فرح بحروفها المكسرة:
-طنط دي وحسة، تخيل يا يذن بتذعق في ماما وخالاتي؟
وفريد يكمل:
-وكمان بتتشرط عليهم، بقلة أدب وعنجهية.
اتسعت عيني يزن بصدمة:
-عنجهية! إيه الكلمة دي؟
-عنجهية يعني غرور وتـ…وأنا لسه هشرحلك، يلا يا فرح.
أمسك كف توأمته وركضا صاعدان الدرج تاركين يزن في الأسفل ينظر في أثرهما بصدمة متمتمًا:
-إحنا مكناش عيال والله!
تعالت صرخات رندا المرتعبة من الغرفة، اقترب منها وأرهف السمع فسمعها تصرخ:
-فــــــــــــــــــــااااار، افتحوا الباب فيه فـــــــــــــاااااار.
ثم صوت سقوط، ربما سقطت على لسانها الطويل فقطعته وصمتت للأبد!
تجمهروا أمام الغرفة، آيات ويزيد وميرا وسارة، ويزن يهتف:
-عيالك العفاريت حبسوها جوا وخدوا المفتاح وخلعوا.
أشارت آيات لميرا أن تجلبه صارخة:
-اطلعي يا بنتي هاتي المفتاح منهم بسرعة.
أبدى يزيد رأيًا:
-أعتقد على ما تطلع وتقدر تقنعهم هتكون ماتت جوا، ولادك أكيد حاطين أي حاجة جوا مخوفاها ومخلياها بتصرخ أوي كده.
بحث يزن حوله عن أي شيء يمكنه أن يهشم القفل، هرول يزيد إلى المطبخ، وفي الخزانة الأخيرة أخرج شاكوشًا وهرول إلى يزن أعطاه له، فرفعه يزن بقوة وبضربتين استطاع كسره وفكه، فتح الباب ونظر داخل الغرفة المظلمة ليجدها منكمشة في الداخل، مد يده لها مطمئنًا:
-اطلعي متخافيش.
خرجت من الغرفة تصرخ برعبٍ، فنظر لها الجميع بتوجسٍ، كانت عينيها حمراوتين بشدة، والكُحل الذي يسيل مع الدمع من عينيها مرعب، ومكياجها الذي خرب، وتصفيفة شعرها المشعث خربت هي أيضًا، صرخت:
-إنتو عيلة زبالة وهمج، مستحيل أكمل هنا ثانية واحدة.
تحدث يزن مخدئًا:
-اهدي يا طنط محصلش حاجة كانوا بيهزوا معاكي.
-بيهزروا؟ يحبسوني في اوضة فيها فيران ونمل وصراصير وبيهزروا؟؟؟؟
قالت يمنى التي جاءت من المطبخ على صوت للصراخ وهرولة يزيد:
-اهدي يا مدام رندا من فضلك، كل حاجة هتتحل دول عيال.
-عيال؟ دول عفاريت ، أنا هقدم فيكو شكوى، وربنا ما أنا معدياها بالساهل.
أردف يزن مندفعًا:
-ما تهدي يا ولية بقا قولنا عيال!
صرخت رندا غاضبة، منفعلة بوجهٍ أحمر متعرق والنيران بداخلها مضطرمة لا تهدأ بعد ما عايشته من رعب بالداخل، ورفعت كفها لتصفع يزن على وجهه:
-إنت قليل الأدب.
ولكن قبضة يزيد التي أحكمت على معصمها منعتها، فنظرت له بغضبٍ حارق، وسحبت كفها بعنفٍ بينما قال يزيد محذرًا:
-أنا بس اللي بضربه!
سحبت معصمها بقوة صارخة:
-لا ده إنتو عيلة مجانين بقا!
انتفضت آيات صارخة فيها وكادت تصفعها لولا يمنى التي حالت بينهما:
-لأ ده إنتِ اللي مجنونة وعايزة تتربي من أول وجديد يا صفرا إنتِ، سيبيني يا يمنى هجيبها من الإكستنشن الحرباية المتلونة دي، دي من أول ما جت وقارفانا بلاوي ده إيه البلوة اللي رعد جايبهالنا دي!
دفعتها يمنى بحنق:
-اتهدي بقا.
وأشارت على رندا لتكمل عملها:
-اتفضلي كملي شغلك خلينا نخلص، إحنا آسفين.
اتسعت حدقتي آيات صارخة:
-إنتِ بتعتذريلها يا يمنى!
جذبتها يمنى من كفها تسحبها بعيدًا وهي تهمس لها بوعيدٍ:
-اتكي ع الصبر، ولادنا اللي غلطانين متعوكيش الدنيا أكتر بقا.
نفخت آيات وجنتيها بضيقٍ، وأثرت الصمت.
-إيه اللي بيحصل هنا؟!
وقف رعد أمام رندا التي شكت له بانيهار ما يحدث منذ مجيئها، أما هو فللأمان طلب منها الذهاب معه لغرفة المكتب، فطاعته، وسارة تهمس ليمنى:
-دي دخلت معاه المكتب، آه لو شهد عرفت.
بينما استطاع رعد أن يقنعها بالإكمال، يعدها أن ينال الاطفال أشد العقاب على ما فعلوه، طالبًا منها أن ترتاح اليوم في غرفة الضيوف، وتكمل غدًا صباحًا قبل تهافت الضيوف، وهذا ما حدث بالفعل.
***
صوت الدراجات النارية لا يكف عن اصدار احتكاكه بالأرض، والسباق قائم والمتصدر الأول للفوز هو فتاة بخصلات نارية حمراء، تركض على الطريق السريع بدراجتها دون ذرة خوفٍ أو فزع، وصلت لخط النهاية في لحظاتٍ، واصطفت الدراجات خلفها بعد إعلان فوزها بالمركز الأول، هبطت من الدراجة تبتسم بثقةٍ والجميع يصفق لها، اقترب منها أكثر رجل تكرهه في حياتها بعد فهد إبن عمتها، جاسر العز!
