روايات رومانسية

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثامن 8 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثامن 8 بقلم تقي حامد 

قلّبت دُرة عينيها بمللٍ، فطوال جلستهما التي استغرقت حتى الآن ساعة ونصف لم يكف ذلك النرجسي عن ذِكر مكان عمله في دبي ومحل إقامته ومرتبه الخيالي وعضلات بطنه السداسية! تأففت وهي تتلاعب بالسكين الموضوعة أمامها والمُقدمة مع طبق الوافل بالنوتيلا التي لم تمس منه قطعة لأنها وللمفاجأة لا تحب النوتيلا، وذلك الأحمق طلب لها الطبق دون أن يسألها!
-ومن ساعتها والبنت دي كل ما تشوفني تجري مني محروجة..
ضحك بسخافة وهو يأكل من شوكته، ثم أشار على طبقها هاتفًا:
-إنتِ مبتاكليش ليه؟ الوافل وحش؟
ابتسمت باصفرار:
-لا أبدًا ده تحفة، بس بطني وجعاني شوية.
أومأ على مضضٍ وأشار لها وهو يتراجع بظهره ليلتصق بظهر المقعد:
-تقدري تسأليني أي سؤال أنا مسمعتش صوتك من ساعة القعدة.
غمغمت بحنقٍ:
-وإنت مديني فرصة أتنفس!
ضيق عينيه بشكٍ:
-قولتِ حاجة؟
تبسمت بجمود:
-أنا؟ يتقطع لساني قبل ما أقول.
صمتت قليلًا ترتشف مياهًا، ثم قال هو بنبرة مغترة:
-تعرفي كام واحدة تتمنى تقعد مكانك بس؟
غصت بالمياه وسعلت قليلًا، ثم أنزلت الكوب ترمقه بتهكمٍ:
-كام واحدة يا توم كروز مصر.
نفخ صدره بغرورٍ:
-كتير أوي، من كترهم مبقتش أعدهم.
قلبت شفتيها مشمئزة ولا زالت بسمتها المصطنعة تحتل وجهها، زفرت بحنقٍ ودعت على أمها في سرها:
-ربنا يسامحك يا ماما، حسبي الله.
وظل يحكي عن قصص حياته المثيرة، وكيف كل من تراه تقع في عشقه، ذلك الأقرع الأملس الذي لا يملك شعرة واحدة في رأسه أو ذقنه!
ثم صمت وعاد يقول بينما يرتشف من عصيره:
-ما تحكيلي عن نفسك يا آنسة دُرة.
ضحكت ساخرة:
-وأحكيلك عن نفسي ليه ما كفاية إنت بتحكي!
رفع حاجبه متعجبًا:
-نعم!
تلوت في مقعدها بعدم راحة:
-نعم الله عليك يا أخويا
تنهدت وقالت:
-أنا دُرة فهيم عندي 26 سنة وخريجة حاسبات ومبشتغلش، مؤخرًا هبدأ أشتغل مع أخويا.
لمعت عينيه وقال:
-وأخوكِ شغال إيه؟
رمقته بازدراء:
-صاحب محل حلويات.
-يعني بيبقضوكِ كام في الشغلانة دي؟
تمتمت بنزقٍ:
-وكمان بخيل ونتن وحاطط عينك على مرتبي!
ابتسمت بسماجة:
-معرفش لسه.
صمت قليلا يفكر وهمس:
-ما لازم تعرفي عشان نشوف مرتبك على مرتبها هيعمل كام دي مصاريف ياما.
اتسعت حدقتيها بصدمة هاتفة:
-مرتب مين؟
بتلقائية أجاب:
-مرتبك إنتِ.
-لأ التانية، مرتبي و…ومرتبها؟!
ابتسم نافخًا صدره:
-آه مرتب نهى.
-نهى مين!!!
-مراتي.
صرخت بصدمة:
-إنت متجوز!!
هز رأسه يومئ بفخرٍ:
-آه
هزت رأسها مستفسرة بذهول:
-ومقولتليش ليه!
رفع منكبيه ببساطة:
-ما إنتِ مسألتيش!
1
-وحياة أمك! متجوزها من امتى دي؟!
ابتسم باتساعٍ:
-من خمس سنين كده بس كان لقائنا جبار لما دفعتلي تمن أجرة الميكروباص في….
أشارت له بالصمت:
-شششش اخرس، لما إنت متجوز قاعد معايا القعدة اللطيفة دي ليه؟
تنهد:
-عشان أتعرف عليكِ وأشوفك مناسبة ولا لأ
رفعت حاجبها بدهشة:
-مناسبة لإيه يا بابا؟
وإجابته كانت صدمة:
-للحمل!
-حمل إيه يا روح الننوسة؟
اعتدل في جلسته:
-ما أنا ومراتي مبنخلفش بس هي متعرفش إني هتجوز تاني، هنتجوز في السر كده كام يوم تجيبيلي الولد عشان أفرح بيه.
هزت رأسها بعدم استيعابٍ لما تسمع، وضحكت بعدم تصديق، ثم انتفضت تضرب على الطاولة بكفيها بقوة مما لفت انتباه الزبائن:
-نفرح في دفنتك إن شاء الله يا بعيد، يعني مش كفاية إنك منتن وبخيل، وعايز تاخد مرتبي، ومتجوز وعايز تتجوز على مراتك وفي السر كمان، لأ وفوق كل ده عايزني أخلفلك الواد، إنت أهبل ولا هربان من العباسية؟!
-يا آنسة دُرة صدقيني الموضوع…
صرخت في وجهه بغضبٍ:
-تصدق وتأمن بالله قول لا إله إلا الله..
-لا إله إلا الله.
أشارت على الطاولة من حولهم وعلت بنبرتها أمام الجمع المتفرج:
-انا فيه كلمة عايزة اقولها من ساعة القعدة اللطيف دي.
-قوليها يا ماما
رمقته شزرًا وصاحت:
-يا راجل يا عرة.
جذبت حقيبتها لتغادر فأوقفها بمسكة ذراع:
-اقعدي بس يا آنسة دُرة نتفاهم.
فاستدارت والتقطت كوب العصير الذي أنهاه كاملًا وكسرته على رأسه فصرخ متأوهًا أثناء صياحها:
-متلمسنيش يا حيوان.
ارتمى على المقعد مجددًا يمسك رأسه صارخًا بألم وهو يتلوى على المقعد، وهي تنظر له شزرًا حيث لم تحن حتى لخيط الدماء الذي انساب على جبهته، وبصقت عليه هادرة:
-جاتكو البلا صنف عايز الحـــرق.
***
جلس أمجد جواره إيميلي على مائدة الطعام، ترمقهما سُعاد الأم بإحتقارٍ، وتُماضر ترمق ملابس الفتاة بتقييمٍ، وعن رقية فقد همست لإبنها باسل الجالس جوارها:
-البنت دي حساها مش هتكمل شهر هنا.
وإبنها يخبرها:
-البت مُزة بصراحة وبسكوتة، إبن المحظوظة بيقُع واقف.
وعاصم أخيه يتدخل هامسًا:
-لِم نفسك دي مرات إبن عمك.
قلّب باسل عينيه مللًا، ولم تكن نظرات أمجد تقل عن نظراتهم إبهامًا..
فنظراته لبسمة تحديدًا كانت تقتلها في مكانها..
نظراته الحانقة والثاقبة..
لم يتقبلها يومًا فردًا من تلك العائلة..
رُغم تقبل إخوتها لها، كان أمجد دومًا يمقتها ويكره وجودها..
فجلست أسفل نظراته الثاقبة تدفن وجهها في طبقها منحية الظهر والرأس، حتى ألمها ذلك ولكنها لم تملك الجرأة لرفع رأسها أو إقامة ظهرها..
فهي خطيئة زُرعت قسرًا وسطهم..
وتظل الخطيئة المنبوذة!
-أخبار سويسرا إيه.
رمقه أمجد بنظرة جانبية مهمشة، وعاد ينظر في طبقه متأكدًا أن ما يسأل عنه والده ليس البلد، وإنما من بها:
-كويسة.
ردٌ مقتضِب، وإيلاف التي لا تصمت تقول بحماسٍ:
-جبتلنا إيه من هناك يا أمجد؟
ابتسم أمجد مجيبًا:
-حاجات كتير حلوة أوي.
تحمست سُلاف قائلة:
-إنت وعمو شاكر وروكا! دا إحنا شكلنا هنقعد للصبح نفتح في شُنط.
نظر أمجد لشاكر الذي قال:
-أنا ورُقية والولاد لسه راجعين من لندن، عاصم خد الدكتوراه خلاص.
نظر له أمجد مبتسمًا:
-بجد، مبروك.
رده عاصم بهدوءٍ، فيما نظرت إيميلي لعاصم متسائلة وهي تتلاعب بفروِ ذلك الكلب الصغير بين كفيها:
-إنتِ في كُلية إيه؟
-طب.
اتسعت عينيها بدهشة:
-إنتِ دكتوره!
قالت سعاد بحنق:
-إيه إنتِ دي مش مالي عينك شنبه ولا إيه!
وكزتها تماضر محذرة، فقالت إيميلي بذهول:
-أنا مش أقصد!
تململت سعاد بعدم ارتياح:
-يا اختي على سهتنتك.
ثم قالت بعلوٍ:
-ما تنزلي الكلب ده على الأرض قرفتينا!
نظرت إيميلي لأمجد ببراءةٍ فهمس لها بكلماتٍ أجنبية وأقنعها لتُنزل الكلب ففعلت وقالت لسعاد معدلة:
-دي مش كلب دي كلبة، It’s Marline.
تنهدت سعاد بنفاد صبرٍ وضُرتها على وشك الإنفجار ضاحكة..
بينما كانت سعاد الصغيرة تجلس جوار حليم أبيها الذي تسلل بكفه ليربت على كفها المرتاح على فخذها، فنظرت له بانتباه لتجده يبتسم بحنوٍ لها، فتبسمت بارتعاشٍ…
تحت نظراتِ بسمة المنكسرة، كان أبيها يمارس الأبوة..ولكن ليس معها..
مع إبنته الأخرى التي لا تحتاج لحنوٍ..
تلاعبت بالطعام في شرودٍ..
حتى هبط شاهين وزوجته، وتلاقى مع أخيه الذي نهض يحييه فوقف كلاهما وقفة مواجهة بعد سنواتٍ عِدة..
آخر لقاء لهما كان منذ 7 سنواتٍ قبل أن يعود أمجد لأمه في سويسرا رافضًا العيش مع أبيه، وتنسى أمه أن هناك إبنًا قد تركته..
قطعة منها قد هجرتها!
باقتضابٍ صافحا بعضهما، وبنظرة جامدة رمق الشقيق شقيقه، وكأن الغياب لم يطول..
يخبره شاهين بنظرة:
“فضلتك أنت علي؟ لماذا؟”
وحدة نظرات أمجد تقول:
“أنا أفضل منك!”
وكلاهما يتصارع بنظراتٍ حارقة، بترها فهيم بقولٍ صارم:
-اقعد يا أمجد كمل أكلك.
فجلس أمجد مجددًا..
وبقى شاهين واقفًا..
ينتظر دعوة؟ أم يحقد على أخيه بنظراته؟
تداركت زوجته الموقف حين جذبته لداخل المطبخ، ووقفت تنظر لشرود وجهه بشفقةً هامسة بحذر:
-شاهين!
نظر لها بجمودٍ فقالت بحرصٍ:
-إنت كويس؟
أومأ لها على مضضٍ، فرفعت كفها الصغير تبسطه على وجنته بحبٍ تنظر له برقةٍ، نظرة أكدت له أنه يملك الدنيا وما فيها:
-أنا جنبك.
