روايات رومانسية
رواية لقياك لي المأوي الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم اية احمد
رواية لقياك لي المأوي الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم اية احمد
الفصل الثاني و العشرون ج1
بعد شهر….
هلت بوادر الشتاء برياح خفيفة باردة و بضع قطرات مطر متساقطة على فترات متباعدة…و رغم عدم انتظام الطقس و ثباته لم تتوقفن سيدات المجتمع الراقي عن ممارسة رياضتهن الصباحية…يتحدين تقلبات المناخ كما يتحدين شيخوختهن…هدأت من سرعة ركضها تدريجيا حينما اوشكت على انهاء عدد الدورات المخصصة لها يوميا…و عند بلوغ خط النهاية خرجت من المضمار لتتوجه برشاقة متنافية مع عمرها نحو الطاولة المتواجد عليها صديقاتها…
(تبدين أصغر سنا في هذه الحلة الرياضية لبنى…)
التقطت زجاجة المياه من فوق الطاولة ترتشف منها سعيدة بإشادة قريناتها بها…انهت ما تفعله لتغلق الزجاجة قائلة بتفاخر…
(هذا ما قلته لنفسي اليوم صباحا حينما نظرت للمرآة)
تبادلن الضحك رغم امتعاض البعض منهن مما قيل…جلست لبنى في مكانها بينهن يتسامرن في امور معظمها غير مجدية…مرت فترة لا بأس بها لتجذب انتباه لبنى جملة صديقتها المندهشة حالما رأت امرأة ما…
(ماذا تفعل هذه هنا لا أصدق أن أمن النادي سمح لها بالدخول)
التفتت لبنى حيث المرأة المقصودة لتتسع عيناها بغضب من رؤية هيام هنا…هذه التي لا تساوي شيء بينهن منحها طارق حق الاقتراب و ربما المنافسة فلا تنكر انه رغم سنين عمرها المقاربة لها إلا انها جميلة كابنتها…وجهت اخرى منهن سؤالا للبنى بدا التهكم من نبرتها واضحا…
(أليست هذه حماة حمى ابنك لبنى؟!)
تنفست لبنى انفاسا لاعنة مكتفية بنظرات ممتعضة كإجابة على السؤال…تكلمت الأولى مجددا في محاولة لإزالة الحرج…
(الرجال مهما بلغت درجة رشدهم سيظلون رجالا حينما يرون أنثى تعجبهم!…لا تتضايقي لبنى ليس الكثيرات هنا يعرفن عنها)
هزت لبنى رأسها بتفهم منفعل و بداخلها تود لو تذهب تقتلع شعرات هيام المتطايرة حول لباسها الأنيق الذي لا تستحقه حقيرة مثلها…
و على الجانب الأيسر من الطاولة مالت واحدة منهن على صديقة مجاورة تتساءل بخفوت…
(هل تزوج السيد طارق من هذه المرأة حقا؟!)
اجابتها صديقتها بنفس الخفوت متحاشية غضب لبنى…
(ليس منها بل من ابنتها…فتاة في مثل عمر ميرنا ابنته!)
اتسعت عينا المتسائلة لتهمس بدهشة كبيرة…
(متى حدث هذا و كيف لم أعرف؟!!)
اجابتها صديقتها مجددا بتفصيل…
(الأمر حدث قبل أشهر حينما كنتِ في لندن شيرين كما أن السيد طارق تزوج بحفل صغير يضم الاقارب و المعارف من الدرجة الاولى)
هزت شيرين رأسها ببطء و لا تزال نظرة الصدمة على محياها…رمقت لبنى طويلا و بداخلها تعرف أنه يجب أن تخبر السيد طارق عما تعرفه…ربما لم يعرف!!!
جلوس هيام على طاولة قريبة و تعرفها على بعض السيدات جعل لبنى تشيط من الغضب…نهضت بسرعة فلم يعد في مجال صبرها شبرا فارغا تقول…
(سئمت الجلوس هنا سأذهب لأجلس عند المسبح)
انتهزت شيرين فرصة وجود لبنى بمفردها لتهب واقفة و تتخذ خطواتها خلفها ناوية ان تخبرها لتخبر هي طارق…
(لبنى انتظري…)
التفتت لبنى تبتسم بأناقة قائلة…
(تعالِ شيري )
وقفت شيرين امامها تقول باضطراب…
(عليكِ معرفة شيئا هاما للغاية)
عقدت لبنى ما بين حاجبيها تقول…
(تبدين متوترة…دعينا نجلس اولا ثم نتحدث)
بعدما ذهبتا عند المسبح جلستا متقابلتين لتبدأ شيرين الحديث…
(هذه اول مرة اعرف ان السيد طارق تزوج)
هزت لبنى رأسها بعصبية تقول..
(هذا جيد لكِ صدقيني فزيجته تثير ذهولي)
تلعثمت شيرين قبل ان تقول…
(ذهولك سيزداد بعدما تعرفين ما اعرفه عن هذا المرأة التي تعد حماته)
ضيقت لبنى عينيها بترقب تسأل…
(و ما الذي تعرفينه؟!)
تنهدت شيرين ببطء تقول…
(هل تذكرين ما حدث مع ألفت قبل بضعة و عشرين عاما)
ازداد ضيق عين لبنى و هي تعتصر ذاكرتها لكن صوت شيرين جاء يخلصها من مهمة التذكر…
(حينما اكتشفت أن زوجها رأفت رياض تزوج عليها سرا…وقتها طلبت الطلاق و استعادة اموالها بتصفية اعمالهما المشتركة و ليدرك الموقف طلق زوجته الثانية و عاد لألفت صاغرا مدعيا انها غلطة لن تتكرر)
عادت لبنى بظهرها للخلف تستطرد بتعجب من فحوى الحديث…
(نعم تذكرت هذا…و بعدها انتشر خبر ان زوجته الثانية رضخت للطلاق بعدما دفع لها مقابل زيجتهما كما اعتقد فتعرفين علاقتي بألفت ليست وطيدة مثلك كما أنهم تكتموا على ذلك الخبر لأجل صورتها بيننا…ما شأن هذا بزواج طارق طلال؟!)
رمقتها شيرين بنظرة ذات مغزى جعلت لبنى تتأهب في جلستها متسعة العينين تهمس ببطء مشدوه…
(لا تقولي….)
هزت شيرين رأسها تستطرد بالتفصيل…
(للأسف هذه هي يا لبنى…ما عرفناه وقتها ان رأفت لم يكن الأول و ان قبولها للمال شيء معتاد منها…ببساطة هي تتزوج لأجل المقابل المادي)
فغرت لبنى فمها بذهول اصابها بالتحجر…عقلها لا يستوعب ان طارق تزوج من حثالة البشر…هل يعرف بشأن هذا كله؟!…بالتأكيد يعرف فهو لا يتخذ خطواته دون دراسة…لكن كيف تغاضى عن ماضي مهين كماضي هيام…صوت شيرين اخرجها من شرودها حينما قالت…
(يجب على السيد طارق ان يعرف لبنى…ربما هذه المرأة و ابنتها طامعتين في امواله)
تنفست لبنى نفسا عميقا ترتب معه ما تريد فعله بتأني…رفعت ذقنها عاليا تقول بنبرة مستلذة…
(طبعا يجب أن يعرف…في الواقع كلهم يجب ان يعرفوا)
بعد ساعة…
وصلت بيتها في اقصى حالات الانتشاء فلقد كتبت قصة بعنوان نهاية فلك و أمها للأبد و ها هي ستقرأ اول فصولها…وجدت ميرنا جالسة في البهو الكبير تقلب بملل في صفحات احدى مجلات الموضة بينما ترتشف من كأس عصيرها…نادت عليها اثناء تقدمها فرفعت ميرنا وجهها تبتسم بسمة باهتة تردف…
(صباح الخير…هل انتهى تمرينك في النادي؟)
وصلت لبنى اليها تلقي حقيبتها فوق الطاولة امام ميرنا تجلس جوارها تقول بصوت لاهث…
(لا يوجد خير ميرنا ابدا…لقد عرفت اليوم شيئا سيدمر سمعة والدك و ربما يخسره كل امواله!)
ارتعدت ميرنا فتركت المجلة من يدها تتساءل برعب…
(ما به أبي؟!!!)
تعمدت لبنى اثارة خوفها اكثر فتباطأت حروفها حتى قالت…
(فلك و أمها…)
اسمان كفيلان بتحويل ميرنا من فراشة رقيقة الى نحلة تلدغ بقسوة…اعتمت عيناها بشر يتصاعد كلما تعمقت لبنى في قص ما سمعته عليها بكل نفس راضية…
*************
(صباح الخير طارق…اعتذر لأنني لم استيقظ معك اليوم ايضا، لا أعرف ما هذا الخمول الذي يلازمني منذ فترة طويلة…نعم أتناوله حاليا لا تقلق…انتبه لنفسك)
وضعت الهاتف فوق طاولة الطعام بعدما اطمأنت على طارق و الذي ذهب لشركته دون ان تراه كحالها مؤخرا…تناولت قطعة جبن تأكلها بتمهل ضجر…لا تحب ان تفطر بمفردها و أمها منذ عرفت طريق النادي باتت تذهب هناك كل صباح تناطح نساء الطبقة الراقية…وضعت الشوكة من يدها في الطبق لتلتقط الهاتف مجددا و تتصل بها…لحظات و سمعت رنينه الصادح يقترب منها…رفعت رأسها تجاه باب غرفة الطعام فوجدت الخادمة آتية تحمله بين يديها قائلة…
(سيدة فلك يبدو أن السيدة هيام نسيت هاتفها هنا!)
ابعدت فلك الهاتف عن أذنها تهمس بضجر…
(آه أمي!!)
بسطت يدها للخادمة تقول بصوت شاكر…
(هاته وردة شكرا لك)
تقدمت وردة منها تمد كفها و تعطها إياه فالتقطته فلك كما التقطت كف الخادمة بعدما رأت الضمادة الملفوفة حول اصابعها…اتسعت عيناها بقلق حقيقي تسألها…
(ما بها يدك وردة هل آذيتِ نفسك اثناء العمل؟!)
تكلمت وردة بنبرة مهتزة…
(انه جرح بسيط سيدتي لا بأس اعتدت على ما هو أكبر منه)
رمقتها فلك بنظرة متعاطفة فقط أشهر معدودة فصلتها عن مكانة مشابهة و جروح نازفا جسديا و نفسيا…ابتسمت بحنو تربت فوق كف الخادمة و تقول…
(اهتمي بنفسك و لا تتهاوني في حالة الجروح قد تتفاقم لا قدر الله…خذي اليوم اجازة و ارتاحي في بيتك)
بهتت ملامح وردة و هي تستقبل العطف من فلك…منذ باتت سيدة القصر و هي تحسن معاملة الجميع و تعاملهم و كأنها لا تزال واحدة منهم…طيبة القلب كما هي حتى مع اختلاف مكانتها الجديدة…لولا الحاجة و العوز ما كانت ساعدت لبنى في نقل اخبار السيد طارق و فلك ابدا و يشهد الله انها صادقة…همست بصوت يشعر بالذنب…
(لا بأس صدقيني سيدتي أنا بخير)
رفضت فلك الانصياع لها فقالت بأمر حنون…
(لستِ بخير وردة أنتِ تضمدين ثلاثة أصابع دفعة واحدة…خذي اجازة حبيبتي اليوم فلن يأتي أي ضيوف لنا و الطاهي سيعد الغداء و العشاء فلا يوجد مهام كثيرة تحتاجك)
اومأت وردة بصمت لتفلت فلك يدها ببسمة مشجعة…ابتعدت الخادمة قليلا ثم عاودت الاقتراب تشكرها بصوت آسف لما تفعله في حقها…
(شكرا لك سيدة فلك أراح الله قلبك كما تريحينا)
التمعت عينا فلك بتأثر و بداخلها تشعر و كأنها حُرمت من الدعاء لها منذ قرون…ابتسمت بسمة زادت بهاء وجهها لتقول…
(آمين يا وردة…آمين)
تابعتها حتى خرجت من غرفة الطعام لتعود بظهرها للخلف تستند برأسها عليه…شردت في الفراغ أمامها بصمت يزداد ثقله تدريجيا…أخر لقاء لها مع أيوب في الحي قبل شهر تقريبا…لقاء لم تكن تضعه في الحسبان او ربما وضعته لكنها لم تكن تتخيل قسوته التي ما زالت واقعة تحت شدتها…لقد تزوج و هذا كان واضحا من موضع حلقته الفضية في يده اليسرى إذًا فشلت زوجته في مساعدته على النسيان…فلتت آه متألمة على حاله من بين شفتيها لتهمس بصوت مختنق…
(يا رب أسعد قلبه فهو يستحق الخير حتى لو كرهني مقابل أن تستقر حياته لا بأس فأنا أستحق هذا…أرجوك كان أحسن الناس في معاملتي و أساءت أنا معاملته فكما منحتني الراحة أمنحه أضعافها)
انتفضت في جلستها حينما وصلها صوت الضجيج في البهو…وضعت يدها فوق صدرها تشعر بقلبها المنقبض و المتوجس يهدر بعنف خلف ضلوعها…وقفت من مقعدها و تحركت ببطء تجاه الباب لتتضح الأصوات لها…
(سيدة ميرنا السيدة فلك ليست بالأعلى…انتظري أرجوك)
خرجت فلك لتستقبلها وردة المضطربة تقول…
(سيدة فلك السيدة ميرنا غاضبة للغاية و تبحث عنك)
هزت فلك رأسها متفهمة لتهمس بصوت متوتر غصبا…
(حسنا سأصعد لها…)
صعدت درجات السلم بقلق من صوت ميرنا الهادر و هي تنادي عليها و على هيام…وصلت الى الرواق لتصطدم بها ميرنا فتتوقف كلتاهما تحدقان في بعضيهما بصمت متقد عند ميرنا متوجس عند فلك…انهت فلك وصله التحديق حينما قالت بهدوء رغم توترها…
(هل يدخل احدهم البيت بهذه الطريقة؟!!!)