شاب بمثل عمرها، عاطل ولا يفعل شيئًا في حياته سوى محاولة الفوز عليها، مرارًا وتكرارًا نخبره أنه لن يصل لمستواها ولو بمصباح علاء الدين، ولكنه أحمق لا يستوعب ذلك أبدًا!
وقف أمامها مبتسمًا بغلٍ، يكره انتصارها عليه للمرة التي لا يعلم عددها!
-Congratulations يا قدر.
ابتسمت باصفرارٍ مجيبة:
-ميرسي.
وإحدى الفتيات اقتربت تستند على كتف جاسر هاتفة:
-كل مرة بتكسبينا يا رورو.
-معلش بقا، النصر للأقوى.
مدت يدها لجاسر مبتسمة بمكرٍ:
-تسمح في المفتاح؟
مد يده المشدودة به في غلٍ، التقطته قدر وذهبت إلى الدراجة مبتسمة بانتصارٍ ككل مرة، اعتلتها ووضعت بها المفتاح، فتحدثت إحدى الفتيات الأخر:
-وبتاعتك؟
استدارت قدر تبحث بعينيها عن مصيبتها الكبرى، مؤمن! ذلك الرجل الذي لا تدري من أين يعلم أنها تخرج فيأتي خلفها كالجواسيس، حتى أنه صمم أن يأتي معها ووقف كالمتفرجين يشاهدها وهي تنتصر فيبتسم بهدوءٍ معجبًا، أشارت له بعينيها على دراجتها، ففعل، وانصرف الإثنين مخلفين الغبار خلفهم، تحت نظرات جاسر العز التي لا تبشر بالخير أبدًا.
في الطريق صاحت قدر فيه:
-تسابقني؟
ابتسم ونظر لها نظرة خاطفة ثم عاد يصب بصره على الطريق بحذرٍ:
-معنديش حاجة أراهن عليها.
-لأ عندك، لو كسبتك هتسيب الشغل.
نظر لها لبرهة بصمتٍ، وهي تبتسم بثقةٍ، فأومأ لها بعد تفكيرٍ وقال:
-ولو أنا كسبت، إنتِ اللي هتسوقي بينا العربية كل يوم وإنتِ رايحة شغلك لمدة أسبوع.
عقدت حاجبيها بعدم تصديقٍ، تُطلِق ضحكة غير مصدقة من وقاحته! إلا أنها في النهاية وافقت، وانطلقا الإثنان يسابقان بعضهما البعض إلى المنزل، كانت مهارة قدر تتحدث عن نفسها، ولكن مؤمن…صدمها بقدرته على الإسراع، وبمهارته في سواقة الدراجات النارية..
في نهاية الطريق كادت تكسبه، إلا أن سرعته التي زادت فجأة حتى كاد يحطم الأرقام القياسية أدهشتها، فوصل إلى بوابة القصر يسبقها، استدار بالدراجة لها قبل أن يوقفها تمامًا، فوقفت قدر بعدها أمامه فاغرة الفاه بدهشة، ولأول مرة يدهشها شيئًا!
-إنـ…إنت…
-بعد بكره الساعة 8 معاد شغلك ألاقيكِ في كرسي السواق.
غمزها بعبثٍ وأكمل طريقه للداخل بالدراجة، فضحكت قدر بعدم تصديق!!
8
***
يوم الخطبة..
كان الجميع يركض حول بعضه، يعملون على قدم وساق، فوضى لا متناهية، والفتيات يحملن الفساتين والمكياجات، حتى خبيرة التجميل قد أتت باكرًا لتستطيع هي وفريقها الإنتهاء من تجميل كل هؤلاء الفتيات! ففتيات آل عمران كثيرات، ومتطلباتٍ، وأيضًا…لحوحاتٍ للغاية.
جلست قدر أمام مرآتها، وخبيرة التجميل خلفها تستعد وحولها الكثير من المساعدات، معها بالغرفة نارين وفايا، فايا التي لم تكف عن الشرود في أمسٍ، عندما أوصلها المدعو أخوها من المول، لن تنسَ أبدًا ما قاله، ولن تنسَ كيف تصدّى لمعتديها، ولا كيف…انفجر في وجهها!
أخرجتها نارين من شرودها هاتفة:
-فافي مجبتيش الجزمة ليه؟!
-عندي واحدة نفس لون الفستان فمش مستاهلة.
أشهرت نارين إصبعها في وجهها محذرة:
-طنط شهد قالت مفيش مكياچ.
زفرت فايا حانقة:
-مش فاهمة يعني اشمعنا انتو!
-إحنا كباغ، وبعدين إنتِ وشك أهو ما شاء الله مفيهوش حباية.
زمت فايا شفتيها بحنقٍ، وهي تنظر لقدر بصمتٍ..
قدر…
التي تشرد في نقطةٍ ما تُفكر في حبيبٍ هجر..
ولم يعترف حتى الآن..
تتزوج..
وهو لا يبالي..
والله إن أنجبت فيظل على بلادته، لن تنس صدمته وقت عرف أنها ستُخطب، ولكن أن يأخذ الخطوة؟! لم ولن يفعلها..
2
***
حل الليل سريعّا، وبدأ المعازيم في التهافت، يستقبلهم رعد وزهد، ويامن يُشرف على الطاولات وكذلك رندا التي تحتمل رؤية فتيات تلك العائلة بصعوبة، أما شهد فهبطت بكامل أناقتها تستند على ذراع فايا إبنتها، خلفهما آيات وفتياتها، ويمنى تتضاحك مع سارة بسعادة..