جملة كفيلة بأن تجعله ينحني عليها فجأةً لتتراجع بظهرها مجفلة، فيضم خصرها إليه ويدفن وجهه في عنقها زافرًا بحرارة، فتنهدت وتلمست ظهره تربت عليه صعودًا وهبوطًا مهدهدة إياه بصوتها الهادئ:
-هي متستاهلاكش.
لم يجب، يكفي ما يدور بذهنه من إعصارات جمة!
قطع خلوتهم وجود عمار المفاجئ، والتفاتة شاهين البطيئة له ونظرة يسرا المذهولة، فرفع التفاحة بين يديه هاتفًا بعينين تتهربان من كلاهما:
-كنت عايز تفاحة.
استدار ليغادر فقال شاهين:
-أمجد هنا يا عمّار.
مال عمار برأسه متشنجًا ولا زال يعطيه ظهره:
-أمجد…مين؟
فابتسم شاهين، وغادر عمار صاعدًا للأعلى أمام أعين الجميع، دون أن يلتفت لأيًا منهم..
فعاد شاهين ينظر ليسرا التي قالت مربتة على ظهره:
-متشيلش هم حاجة ولا تزعل نفسك، إنت تستاهل كل خير، تستاهل الحلو كله يا شاهين واوعى أبدًا تفكر فيها تاني، انساها زي ما هي نسيتك، إنت تستحق حياة سعيدة هادية بعيد عنها..
كان ينظر لها بشغفٍ، ينقل عينيه من عينيها إلى شفتيها إلى غمازتيها، مثلث غرق فيه وداب، ولا يريد النجاة أبدًا..
-إنت أحسن إبن في الدنيا، وأحسن زوج، وهتبقى أروع أب.
قالتها محاوطة بطنها المنتفخة، فابتسم قائلًا:
-تعرفي أنا نفسي في إيه.
تساءلت:
-إيه.
-عايز بوسة مشبك وأعض خدودك أو أشيلك وأطلع بيكِ الأوضة.
اتسعت حدقتيها تضحك بعدم تصديق:
-شاهين يا قليل الأدب!
داعب خصرها بعبثٍ فانتفضت تتراجع للخلف حتى التصقت بالرخامة:
-أول مرة تعرفي ولا إيه.
تمنعت بصحكة:
-عيب كده.
حاوط شاهين الرخامة وحاصرها بينه وبينها، يدغدغ عنقها وهي تضحك بخفوت تحاول دفعه صارخة بصوت خافت:
-شاهيييين عيب كدا حد يخش.
غمغم بضيق:
-ما يولعوا بقا.
لثم ثغرها يكتم حديثها بنعومة شفتيه ورقته، وتغرق هي في أحضانه ولا عزاء للطعام والذين ينتظرون تواجدهم في الخارج بعد اللقاء الجاف بينه وبين أخيه!
سمعا صوت شهقة من خلفهما، تلاها جحوظ عيني يسرا بحرج، بينما رفع شاهين رأسه للسقف متنهدا بيأس ولم يلتفت بل أغمض عينيه هامسًا بوعيد:
-يلا يا ولاد الكلب!
-إيه المسخرة دي! مش عندكو جناح يلمكم!
استدار لها شاهين غاضبًا:
-وإنتِ مال أمك إنتِ كمان! وأنا كنت ببوسك إنتي!
لكزته يسرا في صدره محذرة:
-شاهين!
-أنا بقول إن ليكم أوضة، عيب كدا لو حد من الأطفال شافكم يقول إيه!
قالتها وفاء بارتباك، فأردف شاهين ساخرا:
-ما تخليهم يشوفوا بدل ما بيصطبحوا كل يوم على أشكالكم اللي تقطع الخميرة من البيت
-شاهين بس بقا.
همست بها يسرا، فالتفت يناظرها بحنق، فيما أردفت وفاء:
-الحق عليا مش عايزة منظركم يبقى عرة قدام العيال.
صرخ شاهين زافرًا بنفاد صبر:
-يا صبر أيوووب!!!
وهدرت يسرا:
-إنتي عايزة إيه دلوقتي يا وفاء!
قالت بسخرية:
-كنت عايزة أشرب، بس خلاص سديتوا نفسي.
ثم رحلت، فعض شاهين على شفته السفلية مبتسمًا بتهكم وحررهما قائلًا:
-إحنا اللي سدينا نفسها، دي هي اللي سدت نفسي ع اللي كنت بعمله بنت فضيلة!
لكمته يسرا بغضب:
-عاجبك كدا! تقول علينا ايه!
أشاح بكفه نافرًا:
-طز فيها مش كفاية مش عارف أبوسك بالكورة اللي في بطنك دي!
-شاهيــــــــن!
-يســــــــراااا.
هزت منكبها متمنعة وهي تدفعه لتخرج:
-طب إيه رأيك بقا كنت هديك بوسة بس بعد كلامك دا مش هعبرك، وسع كدا.
فإذا به يسير خلفها كالطفل هاتفًا بسخرية:
-لا يسرا بالله عليكي متحرمنيش من البوسة يا يسرا.
خرجا فرأت يسرا رنيم لتمتعض ملامحها هامسة:
-دي لسه هنا بتهبب إيه دي!
نهضت تماضر تنفض كفيها تناظرهما لائمة:
-إحنا شبعنا اتأخرتوا أوي.
قالت سعاد الأم وهي تحمل أطباقًا لتُدخِلها:
-كنتو بتعملوا إيه كل ده!
احمرت وجنتي يُسرا وشعرت بالسخونة تنتفض منهما، فابتسم شاهين بخبثٍ وانحنى يهمس جوار أذنها:
-هتديني بوسة ولا أفضحك قدامهم وأقولهم كنا بنعمل إيه؟ وهاخدها برده!
تأفف بضيقٍ وهي تنظر إليه:
-يباي عليك يا شاهين!
-اخلصي!
هتفت رقية ضاحكة:
-ده أنتو حتى مسلمتوش علينا.
انتفضت يسرا تتهرب وهرولت لرقية:
-إزاي بس يا خبر، حمدلله على سلامتكم يا روكا.
ونهضت رقية تحتضنها وتسألها عن أحوال جنينتها، أما وفاء التي كانت ممتعضة الملامح مقتضبة سألتها سناء:
-فيه ايه وفاء قالبة وشك ليه!
تحدثت خديجة ساخرة:
-وهي من امتى كانت بتضحك.
وقال شاهين وهو يلتقط التفاحة ويقضمها بقوة:
-أصلها شافتني ببوس يُسر في المطبخ واتكسفت.
شهقت سناء باحراج، وكذلك خديجة التي ضحكت بمرح، بينما امتقع لون وفاء، واكفهرت ملامح فضيلة، وكتم كلًا من باسل وسلاف وإيلاف ضحكاتهم، في حين أخفت يسرا وجهها بين كفيها بإحراجٍ وهي تهمس:
-منك لله يا شاهين، أشوف فيك يوم يا كاسفني.
ورقية ترمقها وتضحك برقةٍ ومرح.
فيما نهضت سعاد الصغيرة بهدوء تنفض كفيها من بقايا الطعام، وخلفها نهضت إيميلي تبحث عن كلبتها منادية:
-مارلين، مارلي where are you!
لفت في القصر باحثةً عنها بقلقٍ وخلفها نهض أمجد متحدثًا:
-هتلاقيها هنا ولا هنا.
والأخيرة تنادي وتبحث عن كلبتها باستماتة، حتى تسمرت فجأةً وجحظت عينيها حين رأت منظرًا شنيعًا، حيث كلبٌ أسود ضخم يجثو فوق كلبتها الصغيرة المنمنمة وكأنه….وكأنه يعتدي عليها قسرًا!
فصرخت بقوة وأبعدت ذلك الكلب عن مارلين صارخة فيه:
-Stay away your rapist!
انحنت تلتقط كلبتها وتحتضنها متسائلة بلهفة:
-Hey babe, Are you okay?
صرخت إيميلي في الكلب الذي كان يرمقها بشراسة:
-إزاي تأمل فيها كده أنتِ كلب مش اتربى.
هرولت سعاد إلى كلبها صارخة:
-بتعلي صوتك على كلبي إنتِ اتجننتِ!
انحنت تحتضن رأس الكلب الذي تمسّح بها في براءةٍ لتهدر إيميلي وهي تضم كلبتها أكثر:
-الكلب بتاعك كان بيـ rapes مارلين!
مالت سعاد الأم تسأل خديجة:
-إيه الإستريبس ده يا بت؟!
-حاجة عيب يا مرات أبويا.
وسوسو الصغيرة تصرخ مغتاظة:
-هي اللي فضلت تتمرقع قدامه وتحركله في ديلها لحد ما ضِعف! وبعدين ما اسمحلكيش أنا مربياه ع الغالي! ثم إن ده كلب چيرمن هيتجوز كلبتك المعفنة اللي كلها شعر دي على إيه!
مالت تحمل الكلب الضخم بين ذراعيها صارخة:
-ربوا كلابكم بقا.
صرخت أيميلي غاضبة وأمجد يحاول تهدئتها هاتفًا:
-اهدي يا إيميلي محصلش حاجة.
صاحت الفتاة وهي تشهر إصبعها في وجه سعاد التي جلست على الأريكة تضع الكلب أسفل قدميها وتلاعبه مهدأة وهي تربت على فروته:
-You will regret this إنتِ والكلب بتاعك.
ثم استدارت لأمجد هاتفة باستعطافٍ:
-أيزة إطلع أوضة أمكد.
التفت لهم مستأذنًا فتحدثت تُماضر بضحكة مكتومة:
-اطلعوا اطلعوا زمانهم نضفولكوا الأوضة.
صعد أمجد بإيميلي، فانفجرت تماضر ضاحكة وخديجة ابنتها وكذلك رُقية التي احمر وجهها ضحكًا تدفن رأسها في كتف سلفتها تماضر وضحكاتهم لا تنضب، فيما كانت سعاد الكبيرة تتأفف حانقة:
-بت ملزقة.
وفضيلة تتدخل:
-خلاص كفاية لحد كده فُضوا الليلة.
رمقتها سعاد شزرًا، وتُماضر كذلك، فلا أحد في ذلك المنزل يحب التعامل مع فضيلة، أو حتى الحديث معها!
***
اعتلت قدر الدراجة النارية، بلا خوزة كعادتها، ونارين تشجعها من الخلف، لم تنتظر حتى إشارة البدء، بل انطلقت بغير قيودٍ، عقلها لا يكف عن التفكير فيما قاله يوسف، في إنهيار يوسف! وفي….قُبلة يوسف!
2
لقد لثمها قبل أن يغادر وهداها قبلة على عينها اليمنى مودعًا، لا زالت تذكر جملته المجروحة:
-لو معدتيش عايزة تشوفيني تمام، أنا بس كنت جاي أتكلم معاكِ، وأقولك قد إيه أنا بحبك.
أن يحبها رجلين؟ أو أن تحب هي رجلين!
كيف للقلب أن يعشق اثنين! كيف له أن يتيه بين الحب الأول والأخير وآخر ينهار في المنتصف بمنتهى الوحشية..
زادت من سرعة الدراجة وصوتها المزعج لا يوقف كم التفكير الزائد بعقلها..
خصلاتها التي تحولت للأسود مجددًا تطير حولها بتمردٍ وكِبر..
شردت في فادي، وفكرت في فهد، وغرقت في يوسف..
ثلاثتهما؟ وهي؟
من تكون هي؟
قدر المسيري أم قدر الراوي؟
تعلم..
هي شخصية لا تعلم من هي، تمردت لأجل العناد فظلمت فادي..
تمردت لأجل الحُب فعشقت يوسف..
تمردت لأجل القدر فوقعت في فهد..
فأي شرٍ هو الأصوب؟
أي حفرةٍ هي الأعمق؟
1
لم تفق من أفكارها السوداء إلا على زمور سيارة جاءت مسرعة في الطريق السريع عكس سيرها، فقدت السيطرة على دراجتها وأدارتها حيث قارعة الطريق فسقطت وسقطت دراجتها أرضًا..