رمقتها ميرنا بحدة تصرخ في وجهها…
(من أنتِ لتعلميني كيف أدخل بيت أبي و اتعامل فيه…من سمح لك بأن تدخلي حياتنا من الأساس…لكن لا بأس سأركلك منها كما دخلتها لكن بعدما أفضح أمركما لأبي)
تأجج الغضب في دماء فلك فركنت التوتر جانبا لتناطح ميرنا بذقن مرفوع…
(أنا زوجة والدك و هو من منحني حق التدخل في كل شيء يخص هذا المكان…بيتي)
ناظرتها ميرنا باحتقار تقول…
(هذا ليس بيتك و لن يصبح…أبي بعدما يعرف حقيقتك سيطردك من حياتنا كنكرة لا قيمة لها)
ضيقت فلك عينيها متسائلة…
(حقيقتي؟؟!)
اقتربت منها ميرنا لتقف في مواجهتها تقول بصوت لاعن…
(هذا الدور الذي تمثلينه الآن لن يشفع لقد كُشفت حقيقتك أنت و أمك يا سيدة القصر المحترمة!)
احتدت نظرة فلك لتقبض على ذراع ميرنا و تنظر في عينيها تتحدث بقوة نابعة من قرارة نفسها التي تعرفها جيدا…و ما تعرفه أن فلك محفوظة بداخلها لم تتلوث و لم تبيع جسدها حتى تحت مسمى الزواج…
(كلامك ألمح به ما لا يعجبني ميرنا إما أن تتحدثي أو تخرجي من هنا ما دام لا تحترمي صاحبة المكان)
اطلقت ميرنا ضحكة مهتزة بانفعال تسحب ذراعها بحدة من قبضة فلك قائلة بسخرية…
(صاحبة المكان!!…حسنا دعينا نعرض على أبي ماضي والدة صاحبة المكان و نخبره انها كانت تتزوج عفوا اقصد تبيع نفسها بمقابل مادي)
بهتت ملامح فلك فجأة و عار ما فعلته أمها يكبلها…هيام و حياة هيام نقطة سوداء لا تزال ملتصقة بروحها…تاهت نظرتها عن ميرنا و عقلها بدأ يعمل قليلا و يتساءل هل طارق يعرف عن ماضي هيام؟!…كيف بحق الله لم تفكر في هذا الأمر من قبل…لحظة ألم تخبره ليلة زفافهما بأنها ظنت نفسها كهيام باعت لمن دفع أكثر و هو اعترض على هذا!!…تبا فلك كيف مرت هذه الأحداث دون أن تفكري بها و لكن حالتها حينها لم تكن ابدا تسمح بالتفكير…كانت منتهكة بكل صدق و لم تصدق انها وجدت حنانا يعوضها فلم يشيء عقلها ان ينزع منها كل هذا و يعيد اسئلة تهدد عالمها الجديد!!!…يا الله طارق يعرف ماضيهما هذه حقيقة مرة للغاية فلك!…
(ترى كم رجل قبل أبي تزوجته لأجل المال ؟!…كم رجل خر صريعا لجمالك الملوث و لامسه ثم دفع ثمنه لك؟!…كم بيت خربتي غير آبهة بحال ساكنيه ما دام هناك مال ستبيعين الدنيا و من عليها!)
ابتلعت فلك ريقها ببطء تسأل بصوت مرهق…
(ما الذي تقولينه؟!)
صرخت ميرنا عاليا بكل غضبها و خوفها على والدها…
(أقول أنك مجرد حقيرة كوالدتك تتزوجان لأجل المال كم يثير غثياني هذا… يا لك من رخيصة!!)
رخيصة مجددا…لماذا هذا العذاب…بأي ذنب تُحاسب هي…هل يعنفها الناس لكونها حافظت على نفسها وسط بيئة تدفعها لبيع نفسها و إن اختلفت رؤية والدتها لهذا…هل بعدما تحملت و صبرت تخرج مجرد…رخيصة!!
الكلمة تحرقها و تذكرها بأيوب و لفظه لها من حياته…لم تتمالك نفسها و هي ترفع كفها و تصفع ميرنا بكل قوتها…تصفع مجتمع ظالم…أناس لا ترحم…قلوب لا تعرف العهود…
(أخرسي…)
صرختها كانت عنيفة و نظرتها توحشت فهي هنا الحامي و الداعم الوحيد لنفسها…تمسكت بذراع ميرنا المذهولة و التي تسمرت مكانها تضع كفها فوق موضع الصفعة…سحبتها فلك بحدة تقول بأمر قاطع…
(للخارج حتى يأتي والدك أنا لن أسمح لك بالبقاء هنا)
توحشت نظرة ميرنا لتنفض ذراعها من فلك و تقبض على كتفيها ترجها بقسوة صارخة بهستيرية…
(هل صفعتني للتو؟!…و تطرديني من بيتي ايضا؟!…من أنتِ ايتها الوضيعة لتلامسي اسيادك لا أن تصفعينهم… سأجعلك تندمين على اليوم الذي أتيت فيه مع أمك الحقيرة الى هنا)
تهتز بين كفي ميرنا بقوة جعلتها تشعر بالدوار الشديد…عيناها غامتا بتشوش و قلبها تشعر به يتباطأ في نبضه…اغمضت عينيها حينما اسودت الرؤية و حينما فتحتهما مجددا اطلقت صرخة مرتعبة تشعر بنفسها تنزلق للأسفل بعدما دفعتها ميرنا بغلٍ للخلف…ألم رهيب تشعره مع كل درجة من درجات السلم الذي ترتطم به…و كأن روحها تُسحب منها تدريجيا…استوت على الأرض اخيرا بعدما وصل جسدها للأسفل فلم تقوَ على تحريك ساكنا مع هذا الألم الذي احتل كل خلاياها…اغمضت عينيها بتعب تدعو أن يكون كل هذا مجرد وهم ستفيق منه قريبا…
وصلت ميرنا الى جسدها تتفحصها بأعين مرتعبة…لم تقصد دفعها هي انزلقت من بين يديها دون قصد…اتسعت عيناها بصدمة تخرج هاتفها و تتصل بحماتها…
(ماذا أفعل لقد سقطت من على الدرج دون قصد مني و…و هناك بقعة دماء اسفلها!!!)
يقفون جميعا خارج الغرفة منتظرين الطبيب المعالج ليخرج و يريح قلوبهم…طارق يقف على اعصابه تجاوره هيام المرتعبة على ابنتها…بينما تجلس ميرنا على كرسي من كراسي الممر ترمق الباب بأعين متوترة و تقضم في اظافرها…جوارها لبنى باهتة الملامح تفكر بعمق رغم ذلك و يقف جوارها باهر ابنها…
خرج الطبيب فأسرع طارق يسأله بلهفة غير مخفية…
(كيف هي الآن؟!)
تكلم الطبيب بوجه جامد الملامح…
(أصبحت بخير… لقد قمنا بإيقاف النزيف و اعطيناها حقنة مثبتة لأجل الجنين)
تجمد طارق للحظات يستوعب ما قيل ثم همس متسائلا بعدم تصديق…
(هل فلك حامل؟!!!)
اومأ الطبيب بعملية يقول…
(نعم و يبدو أنها لم تكن تعرف بعد هي ايضا لقد تفاجأت حينما اخبرتها بالداخل)
قفزت هيام الى الطبيب تسأله بسعادة كبيرة…
(هل وضع الجنين سليم؟!)
اجابها الطبيب بهدوء…
(الوضع حاليا ليس مستقرا تماما عليها الراحة التامة في السرير و عدم بذل اي مجهود حتى يستقر الحمل فهي في شهرها الثاني)
هزت هيام رأسها متفهمة حتى تركهم الطبيب فالتفتت لطارق المتسمر بذهول من هذا الخبر لتقول ببسمة متسعة…
(مبارك سيد طارق ألا تريد رؤية فلك و المباركة لها؟!)
اومأ لها بصمت بدد اتزانه قليلا ليدلف الى فلك…بينما هي وقفت أمام باب الغرفة تناظر ميرنا و لبنى بنظرات مخيفة…ابتلعت ميرنا ريقها بقلق من ان تتهمها فلك بأي شيء رغم ضياع افكارها بعدما سمعت خبر حملها إلا ان اعتراف فلك اكثر تخويفا لها…تمسكت بيد باهر بعدما وقفت و وصلت اليه تهمس…
(اشعر بالعطش دعنا ننزل للكافيتريا)
اصطحبها بموافقة بعدما سأل والدته و هيام ان كانتا تحتاجان لشيء ما من الكافيتريا…تتبعتهما هيام حتى اختفيا فتوجهت الى لبنى تقف امامها قائلة بهدوء…
(كانت هناك قطة مسكينة تعيش في فناء بيتنا المتهالك في الحي…كنت أراقبها من بعيد لبعيد و اتعجب من حالها حينما تجد الطعام فتأكل بنهم تاركة صغارها خلفها دون سؤال…و في يوم حاولت التقاط اصغر ابناءها لأطعمه فما كان منها إلا أن خربشت يدي و تركت جرحا دام لوقت طويل…اندهشت من خوفها عليهم و هي التي لا تهتم سوى بنفسها فقررت أن اراقبها عن كثب لربما توصلت لشيء ما…و في نفس اليوم ليلا فعلت ما تفعله و أكلت بنهم مجددا دون سؤال عنهم لكنني بدلا من التعجب زدت في وقت مراقبتي قليلا لأجدهم تنهي طعامها و تسرع ترضعهم من حليبها برضا كبير…)
رفعت لبنى لها عينين ضجرتين تقول…
(و من اخبرك أنني تواقة لسماع هذا الحديث؟!)
مالت هيام بوجهها اليها تقول بلهجة تهديد صريحة…
(أعرف أنك وراء كل ما حصل لابنتي كما اعرف انك تحركين ميرنا كيفما تشائين…و اعرف ان فلك لن تخبر زوجها عما حدث و أنتِ ايضا تعرفين كل هذا…لكن ما لا تعرفينه انني قد ابدو غير مهتمة بابنتي لكنني في اتم استعدادي لأنهش لحم من يهدد حياتها الجديدة)
احتدت نظرة لبنى لتقولها بصراحة هي ايضا…
(حياة ابنتك الجديدة التي ستدر عليك بالمال أليس كذلك…لا تحسبي أنني لم أعرف عن ماضيك المشين شيئا…هل تتذكرين رأفت رياض هيام؟!!)
ذبلت ملامح هيام بشدة فاستقامت تبتعد عن لبنى تحدقها بغضب كبير…ابتسمت لبنى بنصر تقول…
(ماذا هل يؤلمك الأمر؟!…لم أكن اظن أن امرأة مثلك تتأذى و لديها مشاعر فكله بثمنه في عرفك!)
جزت هيام فوق ضروسها تناطح لبنى في لعبة كشف الاوراق الغير شريفة…
(اعتدت أن أدهس المشاعر بحذاء الواقع سيدة لبنى و صدقيني هذا افضل من ان الهث خلفها لأحقق رغبتي في الزواج من رجل لا يراني حتى)
هبت لبنى واقفة تسألها بحدة متوترة…
(بماذا تتفوهين يا أنتِ؟!)