عقدت شهد حاجبيها:
-فادي فين يا جماعة؟ العريس فين؟
1
لا أحد يعلم، فسارت في القصر قليلًا تنادي عليه، لم تتوقع انها ستجده هنا في يوم كهذا، فشهقت متفاجئة:
-نهار أبوك أسود.
التفت لها بفمٍ منتفخ بما فيه من طعام، يبتسم ببلاهة حتى كاد الطعام يسقط من فمه:
-في خطوبتك! حتى في خطوبتك مش عاتق! أكل المعازيم يا طوووور، سيب يالا، سيييب..
دفعته للمرحاض:
-خش اغسل وشك واطلع خد خطيبتك، يلا يا بلوة يلا.
وقفت قدر في منتصف الغرفة وحيدة، تنظر لهاتفها بين الفنية والأخرى، تنتظر إتصال، اعتذار، أو ربما اعتراف! ولكن..
بتر تأملها دخول رعد الغرفة، وابتسامته الهادئة المعهودة، بادلته تلك البسمة فاقترب أكثر وحاوط وجنتيها، ثم قبّل جبينها، وعاد ينظر لعينيها التي يرى فيهما عيني صديقته في كل مرة، وأردف:
-مكنتش متخيل إن هيجي عليا يوم وأنزلك لإبني، عروسته!
ابتسمت بتوترٍ، فتابع رعد بحرص:
-فادي يا قدر، هتتجوزي فادي.
1
لا تعلم أيخبرها بالمعلومة أم بالسؤال! لكنها ابتسمت فقط، هو لم يكن يخبرهابأي منهما، بل يضعها على أرض الواقع، أنها لن تتزوج إلا فادي.
تأبطت ذراعه، وسار بها خارج الغرفة إلى الدرج، يهبطانه ةفي كل خطوة كانت ترى فيها بسمة فادي المتحمسة تشع أكثر فأكثر، فيختلج صدرها، وتنظر لأمها السعيدة، فتموت ألف مرة ومرة..
لأنها لم تكن يومًا…الفتاة التي تُخيّر!
2
وقفت ورعد أمام فادي المبتسم، تسلمها منه وتأبطت ذراعه هو، زاغ بصرها فرمقت أبيها ممتعض الوجه، ازدردت لعابها وسارت مع فادي للخارج حيث همس لها:
-الفستان هياكل منك قطمة.
1
حتى الفستان تركت أمره لفادي، فجاء لها بأكثر التصاميم نُدرة، ذلك الفستان الذي أبهر كل الحضور برقته ودقة تصميمه، أكملا سيرهما حتى وصلا للكوشة، وقفا أمامها، وبدأت تلك الأغنيات السخيفة بالعمل، استعدادًا لتلبيس الشبكة.
وأمام نظراتٍ جامدة، صامتة، ترمقهما بصلابة، ألبست قدر الدبلة لفادي، فاستقرت في إصبعه الأيمن!
وفعل هو المثل، مع إضافاتٍ قليلة، كخاتم ألماس بلؤلؤة ضخمة تلمع تحت الأنوار، وحلقة ذهبية رقيقة، وعقد ألماس رقيق، استقر بثقله على عنقها، أنهى فادي تلبيسها والتقط كفيها يقبلهما بحماسٍ، يهتف بسعادة لم تراها عليه من قبل:
-أنا طاير من الفرحة، مبروك يا حبيبتي.
حبيبته! منذ متى كانت حبيبة فادي! منذ متى كان فادي لها شيئًا غير….أخ!!!!
ابتسمت بخفوت وقالت بصوت مبحوح:
-الله يبارك فيك.
تهافت عليهم المعازيم وأفراد العائلة، كلٌ يحيهم بطريقته، والأخ المنبوذ، يقف بعيدًا عن الأنظار، مغمور كعادته، اقتربت منه يمنى تحمل كأسًا به شربات، وقفت أمامه فناظرها بصمت لتقل ببسمة مكر:
-روح بارك لأخوك وخطيبته، ميصحش برده تفضل واقف كده.
نظراته الجامدة لها جعلتها تهتف بخبثٍ أكير:
-لأ متبصليش كده، إنت كنت عارف من زمان وأنا قايلالك..
1
اقتربت أكثر تهمس له:
-قدر مش ليك يا فهد حتى لو اضطريت أجوزها لأي حد ماشي في الشارع.
هزت منكبيها ببساطة:
-وجوزتها لأخوك، الموضوع سهل، مش عايزاك تتخيل ولو في أحلى أحلامك إنها ممكن تكون ليك في يوم من الأيام، قدر دي بنتي، ربيتها ع الغالي، ومش مستعدة أبدًا أشوفها مُنتهكة ومضروبة بحزام جلد، ولا حتى…مُغتصبة وشايلة الرحم!
1
مدّت يمنى الكأس له بعدما أنهت كلامها المسموم، تبتسم بنشوة النصر، التقط منها الكأس ورشف منه عدة رشفاتٍ بهدوء، وإن كان داخله يغلي، زوجة خاله تتفنن في استفزازه، تتفنن دومًا بتذكيره أنه لا يقل قذارة عن فهد المسيري!
2
رفع بصره في لحظة سهوٍ، فإذا بها تتعلق بفتاة أنيقة، ترتدي فستانًا أسود اللون، وحذاء ذو كعبٍ يرفع من قامتها، وخمارًا…أسود اللون أيضًا لفّته بطريقة احترافية أنيقة..
تمسك بيديها الإثنين حقيبة صغيرة سوداء، تنظر للمكان بارتباكٍ وكأنها…أول مرة تحضر حفل خطبة!
4
اقترب منها ببطءٍ مسحورًا، وكلما اقترب كلما تبين له معالم وجهها الوّضاء، ربما ذلك ما يسمونه…رضا الله!
وبلحظة…
اختفى السحر بمجرد أن احتل مجال الرؤية ساجد ابن عمه الذي صاح فيه متحمسًا:
-فهد الفهود إبن عمي الظبوطة، بقولك إيه عايزك في موضوع..