التوت قدمها أسفلها ونظرت للفراغ بألمٍ..
دموع انفجرت من عينيها كثيرًا..
وصرخة موجوعة اخترقت قلبها..
وخدش أصاب ذراعها وكدمة في ساقها وكسر آخر غير كسر قلبها..
أغمضت عينيها له واستسلمت..
فلتستسلم تلك المرة..
فلتمت!
2
***
جلس فهد على الأريكة والخادمة تخبره أنها ستنادي على سيدها “إياد”..
ذلك الذي هبط بعد لحظاتٍ ببيچامة بيتية طفولية للغاية، برسوماتٍ ميكي وشراب بطوط..
وطاقية اسبونچ بوب الصفراء!
وجبيرة ذراعه التي لم يُلتئم..
ابتسم له ومد كفه السليم ليصافحه مرحبًا:
-نورت..
أشار له فهد بالجلوس ببرودٍ:
-اترزع.
قبض إياد على كفه محرجًا، وجلس جوار فهد الذي سأله بوضوح:
-مين اللي اللوا جمال كلمه يحضر العملية بدالك؟
هز إياد منكبيه:
-معرفوش، بس هو قال إنه قائد متقاعد، وكان لقبه الصقر، كان سارق لقبي الباشا..
قالها مازحًا لعل ذلك يجعل فهد يشفع له قليلًا، ولكن الأخير بمنتهى الجمود تحدث:
-يعني متعرفش اسمه؟
هز إياد رأسه نافيًا، وقال فهد وهو ينحني عليه بتركيز:
-أنا عايز أعرف كل حاجة حصلت يوميها بالتفصيل الممل، متغفلش عن تفصيلة.
ازدرد إياد لعابه بتوجس حال رؤية النظرة الشرسة بعيني فهد، وأومأ مطيعًا، ثم بدأ يسرد الحكاية…
-إحنا وصلنا المكان، ونزلنا واتفرقنا حسب الخطة اللي رسمناها، أنا كنت مساعد لبلال يعني كنت معاه خطوة بخطوة..
أشار بلال لأحد الجنود أن يتمركز كلًا منهم في المكان الذي كُتِب له..
واختبأوا جميعًا في أماكنهم في ذلك المكان المهجور حال وصول شحنة الأسلحة المُهربة إلى مصر بمساعدة الظافر..
وإياد بجوار بلال لا يفارقه، هامسًا له:
-أنا حاسس إن الأدرينالين بيعلى وانا أول مرة أتحط في موقف جد أوي زي ده..
وبلال يصرخ فيه بنفاد صبر:
-أنا مش عايز أسمع صوتك طول العملية مفهوم؟
أومأ الأخير محرجًا، وتسلل هو وبلال إلى خلف أحد الأعمدة للإختباء حال سماع أصوات توقف السيارات..
أشار بلال لزملاءه بيده أن يستعدوا، وانتظروا لدقيقتين أن تصدر أي حركة..
لم تصدر..
ومرت خمسة دقائق على حالتهم ينتظرون أي حركة!
حتى همس إياد بضجرٍ وهو ينقل ثُقل قدمه للأخرى:
-ما تخلصوا بقا أنا رجلي خدلت!
ناظره بلال بأعين تبرق بحدة هامسًا من بين أسنانه:
-اتخرس بدل ما اخدلَّك وشك بقلمين يفوقوك.
فصمت مجبرًا بتذمرٍ..
وعدت دقيقتين أُخرتين ينتظرون رصد حركة غريبة..
وأثناء ذلك الهدوء..
تسلل أحد رجال الظافر واحد تلو الآخر يُنهي رجال الشرطة..
وحين شعر بلال بتلك الحركة رأى أسفل قدميه جثة لزميل له منحور العنق!
فجحظت عينيه بصدمة…
ومن هنا..
بدأ ضرب النار.
-معرفش إيه اللي حصل فجأة، بس ضرب النار اشتغل، واتفاجئنا بأكتر من خمسة من زمايلنا مقتولين، وكل ده من غير ما نحس بحركة كأنهم متدربين كويس إنهم ميعملوش صوت، بلال بعد عني وحاول ينقذ الموقف ويسيطر عليه مع الرجالة.. وأنا…أنا…
صمت بحرجٍ، فضحك فهد متهكمًا:
-طبعًا كنت مستخبي ورا العمود بتولول زي النسوان!
تنهد إياد وتابع حديثه متذكرًا..
-شوفت بلال وهو بيدافع عن رجالته باستماتة، وكلهم بيحاربوا رجالة الظافر، الغريب إن الظافر مظهرش أصلًا ولا مرة، بس في نص العركة….دخل واحد مغطي وشه، أضخم مني ومن بلال نفسه، وصوته…كان شبهك..
ضحك إياد بمرحٍ:
-افتكرته إنت..
وعندما لم يجد من فهد سوى التركيز تابع:
-دخل وكان هدفه حد واحد بس..
أثناء ضرب النار اختبئ بلال خلف أحد الكراتين يلهث بتعبٍ، وجواره تسطح أحد الجنود قائلًا بلهاث:
-ده كمين يا فندم.
أومأ بلال وهو يضرب الأرض بقبضته بغضب:
-عارف عارف…المهم دلوقتي نطلع بأمان، مش ناقصين خساير اكتر من كده..
استعد للنهوض يحمل سلاحه ناظرًا له بقوة:
-أنا وإنت هنطلع نساعد اللي برا في الإشتباك، هنا معادش آمان، أمن ضهري يا منعم.
أومأ الرجل بقوة، ونهض خلف بلال يترصد أيًّا من كان سيقترب منه، ووسط كل هذا دخل الضخم..
يقتل بمسدسه كاتم الصوت أيًّا من يعترض طريقه..
تبرق عينيه السوداوتين في ظلام الغرفة الخافت، وفي جنح الليل جاء الشيطان يرتدي حُلة مهندمة، وقناع أسود..
1
كان هدفه رأس واحدة..
ورجاله يحمون ظهره..
كان بلال يعافر مع جنوده..
حتى سمع صوت رصاصة تنطلق فتخترق صدر منعم الذي حماه بروحه..
فمال جسد الشاب عليه، سقط به بلال بين يديه بصدمة، والآخر يصرخ بأنفاسه الأخيرة، اتسعت حدقتيه حين نظر حوله فوجده عاريًا من الجنود..
إما أن قُتلوا أو أصيبوا، وإما أن تفرقوا!!
وحذاء أسود يلمع كالبرق في الظلام..
فرفع بلال عينيه يتأمل الجسد الماثل أمامه، انحنى جالسًا القرفصاء ونظر للجثمان جاحظ العينين ميت، ثم هز رأسه بأسى ومرر كفه على جفونه فأغلقها قائلًا وهو يتأمل جثمانه:
-منعم…الله يرحمه، كان نفسه يترقى لرائد، ويتجوز عيشة خطيبته…
رفع عينيه ينظر لبلال:
-مش كفاية تضحية بالشباب اللي زي الورد دول عشان مصالحكم الشخصية؟
مد كفه يضعه على كتف بلال:
-ليك وحشة يا بُلبل.
وهسيس خرج مصدومًا:
-نزار!!!
خلع القناع فظهرت ملامح وجه وسيم، بأنف مدببة ورموش كثيفة تغطي عينين سوداوتين كالظلام تبرقان بشرٍ وغموض، وحاجبين كثين مع إبتسامة خبيثة أظهرت أسنانًا بيضاء، وخصلات ناعمة انزلقت منها خصلتين للجبين المسطح الواسع، وهمسة شر خرجت من لسانٍ كالجحيم:
-Miss me?
تنهد إياد واستأنف:
-حاولت أمنعه، قربت منه بس…
أشار على كتفه المصاب:
-زي ما أنت شايف..
تسلل إياد بأطرافٍ ترتعش، ورفع بندقيته مثبتًا إياها من الخلف على رأس ذلك الضخم الجاثي هاتفًا باهتزازٍ:
-اثبت مكانك ولا حركة.
استدار برأسه ينظر لإياد بنظرة قاتمة، ثم اعتلى ثغره بسمة مستهزأة هاتفًا:
-مش صغير ده شوية يا بُلبُل على تأدية الخدمة الوطنية! إنتِ في سنة كام يا بطة؟!
صرخ إياد فيه بنبرة تظهر فيها الرعشة بقوة:
-قولتلك متتحركش.
زفر الرجل بنفاد صبرٍ، ورفع مسدسه يشد أجزاؤه غامزًا لبلال:
-راجعلك تاني، محتاجين نتكلم شوية.
نهض وإياد لا زال يصوب بندقيته عليه، وما إن رأى فارق الطول الشنيع بينهما حتى ارتجفت البندقية في يده، وتراجع بينما يقترب منه الرجل قائلًا:
-كبيرة عليك البتاعة دي يا حمادة، نزلها يا بابا ربنا يهديك.
ازدرد إياد لعابه برعبٍ، وانطلقت رصاصة من بندقيته أخطأت الهدف فجاءت في أحد الكراتين، وما كاد أن يطلق أخرى حتى أمسك الرجل ببندقيته وشدها منه بقوة ارتد على إثرها إياد، وألقاها بعيدًا، فتراجع إياد أكثر، ولم يكن مستعدًا لتلك اللكمة بمؤخرة المسدس التي تلقاها من نزار فأردته أرضًا، ساقطًا على ذراعه الذي كُسِر، وركلتين في جانبه الأيسر كانت كفيلة بإنهاك قوته، وفقدانه الوعي
نظر لفهد بتوجسٍ، فوجده شاردًا يقول:
-دي آخر حاجة فاكرها؟
أومأ إياد هامسًا:
-أيوه.
ناظره فهد بغموضٍ، وصمت كلاهما، حتى قاطعه إياد ببسمة مهتزة قائلًا:
-تشرب إيه بقا؟
نهض فهد ليغادر قائلًا:
-لأ أنا ماشي، كده كده مستفدتش منك بمعلومة، استهلكت بنزين ع الفاضي.
ناظره إياد من جلسته:
-طب استنى كُل كيكة ماما بتعملها حلوة أوي هتعجبك.
رمقه فهد ببرودٍ، فزفر إياد ناهضًا:
-طب اتفضل.
دس يديه في جيبي معطفه وقيّم ملابس إياد بدقة ناظرا من أعلاه لأسفله:
-أنت خارج من ديزني لاند! لابس كده ليه؟!
ابتسم إياد متحمسًا:
-الأوتفتة تجنن مش كده؟ طلبته من أمازون من أسبوع جالي انهارده..
رمقه فهد بذات النظرة الصلبة، وهز رأسه واستدار ليغادر متمتمًا:
-يا فرحة أبوك بيك.
خرجت أم إياد من المطبخ صارخة:
-وابقي هاتي طبق لإياد يا أم محمد.
وقفت أمام فهد مرحبة:
-يا أهلًا يا أهلًا ازيك يا حبيبي أخبارك إيه..
أومأ فهد لها ببسمة خفيفة، فنظرت لإياد وقالت مبتسمة:
-ما أنت عندك أصحاب حلوين أهو أومال محسسني إنك معندكش صاحب خالص في الشغل ليه.
ضحك إياد بحرجٍ وهو يمسد على رقبته، بينما نقل فهد بصره بينهما وقال لأمه:
-ازي حضرتك يا فندم.
ضحكت بمرح:
-فندم إيه بس قولي يا مي علطول.
مدت كفها له بالطبق:
-خد يا حبيبي بالهنا والشفا.
-لأ شكرًا أنا ماشي.
شهقت بخضةٍ:
-ماشي ده إيه! ده إنت هتتعشى معانا، خد بس دوق الكيكة بتاعتي وقولي إيه رأيك.
