روايات شيقة
رواية لحن الزمرد الفصل الثاني 2 بقلم رحمة سيد
رواية لحن الزمرد الفصل الثاني 2 بقلم رحمة سيد
الفصل الثاني:
لايك وانتوا معديين يا حبايبي حتى لو مش متابعين دلوقتي،، عشان البوست يوصل لاكبر عدد

انسحبت نحو الغرفة التي كانت تقيم فيها، بعدما شعرت أن لا مكان لها الآن جوارهم، اللوحة العائلية مكتملة وهي أصبحت مجرد زوائد باهتة يمكنها افساد اللوحة..!
تمددت على الفراش وهي تتأوه في ألمٍ يزداد أكثر كلما مر الوقت، حتى شعرت أن الغرفة تدور بها؛ ربما لأنها لم تتناول اي طعام منذ قدومها لهذا المنزل حيث أغلقت باب الغرفة على نفسها بمجرد دخولهم..
جاهدت لتُبقي على وعيها ولكن لم تنجح، ففقدت الوعي تمامًا…
بعد فترة…
بللت طرف شفتيها بوهن اكتسح عظام جسدها، فحركت رأسها ببطء، تجاهد الدوامة المظلمة التي تبتلعها داخلها، بعد محاولات عديدة خاضتها في صمت مطبق، أخيرًا استطاع عقلها اللحاق بقطار تركيزه، وأحست بيدٍ خشنة ذات ملمس رجولي تضغط على جرحها الموجود في بطنها.
انسحبت الدماء من عروقها بقلق، وخوف اعتلى قمة مشاعرها، ففتحت عينيها خلسة، وجدته يجلس بهيبته الرجولية والتركيز يفترش ملامحه، موجّهًا يديه نحو بطنها.
انتفضت بحركة خاطفة، غير عابئة بآلام جرحها، وأمسكت بالوسادة تضربه بها كمحاولة منها للدفاع عن نفسها، تراجع هو للخلف بدهشة، محاولاً سرقة انتباهها الغارق في انفعالاته، وكأنها أمسكت به بالجرم المشهود.
استطاع الإمساك بذراعيها، معتقدًا أنه أخيرًا نال منها من فرط انفعالها، لكنها فاجأته عندما وجهت المقص الطبي الصغير نحو عنقه، فلامس رأسه المعدني جلده..
كانت في أوج غضبها، وهي تسقط ببصرها عليه، وعيناها تخبراه بالانتقام القابع فيهما، فسارع بفك قيود لسانه المندهش قائلاً:
-أنتي بتعملي إيه! ابعدي المقص.
كزت فوق أسنانها بعنف ولم تبعده إنشًا واحدًا، وحدثته بنبرة غاصت في الشراسة:
-أنت فاكرني سهلة؟! لا دا أنا أدفنك مكانك.
داعبت الضحكة حلقه عقب تفوهها بكلماتها المهددة له وبرق في عينيه وميض من الإعجاب الذي لم يبذل مجهود لإخفاؤه، مفكرًا؛ مَن يدفن مَن؟ تلك المعتوهة لو فرض قوته عليها، لاستكانت كالجرو بين أحضانه، لكنه حافظ على ثباته البادي، ونطق بتروٍ:
-اهدي واعرفي الأول أنا كنت بعمل إيه؟!
انفجر الغيظ من كلماتها عندما رأته على نفس هدوئه، وكأنها ليست على بعد إنش واحد من قتله!
فقالت بفظاظة حلَّت ضيفة طارئة على لهجتها:
-كنت بتعمل إيه، كنت بتقرأ المعوذتين ولا إيه يا محامي يا محترم؟! أنا قفشتك حاطط إيدك على بطني.
حسنًا.. لقد فاض صبره ونفذ، فدفعها للخلف بحركة خاطفة، ثم رفع صندوق الإسعافات الأولية أمام وجهها، وشق العتاب صوته:
-كنت بغيَّر على جرحك، عشان حضرتك اغمى عليكي، ونزفتي، وحالتك كانت بتسوء، أبقى أنا كده غلطان!