اعترض فهد وكاد يدفعه ولكن ذلك الوغد كان مُصرًّا!
لدرجة أنه لم يعد لها أثرًا!
ناظره فهد بنفاد صبرٍ:
-عايز إيه!
ابتسم ساجد بغباء:
-مسدسك أضرب منه طلقتين في الجو زي ما أبوك وأبويا عملوا.
رفع فهد حاجبه بحدة محركًا إصبعه دائريًا جوار رأسه:
-إنتَ أهبل يا ابني؟!
دفعه في صدره وتجاوزه متمتمًا:
-وسع كده من وشي.
فزم ساجد شفتيه بخيبة أمل، متوعدًا بالكثير لإبن عمه الشرير؟
اقتربب حسناء من جمع زميلاتها، تحدثت واحدة منهم بدهشة:
-إيه يا حسناء السواد ده! إنتِ جاية خطوبة واحدة مشلولة!
امتعضت ملامح حسناء قائلة بتجهم:
-فليقل خيرًا أو ليصمت يا دكتورة ابتسام
فصمتت الأخيرة محرجة، وابتسمت حلا بإعجابٍ، لطالما كانت الدكتورة حسناء تعجبها! إلا أن لها بعض المواقف معها شعرت فيها حلا أنها تعاملها بدونية!
نظرت حسناء لهاتفها تلتهي فيه عن ذلك الحفل المفعم بالأغاني وحرمانيتها!
لم تكن تريد المجيء ولكن…زوجة أخيها دفعتها دفعًا لذلك!
فإذا بها تُبصر سبع مكالمات فائتة من أخيها! اتسعت حدقتيها بقلقٍ حقيقي، ربما كان يريد الإطمئنان على وصولها تلك المنطقة المقطوعة! لقد استغرق الأمر معها ثلاث مواصلات لكي تصل إلى ذلك الـ…القصر!
-السلام عليكم، فيه حاجة ولا إيه؟
صوتٌ متقطع لأخيها يهتف:
-إنـ…وصلتـ…إنتِـ..فيـ…نـاء؟!
صرخت ليصل صوتها إليه فصوت الموسيقى كان عاليًا:
-إيه؟؟؟
سارت بعيدًا تبحث عن مكان دون موسيقى يجعلها تسمع أخيها دون تشويش!
وفجأة علا صوت أغنية رومانسية تحفز الجميع لرقص الثنائيات، نهض الجميع وكذلك سحب فادي قدر التي كانت معترضة على ذلك تمامًا…
وأمام عيني فهد كان فادي يحكم الغلق حول خصر قدر التي لم تكن مرتاحة بذلك الوضع! وكانت ترمقه بتوترٍ..
بارتباكٍ..
بأعين زائغة! وإن كانت حاسته صادقة فإنه رأى في عينيها الـ…ندم!
حتى أنه لم يصدق أن تلك النظرات قد تكون له فاستدار حوله باحثًا..
علقت عينيه برجلٍ هرول من المكان ركضًا..
كان يرتدي ملابس رياضية!
التفت فهد ينظر لها فوجدها قد ازدادت قلقًا وتململًا بين يدي أخيه وعينيها متعلقة بذلك الهارب.
إذًا كان ظنه بمحله، قدر لا تشعر بالندم عليه، وإنما على آخر..
هرول راكضًا خلفه وكاد يلحقه خارج القصر لولا ذلك التصادم القويّ مع جسدٍ غض كاد يقع فبحمية ظابط شرطة التقطه!
اتسعت عينيه بذهولٍ..
هاتان العينين؟! وتلك النظرة؟!
رآهما…من قبل!
اتسعت عينيها هي الأخرى بدهشة، واحمرت وجنتيها، وراحت تتهرب بعينيها منه دافعة إياه من صدره بغضبٍ صارخة:
-إيه قلة الأدب دي!
اختض جسدها من ذلك التلامس المُحرّم!
التمعت العبرات بعينيها وأخفضت رأسها..
أما هو فاعتذر بقدر ما اعتذر:
-أنا آسف، حقيقي آسف اعذريني مخدتش بالي منك!
وعندما لم يتلق منها ردًا اقترب خطوتين ليطمئن:
-طب حضرتك كويسة؟
ابتعدت بمقدار الخطوتين هاتفة ولا زال رأسها منكس:
-أيوه كويسة الحمدلله، حصل خير.
وهرولت..
لم يكن ركضًا بل…هرولة!
عقد حاجبيه بغرابةٍ وتفكيره يأخذه لمنحنى آخر حين أدرك أنه فقد المُطارَد! فأكمل ركضه للأمام باحثًا عنه في كل مكان حتى أدرك أنه…اختفى!
اقترب ساجد من أخيه يزيد هامسًا:
-ولا يا يزيد..
والأخير جديّا:
-ولا يا يزيد! بلعب معاك في الشارع أنا! أنا أخوك الكبير يا حيوان!
تحدي ساجد بغيظ:
-أسفين يا أخويا الكبير، ممكن بقا تخترقلنا الديچاي وتشغل الڤيديو بتاعي؟
رفع يزيد رأسه متكبرًا:
-هتدفع كام؟
بصق أخوه عليه:
-مادي حقير، عايز كام؟
-300.
رفض ساجد قطعًا:
-لأ 300 جنيه كتير أخرك معايا 150.
ضحك يزيد ساخرًا:
-جنيه إيه يا بابا، دولار!
شهق ساجد صارخًا:
-300 دولااااار! ليـــــــــه هتشغل ڤيديو إعتراف ناتنياهو إنه نتن!
رمقه أخوه بتحدٍّ:
-300 دولار ولا أمسحهولك خالص!
زفر صارخًا:
-طيب طيب حاضر، هاخدهم من أبوك بس شغل الڤيديو.