التقط منها الطبق الذي وضعته قسرًا بين يديه، مسك الملعقة وقضم قطعة ومضغها في فمه، صمت قليلًا ثم ابتسم:
-حلوة تسلم ايدك
-طب اقعد بقا كملها إحنا علينا ليك فلوس ولا إيه!
قالتها مازحة، فاضطر أن يجلس مجددًا، وتلك السيدة المرحة لا تكف عن الحديث معه بطيب خاطر وأُلفة، تقول له أنها سعيدة بحصول ابنها على صديق مثله، ولا تدري أن لو انطبقت السماء على الأرض لن يتخذ من إياد اللزج صديقًا أبدًا.
جاء اللواء السابق أحمد صقر، بشنبه الشبيه بشنب ابنه إياد، سلّم على فهد بقبضته الميري، وبخشونة تعرف عليه وعلى أهله، وسعد بكونه ابن رعد العزاوي صاحب شركات المعمار الأشهر على مستوى الإسكندرية والقاهرة، ونظر لإبنه بما يرتديه قائلًا:
-مش هتبطل اللبس العيالي ده كسفتنا الله يكسفك.
تأفف إياد حانقًا، وبدا عليه الإنزعاج، أما مي فوكزت زوجها هامسة بشيءٍ ما، ليصمت كلاهما بعدها، توترت الأجواء فنهض فهد مستئذنًا، ونهض إياد ليوصله إلى الباب متهربًا من نظرات أبيه الداكنة، ركب فهد سيارته وقبل أن يغادر قال لإياد:
-هحتاجك تاني، مع إني أتمنى ده ميحصلش بس هنشوف.
وضع إياد كفه السليمة على صدره مصلبًا جسده:
-تمام يا فندم.
أدار فهد المحرك وانطلق، تاركًا إياد الذي أنزل كفه وزفر باختناقٍ، ثم استدار عائدًا إلى المنزل.
***
هبط أمجد مجددًا طالبًا من أحد الخادمات غطاءً لغرفته، فأومأت له، تزامن ذلك مع دخول دُرة ممعضة الوجه، والتي ما إن رأته حتى صاحت بحماسٍ وهي ترتمي في أحضانه بقوة متشبثة بعنقه:
-أمجد، وحشتني أوي يخربيتك!
تأملت ملامحه التي باتت أوسم من ذي قبلٍ:
-احلويت أوي يا ولا!
وكزها ممازحًا:
-لمي نفسك أنا أخوكِ الكبير.
ضحكت وهي تتشبث بذراعه سائرة معه إلى الأريكة، جلس جوارها تصادفًا مع وجود سعاد التي تُطعِم الكلب، ودرة تتحدث بحماس:
-عملت إيه وجيت امتى؟ جيت لوحدك؟
أجابها:
-براحة عليا، ولأ يا ستي جيت مع إيميلي.
عقدت حاجبيها مفكرة، ثم اتسعت حدقتيها هامسة:
-المُزة البريطانية مراتك؟
أومأ لها، فرفعت حاجبيها لبرهة مدهوشة، لم يحادثه أحد طوال فترة استقراره في سويسرا بقدر ما حادثته دُرة شقيقته، وكانت تعلم كل شيءٍ..
-وكانت مبسوطة هنا أوي، لحد ما الكلبة بتاعتها فيه بغل حاول يتجوزها غصب عنها.
نظر بطرف عينه لسعاد التي زفرت بضيقٍ ورمقته بطرف عينها شزرًا ثم مسدت على فروة الكلب، وفجأة ابتسمت موّجِهة حديثها له وهو الذي يناظرها بلسانٍ متدلٍ وحماسٍ:
-يلا يا أمجد عشان أحمِّيك.
حرك أمجد رأسه بآلية إليها متسائلًا بدهشة:
-نعم؟!
رمقته بطرف عينها في ازدراءٍ، وشدت الكلب وغادرت به، فاستدار أمجد لأخته التي ضحكت بشدة، وسألها:
-إيه اللي أنا سمعته ده!
انفجرت دُرة ضاحكة بقوة، وهو يهتف بصدمة:
-هي مسمية الكلب على اسمي؟!
1
-احمد ربنا إنها جت على قد الكلب دي كانت عايزة تسمي حمار عمو صدقي بتاع الخُردة على اسمك، بتعزك أوي ما شاء الله.
وانفجرت ضاحكة أكثر، بينما رمق أمجد سعاد التي صعدت مع كلبها بعدم تصديقٍ!
***
انحنت يمنى تعاون والدتها على الإستلقاء، دثرتها جيدًا وقبلت جبينها قبل أن تُغمض المرأة عينيها بتعبٍ، وتروح في نومٍ مليء بالكوابيس..
غادرت الغرفة موصدة الباب ومن قبله الضوء..
وقفت تلملم أطباق التسالي الفارغة وهي تخبر يزيد وإسلام الجالسان أمام البلايستيشن:
-ربع ساعة وتطلعلوا تناموا.
لم يجيباها، فصرخت مكررة:
-سامعني!
هز إسلام رأسه متأففًا:
-طيب يا عمتو وسعي كده بقا.
هزت رأسها بقلة حيلة واتجهت للمطبخ، فتعثرت بألعاب الصغار وزفرت:
-فرح فريد! شيلوا ألعابكم قلتلكم ألف مرة هتتكسر.
وكانا الصغيرين مشغولين بمقلبٍ جديد في تالين وتالا الجالستين على طاولة السفرة يدرسان..
بجوارهما ميرا تُحيك وشاح باللون الوردي بإبرتي التريكو، وسيرا التي تقرأ روايةً ما وجدتها بمكتب عمها رعد، وحين وبختهما آيات قالت سيرا:
-أنا خلصت مذاكرة من بدري يا ماما.
وهرولت فرح إلى آيات تسألها:
-سيلا فين يا يوتا؟
قرصت آيات خدها بعبثٍ:
-نامت من بدري.
ذمت فرح شفتها وتابعت ما تفعله مع توأمها، فيما نظرت آيات من الباب المؤدي للحديقة على فايا الجالسة على إحدى المقاعد في الخارج تضع سماعات الرأس غارقة في خيالاتها الوهمية مع أغانٍ لا تنتهي، فتنهدت وسألت شهد الجالسة في ركنٍ ما تتابع اتصالاتها المتكررة والقلقة لفهد:
-هو فادي فين؟
قالت وهي تعبث بالهاتف:
-لسه مخلصش شغله.
وضعت الهاتف تنتظر ردًا، فأيضًا لا إجابة، لتعاود آيات السؤال:
-مبيردش؟
أومأت شهد مبتسمة بألمٍ:
-كلمته يجي 50 مرة، من ساعة آخر مرة وهو معادش بيرد عليا.
ربتت آيات على كتفها مواسية:
-متقلقيش، كل حاجة هترجع كويسة.
التاع قلب شهد كثيرًا، وفي كل مرة كانت تصبرها آيات، ربما لوعتها سببها حبها الشديد لأبنائها، ولكنها تلتاع أكثر كلما رأت ابنها منبوذًا من الجميع!
هبط من السيارة ووقف أمام بوابة القصر المفتوحة على مصرعيها يطل منها النور والحياة، فدخل لتصدمه الصورة الكبيرة المعلقة لقدر وفهد تبتسم فيها قدر ببشاشة وتتشبث بكف فهد المبتسم برزانة، وقف أمامها لبرهة محدقًا..
كيف له أن يبتسم بعد ذنبه العظيم!
وكيف لها أن تتشبث بكفٍ أذاقتها كئوس حنظل!
أن يصبح هو مثل فهد؟
أن يتيمن به اسمًا ومسمى؟ هذا ما لا يسعى إليه..
ولكن القدر يلتصق بأيًا كان دون سابق إنذار..
وقف فهد أمام فايا التي ارتبكت حال رؤيته أمام مدخل البيت، سألها بخفوتٍ:
-ازيك.
أجابت بترددٍ:
-الحمدلله..
دققت النظر في ملامح وجهه المتعبة وسألته بتوجسٍ:
-إنت….كويس؟
رفع عينيه إليها بتيهٍ، فرمقته بتعجبٍ، ليومئ لها على مضضٍ، فلا يزال موقفه الشهم معها يتردد على ذهنها كلما رأته، ولا زالت كلماتها تغرس الأشواك في ظهره..
اليوم الذي جلبها من المول بأمرٍ من أبيه، فوجد من يريد مضايقتها، وكما فعل مع حسناء فعل مع أخته كأي أخٍ، الفارق أنه فضح الدنيا في المول، والناس تتحدث أن فتاة قاصر استطاعت لملمة رجلين حولها، والأفواه لا تخرس..
ويد أخيها التي امتدت لتجذبها وتلقيها في سيارته، والصمت الذي عم الطريق قطعته هي بقولها:
-مكانش له لزوم اللي عملته، كان هيمشي من غير الأڤورة دي كلها.
-إنتِ أختي، وكان لازم أعلمه درس عمره وأحميكِ منه.
ضحكت بعدم تصديقٍ ساخرة، وقالت وهي تلتفت بجسدها كله ناظرة له:
-أنا مش أختك! أنا معرفكش أصلًا عشان تقولي أختي!
التفت لها ينظر لها نظرة خاطفة ثم عاد للطريق، فاستأنفت هي بقسوة:
-أنا آخر اللي فكراه عنك إنك سافرت وأنا عندي 3 سنين حتى مش فاكرة شكلك! ماما لما كانت بتكلمك ڤيديو كول كنت بحس إنها بتعمل حاجة غلط! مستخبية من العيلة كلها وكأنها خايفة يشوفوها بتكلمك فيغضبوا عليها! محدش كان بيجيب سيرتك ومحدش كان عايزك…أنا لو ليا أخوات فهو أخ واحد واسمه فادي وبحبه أكتر من أي حاجة في الدنيا دي، متجيش بعد كل ده وتعمل فيها أخ وتحاول تدفن نفسك في عيلة هي أصلًا مش عايزاك!
ألقت كلماتها المسمومة وربعت ذراعيها أمامها تنظؤ بغضبٍ من النافذة، مديرة ظهرها إليه وملامحه الصلبة لم تبدي ردة فعلٍ..
ولكن قلبه الهش غُرزت به سكاكين عدة وبقسوة متعمدة.
عاد من ذاكرته وجملة واحدة تتردد في ذهنه:
-تحاول تدفن نفسك في عيلة هي أصلًا مش عايزاك!
لماذا جاء؟ جاء لعائلة لا تريده؟ لماذا هو….هنا؟
-فهد حبيبي.
هرولت أمه إليه تحتضنه بشدة، وتهمس بلومٍ:
-كده متردش عليا.
مسدت على شعيرات ذقنه هامسة بحبٍ أمام عينيه التائهتين:
-وحشتني أوي..
رأت تلك اللمعة في عينيه، فساقها قلب الأم لتسأله بقلقٍ:
-مالك يا حبيبي؟
فيميل عليها هامسًا بلوعةٍ:
-تعبان أوي يا ماما.
شهقت بخضةٍ وهي تراه يرتمي برأسه على كتفها، فتحمل ثُقله مربتة على ظهره بحنوٍ وصوتها الملهوف يسبقه قلبها الملتاع بقولٍ:
-ارتاح يا حبيبي، ارتاح يا قلب أمك.
وكيف له الراحة وقد فقد كل ما يملكه! أهل وزوجة وإبن وصديق؟
أليس المرء بإنسان يحتاج لمحطة راحة يلقي فيها همومه وتنحني فيها أكتافه بلا قلقٍ؟
هو المرء الذي يتلقى كل القلق ولا يقوى على الراحة..
تائهٌ هو بين الراحة والعِلة..
لا يدري أين راحته، ولا يستطيع أن يستأصل علته..
شهقت شهد بخضة وهي تنتفض مهرولة إلى قدر المحمولة بين يدي مؤمن صلب الملامح رثة الهيئة بساقٍ مُجبرة وخدوش تملئ وجهها خلفهما تسير نارين ويأتي من ورائها نور ممتعض الملامح:
-إيه اللي حصلك إنتِ كمان!