توقع اعتذار، ولكنها كالعادة منذ أن عرفها تخالف توقعاته، حيث أردفت بشيء من التهكم:
-امال فين الدكتور ولا الممرض؟ هو أنت سيبت المحاماة واشتغلت دكتور ولا إيه؟
أخبرها على مضض متجاهلًا تهكمها:
-الدكتور اللي أنا أعرفه عنده عمليات حاليًا وهيتأخر عقبال ما يجي، وبعدين أنا متعلم كويس الإسعافات الأولية.
تشدقت بوداعة وهي تسبل اهدابها الطويلة:
-طب كنت استأذني!
انعقد حاجباه بعدم فهم، مثبتًا عيناه عليها وعلى حركتها العشوائية في ترتيب ثيابها، وقد طغى الخجل والحرج على وجهها حتى احمرّت وجنتيها كثمرتي تفاح شهيتين.
تابع بكلماتٍ تلونت بالحنق بعدما جفت من الصبر:
-المرة اللي جاية هسيبك تموتي، عشان أكيد مش هينفع اقطع رحلة وصولك للآخرة عشان انقذك.
ثم نهض بطوله الفارع، يعدل ثيابه بهيبة لم تراها من قبل، رغم أنها نشأت من عمق مجتمع الأثرياء، إلا أنه له طلة رجولية مميزة تخطف الأنفاس وحضورًا آسرًا، ثم تقدم نحو الباب وقبل أن يغادر، تفوه بسخرية طفيفة أغاظتها:
-بعد إذنك، ممكن أخرج!
رمقته بضجر، فاستكمل بخشونة ساخرة:
-بما إن عايز اخرج وأخاف أخد خبطة في دماغي كده ولا كده، فقولت استأذن.
مطت شفتيها بعدم رضا، وتجاهلت حديثه عن قصد رافعة أنفها بشموخ ونظرت للجهة الأخرى، مشيرة بيدها بأن يُسمح له بالخروج.
أفلت ضحكة مستنكرة، وهز رأسه غير مصدق لتصرفاتها الجنونية الشاذة عن مُحيطه الانثوي بالكامل.
وقبل أن يخرج تمامًا من الغرفة، أوقفته منادية بإسمه لأول مرة بصوتها الناعم وكأنه لحن موسيقي لا يليق إلا بها:
-يونس.
استدار ببطء نحوها بعينين نابضتين بالتساؤل، فأضافت بنفس النبرة:
-ممكن تجيبلي مسكن؟ بس بليز ماتدخلش الاوضة من غير ما أحس.
عاد ليقترب منها ببطء، حتى أصبح أمامها مباشرةً، عيناه تقبض بسيطرة على عينيها السابحتين في بركة من العسل الصافي، مرددًا بجدية وهو يتفحصها:
-هو أنتي مجنونة ؟ صارحيني أنا أعرف دكتور شاطر؟
-أنا ؟ ليه بس يا يونس؟!
كاد ينهرها ألا تردد اسمه بتلك النغمة -العفوية- التي امتزج فيها الدلال والنعومة بطريقة خاطفة للأنفاس.. ولكن كتم انفعالاته بإرادة حجرية، وأردف بصوتٍ أجش:
-من دقيقتين بالظبط كنتي بتتريقي وبتهدديني بمقص ودلوقتي بقيتي ليدي في نفسك، أسميه إيه دا ؟
عادت لحافة الفراش الاخرى، وتحدثت بخفوت على استحياء:
-معلش لو ضايقتك، بس غصب عني أنا لسه ماعرفكش وطبيعي أقلق لما ألاقي الوضع كدا.
تنهد بعمق؛ لا يدري كيف تنجح بسلاستها في جعله بين الثانية والاخرى يتقبل تقلباتها الجنونية متغاضيًا عنها.
نهض من مكانه ليغادر وهو يقول بجدية بعدما أعطاها ظهره:
-هبعتلك المسكن مع ام محمود، واهو بالمرة تتعرفي عليها.
ثم غادر الغرفة تحت أنظارها مغلقًا الباب خلفه، فهمست لنفسها وهي تبتسم ببلاهة:
-تقيل أوي بس كاريزما ابن اللذينه.