ضحكت هيام باستفزاز تقول…
(لست غافلة عنكِ و عن رغبتك في الزواج من السيد طارق…تبدين مفضوحة لي جدا و أنتِ تحركين ابنته فقط لتقتربي منه…)
احتدت نبرة هيام و نظرتها تتوعد للبنى…
(اخرجي فلك من رأسك و ابتعدي عنا حتى لا أفضح أمرك للجميع…سيدة لبنى)
تركتها تتحرك ناحية الغرفة لتطمئن على ابنتها بينما لبنى صرخت صرخة مكتومة من الغيظ و بداخلها يزداد مقدار الحقد و الوعيد…
بالداخل…
تقدم طارق من فلك المستريحة فوق السرير بخطوات اصابها البطء من الذهول…لقد ادهشه تقرير الطبيب قبل قليل و تصريحه بأنه سيصبح ابا و هو في مثل هذا العمر…لم يفكر لمرة من قبل بأن هذا سيكون ممكنا خاصة مع عزوفه عن الزواج…مشاعر جمة تساوره و تتزامن مع ايقاع قلبه الجديد…فلك ساعده الله كي يمنحها طفلا سيكمل معها الطريق بعد رحيله…كم يحمده الآن للطف اقداره فهو أعلم بضعف فلك و خوفه القابع قلبه عليها من تركها وحيدة من جديد…توقفت خطواته حينما رفعت عينيها اليه فابتسم بحنان جارف يستأنف السير قائلا…
(حمدا لله على سلامتك حبيبتي…كيف حدث هذا و وقعتي من فوق الدرج؟!)
وصل اليها فارتجفت شفتاها بضعف تقول بصوت بلغ فيه عدم التصديق مبلغه…
(أنا حامل يا طارق!)
جلس عند ساقها يضع يده برفق فوقها قائلا بهدوء مبتهج…
(لقد عرفت من الطبيب…مبارك حبيبتي)
قضمت شفتيها المرتعشة تسأله بصوت متوجس…
(هل ستتركه لي و تتخلى عنا يوما ما؟!)
اتسعت عيناه بذهول من تفكيرها يسألها…
(ما الذي تقولينه فلك لمَ اترك زوجتي و ابني؟!)
اخفضت وجهها بذل تجدد منذ ادركت ان طارق يعرف عن ماضيهما كل شيء…و هي بغباء طفلة محرومة اسعد روحها حنانه فلم تسأل…لقد خافت ان تسأل حتى نفسها!…همست بصوت مختنق…
(انت تعرف حقيقتنا طارق…تعرف كيف كانت تتزوج أمي و كيف تخلى زوجها عني و حرمني من ابوته)
لم تتوقف يده عن التربيت فوق ساقها بل ضاعف لمساته الحنونة و كثف الرفق في صوته فقال…
(بالتأكيد أعرف فلك فلست رجلا يقدم على خطوات غير محسوبة في حياته…أعرف كل شيء كما اعرفك أنتِ و اعرف نقاءك)
رفعت وجهها بعدما غطت الدموع عينيها تهمس بوجع…
(لن تتخلي عني طارق أليس كذلك؟!)
وضعت يدها فوق بطنها تؤكد بسؤالها بعدما ادركت انها لم تصبح بمفردها الآن…بل بداخلها روح كتب الله عليها ان تحملها و كم يرعبها ان تُحمّلها ذلا و عار جديد دون ذنب لهما معا به…
(لن تتخلى عن ابنك طارق…لن تتركنا ابدا؟)
تقدم بجسده منها حتى وصل لرأسها يضمه الى صدره بقوة واعدا إياها بحنان…
(ابدا فلك…لن اتركك ابدا)
دفنت وجهها في صدره اكثر تقنع نفسها بأن القدر اخيرا منحها السلام و لا مجال للمزيد من الخوف…بينما هو تغيرت ملامحه ليعيد سؤاله الأول بترقب…
(لم تخبريني بعد كيف وقعتي فلك لقد كنت اهاتفك قبلها بقليل و حينما أتيت الى هنا عرفت ان ميرنا و باهر من نقلاكِ للمشفى هل…هل تشاجرتما هل ميرنا السبب؟!)
اهتزاز صوته بالقلق جعل انفاسها تخبو بصمت…لا يستحق منها ان تؤلم قلب الأب بداخله و تخبره عما فعلته ابنته…لقد تقبلها بكل ما بها من سوء و هي ستتقبل كل ما يحيط عالمه من سوء…همست بصوت خافت للغاية و احرف جافة
(لا…لقد اختل توازني و سقطت)
تنفس براحة كبيرة زادت بداخلها يقين أن علاقته بابنته لا يصح ان تتوتر بسببها…عادت ابتسامته من جديد ليقول بصوت سعيد…
(يجب ان تنتبهي لنفسك اكثر فلك لا بد و أن فترة الكسل الماضية كان سببها الحمل…كما يجب عليك الراحة و الاهتمام بالطفل…لا اصدق انني في هذا العمر سأجدد شعور أبوتي مع ابن من صلبي…آه تذكرت طفولة ميرنا كانت متعبة و مرهقة جدا في بدايتها لكنها تركت أثرا عظيما في روحي و انبتت بداخلي شعورا رائعا…)
رفعت وجهها له و في عينيها سؤال غير منطوق لكنه سمعه و اجاب عليه بصدق جلي…
(و كم أنا تواقا لحمل ابني منكِ بين يدي)
ارتعشت بسمتها الصغيرة فوق فمها فعادت تدفن وجهها في صدره بطمأنينة و راحة…طارق منحها كل شيء
دلفت هيام عليهما لتتوقف عند باب الغرفة تراقب صورة ابنتها بين احضان زوجها…ذات يوم تمنت ان يحتضنها رأفت و يبتهج لحملها كما طارق الآن وخزة الدموع الخائنة في عينيها جعلتها تبتلع ريقها بصعوبة لتفتعل بسمة متسعة و تهتف بسعادة بينما تتحرك لهما…
(مبارك سيد طارق…مبارك فلك)
أغلق زر كم قميصه الأبيض من أسفل كم سترته السوداء بينما ينزل درجات السلم حيث الطابق الأرضي من بيته…توقف قبل أن يصل حينما وصله صوتها المبهج و هي تمارس ما اعتادت فعله قبل شهر…بحث بعينه عنها فوجدها تجلس فوق الأريكة في الصالة الكبيرة تحمل بين يديها كتاب مجسم صنعته بنفسها و تحكي قصة جديدة لابنه…تستعمل جسدها كله و تطوع تعابير وجهها و ملامحه بدقة لتسحب يائيل معها من عالم جموده لعالمها هي حيث الأمان…استند بكفه على اطار السلم يتابع خصلات شعرها المتطايرة حول وجهها تخفي هذه الابتسامة الدافئة عنه للحظات ثم تعود ترفرف لتُظهرها…عيناه ارتحلتا لابنه ليجده منتبها منشدها بتعابير طال الوقت ليراها عليه…زواجه من أريج كان خطوة ناجحة بل انها الخطوة الأنجح على الاطلاق في حياته…ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فمه ليسبل اهدابه بعدها متمتما بخفوت شديد…
(حياتي!…)
ابعد كفه عن اطار السلم و تلبس وجهه المعتاد ليكمل النزول و يتحرك اليهما اولا بدلا من السفرة حيث وجبة الافطار…اقترب منهما فأصبح صوت أريج اكثر وضوحا و هي تحكي بلسانها و تُحاكي ما تقوله بحركاتها…
(و عند موت العنقاء تحترق ثم تتحول لرماد و من الرماد تخرج عنقاء جديدة…)
بعدما استمع لما قالته صدر صوته الجامد من خلفهما يقول…
(ألا يكفينا اشتعالك أنتِ لتحكي له عن العنقاء)
اجفلت من صوته فوقفت سريعا تنظر له بعينيها الخضراوين و قد شد مؤيد فتيل اشتعال غضبها من جديد…
(ماذا تقصد باشتعالي؟!!!)
طالت نظرته في عينيها دون رد…هذا الجموح الكامن في مقلتيها يحب أن يستفزه ليرى عنفوانا يجاري شخصيته…أريج رغم كل حنانها و الذي شهده مع ابنه على مدار شهر إلا انها شرسة بكبرياء قلما رآه في حياته…ببرود معتاد مال يحمل ابنه بين ذراعيه و يقول بينما يبتعد…
(انظري لنفسك في المرآة ستفهمين)
تابعت ظهره الذي يبتعد ثم القت الكتاب من يدها بحدة فوق الأريكة تهمهم بغضب…
(مستفز و متعجرف مريض)
زفرت بقنوط تلملم شعرها بيدها في شكل كعكة غير مهندمة لتتوجه بعدها خلفهما حيث السفرة…فمؤيد لا يحب الاستهتار بالوقت و المواعيد…
جلست على كرسي طاولة الطعام ببعض العصبية غير مهتمة برد فعله عن حركتها…بدأت في وضع الطعام في طبقها لكن يدها توقفت عند الخبز حينما سألها نفس سؤاله كلما حان وقت حكاية جديدة لابنه…
(ماذا كانت حكاية اليوم؟!)
حملت رغيف الخبز لتضعه في طبقها و ترفع رأسها له قائلة بتفهم لهذه النبرة الأبوية المتلهفة لكل جديد و هذه النظرة الجامدة التي يخبئ خلفها خوفه عليه…
(حكاية سندباد…)
تابعت حركة يده التي حملت كوب الحليب و توجه به حيث فم ابنه يسقيه بتأني بينما يقول مستفهما…
(أليست هذه النوعية كبيرة و معقدة على سنه؟!)