خرجت يمنى من المطبخ إثر الصوت فصرخت بذعر:
-قدر!!!
هرولت إليها تتفحصها بين يدي الحارس، الذي مال ليضعها على الأريكة وتراجع عدة خطواتٍ تتسنى لهم تفحصها..
-أنا كويسة.
قالتها بهدوءٍ لا يتناسب مع حالتها المزرية، ولعلو صوت يمنى في نهرها تجمعت العائلة حولها:
-تاني؟ مش قولتلك الزفت اللي إنتِ بتهببيه ده هيجيبك مكسورة بدل المرة مليون مفيش سمعان للكلام يا قدر!!!
قالت نارين برفقٍ:
-بغاحة عليها يا ماما دي بتتوجع أوي.
انحنت يمنى تبكي وهي تضم رأس ابنتها:
-ليه كده يا بنتي، ليه بتحرقي قلبي عليكِ!
انحنت آيات بصدمة عليها:
-مالك يا قدر حصل إيه؟!
وسارة التي ضربت على صدرها بصدمة:
-يخربيتك إنتِ اتكسرتِ تاني؟!
وإسلام يضحك متحدثًا:
-إحنا نسميكِ قدر المكسورة.
وكزه يامن أبيه فكتم ضحكته، بينما قالت تالا برقةٍ:
-ألف سلامة عليكِ يا قدر.
وضحكت تالين بشدة هاتفة:
-سلامتك يا قدر..
ضحكت قدر معهم بتفكهٍ..
بينما ناظرتها أمها بلومٍ..
وجاء أبيها يجاوره رعد، يطمئن عليها وبهدوء يسألها:
-وقعتِ تاني؟
وتتدخل أمها بسخرية:
-قول تالت، مش كنت بتربيها تبقى راجل وتقص شعرها وتلبس زي الرجالة وتعلمها كاراتيه وأبصر بوكسينج! عالجها بقا.
تأففت قدر بضيقٍ، وزهد يحاوط وجنتها ناظرًا لها بتفحصٍ من أسفل نظارته الطبية:
-كويسة؟
أومأت مبتسمة بلا روحٍ، فنهض زهد وانحنى عليها يحملها بين يديه بحذرٍ، فتعلقت بعنقه وصعد بها لغرفتها، وصعدت معهما نارين وفايا والفتاتين تالا وتالين، وكذلك سيرا وميرا..
وبقيت سارة تلوم يمنى:
-براحة عليها يا يمنى!
-أنا زهقت يا سارة! زهقت!!!
فتتدخل شهد:
-بس مش كده! البت مكسورة قدامك وتسمي بدنها بالكلمتين دول ده بدل ما تطمني عليها وتحتويها!
صرخت يمنى بنفاد صبر:
-وأنا مين يتطمن عليا! أنا هشق هدومي من عمايلها والله العظيم ما عُدت قادرة استحمل نشوفية دماغها اللي زي قالب الحجر الصوان!
ارتمت على الأريكة بضعفٍ، بينما انتقل رعد ببصره إلى مؤمن الذي ينظر أرضًا بملامح صلبة، وشكره هاتفًا:
-شكرًا يا مؤمن تقدر تروّح.
أومأ وغادر، ونادى رعد على يامن ونور:
-تعالوا عايزكم.
تحت نظرات فهد المتفحصة، ذلك الذي رُمِق من أبيه بنظرة جانبية، وقيل له قبل أن يغادر:
-عيني عليك، احسب كل خطوة بتعملها الفترة دي أحسنلك.
وتركه بعدما حمّله فوق همه همومًا!
وضعها زهد على الفراش، وطلب من الفتيات الخروج لتركها ترتاح، فانسحبوا واحدة تلو الأخرى وبقيا كلاهما، يرمقها أبيها بصمتٍ، وهي تعبث بالغطاء وتنظر أسفل دون أن ترفع عينيها لأبيها الذي قبض على ذقنها برفقٍ رافعًا رأسها إليه ومتحدثًا:
-كلمك تاني؟
التمعت العبرات في عينيها، سرعان ما انفجرت باكية ترتمي في أحضانه متشبثة به بقوة، فتنهد يحاوطها باحتواءٍ ساندًا ذقنه على قمة رأسها، ممسدًا على خصلاتها القصيرة بكفه الخشنة، معطيًا إياها كامل الحُب والإحتواء.
***
أزاحت حسناء الخمار عن رأسها، ومشهد اعتراف يوسف لقدر لا يفارق خيالها..
تسرح في أول نظرة صوبها يوسف لها..
أول لقاء..
“خرجت من العمليات تخلع رداءها وتُلقيه في سلة المهملات، خلعت القفازات وتوقفت عينيها على قدمين وقفتا أمامها، فرفعت عينيها لتلقاه أمام وجهها يبتسم ببشاشة ومرح:
-كنتِ هايلة في العمليات أنا انبهرت..
مد كفه إليها متحمسًا:
-أنا يوسف زميلكم الجديد.
رفعت حاجبها بحدة، ونقلت بصرها بين وجهه وكفه الممدود، تخطته ورحلت بلا مبالاة فهرول خلفها هاتفًا:
-عمومًا أنا عرفت إنك بتتدربي هنا تحت إيد دكتور محمد، وإن دي اول عملية ليكِ، بالنسبة لأول عملية إنتِ هتبقي شاطرة جدًا..
تابعت سيرها دون إهتمام لثرثرته المبالغ بها:
-أنا أكبر منك بسنتين، اتدربت في مستشفى بس في القاهرة مش هنا، وقدمت هنا وقبلوني، بصراحة الإمكانيات هنا أحسن من هناك والدكاترة ممتا…
التفتت له فجأةً هادرة بحدة:
-أنا مسألتكش عن كل ده يا دكتور!
أجفل ووقف متصنمًا يرمقها بتوجسٍ فتابعت:
-لو سمحت روح شوف شغلك وسيبني في حالي..
ضغطت على زر المصعد وانتظرت أمامه فقال هو بخفوتٍ:
-حضرتك أجريسڤ أوي!
زفرت مستغفرة، فاستأنف حديثه بحماسٍ:
-عامةً أتمنى نشتغل ونستفاد من بعض الفترة الجاية يا دكتورة…اسمك إيه؟
وصل المصعد، فدخلته متجاهلة وجوده وضغطت عل زر الطابق وقبل أن يقفل المصعد رفع كفه محييًا إياها ببسمة واسعة:
-فرصة سعيدة يا دوك…
أُغلِق المصعد بينهما، وهبط بها وهي تهز رأسها بضيقٍ”
مدت كفها تتحسس تلك العبرة التي انسكبت من عينها دون أن تشعر..
فحدقت بها بحاجب عُقد بتوترٍ..
سرعان ما انهمرت قطرات غزيرة..
وكتفت ذراعيها على طاولة الزينة ودفنت وجهها به وتركت العنان لانهيارها..
صوت هاتفها يتصاعد بكلمات موشحها المفضل:
وعدي ويا حيرتي
من لي رحيم شكوتي
في الحُب من لوعتي
إلا مليك الجمال
رفعت رأسها تمسح عبراتها بعنفٍ، وتفك عقدة شعرها المشعث لتُسرحه، فردته ومررت أناملها فيه لتهندمه، وأثناء إخراجها لأصابعها لتلتقط الفرشاة لم تخرج أناملها وحدها، بل خرجت بضع خصلات في كفيها، ارتجف كفها ورفعت يدها تمررها في خصلاتها ثانيةً ليخرج الكثير من الشعر مجددًا..
وتتساقط الخصلات واحدة تلو الأخرى، كأوراق خريفها الذابلة!
1
آمان آمان..
آمان آمان..
***
-يا بيه أنا قولتلك كل اللي أعرفه، معرفش حاجة تانية..
ضرب على طاولة مكتبه بذراعيه المشمرين لمنتصفهما، وعروق ذراعيه النافرة تتحدث قبل عينيه البارز حُمرتها من أسفل نظارته الطبية وعقدة حاجبيه الشديدة:
-إنت هتستهبل يا روح أمك؟ اخلص إحنا آخر الليل والواحد قرفان وجعان ومش فايقلك.
صمت ولم يجب، فتابع الآخر حديثه:
-ماشي…يا عسكري.
دخل العسكري في ثوانٍ فأشار فادي على الرجل وهو يغلغل أنامله في خصلات شعره الناعم يعيد ما سقط من تصفيفته للخلف:
-خد الواد ده الحجز لأبو فك يروقه.
صرخ الرجل منهارًا:
-إلا أبو فك يا باشا، أبو فك لأ..
-هو اللي هيخليك تفتكر يا حيلتها..
أشار فادي للعسكري الذي سحب الرجل كالبهيمة بقبضته الميري، فارتمى فادي على المقعد زافرًا بتعبٍ وهو يفرك مقدمة أنفه من أسفل نظارته، والكاتب جواره يسأله:
-طبقين كُشري يا فندم؟
تنهد:
-خليهم تلاتة.
نهض مستأذنًا:
-أوامر يا باشا.
خرج من المكتب، وبقى فادي يلتقط هاتفه الذي رن في لحظتها باسم فايا، فأجاب هاتفًا بمرح:
-سويت شيرتات تانية منتيش واخدة!
-سويت شيرتات إيه يا بني آدم، خطيبتك عملت حادثة واتجبست.
اعتدل في جلسته عاقدًا حاجبيه بقلقٍ:
-خطيبتي أنهي!!
-إنت خاطب اتنين يا فادي؟؟؟؟
ارتبك هاتفًا:
-لأ أقصد..قدر يعني؟ قدر اتجبست؟
-اتجبست بس، دي رجلها متجبسة وايدها متشلفطة ولا وشها، يالهوي وشها مليان كدمات.
انتفض واقفًا يُغلق الهاتف في وجهها ملتقطًا سترته المعلقة يُلقيها على ذراعه وبيده الأخرى التقط حقيبته خارجًا من المكتب يقابله الكاتب العائد بكيس مترس بأطباق الكُشري، التقطه فادي منه مسرعًا:
-تسلم يا غالي.
وقف الكاتب ينظر في إثره بصدمةٍ، كان يتمنى طبق كشري من الثلاثة!!!
***
تململت يسرا تتقلب في الفراش بقلق، ذلك الوحم…
لماذا الآن!
لقد دخلت الثامن منذ يومين!
وحم في الثامن!!
زفرت بضيقٍ، ونهضت تستند على ظهر الفراش، نظرن لشاهين النائم بعمق، كادت توقظه ولكن…
زوجها يعاني بمفرده!
اليوم كان شاقًا عليه من أول عمله حتى ظهور أخيه المفاجئ!
نظرت للمنبه جوارها، الساعة الثانية عشر والنصف! ليس بالوقت المتأخر، ستتسلل من خلف الحراس، والرجل الذي كان يبيع الفراولة الشهية عند عودتهما ستجده قريبًا من القصر، نهضت ببطءٍ تنفض الغطاء..
وارتدت الإسدال وتسللت للخارج ببطءٍ، هبطت الدرجات بقلبٍ يكاد يتوقف من شدة الرعب..
كأنها تهرب!
استغلت عدم وجود عطية البواب وانشغال الحراس بعشائهم وأوقفت سيارة أجرة تأخذها لذلك المكان..
دقائق توقفت السيارة أمام فرشة الرجل..
فهبطت تهرول بحماسٍ تقف أمامه متسائلة:
-طازة؟
أومأ لها مبتسمًا:
-ده موسمها أصلًا يا ست هانم، دوقي كده.
أعطاها واحدة فالتقطتها وأدخلتها كلها مرة واحدة في فمها تتلذذ بكل ما فيها، تنهدت بشهية مفتوحة وقالت:
-حطلي كيلو بس لو لقيت فيها واحدة بايظة ولا مضروبة إنت حر.