ربع يديه أمامه:
-متأسف، فلوسي الأول.
رمقه ساجد بإستحقارٍ، وركض لأبيه يسحب منه المال، والأخير يعنفه بشدة! ابتسم يزيد بمكرٍ وهز رأسه متمتمًا:
-متخلف!
عبث بالحاسوب الصغير الخاص به الموضوع هلى الطاولة أمامه، وما هي إلا لحظاتٍ وأغلقت الأضواء وفقط ظهر الڤيديو المُسجل الخاص بساجد، واقفًا فيه مبتسمًا بشدة، وصوت أخوه يزن يأتيه من خلف الكاميرا هادرًا:
-اخلص يا زفت مش هتستعرض جمالك!
تململ ساجد بغيظٍ يرمقه بتوعد، سرعان ما انتصب مبتسمًا ذات البسمة هاتفًا:
-قدر الغالية، ألف مبروك يا قدورة، ألف مبروك يا فادوووو، حبايب أخوكم، الصراحة مكنتش مستوعب لما عرفت إنكم هتتخطبوا، كلنا اتصدمنا الصراحة عمكم رعد السوسة مرضاش يقول، بس…حابب فكرة إن العيل اللي هيتولد ده هكون أنا إبن عمه!
وصوت يزن ينهره:
-عيل إيه هو سبوع! دي خطوبة مش ناقصة غباء!
وسخرية سيرا أخته:
-وبعدين هتبقى إبن عم أبوه مش إبن عمه هو!
وإذا بسيل من الشتائم ينفتح في وجهيهما فابتعد يزن بالكاميرا مهرولًا للخارج وهو يحوّل الكاميرا لوجهه وجميع من بالحفل يضحكون:
-مبروك يا فادو، مبروك يا قدر، ربنا يتمم بخير يا ولاد، الكاميرا بتاعت ميرا لو جرالها حاجة هتقتلني، عمومًا…بحبكم يا ولاد اللذينة.
ابتسمت قدر بسعادة، وضحك فادي ملء فيه والحلوى متكدسة في فمه، ظهرت ميرا توبخ أخوها:
-براحة ع الكاميرا يا يزن لا أحسن ادغدغلك دماغك!
همهم لها:
-بصوّر..
اتسعت حدقتيها:
-فعلًا!
ونظرت للكاميرا تبتسم بسعادة:
-ولاد عمي، ألف ألف مبروك يا حبايبي، عقبال ما نشيل عيالكم!
وكزتها سيرا في كتفها:
-عيال إيه إنتِ كمان جاتكوا نيلة مالكوش في المجاملات.
دفعتها ووقفت مكانها تبتسم:
-مبروك يا قدر، مبروك يا فادي، أنا من ساعة ما وعيت على الدنيا وأنا شايفة فادي بيدافع عن قدر وبيحبها، حتى لما سرقت مني آيس كريم الڤانيليا لكا كنت في رابعة إبتدائي دافع عنها ووعدني هيجيبلي واحد تاني ومجابش، حركة واطية أوي يا إبن عمي بالمناسبة، من زمان وإنتو بتحبو بعض، ربنا يكملكم على خير.
هرول يزن بالكاميرا للمطبخ فإذا بحسام يمرح مع آيات، وانتفضا على صوت يزن وحسام يوبخه:
-يا ولاد الكلب مش عارف آخد بوسة!
ويزن يهمس:
-بابا الكاميرا شغالة!
احمّر وجه آيات خجلًا وحمحم حسام متحدثًا بهيبة:
-مبروك يا ولاد، عقبال الفرح وأوعدكم اللي هيخلصني من ساجد لا أديله مليون دولار.
1
تعالت الصيحات والهمهمات ونظروا لساجد الذي صرخ:
-إيـــــــــه اشمعنا انا!!!!
انتقلت الكاميرا لآيات التي ابتسمت بارتباكٍ:
-مبروك يا حبايبي، ربنا يتمملكوا على خير وأشوفكم أسعد الناس.
كاد يغلق الكاميرا لولا سيلا التي شبّت:
-يزن أنا معملتش.
أنزل الكاميرا لمستواها فابتسمت بأسنانها المحطمة هاتفة ببسمة واسعة:
-مبروك يا رورو مبروك يا فادو، هاتولي شوكلتات كتيييييير بقا.
ضحك الجميع، وانتقلت الكاميرا ليمنى التي تتجمع العبرات في عينيها وجوارها سارة:
-مبروك يا قدر، هتوحشيني..
وانتفضت تبكي وتنحب بقوة بعيدًا وسارة تهمس:
-إيه الأڤورة دي دول هيعيشوا في جناح فادي فوق!
ويامن يأتي من خلفها مرتديًا فانلة حملات بيضاء يقطم خيارة ويشير على الكاميرا:
-إنت ماسك كاميرة أختك ليه؟!
دفعته سارة هادرة:
-بنصوّر فيديو يا فضيحة!
استدارت تبتسم هاتفة:
-مبروك يا ولادي، ربنا يتمملكوا على خير، فادي إبن أخويا وقدر بنت أخت جوزي! أنا مبحبش جواز القرايب عمومًا بيجيب تخلف وإحنا مش ناقصين، بس مبروك يا حبايبي، وأتمنى تضيفوا فرد جديد لعيلتنا الهادية اللذيذة..
وعلى ذكر الهدوء، تعالى صوت شجار تالا وميرا على جهاز التحكم الخاص بالتلفاز وتالا تصرخ:
-مالك إنتِ أنا ثانوية عامة ولا زفت أنا عايزة أتفرج على التيلفزيووووون.
صرخت ميرا:
-سيبي الريموت يا فاشلة واطلعي ذاكري.
ويزن يقول:
-طيب نسيب تالا دلوقتي شكلها مجنونة ونروح لفاسونيستا العيلة الآنسة تالين!