تلألأت عيناها بحنان و هي تراقب يائيل بعدما شرب من الكوب و الآن يلتقط لقمة مغموسة بالجبن من يد مؤيد لتقول…
(لقد لاحظت ان تركيزه يعلو و انتباهه يكون كاملا كلما قصصت له قصص مغامرات أو خيال… عمره الآن ست سنوات ليس صغيرا لهذا الحد كما أن الأطفال يحبون المغامرة و الحماس خاصة الأولاد…على كل حال سأنتظر موعدنا مع طبيبه النفسي لأعرف منه ما يلائم يائيل أكثر…)
ابتسمت بسمة مرحة بعدما لطخ يائيل فمه بالجبن و جعل مؤيد يتجهم بينما ينظف فمه بحرص شديد…هذا الرجل أب يتمناه اي طفل و هذا ما شهدته خلال شهر…يحب ابنه حبا من نوع خاص و كأنه كل ما يملك في هذه الدنيا…يتحول حرفيا في البيت ليصبح كتلة من الحنان الصامت يحاوط ابنه بنظراته بكلماته و حتى بضمه اليه لوقت طويل…مختلف كليا عن مؤيد الذي يعرفه الجميع و الذي تتعامل معه…انتبهت لصوته فلملمت بسمتها تستمع له…
(موعدنا في هذا الاسبوع فقط انهي امر العملية الجراحية الأخيرة و ابلغ عيادة طبيب يائيل بالميعاد المناسب لنا)
اومأت له متفهمة مقصده فلقد عاد للعمل في المشفى بعد زواجهما بأسبوعين لتختص المشفى الذي يديره حالة صعبة تحتاج لجراحة دقيقة و خطيرة لم تقبلها معظم المشافي المجاورة تخوفا من هذه الجراحة فلم يقم بها سوى أطباء قلائل على مستوى العالم كله…كانت مجازفة و ربما وقتها ظنته ضرب من الجنون ان يقبل مؤيد هذه الحالة لكنه كان مستميتا عليها و كأنه يباري أحدهم عن طريق نجاحه بها…في الواقع من معرفتها البسيطة له و بكل ما يخفيه عنها متحججا ان ماضيه لا يعنيها لكنها فهمت انه يختار من يرفع من شأن المشفى ليناطح شخصا ما من هو لم تعرف بعد!!…و قام بالجراحة و نجحت لتنقلب الدنيا من حولهم و ينتشر اسمه و اسم مشفاه ليصل لحدود العالمية…و ما ساعده معارفه و اصدقائه بالخارج فقد قاموا بما يشبه الترويج لنجاحه فكثفوا الانظار اليه…
(تناولي طعامك فاليوم سيكون طويلا و هاما…)
رمشت بعينيها حينما هبت نسمة من نسمات حنانه المخصص لابنه لها…ابتلعت ريقها ببطء و بداخلها يتفاقم اليقين انه يخفي رجلا غير الذي تعرفه هي عن الناس…لكن ما السبب و لماذا ترك زوجته الاولى و اين هي…الكثير من التساؤلات تتزايد كل يوم يمضي عليها هنا…كلاهما ينام معظم الوقت في غرف مختلفة هي تقضي مع ابنه معظم لياليها و هو يقضي الليل في غرفة جانبية دخلتها مرة واحدة لتروي فضولها فلم تجد بها سوى سرير و مكتبة…و في المرات القليلة جدا التي غفيا على نفس السرير لم تشعر به سوى في الصباح و هو يبدل ملابسه…كم هو بعيد يغلق على نفسه ابواب عديدة لا يسمح للغير بفتحها…
تصلبت يدها على الشوكة التي حملتها حينما بدل نسمات الحنان بعجرفته المغيظة…
(يا ليت لو تنهي وصلة الشرود هذه و تسرعي في تناول طعامك أنا لا أحب التأخير…)
جزت على ضروسها بحدة تخرج كل غضبها في اختراق مربع الجبن الصغير بالشوكة متمنية لو كانت عينه محلها…تناولت الجبن ببرود تقول
(استطيع ان آخذ سيارة أجرة للمشفى لا تؤخر نفسك)
وضع كوب الحليب الفارغ بعدما سقي ابنه ما تبقى به ليقول بهدوء حازم اصابها برعشة…
(أنا لا أترك زوجتي لتوصلها سيارة اجرة و أنا موجود)
قضمت جزءا من الخبز تمضغه ببطء دون ان تجيبه بحرف…حمل فنجان قهوته يرتشف منه مراقبا وجنتيها الحمراوين اللتين يتضرجان امامه…لو تعرف ان هيئتها هذه تدفعه للتمادي في استفزازها لظلت مشتعلة لتجابهه…نظر في ساعته لينادي على المربية يؤكد عليها تعليماته الصارمة بشأن ابنه…وقفت أريج بعدما تناولت ما يكفيها تتوجه الى الأريكة تلتقط حجابها و تعود حيث المرآة الكبيرة قرب باب البيت ترتديه…وقف مؤيد من كرسيه ليميل على ابنه يقبله بحنان ثم يحمله بين ذراعيه فيتعلق الولد به و يتوجها معا اليها…وقف خلفها يتفحص مظهرها البسيط و الأنيق…حلتها الرسمية مناسبة لجسدها الطويل و حجابها يلائم كونها زوجة مدير المشفى الذي تعمل به…لم يكن محبا للمظاهر يوما لكن من يظل على حاله للأبد؟!…التفتت لهما بعدما انهت ما تفعله فابتسمت ليائيل تمد يديها و تأخذه في احضانها تقبل وجهه قائلة…
(هذه أول مرة سأتركك بها منذ شهر فكن ولدا صالحا حتى أعود…سأشتاق إليك بحجم السماء)
تعلقت نظرات الصغير بها و كأنه يستحلفها بألا تتركه…تنهدت بضعف كبير يائيل ينال من قلبها الأمومي بطريقة عجيبة…ابتسمت تهمس له بوعد
(لن نتأخر و حينما نعود سأشتري لك شكولاتة كبيرة جدا و أحكي لك قصة جديدة كليا عن علاء الدين و المصباح السحري اتفقنا حبيبي)
بصعوبة افلتت نفسها من تشبثه و اعطته للمربية بينما مؤيد يتابع كمشهد متكرر له كلما حملت ابنه…لوحت للصغير مودعة ثم خرجا معا الى سيارة مؤيد حيث المشفى…
قطعت السيارة ربع المسافة تقريبا حتى صدح رنين هاتف أريج…اخرجته من حقيبتها لتجد امها هي المتصلة…فتحت الخط و بعد تحية صغيرة بهتت ملامحها قائلة…
(و أين أبي يا أمي؟!)
صمتت تدلك جبهتها و تستمع فتقول بصوت متعب…
(أعرف أنه يتعب في عمله لكن ألا يجب أن يكون في هذه الخطوة مع أكمل افضل مني؟!!)
ابعدت يديها عن جبهتها تنظر للطريق امامها بملامح باهتة مستمعة لأمها ثم مرت لحظات فزاد تردد صوتها قليلا حينما قالت…
(الدراسة ستبدأ بعد أقل من أسبوعين و أكمل يحتاج ولي الأمر معه كما أوضحت المدرسة و أنا لست ولي امره يا أمي…انتما ولي امره فعلى أبي أن يذهب معه لينهي ما تحتاجه المدرسة قبل الدراسة و ليس أنا)
صمتت حينما وصلها صوت أمها الحانق و الذي كان عاليا لدرجة سمعه مؤيد الصامت خلف عجلة القيادة…
(انتهينا أريج لا جعل الله حاجتنا في يدك ابدا…سيذهب والدك بعد يوم عمل شاق للمدرسة أو أذهب أنا المهم أن ترتاحي أنتِ فلا نريد ازعاجك)
تجمدت نظرتها على الطريق و طال صمتها مما جعل مؤيد ينظر اليها بترقب…لحظات مرت لتنطق هي بصوت باهت للغاية…
(سأنظم مواعيدي خلال هذا الاسبوع لأذهب مع أخي للمدرسة…)
شعر بأنفاسها تزداد لتخرج بعدها كلماتها مختنقة تعاني ظلم ما القته امها عليها من تهم…
(لا تدعي بهذا الدعاء مجددا أمي فلا جعل الله حاجتكم في يد أيًا كان لكن وحده يعلم كم حملت أنا عنك و عن أبي مهام ليست لي…و الآن أنا متزوجة و مسؤولة عن طفل و لدي عمل لا يجب أن اقصر به…ما اطلبه هو أن تقوما ببعض ما عليكما فعله و تعطياني قليلا من الراحة رجاء)
اغلقت الخط بعد كلمات قليلة من امها غير واضحة ثم نكست رأسها للأسفل في صمت جاثم…تحركت اصابع مؤيد حيث علبة المناديل يسحب منديلا منها و يمده لها بهدوء شديد…لحظات مضت حتى مدت يدها تأخذه و تمسح هذه الدمعات التي فلتت دون رغبتها…ما كان يجب أن تقول هذا لأمها ابدا…ما كان يجب ان يسمع و يعرف مؤيد عن هذا…ما كان يجب أن تثور لأجل امور كانت تفعل اضعافها من قبل…لكنها تعبت و الله يشهد كم تعبت…إن كان لا يحتمل شخص ما مسؤولية طفل لمَ ينجبه و إن فعل لمَ يعيد الكرة ليجعل من الأكبر سلما يدهسه الكل كي يصل!!…
(كان بإمكانك الرفض لا أن تقبلين و تجرحينها بهذا الشكل)
جملته الهادئة جعلتها تكور اصابعها حول المنديل فتقول بحدة باكية دون أن ترفع وجهها…
(هذا أمر لا يعنيك فلا تتدخل و دعه ينتهي هنا…)
اغضبته في كل كلمة قالتها و دهست دون قصد كرامته…اومأ ببطء صامت و كان منفسه الوحيد ليخرج هذا الغضب من صدره زيادة سرعة السيارة مما جعلها تشهق و تتشبث بنافذتها معترفة بأنها قد اثقلت العيار في ردها عليه..
.
المشفى….مكتب مؤيد…
(لا أعرف ماذا يجب أن أقول في موقف كهذا…مؤيد لقد رفعت اسم المشفى للسماء و الجميع بات يتكلم عنها)
صوت عمه القابع على الكرسي المقابل لمكتب مؤيد جعله يقول بهدوء منتشي…
(هذا اصغر ما سعيت له دكتور فؤاد…ما اريده لم يحصل بعد بشكل كامل)
هز فؤاد رأسه بتفهم لكل هذا يقول بنبرة عملية…
(مهران لن يصمت عما فعلته مؤخرا)
تلبدت زرقة عينه و اسودت نظرته يقول…
(صمت أم لا فهو يعرف أنني سأفعل أكثر من هذا…المجد لن يدوم و عليه معرفة هذا جيدا)
تنهد فؤاد يقول بقلق…
(لكنك قصدت أخذ الأطباء من مشفاه مؤيد)
عاد مؤيد يسند ظهره على كرسيه قائلا…
(لو كان لديهم الوفاء له و لمشفاه ما تركوه…الجميع يبحث عن فرصة جيدة و ربح وفير و أنا أبحث عن مهارة ترفع اسم هذا المشفى عاليا…كلينا جمعته السبل المشتركة!)
نظرة فؤاد له كانت محيرة فلا يعرف أيفرح لأجل مشفاه أم يتوجس لما يحدث لمشفى أخيه و رد فعله!!!…و يبدو أن التوجس كان سببا مقنعا ليفكر فيه بعدما انفتح الباب فجأة ليطل منه مهران بوجه متحفز و ملامحه الصارمة تزيد الأمر صعوبة…اختص بنظراته مؤيد الجالس بهدوء فوق كرسيه يرد له نظراته ببرود شديد…تقدم فؤاد من مهران يقول في محاولة لتهدئة الأمور…
(مرحبا مهران ك…)
تحرك مهران للداخل يتخطى فؤاد و يتوجه ليقف عند مكتب مؤيد…متشابهان في ملامحهما و كأنهما نسختان متطابقتان تحمل احداهما الماضي و الأخرى المستقبل…تنفس مهران بغضب يسأل مؤيد بصوت صارم…
(عبثك الماضي كله في كفة و ما تفعله الآن في كفة أخرى…كيف تجرؤ على سرقة اطباء من طاقم مشفاي؟!…كيف تسمح لنفسك بأخذ أناس انهالوا من خبرتي و صنعوا اسما بسبب اسمي؟!!!)
رفع مؤيد يديه يشبكهما معا ثم يسندهما على ذراعي كرسيه و يستند بذقنه عليهما يناظر مهران بأعين شامتة و شبح ابتسامة تتراقص على فمه فقال ببرود…
(اهدأ يا دكتور فدوام الحال من المحال…دعني أطلب لك عصير ليمون ليهدأ اعصابك)
احتدت نظرة مهران و تزايد غضبه فضرب سطح مكتب مؤيد بكل قوته يصرخ به آمرا بحزم…
(قم قف و أنت تتحدث معي و اعتدل في حديثك)
ناطحه مؤيد بنظرات معتمة مما جعل فؤاد يتدخل مجددا…
(مهران نحن لم نجبر هؤلاء الاطباء على العمل هنا هم من جاءوا لنا)
من طرف عينيه منحه مهران نظرة ناقمة يقول…
(اصمت أنت الآخر فأنت سبب ما يحدث الآن)
عاد لمؤيد ببصره يقول بغضب…
(أنت من ساعده ليكبر و يناطحني هكذا…يبدو نسي ما اقترفه في الماضي من مصائب و اخطاء و الآن يعيد الخطأ لكن بطريقة أكبر…يلملم اطباء من كل مكان معتقد انهم قادرين على رفع سقف احلامه و منافستي ثم يؤول به الحال ليتزوج من واحدة منهم لا تساوي عائلته في المستوى الاجتماعي فقط ليجعلها مربية لابنه الغ….)
هذه المرة ضربة مؤيد فوق سطح المكتب كانت اعنف ليقطع باقي الحديث…نهض عن كرسيه يقف ندا شرسا لمن أمامه قائلا بصوت مهدد…
(دكتور مهران لا تجعلني انسى فارق العمر بيننا و الذي يكبلني حتى الآن عنك و أطردك من هنا بطريقة مهينة…لن أسمح بأن تهين زوجتي و أقف اشاهد صامتا…و إياك ثم إياك و ابني)
تكورت يدا مهران جواره بحدة ينظر لمؤيد الذي خرج من خلف مكتبه ليقف أمامه مسترسلا بملامح خلطت التشفي بالغضب…
(أما عن سقف أحلامي فعليك بمتابعة الجرائد هنا و بالخارج لترى بنفسك أين وصل)
ضيق مهران عينيه باستنكار رهيب ليسأله بتحقير…
(كل مرة تثبت أنك الاسوأ دون منازع مؤيد…كيف تتحدث بهذه الطريقة مع والدك)
لكزه مهران بحدة بإصبعه في صدره يقول بوجهه الصارم…
(أنا من أنجبك لهذه الدنيا التي تود محاربتي بها!..)