****
سارت “زمرد” في الشارع متوجهة نحو أقرب مستشفى وهي تمسك بقطعة قماش تحاول بها كتم النزيف في يدها، تجاهد لمنع دموعها بصعوبة من الانهمار على وجهها، فالنزيف الحقيقي لم يكن في يدها؛ كان في قلبها الذي يعاني من افتقار حقيقي للدعم المعنوي ومَن يداوي جروحها.
وصلت الى المستشفى متجهة نحو الطوارئ مباشرةً، وبعد أن قاموا بخياطة الجرح ومعالجته، جعلوها تنتظر قليلًا حتى يتم صرف العلاج المناسب لها، حينها كانت جالسة على الفراش الذي يقبع أمام شرفة تطل على الحديقة الكامنة في ساحة المستشفى، بدأت الامطار تهطل متناثرة فوق اوراق الشجر في منظر محبب لقلبها، نجح في استراق ابتسامة تلقائية من عبوس وجهها ولكنها كانت شاحبة خالية الروح..
فـ هب على عقلها موقف من نثرات رماد الماضي الذي احترق وأحرقها معه…
كانت في منزل والدتها “سُمية” ووالدها الذي توفي منذ عامين، الغضب كان يتطاير منها كاللهب وهي تلوم والدتها التي كانت تجلس على الأريكة امامها تأكل العلكة في لا مبالاة:
-روحتي اعتذرتي له ليه يا ماما؟ حرام عليكي ليه!
-امال كنتي عايزاني أعمل إيه؟ واحد مابيبطلش يساعدني ويقضيلي مصالحي، وبنتي قلت ادبها عليه يبقى لازم اعتذر له.
قالتها في تبجح نجح في إلتهام المتبقي من صبر “زمرد” فـ صاحت بعدم تصديق:
-قليت أدبي؟ عشان وقفته عند حده بدل ما هو بيتحرش بيا في الرايحة والجاية يبقى قليت أدبي؟
لوت شفتاها في استهجان متابعة:
-يتحرش بيكي إيه ماتكبريش الموضوع، دا بس بينكشك وانتي عارفة إنه شاريكي ويتمنالك الرضا ترضي.
عقدت زمرد ساعديها معًا وهي تسترسل بعنفوان امتزج بالسخط:
-وأنا عمري ما هرضى عليه يا امي، وانتي عارفة كدا كويس، أنا مخطوبة لموسى، فاكرة موسى ولا سقط من حساباتك؟
ردت بسخرية جلية:
-فاكراه ياختي اتوكسي، طول عمرك حظك مايل.
أردفت زمرد بثقة وقوة اكتسبتها من اسمه في ظل غياب شخصه:
-ماله حظي؟ مخطوبة للباشمهندس موسى العطار اللي المنطقة كلها بتحلف بيه.
استدارت والدتها نحوها لتفصح عن استنكارها وعدم رضاها عن مسار حياة زمرد الذي تراه ينحدر نحو الهاوية:
-الباشمهندس اللي شغال في حتة شركة موظف على قده وبقاله سنتين بيجهز الشقة ومش عارف يتجوزك، وسايبة رشيد اللي آآ…..
قاطعتها في اشمئزاز تجانس مع النفور ليشكلا اقصى صور الرفض على صفحة وجهها:
-رشيد البلطجي الشمام اللي عامل فيها فتوة المنطقة وشغال شغل شمال.
هزت كتفاها معًا تدّعي الحيرة:
-الله اعلم دا كلام من الناس مانعرفش حقيقي ولا لأ.
امسكت زمرد برأسها التي كادت تنفجر بفعل الغضب والذهول اللذان فاضت ينابيعهم من كافة خلاياها:
-أنا مش قادرة أصدق، أنتي المصالح للدرجادي عمت عنيكي!
وقبل أن تجيب والدتها بشيء آخر قاطعتها:
-أنا نازلة أجيب طلبات البيت.
وما أن نزلت الشارع حتى تفاجأت بالأمطار الغزيرة التي كانت تهطل دون توقف، ونتيجة لذلك كانت الشوارع تقل من المارة تدريجيًا، لأول مرة تكون اسفل الامطار ولكنها ليست في حال يسمح لها بالاستمتاع بها كالعادة..