وتالين كانت تضحك بشدة على نارين التي تجذب خصلات إسلام صارخة:
-أنا تخنت يا عِجل يا بتاع لورديانا.
وفارس بالخلفية يعبث بحاسوبه دون أي إهتمام، وإسلام يصرخ وهو يجذب خصلاتها أيضًا:
-سيبي شعري يا حلوفة ده مكلفني ده.
-أنا حلوفة؟ طب خُد.
وعرقلته فوقع أرضًا وجثت فوقه تضربه بشدة، أزاح زين الكاميرا:
-شكل نارين وإسلام برده مجانين دلوقتي نروح لفارس…
نظر فارس للكاميرا بهدوءٍ هاتفًا:
-مبروك.
وعاد يعبث بحاسوبه دون أدنى إهتمام، فسار يزن بالكاميرا إلى شهد التي كانت تهرول بالقهوة لرعد الجالس في مكتبه، أوقفها هاتفًا:
-الحلوة بتاعت القهوة، استني عندك وقولي كلمة للعروسين.
وبخته من بين أسنانها:
-ده منظر تصورني بيه، ماشي يا إبن آيات اصبر عليا.
ابتسمت باتساعٍ وقالت بحنوٍ:
-مبروك يا حبايبي، أخيرًا هتتجوز يا فادي وتريحني، ربنا يكون في عونها، كنت دايمًا أقول مين الغبية اللي هتوافق تتجوزك، طلعت مش غبية بس لأ غبية وعامية، مبروك يا حبيبي خد بالك منها.
ضحكت قدر حتى احمرت وجنتيها ودمعت عينيها، وفادي صرخ والطعام في فمه موجهًا حديثه لأمه:
-كده عيب بقا!
في طريقه لغرفة المكتب حيث عمه رعد ونور التقى بفرح وفريد ونغم، فريد يرتدي ثياب سبايدرمان مصرًا على إحداث شبكة عنكبوتية وفرح تصنع السلايم المفضل لها بالأدوات المعتادة ونغم تعاونها:
-وجهوا المباركة لفادي وقدر.
قفز فريد أمام الكاميرا هاتفا:
-مبروك يا قدر، مبروك يا فادو…عايز جاتوه بالشوكلاتة ها..
أزاح يزن لكاميرا عنه لفرح التي كانت تتشاجر مع نغم:
-قولتلك متحطيس المايه دلوقتي كلامي مبيتسمعس ليه!
والشابة نغم تزم شفتيها بضيقٍ، نقلت فرح بصرها للكاميرا وقالت بسعادة:
-قولتلولي لما تتخطبوا هتجيبوا لفلوحة سلايم كتيل، مبلوك وعايزة سلايم متنسونيس.
همس فادي لقدر:
-هما ليه بيطلبوا حاجات إحنا بنتخطب مش طالعين إعارة!
-هو الكلام بفلوس! سيبهم.
وتابعت تنظر للشاشة الكبيرة وتبتسم باتساع، تغفل عن بسمته الحالمة بها أو…هكذا تدعي!
ونغم تبتسم بحبٍ هاتفة:
-مبروك، ربنا يتمملكم على خير.
توجه بالكاميرا لرعد ونور بالمكتب، وقد كان رعد يرتشف قهوته بتلذذ ونور يقرأ بعض الأوراق، بصر نور يزن فأغلق الأوراق سريعًا وابتسم للكاميرا:
-مبروك يا قدر يا حبيبتي، خدي بالك من فادي ومتضربيهوش لو سمحتِ محيلتناش غيره.
توجه بالكاميرا لرعد الذي لم يتحدث، فأشار له يزن، إلى أن نور تدخل:
-إنت عارف رعد مبيتكلمش وهو بيشرب قهوة الحلوة.
أنهى رعد الفنجان وتنهد يستند بكوعيه على مسند المقعد مبتسمًا برزانة:
-مبروك يا ولاد، خطوبة سعيدة.
قال يزن حانقًا:
-فيه حد يهني حد يقوله خطوبة سعيدة!
ناظره رعد نظرة سوادوية قاتمة فقال الأخير مرتبكًا:
-ألف ألف مبروك للعروسين وسلام حاير طاير من سيد المعلمين رعد العزاوي، ألف مبروك سلامو عليكو.
وأُغلِق الڤيديو، ساجد يبتسم بسعادة على فكرته، سرعان ما تأوه فجأة من تلك النغزة التي ضربت جانبه، تماسك وتحمل، فربما كان البرد قد أصابه، سأله يزيد قلقا:
-مالك؟
ابتسم الأخير بوجع:
-مفيش.
-مفيش يعني إيه إنت كنت بترجع قبل الحفلة وكل شوية بتقول لماما إنك مصدع ودايخ.
ربت ساجد على كتف شقيقه الأكبر هاتفًا:
-أنا كويس.
عقد يزيد حاجبيه بغرابة، وازداد ريبةً!
بينما ثارت منظمة الحفل لذلك وهرولت لرعد الواقف يبتسم على ذلك العرض الممتاز:
-أستاذ رعد متفقناش على كده حضرتك! قولتلكم الڤيديو ده سخيف وفكرته قديمة مش حفلات منظماها رندا السكري يحصل فيها الهبل ده!
التفت لها رعد ببطءٍ، وهمس بفحيح:
-طُـــــــــظ.
1
اتسعت حدقتيها بصدمةٍ، وجذبتها شهد من ذراعها هاتفة بغيظ:
-تعالي بقا هنا عشان أنا سكتالك من الصبح.
سحبتها للدرج تصعد بها عنوة، وانسحب خلفها سارة ويمنى اللتان تهامستا:
-استعنا ع الشقا بالله.
1
ويمنى تقول:
-هترجعنا لأيام الشقاوة تاني.