-لو لقيتي تعالي رجعيهم.
ضحكت بمرح:
-هكون كلتهم!
مازحها الرجل:
-ده وحم بقا؟
مسدت على بطنها المنتفخة بشرود:
-والله ما اعرف، وحم في التامن؟
-مراتي كانت حامل في التاسع ونفسها في فسيخ، عادي بتحصل يا ست هانم.
ابتسم سائلًا:
-ولد ولا بت؟
اعتلى ثغرها بسمة رقيقة وتابعت تمسيدها الخفيف:
-بنت.
-ربنا يباركلك فيها ويرزقك برها.
تمتمت دون وعي خلفه:
-آمين.
أن يكون لها ابنة تُشبهه؟ أن ترث زُرقة عينيه؟
كم تتوق لرؤيتها، لاحتضانها، لرائحتها الشهية..
للغرق في عينيها كما تغرق في عيني أبيها تمامًا..
أن تحصل على قطعة من شاهين كأنها حصلت على الدنيا بحذافيرها..
-يُســـــــراااااا
انتفضت مذعورة مع تصاعد شهقة من بين ضلوعها، واستدارة حادة منها حولها حتى وقعت عينيها عليه، بجسده الضخم الهمجي وشعره المشعث ومنامته البيتية يقف وسط عشرات الرجال المشابهين له في ضخامة الجثة، يرمقها بقلقٍ يتستر خلف قتامة عينيه وقساوتهما، اقترب منها والحرس وراءه، فتراجعت بخوفٍ وهي تُسقِط حبات الفراولة من يديها، تستدير حولها تبحث عن مكانٍ تختبئ فيه، كادت تختبئ في عشة الرجل المسكين الذي ما إن رأى شاهين ورفاقه حتى بدأ يلملم فرشته بذعرٍ، وقف أمامها يتفحصها بنظرة سوداوية تقتلها ألف مرةٍ ومرة قبل أن يسألها بحذرٍ:
-كويسة؟
أومأت عدة مراتٍ بتعجبٍ، وهي تنقل بصرها بين الرجال من حوله، ناهيك عن نظرات المارة المتوجسة، فهمست له برجفة:
-شـ..شاهين هو..هو فيه إيه؟
همس من بين أسنانه بتماسك:
-فيه إني متجوز واحدة عقلها خفيف زي الأطفال هربت من بيتها الساعة 1 بليل ونازلة السوق لوحدها تشتري…
ثم نظر للبائع المرتجف خلفها وعاد بنظراته المحتدة لها مستأنفًا:
-فراولة!
أومأت ببراءة، فهمس بنظرة مرعبة:
-فيه واحدة محترمة تخرج لوحدها بليل ومن ورا جوزها؟!
-دي فراولة يا شاهين!
رفعت واحدة تبقت في يدها لفمه تبتسم برجفة:
-تاخد حتة؟
نظرته المرعبة جعلتها تزدرد لعابها عدة مراتٍ وتنطق الشهادتين، شهقت حين انحنى يحملها ويتجه بها نحو السيارة، يفتح له أحد الحراس الباب فيضعها بالداخل ويوصد الباب، يحادث الحارس ويعود ليجلس جوارها ويأمر السائق بالإنصراف..
وبسرعة ينفذ الأوامر فيعم الصمت السيارة طوال الطريق، إلا من قولها الخافت وهي تفرك كفيها ببعضهما:
-مكانش له لزوم كل الضرف دي، دا كيلو فراولة وكنت راجعة تاني!
رمقها بحدة فصمتت تبتلع لسانها حتى وصلا بعد دقيقتين..
هبط من السيارة وفتح لها الباب، فدلدلت ساقيها اللذان لم يصلا للأرض، حتى رمقت وجهه الممتعض بضيقٍ، ونفخت خديها الحمراوين بنزقٍ، فنظر لها غاضبًا وصرخ:
-ما تنزلي!
رفعت ذراعيها إليه تسبل بعينيها في وداعة القطط، فرمقها بنظرة شريرة شرسة، لتزم شفتها السفلى بحزنٍ وخيبة أمل، وما كادت تُنزِل ذراعيها حتى انحنى يلبي لها طلبها بحملها، فتعلقت بعنقه وأرجحت ساقيها بدلال، إلا أن نظرة عينيه المُحذّرة أودت بدلالها، تنهدت بتعبٍ وهي ترتاح برأسها على صدره، سرعان ما انتفضت هاتفة بذعر:
-شاهين..الفراو…
جحظت عينيها بذهولٍ حين رأت من خلفهما يسير سبعة رجال حاملين كلٌ بين يديه أربعة أقفاصٍ فراولة، فغرت فاهها مصعوقة وهمست:
-إنت لميت الأقفاص بتاعت الراجل كلها!
نظرت لملامح وجهه الجامد هاتفة بدهشة:
-مين هياكل كل ده يا شاهين! أنا كنت عايزة كيلو بس!
لم يجب، بل كان ينظر أمامه ويسير دون أن يعطي لها أذن أو يهتم، فنفخت حانقة حتى خرج الهواء الساخن ضاربًا وجهه الممتعض، فتوقف لبرهة ينظر لها بتجهمٍ، وأمام نظرته الشرسة لم تجد سوى أن تخبئ وجهها في صدره وتتمسح به كما القطط.
صرخت بغضبٍ:
-شـــــــاهيــــــــــــن.
فالتفت لها صائحًا:
-يُســــــــــــــراااا، اخرسي أنا على أخري.
صعد بها الدرجات يطوي السلمة فوق الأخرى، دخل بها الغرفة وأنزلها يوصد الباب خلفه ويستدير لها صارخًا:
-أعمل فيكِ إيه! أعمل في دماغ أمك الناشف ده إيـــــــــه!!!
ارتجفت وتراجعت، فشد على خصلاته يحاول تهدأة غضبه، فقالت هامسة برجفة:
-أنا بس كنت عايزة فراولة!
استدار لها صارخًا بأعين حمراء من قلة النوم وفرط القلق:
-إنتِ مستهترة! وقولتلك ألف مرة متنزليش من غير زفت حرس خصوصًا في حالتك دي، فيه ست محترمة تسيب بيت جوزها بليل وتنزل لوحدها!
-كان نفسي في فراولة!
ازداد انفعاله وصراخه علا:
-مصحتنيش ليه! كنت هتنيل أقوم أجبلك فراولة! إنتِ لو طلبتِ مني الدنيا كلها هتلاقيها تحت رجلك قبل ما ترمشي!
التمعت الدموع في عينيها وهي تحاوط بطنها وتنكس رأسها خزيًا:
-صعبت عليا، اتدلقت زي الجردل وكنت تعبان، الحق عليا!
-ايوه الحق عليكي، الحق عليكي عشان غبية ومتخلفة ومبتعرفيش تفكري.
تعالت نهنهاتها الحزينة، التي تحولت لشهقاتٍ باكية، فزفر غاضبًا، واقترب منها يقف أمامها دون أن يبادر بشيء، فلم تدعه يبادر لأنها ألقت برأسها على صدره متمتمة بين شهقاتها:
-مكانش…قصدي…أزعلك.
زفر رافعًا كفيه مربتًا على ظهرها:
-عارف
-معدتش هنزل تاني من غير ما أقولك
-كويس
-شاهين
-هممم
شرقت بأنفها ومسحت الدموع بكُم الإسدال:
-أنا بحبك أوي..
ابتسم بهدوءٍ ومسد على خصلاتها حتى ظهرها:
-وأنا غرقان فيكِ.
-أنا غرقانة فيك أكتر.
وبعنادٍ قال:
-أنا غرقان في القاع.
عقدت حاجبيها من عناده وابتعدت عن صدره متذمرة:
-أنا في قاع القاع! متعليّش عليا!!!
ضحك وهو يعبث بخصلاتها، حتى قطع ذلك الطرق على الباب، استدار ليفتحه والتقط الطبق من الخادمة ناعسة العينين، ثم عاد به إليها مليئًا بالفراولة، وضعه بين كفيها:
-حاجة تانية؟
التقطت واحدة وقضمت منها قطعة:
-تحفة..
والقطعة المتبقية عرضتها عليه بنظرة بريئة، فالتقطها من يدها ومضغها متلذذًا، ليس بمذاقها، بل برؤيتها تلتقط الواحدة تلو الأخرى بتلذذٍ وارتياح وسعادة!
سعادة يُسرا هي كل ما يتمناه..
فليحترق العالم لأجل عيني يُسرا..
خلعت إسدالها بعدما أنهت الطبق كاملًا، وارتشفت كوب الماء المجاور للفراش، أعادته واستدارت تندس بين أحضان زوجها في الدفء، وما إن استلقى كلاهما حتى سألته:
-شهشوهتي.
وغمغم منتظرًا سؤالًا لولبيًا جديدًا..
-ليه الحراسة دي كلها؟ وليه أصلا البيت فيه حرس وإنتو مجرد اصحاب محل حلويات؟!
انتظرت للحظاتٍ فلم يأتها الرد، لتنظر إلى وجهه عندما تأخر الرد، فوجدته قد استغرق في النوم، فابتسمت بحب، واندست داخل احضانه هانئة، ولكنه لم يكن قد استغرق في النوم، بل ادعى ذلك لكيلا يجيب على سؤالها الشاذ!
1
***
سعل أبوها للمرة التي لا تعلم عددها، فربتت على ظهره وأسقته المياه، دثرته جيدًا وقبل أن ترحل أمسك بكفها هاتفًا بوهنْ:
-أنا آسف يا شادية.
انحنت عليه تهمس:
-آسف على إيه بس يا أبا..
التمعت العبرات في عينيه وأردف:
-آسف إني مش قادر أصرف عليكم، ولا أجوزكم، ولا حتى أعلمكم…آسف يابنتي..
ربتت على كفه وانحنت تُقبله هاتفة بغصة:
-حِسك في الدنيا يا أبا، وده كفاية أوي.
قبلت كفه ثانيةً بحبٍ، ورفعت الغطاء حتى صدره، وخرجت من الغرفة تمسح عبرة تمردت، وجلست جوار فادية التي لا تُبرح مكانها هلى الأريكة:
-لازم أنزل أشوفلي شغل يا شادية.
ناظرتها شادية بحدة:
-ومين هيقعد مع أبوكِ!
أشارت على نادية الشاردة على أريكة أسفل النافذة المطلة على الحارة الشعبية، تستند بمرفقها على سورها وشاردةً في المارة جيئة وذهابًا:
-نادية أهي..
تهكمت شادية بقولها:
-نادية مين؟ نادية الصغيرة ع الحب؟ والنبي خليني ساكتة.
-ما هنعمل إيه يا شادية! كلها يوم ولا يومين وصاحب الشقة يجي يعملنا مناحة تاني على الإيجار المتأخر تسع شهور، ده غير فواتير الكهربا والماية والغاز اللي هيجوا قد التَل، والتلاجة اللي فاضية! شوية البسلة اللي فصصتهم امبارح خلصوا انهارده علينا إحنا الأربعة، لازم حد يسندك في المصاريف كفاية قعدة أبوكِ دي!
تأففت شادية محاوطة رأسها بكفيها في تعبٍ، حتى طُرق الباب فنهضت فادية لتفتحه، لتصرخ ضجرًا:
-يوووه، هو إنت مبتزهقش يالا يا بارد!!!
كادت توصد الباب في وجهه فمنعها هاتفًا بصياح:
-عايز نادية، عايز أشوفها يا فادية خلي عندك دم..
-أخلي عندي أنا دم ولا إنت يا عديم الإحساس!! مش هتتجوزها يا حِبو، سامعني يا إبن هياتم؟ وعليا وعلى أعدائي..
قهقه ساخرًا:
-ما أنا لو متجوزتهاش مش هتتجوز خالص يا فادية.