لم تنوي العودة للمنزل لأنها تعلم جيدًا نهاية النقاش الذي سيدور بينها وبين والدتها، فـ هكذا هو الحال بينهما منذ أن أصبحا بمفردهما في هذه الدنيا بعد وفاة والدها رحمه الله.
انتبهت إلى أنها أصبحت في شارع شبه خالٍ، فاستدارت تنوي العودة ولكن أجهض نيتها تلك وجود “رشيد” أمامها، نظرت للجهة الاخرى وكادت تتحرك لتغادر على الفور ولكنه سارع بالتحرك ليقف أمامها يعيقها عن مواصلة السير، ازدردت ريقها بصعوبة ثم سألته بفظاظة متعمدة:
-عايز إيه يا رشيد؟
-عايزك يا عيون رشيد.
أجابها بحروفٍ غير متزنة توشي بانتقاص الوعي لدى صاحبهما، فأرادت متابعة سيرها بعيدًا عنه ولكنه جذبها من ذراعها نحوه بقوة حتى لامست جسده فـ سرت انتفاضة مرتعدة مشمئزة على طول عمودها وهي تدفعه بعيدًا عنها مزمجرة:
-أنت اتجننت ولا إيه؟ إياك تتجرأ وتلمسني تاني وإلا والله هفضحك.
عاد ليقترب منها بخطى متبخترة ثقيلة مضيفًا بعينين زائغتين أثاروا جيوشًا من التقزز داخلها:
-أنا مجنون بيكي يا زمرد، مش ناوية تحني عليا بقى؟
غمغمت بذعر وهي تتراجع للخلف سعيًا للابتعاد عنه:
-أنت شارب حاجة صح؟ أكيد شارب حاجة، أنت مش طبيعي.
استطرد بسماجة:
-شارب المُر في بُعدي عنك.
فـ ركضت هي مبتعدة عنه، لتقع عيناها على زجاجة مكسورة ساقطة ارضًا، لم تتردد وهي تمسك بها وتُشهرها في وجهه ضاغطة عليها بقوة دون أن تنتبه حتى تسببت بجرح يدها، وصرخت فيه بحدة مُهددة:
-ابعد عني احسنلك، هقتلك لو قربت مني.
سألها باستخفاف مشيرًا برأسه لقطعة الزجاج بيدها:
-أنتي مفكرة البتاعة دي هتحوشني عنك؟
وفجأة وجدت مَن يسحب “رشيد” من ملابسه بعنفٍ شديد تمنت لو امتلكته لتسحق ذلك الدنيء، ويردد بغضب جارف:
-لا أنا اللي هابعدك يا كلب يا ابن ال****
شهقت متراجعة للخلف وهي تعي أن ذلك الشخص لم يكن سوى “موسى”، ظل موسى يكيل له اللكمات بكل الغل والغضب اللذان اعتملا داخله حتى اصبحا اعصارًا قاتلًا يود إقتلاع روحه المدنسة..
ثم رفع وجهه فجأة نحوها صارخًا بأمر:
-امشي على البيت.
تراجعت عدة خطوات للخلف تلقائيًا، ولكنها ثبتت اقدامها ارضًا تخبره بعناد يشوبه القلق عليه:
-مش همشي من غيرك.
فيما حاول رشيد الدفاع عن نفسه وضرب موسى ولكن عدم اتزانه افقده القدرة على ذلك، فصاح بجنون:
-أنت مفكر إني هاسيبهالك، انسى يا موسى.
وكأنه بذلك ألهب بركان الغيرة الذي ثار داخله وتقازفت حممه على هيئة كلمات حارقة في وجه “رشيد”:
-هي ليا غصب عنك وعن أهلك يا زبالة، وايدك اللي اتمدت عليها دي مش هخليك تعرف تستخدمها تاني.
ثم امسك يده بعنف شديد لاويًا اياها حتى سمعت صوت عظامه التي انكسرت تزامنًا مع صراخه المتألم في استنجاد…
فـ ترجته بخوف:
-كفاية يا موسى عشان خاطري يلا نمشي.