وخلفهما ركضت آيات بحماسٍ.
***
اقتربت زميلات قدر يباركن لها، وهي تعرفهن بفادي وتعرف فادي بهن، وكذلك حسناء، التي ابتسمت لفادي فقط ورفضت مصافحته، فشعر الأخير بالحرج، واستأذنت حسناء قدر بالرحيل، لأن الوقت تأخر..
خرجت حسناء تسير على الأرض العشبية بتعثر، تحت نظرات تترصدها منذ أن رأتها تدخل الحفل، وقفت على ناصية الشارع، فلم تجد حتى سيارة تمر!
-إيه المكان الهِو ده!!!
سارت خطواتٍ قليلة ابتعدت بهم عن مكان القصر، ارتعدت عند سماع صوت حركة خلفها، فسارعت من خطواتها، حتى صرخت فزعة عندما رأت رجلًا يقترب منها من الأمام، استدارت لتهرول للخلف فوجدت خلفها رجلًا آخر يقترب، احتضنت حقيبتها بذعرٍ، وقد اقترب الإثنين تمامًا منها، أحدهما يهتف بقذارة:
-الحلو المحتشم رايح على فين، هنوصلك.
لم تجب، حاولت الهروب الى الطريق السريع فأوقفها بمسكة ذراع! انتفضت له وارتعدت فرائصها:
-استني بس رايحة فين.
لم تكمل بصرختها الثانية حتى سمعت صوتًا تألفه، تألفه جيدًا:
-ولا ولا، سيبها يالا.
ويكفي فقط اقترابه، ليهم الإثنان بالهروب، كاد يركض خلفهما لولا وقفتها المرتجفة، فسألها برفق:
-إنتِ كويسة؟
أومأت له عدة مرات برعب، فأشار لها لسيارته المركونة في الخلف:
-تعالي هوصلك.
هزت رأسها نافية:
-لأ أنا…أنا هركب أي حاجة.
ابتسم ساخرا:
-انتي شايفة هنا اي حاجة؟؟؟؟
ابتلعت ريقها وهي تنتظر أي سيارة! ولكن لا حياة لمن تنادي.
فاضطرت مجبرة أن تسير معه للسيارة، ولم تجلس جواره كما توقع، بل جلست في المقعد الخلفي، ليزفر بضيقٍ، ويحتل مقعد السائق يسألها عن عنوان منزلها، فقالته له بلسان مرتجف.
1
***
وقفت آيات تحادث شهد في أمور الحفل، يتضحكان على ما فعلاه بتلك الشقراء، أتاها ساجد يمسك جانبه الأيمن، استند عليها هامسًا:
-ماما.
غمغمت بلا إهتمامٍ وهي تتابع ضحكها مع شهد، تأوه بصوت مكتوم، يهمس مجددًا:
-يا ماما.
لم تبالي بندائه، فساجد معروف أنه دومًا يمزح، إلا أن الوجع زاد حتى لم يعد يتحمله! فصرخ متأوهًا بقوة وهو يرتمي أرضًا بتعب، يتلوى وآيات تنتفض وتسأله بقلق منحنية عليه:
-بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا ساجد؟ مالك يا حبيبي.
تلوى أرضًا صارخًا بوجع وهو يعتصر عينيه:
-جنبي يا ماما جنبي بيوجعني أوي.
-جنبك، يالهوي، حســــــــــــــــام، الحقني يا حســـــــــام.
تجمهر الجميع حوله بما فيهم العائلة، وشاهندا تقول بخوف:
-What’s wrong ya saged!
1
في حين هرولت قدر بفستان خطبتها قلقة، وسألت ساجد المرتمي أرضًا بقلق:
-مالك يا ساجد؟
فيما صاحت آيات في نور تلكزه بقوة وعبراتها تستمر بالنزول:
-شوفه!
صرخ نور غاضبًا:
-هو أنا الدكتور الوحيد اللي هنا؟!
هتفت شهد بحنق:
-ما تخلص هي كيميا!
زفر صارخًا بانفعال:
-يا مرات عمي أنا بقالي عشر سنين ببوس إيدكم تصدقوا إني دكتور بيطري ماليش في البشر وبرده مفيش فايدة.
1
-بشري من بيطري مفرقتش في حرفين يا نور اخلص واكشف ع الواد هيروح مني!!
نفض ملابسه هادرًا بنفاد صبر:
-بقولك أنا دكتور بهاااااايم، دكتور حميييير.
أردفت سارة بسخرية:
-وهو إنت هتكشف على مين يعني؟! ده ساجد!
رد عليها بعصبية:
-وهو إيه ساجد ده يعني مصنف من الزواحف؟ ما هو بني آدم!
أجابته سارة بتهكمٍ:
-لأ ساجد حمار.
رمقتها آيات بحدة، فقهقهت سارة ساخرة ومن هنا صرخت شهد:
-اقعدوا اتناقشوا في فصيلة الواد لحد ما يروح مننا!
دفعه يزن صارخًا:
-اخلص يا دكتور!
وانحنى نور مجبرًا بدفع من رعد وحسام ويزن، لحظاتٍ والتفت لهم مبتسمًا ببلاهة:
-لا حاجة بسيطة إن شاء الله.
اتسعت حدقتي الجميع وتسائلوا بصوتٍ متحد:
-إيـــــه؟
-بيولد.
دفعته قدر صارخة:
-بيولد إيه وّسع كده دكتور نص كُم.
جلست القرفصاء أمامه، تسأله بجدية وهي تمسح على وجهه المتعرق:
-ساجد ركز معايا، حاسس بإيه؟
تلوى في أحضان أمه صارخًا بألم:
-جنبي بيتقطع يا قدر، زي سكاكين بتدب فيه.
تحسست جبهته فإذا بها مرتفعة الحرارة، لقد كان ساجد يتقيأ قبل الحفل! كما أنه اشتكى لها أكثر من مرة أنه يشعر بالدوار فظنته يمزح كعادته!