أنزل عينيه الباردة حيث اصابع والده فوق صدره ثم رفعها لوجهه ينطق بجمود ساخر مهين…
(ليس انجازا عظيما أن تنجبني دكتور مهران… فالحيوانات ايضا تُنجب)
صوت الصفعة التي هوت فوق خد مؤيد كان عاليا بل مدويا داخل أرواح الثلاث رجال…اسرع فؤاد بالتمسك في أخيه يبعده عن مؤيد الذي التف وجهه للجانب بسبب الصفعة و ظل على وضعة للحظات…
(ما الذي تفعله مهران أتصفع ابنك بعدما تخطى الثلاثين و أصبح أبا و أنت الذي لم يفعلها من قبل ابدا؟!)
هدر مهران بحدة فيهما معا…
(اكتشفت أنه كان يجب أن اصفعه مرارا منذ جاء على هذه الدنيا لربما كان رجلا غير الذي أراه…ليتني صفعته يوم عاش حياته كما يحلو له في أميركا دون رقيب حتى أتى لنا بو….)
(للخارج…)
صوت مؤيد الهادر بعنف كان مخيفا…يغلي و كأن بروده و عجرفته تلاشت بسبب ما يقال…حينما حل الصمت مجددا كرر أمره بشيء أقرب للكره و النفور…ابعد مهران فؤاد عنه ليتوجه الى باب المكتب الذي أغلقه فؤاد منذ اشتد الجدال يفتحه مهددا هو ايضا…
(سأجعلك تندم مؤيد على عصياني و منافستي…كما فعلت ماضيا سأفعل الآن أنت دوني لا شيء)
خرج بجسده المتحفز ليصطدم بأريج المهرولة بفزع حينما سمعت صوت مؤيد…ناظرها مهران بتحقير يقول…
(لا يزال ينظر أسفل قدمه…)
رغم ان اصطدامها به اوجعها إلا أن نظرته الغير مفسرة او مفهومة لها أهانتها بوجع مجهول…صوت فؤاد المضطرب بالداخل جعلها تتناسى هذا الرجل لتدلف بصدر منقبض تنظر في الوجوه و تلتقط الكلمات…لم تفهم أي شيء فاقتربت تتساءل بحذر جعل فؤاد يثنيها عن محاولة الاقتراب من زوجها الآن…عيناها حطتا على خد مؤيد لتتسعا بصدمة عظيمة حينما وجدت أثار اصابع احدهم عليها…هل تم صفعه؟!!!…بعد عدة محاولات من فؤاد للتخفيف عن ابن أخيه خرج من المكتب بعدما طلب منه مؤيد هذا…بقيت معه بمفردها و لا تعرف ماذا يجب أن تفعل…هل تسأله أم تصمت…شعور صغير للغاية بداخلها يتضامن معه حتى و ان جهلت السبب يكفي أنها ترى الآن والد يائيل الحنون و ليس مؤيد…ثارت نفسها لأجله فتقدمت منه تسأله بغضب غير مقصود…
(من هذا الرجل و ماذا حدث معك؟!)
دون أن يلتفت لها قال بحدة آمرة…
(هذا أمر لا يعنيكِ فلا تتدخلي و دعِه ينتهي هنا…)
صدمها بتكرار جملتها له في السيارة…رغم حدته و شحناته السالبة المتطايرة في المكان و تنشر الخوف منه إلا انه لم ينسَ أن يعيد لها جملتها الجارحة…حتى في أصعب اوقاته يرد الصاع صاعين و يأخذ ثأره…لكن تظل علامة الاستفهام موجودة ماذا عاش مؤيد في ماضيه؟!…من حقها أن تعرف و عليها أن تعرف حتى لو من أحد غيره….
يتابع رص الأطباق فوق طاولة الطعام ثم يرفع بصره اليها و هي تأتي و تذهب الى المطبخ تستكمل مهمتها…نعم باتت حياتها هنا عبارة عن مهمة تؤديها على اكمل وجه كي يكون صادقا لكنها و للعجب لا ترضيه…لا يرضى بتحويل نفسها الى شخص يهتم بالبيت و الطعام حتى ملابسه و لا تخاطبه إلا قليلا…لا يرضى بنظرة الألم في عينيها منذ ما يزيد عن شهر…كل ما يحدث لا يرضيه بالمرة فلها عليه حقوق كما تغرقه بجميل واجباتها و بالتأكيد ما زالت تنحي اهمهم كما شرطت بألا يقربها دون حب…انتبه لخطواتها القادمة فرفع بصره حيث كرسيها البعيد عنه عن قصد بعدما وضعت كوب الشاي أمامه…بصمت مطبق باتت تعامله به حملت كوبها الخزفي ترتشف من محتواه…تنهد بضيق من نفسه قبلها فلا يصدق أنه كان بغيضا كل هذا البغض في بدء زواجهما حينما كان صامتا لا يحدثها…انها ترد له ما فعله معها و كم توجعه تصرفاتها لو تعرف!…تناول رغيف خبز ساخن يقسمه نصفين متساويين ليضع نصف أمامها قائلا بصوت هادئ…
(لا تتركِني أتناول الفطور بمفردي اليوم ايضا…)
لاحظ توتر انفاسها قبل ان تقول بثبات….
(لقد تناولته..)
صوت تنهيدته هذه المرة كان مسموعا فقال بصوت ارتفعت نبرته قليلا…
(صبي المخبز جلب الخبز قبل قليل فقط كيف فطرتي!!)
وضعت كوبها فوق السفرة تقول دون ان تنظر له…
(سأتناوله بعد قليل لا تشغل بالك بي)
تكورت يده فوق السفرة ليهمهم بصوت اصابه ذنب صاحبه بالتعب…
(لا حول و لا قوة إلا بالله…متى سننتهي من كل هذا متى سيتوقف بعدك عني هذا؟!…)
ناظرته نظرة متألمة بتعجب كبير ماذا تخبره هي؟!…أتخبره بأنها تموت حرجا تنعي كرامتها كلما تذكرت أنها طلبت منه ان يحبها…ترتعب من أن تقترب فتحترق مجددا لو تأكدت من انه لا يزال يفكر في فلك…انها تموت و هي قريبة بعيدة هكذا و الله تموت… همست بحزن دفين…
(ليس بيدي…)
أبعد عينيه عنها للحظات ثم مال بجسده جانبا يفرد ذراعه و يسحب كرسيها الجالسة عليه بقوة مقربا إياها اليه…ينظر في عينيها المتسعتين بذهول فيلمح بين ذهولها وجع يعرفه عن ظهر قلب…لانت نظرته لها كحال كلماته التي عزز بها الرجاء ليقلل من شعورها بالانتقاص…
(وافقتي على البقاء و تحمُلي…صبرتي على علة قلبي و ما فعلته معكِ فلمَ البُعد يا ابنة الناس؟!…)
اهتزت انفاسها مما تراه في ملامحه… الآن ترى الألم جلي فيهتف قلبها بتوسل “أرحموا عزيز قوم ذله العشق و لجأ إليكم”…بينما يصرخ عقلها موبخا بتعنيف قاسٍ “و ما ذنبكِ أنتِ لتداوي جروحا لستِ سببها أوجعته و ستوجعكِ أكثر منه”…اسبلت اهدابها للأسفل بصمت تتقبض على يدي الكرسي تكبح عطفها عليه و دموعها لأجل حالهما…وصلها صوته الخافت طالبا بطمع و تمني…
(لن تتركيني آكل بمفردي بعد الآن…و غرفتنا ستعودين اليها فلن أنام بها وحيدا مجددا…منحتني الفرصة فكوني منصفة و امنحيها كاملة)
رفع وجهها بكفه يبتسم بسمة مهزوزة بسبب دموعها المتكدسة في عينيها فيقول…
(اقتربي و دعيني أعرفكِ أكثر مودة…دعيني أحبكِ يا بنت لتبقي معي و لا ترحلي)
شعرت بالحرج يلفها من تكرار مطلبها الغبي بلسانه…لكن ماذا تفعل و هي تعشقه عشق كمرض التصق بخلاياها فأصاب قلب طفولتها و صباها…لكنه حاول جاهدا أن يبدد شعورها فغمز بعينيه قائلا بصوت مازح…
(أصلا أنا لن أدعكِ ترحلين أبدا لكننا سنساير مطالبكِ كاملة لترضي…فقط لينال أيوب الرضا من هاتين العينين الحلوتين)
كلماته اثارت بها رجفة تذيب عظامها…انه يداعبها بلطف لم تعرفه معه منذ تزوجها…آه من الحب و ما يفعله بنا يعلو كموج كاسح فيبث بداخلنا لذة المغامرة و يُنسينا أن النهاية انجراف للعمق السحيق من ظلمة البحر…لا لن تصدقه على الأقل الآن فعشقه لفلك في سنوات لن يزول في أيام…ابدا لن يزول
حاولت الوقوف و الابتعاد عنه لكنه احكم قبضته على الكرسي ناظرا في عينيها بمشاغبة يقول…
(هل كنت أحدث نفسي يا بنت؟!…لأجل أيوب لا تبتعدي)
لأجلك أموت فداك لو فقط تعرف…
كتمت جملتها في قلبها تجلس صاغرة و تبعد عينيها عنه…تحركت يده الى السفرة يقطع الخبز و يغمسه بالعسل ثم يتحرك بلقمة الخبز اليها قائلا…
(دوما تقول أم أيوب أن العسل على وجبة الفطور مفيد…هيا تناوليها مني)
نظرت له نظرة مشتتة تراقب عينيه المبتسمتين لها…غصة مؤلمة نخزت قلبها بعدما تذكرت عينيه هاتين و هما تهربان منها بعد كل لقاء يجمعهما…لماذا جعلها تعيش ما عاشته؟!…تكلمت بإصرار بينما تتحرك في كرسيها متحاشية قربه…
(أيوب أفلتني…اخبرتك لا أريد أن اتناول فطوري الآن)
جز فوق ضروسه بحدة مكتومة…يريد أن يتخطى ما يمران به ليكفر عن ذنبه معها و يعيشا حياة هادئة طبيعية…لماذا تعاند و هي من طلبت القرب بل الحب…نظر لها بصمت للحظات ثم قرب كفه يجبرها على تناول لقمة العسل…ادخلها في فمها عنوة فأكلتها دون رغبتها بينما تزجره بنظراتها…حالها أمامه دفعه للتبسم رغم ان روحه عالقة بين حجرين كبيرين لا يتزحزحان هي و ذنبه معها…تنهد بخفوت يقترب منها قائلا…
(لن يزيدني العناد سوى قربا مودة…و لا تخافي لن أقترب إلا لأنني أريد أن أقترب و ليس لأنه مطلبكِ)
تضرجت وجنتاها بخجل فزادت بسمته رضا من ان قلبها في صفه على الأقل أما عقلها هذا سيتفاوض معه أكيد لكن ليمهد للقلب طريقا يزهر معه فيه أولا…قال بصوت جدي للغاية…
(الليلة ستعودين لغرفتنا و تنامين على سريرنا)
احتجت عيناها فأسرع موضحا بصوت صادق…
(لن ألمسك دون رغبتك مودة…لكن ساعديني لأشعر بدفء جسدكِ جواري و أعتاد عليه حتى إذا ابتعد عني أشعر بشيء ينقصني لا أقوى على العيش من دونه)
ارتعشت شفتاها بضعف نابع من قلقها…تهفو روحها كلها اليه…لا تستحي ان قالت انها تشتاق دفء جسده هو…بكل ما كان به من جمود كحجر لا بشر فقلبها يغزل من سوء افعاله ثوبا خيوطه حبها له ليستر عورة ذنبه في حقها…أتقبل و هي بكل هذا التشتت القرب منه…ستحتقر نفسها لو سلمت له دون حب…هي ليست جسد هي زوجته عليه أن يعي هذا جيدا…و عليها هي الصبر و التأني فلتتضح خطوته اليها و ستهرول هي اليه….
بعد قليل…
بعدما أجبرها على تناول الفطور معه اسرعت في جمع السفرة و النزول الى خالتها افضل من ان تبقى امام ناظريه…تعرف انه يكتشفها و كأنه يعرفها لأول مرة و لكن لم تكن تعرف انه سيربكها بقربه هذا…أيوب يبدو شابا مشاغبا و ربما خبيثا و هما على البر فماذا لو أحبها…اغمضت عينيها و قلبها ينبض بتمني ان يحبها فقط…
(مودة ما بكِ حبيبتي؟)
فتحت عينيها بسرعة تنظر لأم أيوب قائلة ببسمة مهتزة…
(لا شيء خالتي سلامتك…)
ربتت أم أيوب فوق ذراعها تبتسم ببشاشة و عينيها تتأرجحان بين الرغبة في الحديث و الصمت…لاحظتها مودة فعقدت ما بين حاجبيها تسألها بترقب…
(خالتي هل هناك شيء تودين اخباري به؟!)