حينها تركه موسى باصقًا فوقه بنفور، وختم تلك المشاداة بتوعد شرس:
-لو شوفتك بتتعرضلها تاني ولا حتى بتمشي في شارع هي فيه، اقسم بالله ما هسيب حتة سليمة فيك، المرادي مجرد تحذير.
ثم تحرك ساحبًا زمرد من ذراعها بقوة ليغادرا سويًا، وما أن ابتعدا قليلًا حتى صاح فيها منفعلًا:
-مش قولتلك امشي؟ مامشيتيش ليه؟
إنكمشت في توتر وكأن شوائب ما تعرضت له منذ قليل لا زالت تعكر صفو روحها فـ تثير فيها القلق، ولكنه لم ينتبه لذلك فـ واصل بلهجة لا زالت تتلفح بالغضب والغيظ:
-ردي عليا مامشيتيش ليه؟ ولا أنا خلاص كلامي مابقاش له لازمة، أقولك ماتنزليش من غير ما تعرفيني تنزلي وكمان بليل ولوحدك، أقولك امشي تصممي تفضلي.
كانت تتنفس بصوتٍ مسموع تحاول كتم دموعها التي تلح للإفراج عنها، ولكن الضغط المستمر منه جعل سدها الواهن ينهار فتناسب دموعها محتلة وجنتيها الحمراوتين بفعل الخوف والبرد القارص..
وكأن دموعها كانت انذار راعد من قلبه لغضبه ليتبخر مع هبوب عاطفته التي لا يملك السيطرة عليها أمام ذات عينا الزمرد الوهاج، فاقترب منها ليمسح دموعها بإصبعه في حنو هامسًا:
-طب انتي بتعيطي ليه دلوقتي؟
اجابت من بين دموعها بصوتٍ مبحوح:
-عشان أنا خوفت، وأنت بتزعقلي كمان.
ثم ضربته في صدره العضلي بقبضتها وهي تصيح فيه بغضب انبلج من طبيعتها النارية:
-أنت بتزعقلي ليه؟ بتزعقلي عشان خوفت عليك، ماقدرتش أمشي وأسيبك كدا لوحدك.
احتوى كفها الصغير بكفه العريض ثم طبع عليه قبلة عميقة اودعها كل خوفه.. عاطفته واعتذاره، ثم رفع عيناه البُنيتان لترى فيهما انعكاس لمشاعره الدفينة نحوها، وقال بصوته الذي حمل حنان دافئ امتزج بعتابه:
-حقك عليا يا حبيبي، بس كنت هموت من خوفي عليكي، مش متخيل لو ماكنتش عديت على الشارع دا دلوقتي ولا اتأخرت ربع ساعة تاني بس كان إيه اللي هيحصلك؟
هزت رأسها نافية وبابتسامة رقيقة امتلأت بالثقة أكدت له:
-ماكنش هيحصل حاجة، أنت هتيجي وهتلحقني من أي حاجة وحشة.
اومأ برأسه مؤكدًا، وألصق بجملته صرامة متوعدة:
-دا أكيد، بس برضو عايز أعرف إيه اللي نزلك لوحدك بليل كدا ومن غير ما تقوليلي؟ عشان لو ماكنش في سبب مقنع هتبقى ليلة سودا على دماغك.
اقتربت منه قليلًا، مُسلطة عليه عيناها الزمردية التي يعشق، وتهمس في غنج:
-وأهون عليك برضو يا موسى؟
لتنصهر صرامته تحت حرارة عاطفته التي أججها غنجها الانثوي الذي لا يُقاوم متسلحًا بسحر عينيها، فقال بولهٍ:
-اهي عنيكي دي هي اللي بتدوب موسى وبتنسيه اي مصيبة بتعمليها.
وامتدت يده تلامس خصرها بشوق لاهب، فابتعدت عنه على الفور محذرة بلوم:
-موسى، أنت عارف إني مش بحب كدا.
تنهد بقوة عالمًا أنه تخطى حدودها الحمراء، ثم أردف بنفاذ صبر يتخلله لهفة الاشتياق:
-موسى مشتاقلك بجنون، امتى بقى نتجوز وتبقي ليا.