عقدت حاجبيها بغضبٍ فاستأنف مهددًا:
-نادية لو مش ليا مش هتبقى لغيري..
قهقه ساخرًا وتابع وهو يمد بصره لداخل الشقة يوصل كلامه لها بالداخل:
-سامعاني يا بنت عم لطفي؟
انكمشت نادية برعبٍ، واهتز جسدها باكيةً، فدفعت فادية حِبو الذي غادر يعدما ألقى كلماته المسمومة، فصفقت فادية الباب خلفه، واستدارت لنادية التي نهضت شادية تواسيها وتربت على ظهرها وتحتضنها، فصرخت فيها:
-بتعيطي على إيه؟ بتعيطي على مين أصلًا! على حِبو إبن هياتم؟ جاتك خيبة في ذوقك اللي يعر.
ألقت كلماتها واتجهت للمرحاض تصفع بابه خلفها، تاركةً شادية تحتضن أختها وتحمل فوق الهم جبلًا.
***
الوجود في غرفته القديمة، حيث ذكرياته وضحكاته مع أخيه تملأ أركانها..
حينما كان يأتي بطبقٍ تملؤه الفاكهة ويتربع على تلك الأريكة..
فيغتاظ منه ويضربه والآخر يتحمل ضربه الثقيل بصدرٍ رحب!
عندما كانت الصغيرة قدر تهرول هنا وهناك بحروفها الطائرة وتمزح معه فيحملها على كتفه على حين غرةٍ مشاكسًا..
حينما كانت قدر أمه تدخل عليه وتحادثه بحنانٍ..
وخاله يبتسم له وعينيه يشع منها ندمًا يُضاهي خطيئته التي سامحه الجميع عليها إلا نفسه..
وشريف..
الرجل الذي كان أقرب من له في تلك العائلة..
الرجل الذي ما إن استرده ربه حتى خفت الفجر وبهت صوته..
ارتمى على فراشه متنهدًا بتعبٍ..
لن ينام ويعلم ذلك، فوجوده هنا بمثابة كوابيسٍ عدة ستنهمر عليه دون توقف..
وهو لا يحتمل..
يكفي أحلامه المظلمة عن ليلة قتل زوجته وابنه..
الليلة التي خسر فيها كل شيءٍ للمرة الثانية..
وعلى يد الشخص ذاته..
-إنت متستحقش الحياة دي، إنت أخرك تعيش تشحت الحُب.
كابوسه اليومي..
والذي أضحى…أزليّا!
-بس أنا عشان طيب ومراعي العيش والملح اللي كان بينا مش هأذيك شخصيًا، هاخد منك الحاجة اللي إنت سرقتها مني
العيش والملح؟
أم…الدماء ورائحتها؟!
-حافظ الشهادة تلقنهالها ولا هتوكلي المهمة دي؟
رائحة الصدأ!
وصوت طلقة رصاص اخترقت رأسها..
وسقوط الجسد مدويّا..
وزئيره يعلو..
وهديرها يخفت..
وسقطت أوراقها الذابلة..
اتسعت حدقتيه وانتفض لاهثًا..
مرر كفيه على وجهه مرورًا إلى شعره الذي شد خصلاته بقوة..
أن ينام آمنًا هنا؟ هو كابوسٌ آخر بالنسبةِ له
نهض يقترب من الشرفة ناظرًا للخارج بلا روحٍ..
ظلمة الليل والشتاء القارص والمطر المنهمر بلا توقف..
وسيارة سوداء تتوقف مسرعة يهبط منها شقيقه راكضًا إلى الداخل بهلعٍ..
لأجلها يركض..
لأجلها هي..
التي كانت يومًا قدرًا له..
فأصبحت الآن قدر كليهما..
طرق فادي الباب، يعلم أنها حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل تظل يقظة، أجابت بصوتها الرنان:
-اتفضل.
وطار قلبه بفتحه للباب وإدخال رأسه من فتحته هاتفًا بمرحٍ:
-يا رب يا ساتر حد كاسر رجله؟
اعتدلت على الفراش ضاحكة بشدة، فدخل موصدًا الباب خلفه، وجلس أمامها على الفراش يضع الأكياس على ساقيها بعدما ألقى حقيبة عمله على آخر الفراش:
-سلامتك.
ابتسمت:
-الله يسلمك.
رفع أنامله يتحسس الكدمات على وجهها والخدوش، وزم شفتيه حزينًا:
-بتوجع؟
ابتسمت بخفة:
-مش أوي.
انحنى يلثم كل خدشٍ وكل كدمة برقةٍ وحنوٍ، فتتوقف أنفاسها عن البوح، وتحبسها داخل صدرها حتى يبتعد، فيبتسم ممسدًا على خصلاتها:
-جيبتلك السوبر ماركت كله زائد طبقين كشري كنت هاكلهم في الشغل بس يلا ميغلوش عليكِ.
ضحكت بقوة، فأخرج طبقًا له وطبقًا له، والطبق الثالث وضعه جانبًا هامسًا:
-هبقى افطر بيه بكرا بقا.
تربع أمامها على الفراش بعدما خلع حذاءه، واعتدلت هي تضع الطبق أمامه وتُفرغ محتويات أكياسه، يسألها باهتمامٍ:
-إيه اللي حصل بقا عملتِ حادثة إزاي؟
تنهدت وبدأت تقص له شرودها وحيودها عن الطريق، ونظرة أمها لها وتوبيخها، ومواساة والدها لها، لم تغفل سوى عن تفصيلة يوسف، فلن تأتي إلى الأسد لتخبره من سرق طعامه! أنهيا طعامهما وهو يقص عليها ما حدث في يومه بطريقته المضحكة، حيث يخبرها عن المجرمين والقاتلين والبرق في الخارج يضرب الشوارع..
-أنا ما صدقت اترحمت من البلا ده لما سفروني المؤتمر..
قالها متذمرًا فضحكت مواسية:
-معلش أنت لها..
لملم الأطباق في الكيس، وما إن ضرب الرعد والبرق المكان ثانيةً حتى أشار لها بالابتعاد، ففعلت متعجبة لتراه يندس بجوارها أسفل الأغطية، ويفرد ذراعيه ناظرًا لها بتشجيع، فترددت قليلًا قبل أن تندس في أحضانه يحيطها بذراعيه، ويمسد على خصلاتها بحنوٍ هامسًا:
-طنط يمنى بتحبك يا قدر، وبتخاف عليكِ، يمكن مبتعرفش تعبر عن ده غير بالزعيق واللوم، بس هي فعلًا بتحبك.
شردت بعيدًا، وسألته دون أن تنظر إليه:
-تفتكر؟
أومأ، فظلت شاردة..
حتى ازداد صوت البرق والرعد..
وزاد المطر غزارةً..
فتدثرا ببعضهما في الدفء..
وتناولا ما جلبه من حلويات مع حكاوي عِدة.
وبغرفة مجاورة تكور فهد على نفسه على الفراش كالجنين..
وبلال لا يتيه عن باله لحظة..
وخوفه من أن يغمض عينيه في تلك الغرفة الكئيبة يتصاعد مع غزارة المطر..
وحيدًا كان..
مع أفكار لا تصمت.
وبمنزلٍ آخر شاب فقد أخاه..
فقد حبيبته..
ضم ساقيه إلى صدره وشرد في لقائهما الأخير..
وفي قبلة العين..
وفي حبيبته قصيرة الشعر!
وفي غرفة أخرى جلست تنصت لآيات القرءان الكريم..
سورة البقرة المفضلة..
“وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم”
فتُغمض عينيها..
وتنام، مع دموعها الجافة..
ودمعة أخرى سقطت حية.
ففي كل مكانٍ هناك شارد..
وهناك قلبٌ مكسور..
قلبٌ ملتاع..
وكوابيس لا تفارق صاحبها..
في كل بيتٍ عاشق..
خانه الحُب، وضربه القلب في مقتل..
في كل غرفةٍ…جثة تُصارع للبقاء حية.
والمطر…لا زال يتساقط!
***
تثائب يزن فاتحًا فمه على آخره وهو يتقلب للجهة الأخرى من الأريكة الضيقة، فقد سقط مع إسلام في النوم أثناء لعبهم، فتح عينيه نصف فتحة حينما شعر بأنفاس تلفح وجهه، رؤية ضبابية حتى فتح عينيه على مصرعيها صارخًا بهلعٍ منتفضًا من نومته:
-سلامٌ قولٌ من ربٍ رحيم، إنت مين يا عم!
ووجهٌ أسود تمامًا يرمقه بغرابة، فينتفض أكثر صارخًا وهو يضع الوسادة حاجز بينه وبين الرجل:
-إنت إنس ولا جن ولا مِلتك إيه؟!
أشار الرجل على نفسه مبتسمًا:
-أنا هيري السفرجي الجديد.
رفع يزن حاجبه:
-إنت هيرك السفرجي؟ إيه هيرك دي فيه حد يسمي حد كده!!!
هز رأسه نافيًا:
-لأ لأ، هيري هيري.
نهض يقف على الأريكة متحفزًا:
-بقولك إيه هيري على هيرك وهير أمك متجننيش، إنت بتعمل إيه هنا!!
استيقظ إسلام على صياحه:
-بس يالا بتزعق ليه ع الصبح.
ضربه يزن في كتفه بقدمه موقظًا:
-اصحى يا عم فيه فحماية واقفة قدامي دلوقتي.
وقف الرجل محذرًا:
-لا أنا مسمهلكش.
فرك إسلام عينيه ناظرًا للرجل بحاجبٍ مرفوع:
-هو أنا بحلم؟ ولا ده كابوس؟
هبطت آيات على الدرج بقفطانها المخملي هادرة:
-إنتو إيه اللي منيمكم هنا مش قولتلكم تطلعوا تناموا فوق..
وقفت متصنمة حين نظر لها الرجل وشهقت مرتعبة:
-بسم الله الرحمن الرحيم! مين ده يا ولا!!!
صرخ ابنها:
-اطلبي البوليس يا ماما بسرعة.
وإسلام يصيح برعبٍ:
-بوليس إيه اطلبي المطافي!
أشار الرجل على نفسه:
-يا ست هانم أنا هيري السفرجي الجديد اللي طلبتوه من أطوة.
-أطوة مين!!
هبط حسام خلفها متسائلًا:
-فيه إيه الزعيق ده ع الصبح!
نظر له بغرابة يتأمل مظهره الغريب بثيابه التي تنتمي لحقبة قد مضت، ووجهه أسود اللون وعينيه البارزتين وقامته الطويلة، فسأل بتعجبٍ:
-عنترة إبن شداد بيعمل إيه في صالون بيتنا يا آيات؟!
هزت رأسها بعدم معرفة، فيما خرج رعد من المطبخ يحمل كوب قهوته وخلفه شهد التي ما إن رأت الرجل بطول قامته الأطول من أطول طويل بالمنزل حتي شهقت بخضة وهي تختبئ خلف رعد هامسة برعبٍ:
-القيامة صح؟ يأجوج ولا مأجوج ده؟
عقد رعد حاجبه بدهشة وسأله:
-إنت مين يا ابني!
زفر الرجل وقال بتعب:
-أنا هيري، والله الأظيم هيري السفرجي الجديد.
-بس أنا قولت لعطوة عايز دادة مش سفرجي!!!
قالها رعد بتعجبٍ، وشهد تهمس من خلفه بصوتٍ مهتز:
-هو ليه طويل أوي كده! وليه أسود؟ وليه بيتكلم فرانكو!
ازدردت آيات لعابها بتوجسٍ وهمست لزوجها:
-أنا بقول نطلب شيخ يصرفه!!
***
دخلت فضيلة المطبخ تتثائب بنعاسٍ، وقفت أمام الرخامة تضرب البيض ببعضه لتصنع طبقين، التفتت لتحضر الملح من خلفها حتى اصطدمت بسيدة عجوز قصيرة القامة تبتسم ببلاهة فشهقت واضعة يدها على صدرها:
-بسم الله الرحمن الرحيم، إنت مين يا ولية!