ابعدت أم أيوب عينيها عن مودة تتكلم بنبرة ظهر بها التردد…
(لا حبيبتي…كنت سأقول فقط أن والدتك هاتفتني قبل قليل)
ضيقت مودة عينيها تهمس بخفوت…
(حقا!…هل اخبرتك شيئا ما ضايقك؟!)
ضحكت وجيدة ضحكة صغيرة تقول…
(أنا و أمك كالسمن على العسل لا تقلقي)
ابتسمت مودة براحة تتساءل…
(الحمد لله…إذًا لماذا ارى في عينيك رغبة في الحديث خالتي؟)
شملتها وجيدة بنظرة عين حانية تملس فوق وجهها و تقول…
(أدام الله عليك نظرتك المتفهمة للغير و روحك الطيبة…سأخبرك ما تكلمنا فيه أنا و والدتك لأنك طرف مهم به)
توجست مودة من طريقة الحديث المبهم فتساءلت بتوتر…
(خيرا خالتي؟!!)
تنهدت وجيدة لتقول بهدوء…
(خير إن شاء الله… فقط نحن و أهلك ننتظر كل شهر البشرى بخبر حملك لكنه لم يحدث بعد و هذا جعلنا نقلق قليلا)
ارتسمت البلاهة على وجه مودة لتقول بتقرير….
(أنا و أيوب لم نكمل نصف عام حتى!!!…ثم هذه الأمور بمشيئة الله خالتي)
اسرعت وجيدة تقول بتوضيح كي لا تحزنها…
(و نعم بالله حبيبتي…الله يعلم شوقي و لهفتي لأحمل ابناء أيوب لكن و الله كنت صبورة لولا أن والدتك أكثر مني لهفة…تعرفين بعدك عنهم يجعلهم يفكرون بك اكثر بكثير عن ذي قبل و يريدون ان يطمئنوا عليك للنهاية)
هزت مودة رأسها بتفهم تتمسك بيد خالتها و تقول ببسمة مريحة تطمئنهم رغم صعوبة رسم حياة موازية منافية حياتها الحقيقية مع أيوب….
(و أنا أكثر منكم لهفة لأحمل ابنا لي من أيوب…لا تقلقوا لقد شاهدت برنامج طبي على التلفاز قبل أسبوعين كان يتحدث عن الحمل و بعض الأمور النسائية و الطبيب قال لا بأس إن مر عام و نصف دون حمل في بداية الزواج و لا يجب أن نقلق إلا بعد انقضاء هذه المدة)
شهقت وجيدة بجزع تقول بدهشة….
(عام و نصف!!!…و ما الذي يجعلنا نصبر لعام و نصف دعينا نستشير دكتورة نسائية و نعرف هل هذا عادي أم لا قدر الله هناك مشكلة)
اسبلت مودة اهدابها للأسفل و قد فشلت في اخفاء حزنها…تود لو تصرخ بأن فعلا هناك مشكلة و صعبة جدا…كيف سيحدث الحمل و هي و زوجها كل منهما في وادٍ…كيف سيتذوق رحمها طعم الأمومة و من سيكون سببا بها زاهدا عنها و بعيدا…شعرت بكفي وجيدة يحطان على وجهها و يرفعاه لتستقبلها نظرة حانية بينما تقول…
(و الله لم أقصد ان احزنك ابنتي…سأخبرك حقيقة ما في نفسي ربما تقدرين خوفي…لقد قضت حكمة الله أن أكون عاقرا و هذا شعور موجع جدا لأي امرأة يا مودة لا أذاقه الله لنساء المسلمين…ستجدين خوفي و انتظاري مضاعفا عن أي شخص آخر فلا تحزني حبيبتي لم أقصد سوى ان أرى فرحتكما بطفل لهف قلب امرأة مثلي عليه)
شعرت مودة بوخز الدموع في عينيها فيا له من صباح مرهق من كل جانب…أسرعت تضم وجيدة اليها و تتحدث برقة صادقة…
(لست حزينة خالتي…و الله أنا ايضا أتوق لما تريدون لكنه قدر الله…فليطعمني الله ذرية صالحة تبهج قلوبكم)
ابتسمت وجيدة بتأثر تداري دموعها ببسمتها فخرجت من بين احضان مودة تقول بأمل واضح…
(اللهم آمين…هل ستوافقين على الذهاب معي للدكتورة النسائية فقط ليطمئن قلبي و قلب والدتك)
اومأت مودة بموافقة باسمة فلا تملك ها هنا سوى القبول فلا أحد غيرها يعرف ما سبب تأخر الحمل و لا تستطيع النطق به….
اسعد قبولها قلب وجيدة فابتعدت سريعا للداخل بينما تتحدث بلهفة كبيرة…
(سأهاتف عيادة الدكتورة لنحجز موعد…إن شاء الله سنجد مكانا لنا هذا الاسبوع )
تتبعت خروج خالتها من غرفة المعيشة فأحنت رأسها تهمهم بخفوت بينما تتحرك للخارج…
(لا بأس دعينا نطمئن قلوبهم و دعِ الباقي لله سيصلح هو كل شيء…)
عند عتبة الغرفة بدلا من أن تستكمل خطواتها وجدت نفسها داخل احضانه في لحظة واحدة…شهقت مصدومة من وقوفه هنا فحاولت ان تبتعد لكن ما فعله جعلها تتصلب بين ذراعيه اللذين رفعهما يحاوط خصرها بهما و يشملها كلها داخله…برقت عيناها و انفاسها تعلو تدريجيا بصمت مترقب…أما هو فقد استمع لكل ما حدث فهذه عادة أم أيوب تتحدث في كل شيء و أي شيء بصوت عالٍ مسموع…و رغم صعوبة طلب أمه و ترقبهم الذي يبدو خانقا لأي امرأة تزوجت و ينتظرون خطوتها التالية التي ستتكلل بالحمل و انتظاره صوت شكوتها و حزنها إلا انها لم تشكو لم تتكلم بل حفظت سيرته و كتمت على نزف علته بستر صمتها…فلم يشعر بنفسه إلا و هو ينفذ هذه الرغبة الملحة بداخله ليضمها اليه شاكرا معترفا حامدا ان هذه البنت كتبها الله له…مال يقبل جانب رأسها قبلة من شدة دفئها اغمضت عينيها و جسدها يرتجف متمنيا الوصل بينهما من جديد…صوته الخافت يقشعر جلدها من نبرته و كلماته تخترق وجدانها كليا حينما همس…
(فليطعمني أنا الله حبك يا تاج الرأس…)
اخرجها من بين احضانه ليبتعد عنها منفذا لها مطلبها بألا يلمسها بطيب خاطر فلها ما تشاء ابنة الأصول…خرج من بوابة البقالة يرفع كفه فوق صدره يدق عليه بهدوء متمتما برجاء صادق للغاية…
(أنبض لأجلها…بل استحلفك بالله عجل في نبضك)
الفصل الثاني و العشرون ج2
شاردا و دخان سيجارته يتطاير أمامه بكثافة جعلت سماء الصباح الصافية تتعكر…منذ الأمس و هو هنا جالسا أمام هذا الشاطئ البعيد من الساحل…أفكاره تصارعه و يصارعها فتهزمه مرات و يكبلها أخر…ماذا كسب و ماذا خسر سؤال يراوده منذ خرج من السجن…خرج لينتقم فخطط و دبر و ختمها بتنفيذ كان يعتقد سيثلج قلبه و يريحه…لكنه أكتشف ان بئس ما دبر!!…لا مكسب عاد عليه و لا راحة عرفت الطريق اليه…دمر حياة فتاتين كل ذنبهما انهما وقعتا في طريق أوله هو و أخره كرم فدهسهما بقسوة ليمر عليهما اليه…و يا ليته وصل يا ليت!!
زفر دخان السيجارة مجددا يتحدث مع نفسه بصوت مسموع فلا مستقبل كلماته سوى البحر و الفضاء حوله…
(ماذا بعد يا ابن السمري؟!…لا انتقام دبرت له سنوات طوال نفع و لا هذه حياة التي تحياها!!…هل ستصمت و تشاهد كرم كعمرك كله أم ستتدخل لتقلب الطاولة فوق رأسه)
اسودت عيناه بكره لكل شيء في حياته فاعتصر سيجارته داخل كفه يقول…
(الأولى لم تكن في باله و تستر على الثانية…أي خطوة يجب أن اتخذ الآن أفشي أمر الدكتورة غير عابئا بالشرطة أم…أفشي أمر هدير)
القى السيجارة بعدما تركت أثر حرقا في راحته ليمسح بكفيه فوق رأسه بتعب…أيكشف سر هدير؟!…و لكن ألم تكن هذه نيته من البداية لماذا يتردد الآن؟!…و إن انكشف الأمر ستجر قدمه معها و تقوم الدنيا و لن تقعد…تبا لقد رتب اوراقه ثمان سنوات مرت عليه عهود و الآن اصبحت اوراقه سرابا…سب سبة نابية يركل حصى الشاطئ بقدمه يصرخ بتساؤل فقد معه ما تبقى من عقله…
(هل كل ما اتمناه لا احصّله؟!…لماذا خُلقت أنا لماذا؟!!!)
ظل في حالة هيجان فلت فيها عقال لسانه فقال ما لم يباح قوله…يسأل و يلعن و هو الذي أبدا لم يتدبر…أيحسب أنه خُلق سدى فسبحان رب السموات السبع ما خلق هذا باطلا فليتفكر…ما ناداه عاصيا أو عابدا إلا بأمره مختاران بميزان عدله…أحدهما شاكرا راضيا و الآخر أراد الله أن يحرره من ظلمته…فقط فليتدبر!!
أوقف وصلة جنونه صوت هاتفه الذي صدح مرارا…توقف ينهت من فرط الانفعال يخرجه من جيب بنطاله لتتجمد عيناه على اسمها…زفر بحدة غاضبة ينوي عدم الرد لكنه رد…وضع الهاتف فوق اذنه بداخله جزء صغير للغاية يتساءل ماذا فعلت على مدار شهر أو أكثر منذ قابلته اخر مرة…هل خلصت نفسها من حملها أم لا…صوتها الباكي جعله يكبح رغبة عارمة في غلق الخط في وجهها لكنه ايضا لم يغلق…
(داغر أرجوك أتوسل لخالقك لا تغلق الخط…أحتاجك داغر و لا أعرف ماذا افعل…أموت كل يوم من رعبي و خوفي)
صوته خرج قاسيا و كأنه تشبث بقسوته ليتحدث…
(هل سنعود لوجع الرأس هذا؟!…قلت لك كانت نزوة لكلينا و شكرا لماذا تغلظين عقلك؟!)
رجاءها المستميت يصله محترقا في بكاء العار و الخوف…
(أرجوك داغر خمس دقائق فقط هم ما أحتاجه…أرجوك تعال أنا في شقتنا لا ترفض بالله عليك)
ابعد الهاتف عن اذنه يحارب ما يمر كالصواعق في عقله الآن…نفسه انقسمت نصفين الاول منهما يزين له طريقا اراده بأن يهاتف اهلها الآن و يفضحها فقد وطأت بقدمها شقته…و الثاني يكبله بقوة اول مرة يشعرها بألا يفعل…حذاري داغر حذاري أن تفعل!
رفع الهاتف مجددا يقول بصوت جامد لا يبرز نيته الحقيقية…هل سيتبع شيطانه أم بقايا ضمير يلفظ انفاسه الأخيرة تحت رماد ذنوبه؟!!
(سآتي لا تتحركي من مكانك…)
بعد نصف ساعة…
بأيد ترتعش رفعت ستار نافذة الصالة تنظر في الشارع الخالي إلا من عدد قليل من الناس في مثل هذا الوقت الباكر…لقد استغلت غفوة والدتها لتخرج و تأتي اليه…تستنجد به من مصيبة لم تجد لها حل و تركها بداخلها وحيدة…تأخره في المجيء أرعبها لكنها باتت تتوقع منه أي شيء فبعد تخليه عنها ايقنت أنه داغر الذي لم يتغير…انزلت الستار تتحرك للداخل تلف حول نفسها بعقل متعب و أعين باكية دما بدل دموعها…تهمس بتوسل معترفة بذنبها راجية رحمته التي لا تنضب مرتعبة من أن يكون قد أغلق بابه في وجهها…
(يا رب أرجوك لا تفضح امري…يا رب لأجل أهلي يا رب أتوسل إليك)
سمعت صوت قفل الباب فهرولت اليه حينما لمحته يدخل…و قبل أن يفعل أي شيء وقفت قبالته تتمسك بيده و تنحني تقبلها ببكاء مرير و رجاء يذيب الحجر…
(داغر أرجوك لا تتخلى عني أرجوك…اعقد قرانك علي و طلقني بعدها بالله عليك لا تتركني بفضيحتي هكذا…أعرف انني لا شيء بالنسبة لك لكن لأجل ابنك داغر لا توصمنا بهذا العار)
لا ينكر انه صُعق من استقبالها هذا…ازاحها بعيدا عنه يغلق الباب و يصرخ بها بصوت مكتوم…
(هل جننتِ؟!!!…ماذا لو سمع صوتك أحد الجيران ها؟!)