رفعت يدها تريد أن تربت على يده ولكن ما أن تلامست يداهم حتى شعرت بألم بسبب جرح الزجاجة فيه، تفحصها موسى بلهفة قلقة متسائلًا:
-إيه دا من إيه الجرح دا؟
ترددت قليلًا قبل أن تخبره بصوت خفيض:
-من الازازة اللي كنت مسكاها.
كز على أسنانه بقوة يتمالك غضبه الذي عاد ليطفو، ثم حثها على السير بحزم:
-طب يلا قدامي هنروح الصيدلية نشوفه.
نفت برأسها تشرح له:
-لا مش مستاهلة دا جرح بسيط.
فـ وأد رفضها أمام اصراره الحازم الذي لا يقبل الجدال:
-نروح للصيدلية وهما يقولوا اذا كان بسيط ولا لأ، ولو بسيط هيعقموه، الله اعلم الازازة دي كان فيها إيه وملوثة ولا لأ.
وبالفعل ذهبا معًا إلى الصيدلية، ثم أعادها الى المنزل بعدما اطمئن أنها لا تشعر بأي ألم، وكأن تألمها ولو بالقدر القليل يتردد في قلبه اضعافًا فيأبى أن يعرف الألم طريقها.
***
عادت من ذكرياتها تمسح دموعها المنسابة بغزارة دون أن تشعر، وتبتسم بسخرية مريرة مرددة لنفسها.. ها هو الألم قد شق لي طريقًا لا يُقطع؛ حافلًا بأشواك قاسية لا تتوقف عن جرحي وتعذيبي..
وهو ليس معي ليزيل عني آلامي، بل هو مَن تركني فريسة له!
بعد قليل أتت الممرضة قاطعة حبل أفكارها بقولها:
-هي دي الادوية بتاعتك، خديها في المواعيد المكتوبة عليها عشان الجرح يلم بسرعة.
جاملتها بابتسامة صغيرة كاذبة وهي تهتف:
-تمام، متشكرة اوي.
فـ ردت بأخرى مشابهة ونبرة دبلوماسية:
-العفوا على إيه، الف سلامة.
خرجت زمرد من الغرفة تسير بشرود في بهو المستشفى تنوي المغادرة، ولكن فجأة ظهر أمامها بطل ذكرياتها ومُعذبها !
-موسى!
رددتها بعدم تصديق، وللحظة.. للحظة فقط أحس في صوتها ولمعة عينيها بلهفة زمرد القديمة لمجيئه ودعمه، ثم سرعان ما اختفت تلك اللمعة ليبقى الزمرد كـ مجرد -حجر- مُلون باهت وفارغ بإجحاف.
ثم سألته بصوت أجش:
-أنت بتعمل إيه هنا؟
بادلها السؤال بآخر، أشد حزمًا وقوة لا تنبعث سوى من بُنيتاه التي كانت كالقهوة المحترقة! :
-أنتي اللي بتعملي إيه هنا؟ عمل فيكي إيه تاني؟
قال أخر كلماته وهو يمد يده ينوي تفحص يدها المغطاة بضمادة، ولكنها أبعدتها عن مرمى يديه وقالت بلهجة قاطعة:
-أنت مجنون! إياك تفكر تيجي جمبي، أحنا مابقيناش زي زمان.
ثم تخضبت نغمة صوتها بالألم الذي لم تستطع تحجيمه للحظات وهي تتحدث:
-لا أنا لسه ليك والناس كلها عارفة دا، ولا أنت لسه خطيبي وجوزي المستقبلي، أنا دلوقتي واحدة متجوزة.
زمجر بنبرة شرسة مهتاجة حاول جعلها خفيضة حتى لا يثير انتباه الناس من حولهم:
-عارف ومش ناسي ولا لحظة، مفيش داعي تفكريني بكدا كل شوية.
-كويس.
قالتها ببرود وهي تتحرك لتتخطاه، فعاد ليوقفها من جديد مُبديًا رغبته المُلحة:
-احنا لازم نقعد نتكلم مع بعض.
لوت شفتيها مشددة على كلماته الهوجاء في احتجاج ضاري:
-نتكلم مع بعض ! فوق أنت مش عارف أنت بتتكلم مع مين.