ابتسمت المرأة بشدة:
-محسوبتك زنوبة الدادة من كفر البطيخ.
-دادة!!!!!!
قالتها بصدمة، سرعان ما صاحت بعلوٍ أيقظ الجميع:
-عــــــــــطــــــــــــــــــــــــــــوة…
***
تقلبت قدر على الفراش وفي أحضان فادي متثائبة، سرعان ما فتحت عينيها ببطءٍ على وجهه المتبسم بحبٍ، فاعتدلت مبتعدة عنه محدثة فجوة غامضة وبرودة قاسية:
-إنت ممشيتش!
-حد يطول الدكتورة قدر المسيري تنام في حضنه ويقوم!
قالها عابثًا، ففركت عينيها مبتسمة بنعاسٍ، ليعتدل هو في نومته متأوهًا بتعبٍ:
-آآه ركبي وجعاني أوي يا بت يا قدر، وبطني كمان جعان أوي.
تنهد وسألها:
-تفتكري الفطار إيه؟ أنا مستعد آكُل أمي نفسها من كتر الجوع، استني طبق الكشري كان هنا..
ضحكت بشدة ولكمته في كتفه:
-طب قوم أحسن تاكلي دراعي.
سرح في ضحكتها الجميلة، ثم عقد حاجبيه بعنفٍ:
-على فكرة إنتِ كده حرامية، ولازم تتعاقبي، المادة 318 من قانون العقوبات المصري تنص على:
“كل من اختلس منقولًا مملوكًا لغيره فهو سارق.”
عقدت ذراعيها أمامها:
-يا سلام! وأنا سرقت منك إيه بقا يا فندم!
بسط كفه على صدره مبتسمًا بهيام:
-سرقتِ قلبي.
ضحكت بمرحٍ فاشتد جسده وهو يكمل بجدية مصطنعة:
-مبهزرش!
دفعته بقوة:
-طب قوم يلا امشي.
زم شفتيه حزينًا يلومها بكلماته:
-إنت بقيتِ قاسية كده من إمتى؟ معقولة مش فارق مع قلبك الحجر ده شخشخة ركبي؟؟
عقدت حاجبيها بغرابة، ترمقه باستفهامٍ:
-إيه؟؟
-ركبي.
هزت رأسها نافية:
-اللي قبلها..
رفع حاجبه متسائلًا:
-قلبك الحجر؟
-اللي في النص.
-شخشخة؟
اشمئزت ملامحها تُردف بازدراءٍ:
-إيه شخشخة دي؟
ابتسم باتساعٍ يوضح لها بصدرٍ رحب:
-شخشخة….زي شكشكة كده.
-إنت جاي منين إنت!
ضحك فادي ونهض يلتقط سترته وحقيبته هاتفًا:
-هروح أستحمى.
أومأت هاتفة:
-وأنا كمان.
فتح الباب ومزح:
-مش عايزة مساعدة؟
ألقت عليه الوسادة فخرج مغلقًا الباب ليتفاداها، سرعان ما فتحه ثانيةً:
-دماغك شمال قصدي مساعدة في قومتك من ع السرير.
-لأ شكرًا اطلع برا بقا.
ضحك وخرج موصدًا الباب خلفه، ليصطدم بشقيقه يأتي من آخر الرواق مستعجلًا، فيبتسم له مرحبًا:
-إنت كنت بايت هنا؟
رمقه فهد يصمتٍ، أزرار قميصٍ مفتوح نصفها، سترة ملقاة باهمال على أحد ذراعيه والذراع الآخر يحمل حقيبة جلدية، خصلات مشعثة وأعين ناعسة، وأمام باب غرفتها..
اومأ له، فأخبره فادي:
-بص هخش أستحمى ونقعد مع بعض.
تحجج فهد:
-لأ أنا ورايا مشوار ضروري.
وتركه واقفًا وغادر، فتنهد فادي بقلة حيلة ومشى إلى غرفته..
هبط فهد ينظر للأجواء المتوترة بلا مبالاة، وقبل أن يرحل بصمتٍ كعادته أوقفته أمه بسرعة، تحت نظرات رعد الصامتة:
-فهد، رايح فين يا حبيبي؟
فابتسم بلا روحٍ:
-عندي شغل.
عقدت حاجبيها بشكٍ:
-شغل إيه؟!
ما كاد يفتح فمه ليكذب كذبة أخرى حتى ناداها رعد:
-تعالي يا شهد صُبي الشاي.
التفتت له بامتعاضٍ، وتسلل فهد ليخرج مستغلًا الأمر، فيما نادته شهد وتجاهلها..
وأثناء خروجه تلاقى مع رجل ضخم الجثة يقف في الحديقة يسقي زروعها بمساعدة الجنايني، لم يبالي حتى استدار ذلك الرجل ورأى ملامحه بوضوح..
فوقف متسمرًا لبرهة، وانتبه له الأخير، فتبادلا النظرات بصمتٍ غامض..
تواصل بصري وتشابك عيني لم ينقطع إلا بخروج فضيلة كالإعصار من المنزل تصرخ في الجنايني:
-روح ناديلي الزفت اللي اسمه عطوة حالًا!
فهرب فهد من تلاقي الأعين..
ونكس شاهين رأسه يكمل ما يفعله وكأن شيئًا لم يكن.
وفي اللحظة ذاتها خرجت سارة من المنزل مسرعة بأعين تُطلق الشرر صارخة:
-إنت يا زفت ياللي اسمك عطوة!
ووقفت متخصرة تنتظر مجيئه، تواجهها فضيلة التي تخصرت هي الأخرى رافعة حاجبها الرفيع بتحدٍّ..
فهمست آيات وهي تضع كفها على قلبها بتوجسٍ:
-استر يا رب!
وكأنما القيامة ستقوم..
أم أنها بالفعل قد قامت!!!
***
نائمة على فراشهما تحتضن سترته المثقوبة بطلقاتٍ عدة، تبكي بصوتٍ مكتوم وهي تشتم رائحته في كل شهقة وكل نواح، تشعر بروحه تهيم حولها، ولا زالت البرودة تمسك جسدها، فمنذ رحيله لم تذق طعم الدفء..
أربعة وربع الفجر؟ أين الوعد وأين صاحبه؟
أين قلبها؟ أين روحها؟
فُطر القلب وهامت الروح، وحبيبها لم يعد!
ظلت في كنفه تحظى بالدلال والسلام..
حتى أصبح كله سراب..
فلقد أخذت الرياح حبيبها..
وذهب…ولم يعد.
وتوقفت ساعتها على الساعة الرابعة والربع فجرًا..
أنّت بوجعٍ وهي تتلوى في الفراش متوجعة، تصرخ بين الشهقة والأخرى وكأن روحها تتصاعد..
روحها تحترق..
تبكي وتصمت..
ثم تعود لتبكي من جديد كلما تذكرت حضنه أو ملامحه او موقف من الماضي!
غادرها بلال..
غادرها الحبيب!
دخل والدها ليجدها على حالتها تلك، فأشفق عليها وهمس:
-هدير…
اقترب منها وجلس أمامها على الفراش، انحنى يمسد على خصلاتها بحنوٍ، فراحت تتلوى وتبكي وتنوح..
فيهدهدها هامسًا بلوعة:
-اهدي يا بنتي، اهدي متوجعيش قلبي..
فهمست بلوعة، ولوعة عن لوعة تختلف:
-بلال يا بابا…أنا عايزة بلال، عايزة جوزي!
وانفجرت باكية، فدسها بداخل أحضانه لتصرخ منهارة بوجع يتضاعف وكأن لفظة اسمه تدهس على جرح غائر سببه الفراق..
بلال غادر..
بلال مات!
وبغرفة الصغير..
لم يختلف حاله عن حال أمه..
متكورًا على الفراش..
ينظر للخزانة بجمودٍ..
يتذكر حلم جميل وصوت أبيه يهمس:
-بكرا هننام كلنا في حضن ماما يا حمزة.
لم يبكي..
لم يزرف دمعة..
لم يتأوه..
لم ينهار كأمه..
وكأن مشاعره قد تبلدت..
أو أنه في حالة صدمة!
دق جرس الباب فنهض جمال ليفتحه، فيُفاجئ بفهد، أدخله ورحب به، فجلس الأخير متحدثًا:
-هدير وحمزة عاملين إيه؟
جلس جمال متأوهًا بتعب:
-حالتهم صعبة، هدير منهارة، وحمزة مبيحطش منطق..
ازدرد فهد لعابه وصمت مشفقًا على حالتهم، ولكنه عاد ينظر للواء هاتفًا:
-أنا عارف إنه مش وقته، بس أنا عرفت إنك طلبت من حد معين يروح المهمة مع بلال، مش عارف لصعوبة المهمة ولا لعدم ثقتك في بلال لوحده كقائد، ولا لسبب تالت خالص!
صمت جمال وأبعد عيونه عن فهد، فتابع الأخير باصرار:
-أنا متأكد إن بلال اتغدر بيه، المهمة كانت ماشية كويس وإياد قالي كده بس مرة واحدة ضرب النار اشتغل وكأنه كان كمين والدنيـ…
قاطعه جمال بحدة:
-خلاص يا فهد، اللي حصل حصل، انسى.
تسمر الآخر مصعوقًا، وسأله بغرابة:
-انسى إيه يا فندم؟!
وبصلابة رد جمال:
-انسى العملية وانسى الظافر وانسى إنك تقبض عليه.
ضحك بعدم تصديقٍ متسائلًا:
-وبعدين؟!
-ولا قبلين، انسى وخلاص.
ونهض ليدخل لهدير مجددًا إلا أن فهد أوقفه بقوله:
-وانسى إن بلال مات بسبب إبنك؟ ولا انسى الناس اللي اتقتلوا ولسه هيتقتلوا؟
توقف جمال متسمرًا، واستدار لفهد بأعين حمراء من الأرق، فابتسم الأول بسخرية ونهض يتابع:
-أنسى إنك بِعته عشان تحمي إبنك فقام إبنك قتله؟!
فغر فاهه وفهد يكمل بقسوة:
-أنسى إنك إبنك قتل أكتر من 90 بني آدم شيخ أو طفل أو سِت أو شاب بريء؟
صرخ بانفعالٍ:
-أنسى إن إبنك إرهابي؟؟؟؟؟
نهره جمال:
-اخرس ووطي صوتك!! هدير مش لازم تسمع حاجة!
ولكن..
قد فات الأوان..
حيث استدار جمال مسرعًا بذعرٍ على صوتٍ مبحوح خرج مصعوقًا:
-نزار….قتل بلال!!
التمعت العبرات في عينيها متجددة والسابقة لم تجف:
-أخويا….قتل جوزي!!!!
ربما لم يكن عليه أن ينفعل..
ربما لم يكن على اللواء أن يبعث بزوج ابنته لحماية ابنه..
ربما لم يكن عليه أن يُضحي بسعادة إبنته لأجل حماية إبنه!
____________
بما إننا داخلين على سنة جديدة حبيت أودعها بفصل جديد، اعذروني الفترة اللي فاتت والفترة اللي جاية هكون مشغولة _بمتحن_.
أسف كبير على تأخيري وتقصيري، هرجع التزم بإذن الله ولكن بعد إمتحاناتي أتمنى تعذروني.♥
ودلوقتي عايزة استفسر..
أنهي couple لحد دلوقتي عاجبكم ومرتاحينله؟ -عشان أفرقهم عن بعض-
4
وأنهي شخصية حبتوها أكتر؟
-عشان أمــوتها-
3
وأنهي حبكة ماشية كويس؟
-عشان أبوظها-
1
وأخيرًا…أنهي بطل محترم وعاجبكم؟
-عشان أشــرسه-
زر الذهاب إلى الأعلى