صرخت بصياح مذبوح أمامه…
(لا يهمني داغر لم يعد يهمني…أنا في مصيبة كبيرة و إن لم يسمع عنها الناس الآن سيرونها فيما بعد حينما تكبر بطني!)
قبض على ذراعها بقسوة يدفعها للداخل قائلا بتهديد…في الواقع يهدد ما يتزحزح بداخله…يهدد نفسه بألا يتهاون في انتقامه…
(اخرسي و اصمتي و إلا رميتك في الخارج دون سؤال..)
كتمت حروفها بصعوبة بينما شهقاتها تخرج متقطعة بنظرة متألمة…اقترب منها يعتصر ذراعها أكثر و يهمس…
(ألم أقل لك تصرفي في هذا الحمل و ان ما بيننا انتهى لماذا ارى وجهك مجددا؟!)
انهمرت دموعها برجاء تهمس…
(تزوجني أمام الناس لتحفظ سمعتي و شرفي داغر)
ترك ذراعها بحدة يوليها ظهره و يتحكم شيطانه فيه بقسوة و تجبر…
(لا دخل لي بك هدير فلم اضربك على يدك من البداية)
اهتاجت خلفه تجذبه من قميصه ليلتف مع جذبها و تصرخ في وجهه…
(بل اجبرتني داغر و أنت تعرف هذا جيدا…)
بكل حقارة شعرتها في حروفه سألها…
(و إن قلنا نعم حصل اول مرة…هل اجبرتك أنا في الثانية و الثالثة؟!…هل اجبرتك بأن تمنحيني نفسك بطيب خاطر؟!…هل اجبرتك بأن تذوبي بين ذراعيّ هل أعد لك أكثر؟!..)
أصفر وجهها بجزع مريب و هي تسمعه…ماذا فعلت بنفسها مع رجل تلبسه شيطان؟!!!…همهمت بشفاه جفت من هول ما تمر به…
(كنت زوجتك…)
ضحك باستهزاء يقول…
(و هل يُسمى هذا زواج!)
رفعت يديها تغطي فمها تلجم شهقتها العالية…فقدت النطق و الشعور…فقدت نفسها هنا…كل شيء وضع في عداد المفقودين معه…
(أخرجي من هنا هدير و لا تفكري بأن تأتي الي مجددا…و بشأن حملك تخلصي منه أبقيه لا يفرق معي)
انزاحا كفاها من فوق فمها تناظره بعيني ميتتين…تحركت ببطء مميت تجاهه لكنها توقفت قبل أن تتخطاه فهمست بحرقة قلبها و رعبها الذي يكبر كحال نطفته في رحمها…
(حسبي الله و نعم الوكيل…فليذيقك الله ما أذقته لي و يحرق قلبك على كل عزيز في حياتك)
ابتعدت تكتم شهقاتها بصعوبة و تخرج من الشقة…بينما هو تسمر في مكانه بصمت مطبق تشقق تدريجيا في صرخة غاضبة و ركلة قاسية أطاح بها كرسي السفرة…
بعد ساعة…
بعدما قضت وقتا طويلا في الشارع لتهدأ ملامح وجهها و ينمحي أثر البكاء عادت لبيتها…فتحت باب الشقة فأفزعتها أمها التي طلت من خلفه بلهفة متوجسة…
(هدير أين كنتي؟!…هدير…)
قبضت أمها على وجهها بصدمة تتفحصها بينما تسأل…
(هل كنتي تبكين؟!…ماذا حدث يا ابنتي؟!)
قضمت شفتيها تهمس بصعوبة و بصوت مختنق…
(لا…لا شيء يحدث)
احتدت نظرة عين والدتها لتفلت وجهها من بين كفيها و تتمسك بذراعيها تقبض عليهما متسائلة بخوف…
(كيف لا شيء؟!… و تغيرك الذي ألاحظه من فترة ماذا بشأنه…بنت هل هناك من يتعرض لك؟!…هل تعرفتي على أحدهم؟!…أريحي قلبي هدير!)
افلتت نفسها من تحت قبضة والدتها تسرع الخطى الى غرفتها بعدما قالت بصوت واهٍ….
(لا يوجد أحد أمي…لا شيء مطلقا)
تابعتها أمها حتى ولجت فتصاعدت مخاوفها لمرتبة الشك…تنفست برعب من حال ابنتها الذي تبدل لتهمس بصوت مرتعش…
(ليس علي يا ابنة بطني…يجب أن يعرف الحاج سليمان عن كل هذا فهو المسؤول عنا…استرنا يا رب)
مستندة على باب شرفة غرفتهما تركز بتدقيق في هاتفها…تضغط على هذا الرابط و تخرج من ذاك…منذ صارحها كرم بمعرفته بشأن المهدئات و هي تجاهد لتخرج بنفسها من هذا الظلام…وجوده جوارها يدعمها بشكل كبير بل ربما هو الداعم الأساسي لها…لكنها لم تعتد على الخضوع روحها رغم ما اصابها تصيح بين جوانبها تريد التحرر من كل هذا… و هي ستحررها بنفسها فيكفي ما تحمله و يتحمله معها كرم…يا له من رجل لخص في طباعه و روحه ما يستحق منحه لقب إنسان…توقفت اصابعها عن البحث حينما وصلت لما تريد…العمل خطوة جريئة للغاية لكنها وضعتها تحدي لنفسها و ستفعله…شهر مر و قد تخلصت من أول عقبة و هي تخدير احساسها بعظم ما اصابها…عليها ان تشعر و تواجه حتى دون كرم عليها هذا حقا…بعدما وصلها قبول شركة الأدوية لها و الأمر يشغلها لكن لكونها عروس جديدة لم تتمكن من بدء العمل حينها و قد انقضت المدة التي حددتها الشركة لإجراء مقابلة ثانية معها…ليست حزينة مطلقا بل ممتنة لأنها على مدار شهر تحاول تثبيت قدمها من جديد…لا تزال خطواتها مهزوزة لكن لا بأس فقد خطت و هذا كافٍ…ابتعدت عن الشرفة تجول بعينيها في الغرفة بحثا عن ورقة تكتب بها الأوراق المطلوبة للتقديم في هذه الشركة فلم تجد…برمت شفتيها بنزق تتجه ناحية الطاولة المجاورة للسرير من ناحية كرم لربما وجدت هناك ما تريد…و حينما فتحت درجها لم تجد سوى مقتنيات كرم…اغلقته بتفكير حتى حطت عيناها على هذه الخزانة الصغيرة المجاورة لخزانة الملابس…ما تعرفه عنها أنها تحتوي على اوراق كرم المهمة أيكون بداخلها ما تحتاج أم سيعد هذا تطفل و قلة ذوق لو فتحتها…همهمت بخفوت تقنع نفسها..
(لن أخرج و أطلب منهم ورق و قلم فيكفي رؤية وجه هذا الكائن المسمى سهر على الفطور…)
اغمضت عينيها بضجر تتذكر تبجح سهر و كلامها الغير مقبول و الذي تدسه وسط حديثهم و تمثل انه دون قصد…كيف لها أن تتخلى عن حياءها بهذه السهولة لتروي فضولها بسؤالها المباشر عن علاقتها بكرم؟!!!…ازداد غضبها تتقبض على كفيها و تهمس…
(امرأة مفتقرة لأبسط مفاهيم التربية…)
كظمت غيظها بصعوبة ففي الآونة الأخيرة باتت غريبة و بداخلها مشاعر متضاربة و متناقضة كثيرة…رجحت أن اقلاعها عن المهدئات السبب لكنها خير عليم بأن نوع مهدئها كان بلا أي أثار جانبية فقد كانت أريج حريصة كل الحرص حينما وصفته لها…لكن لا يوجد سبب آخر تضع ما يتغير بداخلها عليه سوى هذا!!…اتخذت خطواتها ناحية الخزانة الصغيرة تضع هاتفها فوق سطحها و تنحني تفتح بابها…جيد أن كرم لم يوصده وفر عليها الكثير…نظرت بتدقيق في الاوراق المتراصة و الصناديق الخشبية الصغيرة تود لو تقع عينيها على مطلبها…زفرت براحة حينما وجدت دفتر صغير مدسوس بين الارواق فمدت يدها تسحبه ببطء…كان محشورا و كأنه التصق بما فوقه و ما تحته فكثفت قوتها في السحب ليخرج في يدها و يخرج معه محتوى الخزانة كله تقريبا!…شهقت بجزع حينما انفرطت كل اوراق كرم امام عينيها على الارضية…
(يا الله!!!…ما الذي فعلته أنا؟!!!)
جلست على عاقبيها تلملم ما تبعثر بأعين متضايقة من فعلتها…الاوراق كانت هامة للغاية شهادة ميلاده و أشياء متعلقة بفترة خدمته في الجيش و شهادة ثانوية عامة…لحظة شهادة ماذا؟!!!…تركت ما في يدها و أبقت شهادة ثانويته تبحلق فيها بعدم تصديق…همهمت بصوت مذهول…
(هل كان في ثانوية عامة؟!!!)
تحركت عيناها على درجاته الممتازة!!…لقد ظنت بأنه غير متعلم أو ربما ترك مدرسته في سن مبكر قبل الثانوية!!… ما تحمله هو شهادة الصف الثاني الثانوي ماذا حدث للسنة النهائية؟!…دفعها الفضول لتعرف المزيد عنه فقلبت في باقي الأوراق حولها…
(إنها شهادات تقدير!!…هل التحق بمدارس الخط العربي؟!!…)
كلماتها الهامسة تخرج بتعجب حقيقي…الآن وصلت لشهادة تخرجه من مدارس الخط العربي و الذي بات عدد الملتحقين بها يُعد على اصابع اليد…فتحت الصناديق الخشبية فوجدت بها أقلام للخطاطين مختلفة في الحجم…و في غيرها وجدت اوراقا خطَّ عليها أبيات شعر و أحاديث شريفة بخطوط متنوعة و مختلفة عن بعضها…و هنا صور له مع أصدقائه في الحي و أخرى اثناء خدمته في الجيش…نسيت نفسها وسط اوراقه تتعرف عليه كما لم تعرفه من قبل…بل هي حقا لا تعرفه بالمرة…وصلت يدها إلى ورقة دون عليها بيت شعر لفت نظرها طريقة كتابته…
“فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها، لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ”
منبهرة هي كلمة قليلة على ما تشعر به الآن…كرم متعلم بل مثقف هي التعبير الأصح!!…هذه الروعة التي تمسكها مكتوبة بخط فنان موهوب…خط كرم!
(غسق!!)
صوته المتعجب جعلها ترفع رأسها بسرعة مجفلة من دخوله و رؤيته لما فعلته…استندت بكفها على الأرضية تستقيم بينما الآخر متمسكا بالورقة…تتبعت نظرته المندهشة لأوراقه فقالت بحرج مميت…
(آسفة كرم لما تراه…كنت بحاجة ورقة و قلم و حينما وجدت الدفتر سحبته فسقط كل شيء… ما حدث غير مقصود بالمرة سأجمعهم حالا..)