إنقبضت ملامحه في غضب صامت ومعنى حديثها المبطن بتباهيها بزواجها من ذلك الاحمق يُزلزل قشرة كتمانه الركيكة، فـ وجدت نفسها بعدها تبرر بعزة نفس المعنى الذي أدركت أنه وصله:
-أنا زمرد، زمرد اللي لا يمكن تغلط غلطة زي دي.
قبل أن تلوم نفسها بقسوة؛ أفيقي، مَن هو لتهتمي بالتبرير له؟ فليذهب للجحيم!
ثم انتبهت له وهو يكرر برجاء امتزج بصرامته للمرة التي لا تعلم عددها:
-قولتلك في كلام مهم عن مصطفى لازم تعرفيه.
لاحظت أنه يتحاشى ذِكر كلمة “زوجك” وكأن ذلك يطمس تلك الحقيقة غير المقبولة بالنسبة له!
فتابعت من بين أسنانها بحدة لتُصوب نحوه تلك الكلمة القاسية مستقرًا ومقامًا:
-أي حاجة هتقولها عن -جوزي- مش هتغير اللي حصل ولا هتغير اللي أنا فيه دلوقتي.
-بس أظن اللي أنا عرفته عنه، هيغير كتير اوي.
أعلنها بجفاف وثقة انبلجت من عينيه ونبرته، ولكنها لم تستسلم لنخر الفضول والشك في باطن الجدار الثابت الذي تتمسك به:
-وأنا مش عايزة أسمع منك حاجة.
وكادت تغادر من جديد ولكنه عاد ليتجرأ على الإمساك بمعصمها بقوة يمنعها من ذلك، ثم اقترب منها ليصبح على بُعد إنشات فقط منها، وهمس مهددًا بمكر:
-يعني حلو دلوقتي لو شيلتك وخدتك بعيد عن هنا وخليتك تسمعيني غصب عنك؟
ابتلعت ريقها بقلق، ثم تشدقت تدّعي ثقة اغترفتها من جوف معرفتها السابقة المتأصلة له:
-بس أنت مش هتعمل كدا.
فـ رفع حاجبه الأيسر وهو يردد عليها كلماتها السابقة له في استهجان:
-إيه اللي يضمنلك مش أنا غدار وبوشين؟
لم تسمح للحرج بفرض سطوته على جنبات وجهها إذ أكدت بشجاعة تستحق الإعجاب:
-ايوه بس مش هتوصل بيك الدرجة إنك تبقى مجرم.
كانت عيناها تحدق به بذلك القرب -دون وعي منها- بعد زمنٍ طويل، فلم يستطع منع بريق الزمرد في عينيها من التسلل لشرفة قلبه المغلقة، ناثرًا فيها سحره الذي لا يُقاوم، لذا وجد نفسه يغمغم بخفوت غارق في عمق احساسه الحار بها وبعينيها:
-لو الإجرام هيخليني أعرف أحميكي من أذى، هعمل كدا ومش هتردد لحظة.
لوهلة فقط تمكن الارتباك من جمود قسماتها، قبل أن تحكم سيطرتها عليه من جديد بسخريتها المضادة:
-لا يا راجل؟! كنت حميتني زمان.
تجمد مكانه بعدما باغتته بردها، فتحركت على الفور مغادرة، وما أن وقف أمامها مرة اخرى ينوي ايقافها، زمجرت فيه بصوت ارتفعت نغمته عمدًا:
-اقسم بالله لو ما بعدت عني لأصوت وألم عليك المستشفى كلها.
وصله الصدق الممتزج بالجنون في عينيها وأنها قد تفعلها بالفعل، خاصةً أن دفتر ماضيها معه ممتلئ عن اخره بالجنون!
فأفسح لها الطريق لتغادر رافعة ذقنها بشموخ سعيدة بإطاعته لتهديدها، ولكن صوت داخلي بعيد كان يُنذرها أن موسى لن يستسلم بهذه البساطة، لا بد أنه يفكر في شيء آخر !
****
كان يونس في غرفته منفردًا، يجلس أمام الشرفة على المقعد الوثير يتأمل الطبيعة بشرود، وأمامه على المنضدة الصغيرة يضع كوب القهوة ذو الرائحة الزكية التي تنعش حواسه وتجعله في حالة فريدة من الاسترخاء والارتياح..