تنهدت بعمقٍ، والتفتت لهم من جلستها هاتفة بعملية:
-ساجد لازم يتنقل العمليات حالًا..
ثم عادت تنظر لحالته بحيرة:
-الزايدة شكلها انفجرت!
1
***
صمتٌ تام طوال الطريق..
وحسناء لا تتحدث..
فقط تدعي الله أن تصل سالمة، وتستغفره على ذلك..
فهي إن كانت تجد مواصلة تقلّها لركبتها..
ولولا هؤلاء السفهاء الذين حاولوا الإعتداء عليها لما ركبت معه.
وهو أيضًا..
لم يفعل شيئا أو ينطق بحرفٍ سوى أن اختطف نظرات سريعة لها من المرآة الأمامية، رغم فضوله لمعرفة المزيد عنها!
بتر الصمت بسؤال:
-إحنا متقابلناش قبل كده يا دكتورة؟
وبصوتٍ هادئ أجابت:
-يمكن لو جيت المستشفى قبل كده، غير كده مستحيل نكون اتقابلنا.
تعجب من حديثها الواثق!
كيف لشخص أن يحصر حياته في عمله فقط؟!
ضحك داخليًّا وبسخرية على تلك الكلمة..
هو من كرّس حياته لعمله الذي فُصِل منه مرةً واستقال مرة وكان يعود له في كل مرة؟! كعلكة التصقت به منذ الولادة.
تُرى..
كيف تسير العملية الهامة بدونه! لقد شارفت الساعة على الواحدة بعد منتصف الليل..
من المؤكد أنهم الآن قد أتموها بوجود بلال وفي طريق العودة..
ذلك الوغد! يتمتع بالمهام بمفرده.
1
وعلى ذِكر الوغد رن هاتفه محدثًا ضجيجًا، نظر للشاشة وابتسم بمكرٍ وأجاب على السماعة الداخلية للسيارة فسمعت حسناء ذلك أيضًا:
-اللي خلّص عملية التهريب من غيري ومقضيها، هخلص المصلحة اللي في إيدي ومش هتنام غير لما تحكيلي كل حاجة بالتفصيـ…
بتر حديثه بقلق عند سماع صوت اللهاث المتسارع ناظرًا للهاتف نظرة خاطفة وعاد ينظر للطريق هاتفًا:
-بلال؟ إنت كويس؟
وصوت لهاث صديقه وهتافه البطيء:
-حمزة أمانة في رقبتك يا فهد، حمزة وهدير أمانة تقابلني بيها يوم القيامة تردهالي، وابقى اسأل عن أمي….و…وقول لهدير إني بحبها…بحبها أوي.
5
توقف بالسيارة فجأةً فارتد جسده وجسد حسناء في الخلف، أمسك الهاتف بين يديه والمكبر يعلو بصوت اللهاث في السيارة وفهد يصيح:
-بلال! انت فين يا بلال؟! ايه اللي حصل رد عليا
طلقات أعيرة نارية، وتأوهات موتى..
وصراخ أحدهم:
-هنعمل إيه يا سيادة الرائد!
وفهد على أعصابه يهتز الهاتف في يده والرجفة تسري بجسده صارخًا:
-بلال فيه اييييه
صيحات هادرة لا تتوقف:
-المقدم صقر فيـــــــــــــــــــــن؟؟؟؟
-تعالى احمي ضهري
والصديق، يبحث عن صديقه وسط همهمات الرجال وتأوهاتهم والرصاص المتطاير:
-بلااااااال رد علياااااا
وبالخلف حسناء تنظر لما يحدث بارتباكٍ وأعين زائغة، تنظر للهاتف بقلق مثله تمامًا..
-مقدم صقر هنعمل إيه!
سؤال وُجه لخصمه، لم يسمع له صوتًا! لم يجب!
ألقى الهاتف بإهمالٍ على المقعد المجاور وأدار السيارة مغيّرًا بذلك وجهته في لحظة ومتناسيًا تلك الفتاة القابعة بالخلف، مصرًّا على السفر في تلك اللحظة إلى مكانهم الذي لا يعلمه حتى!
زاد من سرعة السيارة حين وصله من المكبر صوت طلقات نارية متكررة، وصراخ أحد الجنود:
-احموا ضهر الرائد بلال فورًا.
صوت تشويش، وضجيج، ثم….
لهاث!
-حـ…حمزة وهد…ير يا فهـ…ـد، و…وأمي!
اجتمعت العبرات بمقلتيه فأضحت الرؤية ضبابية وهو يصيح بحدة وصرامة رغم الرجفة في صوته:
-استحمل شوية، استحمل شوية يا صاحبي وهجيلك، هساعدك، استحمل يا سيادة الرائد ده أمر!
العجز…
ذلك العجز الذي تمكن منه وهو يقود إلى طريق لا يدري أين هو!
إلى طريق يبعد آلاف الكيلومترات عن موقعه..
همسٌ جفف الدماء في أوردته، وتشجنت قبضته الممسكة بالمِقود، همسٌ رغم إنهاك الصوت المنبعث منه إلا أنه كان ثابتًا، قويًا…راسخًا:
-أشهد أن….لا…إله إلا الله، وأ…ن محمد رسول…الله
جحظت عينيه ناظرًا للهاتف بصدمة، خاصة حين سمع الصراخ:
-مقدم صقر فييين!!!
وكلماتٍ كان يتمنى لو أنها…كذب:
-الرائد بلال اتصاب.
وسؤالٌ تلاعب بأعصابه، حتى…دمرها تمامًا:
-بيتنفس؟
وصمت…
صمت تام..
أكد له صدق ظنونه..
لقد استشهد صديق عمره…
6
______
زر الذهاب إلى الأعلى