انحنت للأسفل تجمع الأوراق تحت ناظريه فأسرع يجلس على عاقبيه يساعدها بعدما رأى الحرج في حركتها و على وجهها…تكلم بروية يزيل عنها سوء الموقف…
(لا تتعبي نفسك اتركيهم سأتولى أمرهم أنا…)
رفعت عينيها إليه فكان لقربهما دور كبير في هدير نبضه المتعب…شهر مر بكل أيامه و ساعاته و دقائقه…شهر تنام فيه على صوته و تغفو بطمأنينة…شهر جعل عشقه لها يكبر اكثر…قربها يفتت صبره بمطرقة غليظة…و توقه إليها بات يزيد ليزيد معه تخوفه من رد فعلها لو فقط عبر عن حاله و اقترب…يكبح كل شيء بداخله بحكمة و صبر…يلجم رجل يهفو إليها يعربد داخله…و يستحلف عاشقا يموت متمنيا وصالها بألا يتعجل…آه يا غسق آه…صعبة في كل أحوالك يا جارة القلب…قوية كنتِ أرهقتني بعنادها و ضعيفة أنتِ تثير بداخلي رغبة الاحتواء و الحماية…انتبه لصوتها المتأسف بشدة…
(هذا خطأي كرم سأصلحه بنفسي…)
فلتهدمي الدنيا و أقيمها من جديد لأجلكِ يا حلال كرم…وهبها نظرة نطقت بكل كلمة خرجت من روحه ليقول بهدوء…
(الأمر لا يستحق لأرى هذا الحرج غسق…)
تكلمت بتبرير…
(انها اوراق مهمة للغاية كرم…)
(كرم منحكِ حياته أيخشى على مجرد أوراق بين يديكِ!)
صمتت بعد جملته التي خرجت بوقع مختلف…لمَ تشعر و كأنه مؤخرا بات مختلفا أم هي حالتها المضطربة ما تهيئ لها هذا؟!…رمشت بعينيها مرات تعيد ترتيب الصورة…هذا كرم فلا خوف أليس كذلك؟!…عاد يتكلم مجددا فأنصتت إليه..
(هل وجدتِ ما كنتي تبحثين عنه أم أجلبه لكِ؟!)
لو يعرف كم هي شاكرة له الآن لكونه عاد لكرم الذي اعتادت عليه…بالتأكيد هي من يفهم بشكل خاطئ هذه الأيام فهو لن يتغير…بحثت بعينيها حولهما حتى وجدت الدفتر فأشارت عليه تقول…
(نعم هناك خلفك دفتر لو مناسب أن استخدمه سآخذه…)
التفتت خلفه يسحب الدفتر و يمده لها قائلا…
(و إن لم يكن مناسبا سنجعله مناسبا لأجلكِ…ماذا تحتاجين ايضا؟)
اخذته منه و قد تغيرت ملامحها لشيء من الجمود فهمست باقتضاب…
(قلم…)
دارت عيناه حولهما فهمهم بتفكير…
(هذا صعب قليلا…لا أتذكر أنني استخدمت قلما منذ مدة طويلة…إن كان الأمر ضروريا سأجلب لكِ واحدا من مازن)
كادت تخبره لابأس لكنه اقترب من الخزانة يأخذ شيئا ما و يعود ليجلس أرضا بينما يفتح صندوق خشبي و يخرج منه قلما مخصص للخط العربي قائلا…
(هل يمكنكِ استخدام الحبر و هذه الأقلام؟!)
هزت رأسها بلا جعلت عينيه المشتاقتين تتعلقان بشامتها الكبيرة على جانب عنقها…يود لو يستشعر ملمسها تحت اصابعه…تنحنح بخفة يبعد نظره عنها قائلا…
(لو تحبي سأكتبه لكِ..)
ترددت للحظات قبل أن تستقيم على ركبتيها تأخذ هاتفها من فوق سطح الخزانة و تعود تجلس مثله على الأرض…فتحت شاشة الهاتف تقربه من وجهه قائلة…
(أريد تدوين هذه الأوراق المطلوبة للتقديم في شركة الأدوية…)
بصره ترحل من شاشة الهاتف لها هي فقال بتساؤل…
(هل نويتي العمل؟!)
نظرت له بتدقيق تقول…
(ظننت أنك لا تمانع!)
(و هذا ما أنا عليه و أخبرت أهلك به…أمر العمل عائد إليكِ لكن كان يجب أن أعرف فلولا هذه الصدفة ما كنت عرفت!)
اسرعت تقول بصدق…
(لا زلت في طور البحث عن شركة تناسبني و بالطبع كنت سأخبرك بكل شيء قبل أن أقدم اوراقي حتى…)
صمتت لثوان ثم اكملت بصوت شديد الخفوت…
(فكرت كثيرا في هذه الخطوة فوجدت انها انسب قرار لأستعيد نفسي…أمقت ما أنا عليه الآن و أود تغيره)
صوته بدفء اعتادت عليه منه…بثقة يغرسها فيها قبل فيه…بعشق يذيب كل حواجز الواقع المرير قال…
(أنتِ هي أنتِ غسق…نتعثر و نقع احيانا لكننا لا نموت)
ابعدت وجهها عن عينيه تردف بصوت حمل طعم المرارة…
(ربما لا نموت لكننا نُثخن بالجروح النازفة التي لا تندمل)
(ستندمل يوما ما يا غسق و حق ربي سأجعلها تندمل بيدي هاتين…)
هل تحمل الكلمات أنين الروح و تدمجه بصدق النوايا لتُخرج صوته بمثل هذا الدفء!!…رفعت وجهها إليه تبصره ففي كل مرة تلمس شيئا جديدا عنه…نظرته حينها تسربت من حدقتيه لتسكن روحها فتربت بحنو بالغ على موضع ما هناك و تجعلها تبتسم بسمة صغيرة…رفعت الورقة التي لا تزال بيدها بينما تقول بصوت يتسلل المرح إليه بحياء خائف…
(الآن فقط فهمت كيف لك أن ترتب كلماتك لتخرج جملك بهذا الإيقاع)
ضيق عينيه بفهم بطيء تزحزح حينما فتحت الورقة و تقول…
(هل كنت في الثانوية العامة حقا لقد ادهشني الأمر كما دهشتي بمعرفة أنك ارتدت مدرسة للخط العربي!!)
راقب الورقة التي خطها قبل سنوات طوال بين كفيها…يا له من قدر!! في ذلك الوقت لو أخبره أحدهم أنها ستصل لها كان سيتهمه بالجنون…هي ذاك الحلم الذي نمى بداخله يوم رآها…ارتسمت بسمة حانية لينظر في عينيها و يردف بمشاغبة رزينة جعلتها تندهش من قدرته على خلطهما معا…
(أليس عيبا أن تكوني زوجتي و لا تعرفين عني ما يعرفه أصغر ولد في الحي؟!)
تلعثمت في حروفها بحرج تهمس…
(لم تأتِ فرصة من قبل!)
زادت بسمته يسألها بشعور جارف بالحب…
(و الآن قد أتت؟!)
هزت رأسها بنعم مكتفية بها بلا صوت ليسترسل هو في حديث لم يكن في حسبانه قصه لها…لكن أيدق باب قلبه كفها الرقيق و يرفض فتحه لها؟!…الله وحده المطلع على حاله الآن لأنه سيحكي عنه لها…
(نعم كنت في الثانوية و تركتها بعد سنتي الثانية أي قبل مجيئك الى الحي…)
قاطعته بسؤال فضولي…
(و لمَ تركتها لقد رأيت درجاتك كانت ممتازة كرم…)
دون أن تتأثر بسمته السمحة تكلم…
(أبي كان يحتاجني معه في العمل فبعد زواج خالد قلَّ ذهابه للبحر…كان يجب أن يكون مع صالح شخص آخر…ثم لو أكملت تعليمي للجامعة سينتهي الأمر بالعمل في شوادر عائلتي إنها حرفتنا منذ جدنا الأول)
هزت رأسها بعدم استساغ للحديث تقول…
(لكن هكذا والدك أجبرك لترك الدراسة…ماذا لو كنت غير راغبا في تركها بالفعل أنت كنت رافضا لهذا و إلا لمَ التحقت بمدرسة خط عربي؟!!!)
بهدوء شديد اجابها…
(أنا لم أقل أن أبي هو من طلب مني ذلك… الحاج سليمان لا يجبرنا ابدا… خطوة ترك الدراسة كانت خطوتي أنا…كان صعبا أن أجد أبي يحتاج للغريب و أنا موجود كما كان صعبا أن اهتم بأمر الثانوية و العمل…التحاقي بمدرسة الخط العربي كانت خطوة متأخرة و لكن لها سببها عندي…)
ضيقت عينيها بفضول تسأله…
(و ما هو؟!!)
“أنتِ ثم أنتِ ثم قلبي”….
أيقولها بصوت عالٍ و مدوٍ ليسمعها لها و للعالمين…أيخبرها بأنه يوم لقياها داعبت روحه المراهقة فتتبعها حاميا ليجد نفسه في نهاية المطاف عاشقا…عاشق حاول خفية أن يقصر المسافات بينهما بأي شيء كمدرسة للخط العربي…فلتت منه ضحكة خافتة على تفكيره المراهق حينها جعلت ترقبها يزداد…
(هذا سر…)
اتسعت عيناها مع جملته الممازحة فشعرت بشيء ما داخلها يتغير…لا تعرف كنهه و لا تريد أن تعرفه لكنها تؤمن بأنه هناك في قرارة نفسها و قد اهتز لسبب ما…لوت شفتيها بتفهم تهز رأسها متقبلة رغبته في كتم سره…انفرجت شفتاها بصوت لفه الحرج بعض الشيء تسأله مجددا…
(أ هذا بيت شعر لعنترة بن شداد؟!)
اومأ بهدوء لها و عيناه تعلو و تهبط مع حركة شفتيها ثم تترحل على تقاسيم وجهها البهي…فتتزين أذنه بسؤالها الثالث
(ما هذا الخط و هل يُكتب بهذا الشكل يعني حرف القاف في تقبيل و السين في السيوف و الغين في ثغرك كُتِبوا بطريقة مختلفة و هذا واضح؟!!)
اتسعت بسمته حتى ظهرت اسنانه البيضاء أمامها…اسبل اهدابه يطالع هاتفها في يده و يبدأ في نقل ما تريده على ورق الدفتر بينما يقول بتأني دون أن تغيب شمس بسمته…
(هذا الخط الفارسي من أوائل الخطوط التي نتعلمها في مدرسة الخط كما ندرس معه خط الثلث و الديواني و زخرفة إسلامية و اللغة العربية…هذه كانت مهمة تدريبية أن نكتب بيت شعر مما درسنا بالخط الفارسي و نبرز شخصيتنا فيه…فكانت محاولة مني أن دمج خطين معا و اخترت هذه الأحرف لأجرب بها)
هزت رأسها بتفهم جعله يهمهم بصوت خافت مبتسم…
(ضيقة العقل…)
لو فقط عمل عقلها هذا الذي استخدمته خمس سنوات في كلية الصيدلة ستعرف أن الحروف ان اجتمعت ستكون اسمها هي “غسق”…كان في عمر الثامنة عشر و مشاعره نحوها في أوجها و لكن تربيته و ابتعادها عن سكان الحي منعاه ألف مرة من الاقتراب المريء…ففضل البقاء بعيدا كظلها و التنفيس عن مشاعر فياضة في اوراقه…
تركت الورقة أرضا جوار اخواتها لتهمس بصوت هادئ عفوي…
(أحببت استمرارك في التعليم كرم…)
رفعت عينيها الى وجهه المنكب في الدفتر يكتب بدقة و كأنها لوحة من لوحاته لتكمل…
(لو افترضنا أنك مُنحت فرصة استكمال ثانويتك العامة ماذا كنت تحلم أن تكون؟!)
تراقصت بسمة مختلفة على شفتيه و لولا اسبال اهدابه لرأت لمعة تمر بين جفنيه فيقول بمرح ملحوظ…
(لم أفكر كثيرا في هذا الأمر لكن ربما…صيدلي)
نطق اخر كلمة بعدما رفع وجهه نحوها ببسمة شديدة الدفء…تتشقق على وجهه فتترك تعرجات حول فمه تراها به لأول مرة…الصدمة الجمتها قليلا فظلت تبحلق فيه دون حرف ثم لملمت شتات امرها تهمس بتساؤل شاكك في رغبته…
(تمزح؟!!…وددت أن تكون صيدلي!)
صوت الطرقات الصغيرة على الباب جعلته يهرب من فضول عينيها و ينظر للجهة الأخرى حيث الباب يسأل من بالخارج…
(من؟!)
وصله صوت مازن يردف…
(أنا عمي كرم لقد حضر سوسكا و ينتظرك…)
(حسنا أخبره بأني قادم…)
حمل الدفتر و وضع فوقه الهاتف ليضعهما داخل كفيها قائلا بينما يستقيم من جلسته…
(لقد كتبت لك كل شيء هنا…لا تتخذي خطوات هامة بمفردك اتفقنا!)
انحنى يجمع اوراقه و يعيدها الى الخزانة ثم يتحرك ناحية الباب ليخرج منه و يتركها خلفه تتابع خطه البديع فوق صفحة الدفتر بأعين مذهولة..