ولا يدري لِمَ استحضرت ذاكرته ذكرى قريبة تخص تلك “الغزل” المجنونة الجميلة صاحبة النغمة الساحرة كعروس البحر!
حين طرق باب الغرفة عليها فلم يأته رد، تردد وهو يفكر هل يُلح عليها ام يتركها وشأنها، إلى أن قرر أن يواصل طرق الباب، قائلًا بهدوء رزين:
-غزل، الأكل جاهز.. تعالي كُلي معانا لو حابه.
ولكن لم يأته جوابه، فـ عاد يطرق الباب من جديد مرددًا:
-غزل سامعاني؟ يا غزل؟
لا من مجيب، تسلق القلق سلم الانتظار داخله حتى وصل للقمة، فاتخذ القرار وأحضر مفتاح الغرفة البديل الذي يحتفظ به للطوارئ، وحين فتح الباب وجد ما يُغذي قلقه بشراهة؛ فـ غزل كانت فاقدة للوعي، وملابسها مُلطخة بالدماء، نادى اسمها في صدمة لحظية:
-غزل!
قبل أن يقترب منها على الفور متفحصًا جرحها الذي عاد لنزيفه، ثم سارع بالاتصال بالطبيب الذي أخبره مساعده أنه في غرفة العمليات، وإلى حين بحثه عن طبيب آخر ربما تكون غزل في عداد الموتى في ظل استمرار النزيف!
لذا احتكم عقله على قرار حاسم وهو يُجلي صوته مناديًا:
-ام محمود.
جاءت المساعدة التي تدعى “ام محمود” على الفور مُلبية النداء:
-ايوه يا استاذ يونس.
-هاتيلي الحاجة اللي هقولك عليها دي من اوضتي، هتلاقيهم في علبة الاسعافات الاولية، بس بسرعة.
أملى أوامره في عجلة وهو يُزيح التيشرت الذي ترتديه قليلًا ليستطيع رؤية وعلاج الجرح الذي تركته العملية الجراحية…
وحين كان ينتظر عودة ام محمود صدح سؤال داخله من غياهب عقله؛ هل كانت فاقدة للوعي وتنزف بمفردها دون أن يشعروا بها منذ وقت طويل؟
اشتدت قبضة يده بقوة شاعرًا باللوم الشديد يسقط عليه كالمطرقة ليُعذبه بضراوة، لم يكن عليه أن يتركها هكذا منعزلة كالوباء في غرفة بمفردها دون أن تتناول اي شيء منذ أن جاءت معه بعدما قامت بمجهود ملحوظ بالنسبة لشخص قد اجرى عملية جراحية منذ أيام قليلة!
كيف له أن يفعل ذلك وهي في مسؤوليته؟! تمامًا كـ يزيد الان!
ثم بدأت لا اراديًا عيناه تتشرب بتمهل استكانة تقاسيم وجهها الملائكية الرقيقة التي تنضح انوثة، قبل أن يهمس بصوت متحشرج ندمًا وغضبًا مُسلط على نفسه:
-أسف، أسف يا غزل.
عاد لواقعه قاطعًا سيل ذكرياته بتنهيدة عميقة، ومد يده ليمسك بكوب القهوة الساخن يرتشف منه بهدوء، وبعد أن أنهاها قرر التوجه لغرفة يزيد ليطمئن عليه قبل أن يخلد الى النوم..
فتح “يونس” باب غرفة ابنه فجأة على غير عادته؛ فقد اعتاد أن يطرق الباب أولًا وينتظر إذنًا بالدخول، فهو قارئ جيد في أسس التربية الحديثة.
عندما دخل، وجد طفله يُخبئ شيئًا تحت الغطاء، رفع يونس حاجبًا في دهشة، وانتابته حالة من الفضول كأنه يحقق في جريمة، تقدم ببرود، وجلس بجانب يزيد يسأله بهدوء، مما زاد ارتباك الصغير:
-عامل أيه يا بطل؟
رفع الصغير عينيه ببراءة، ونظر إلى أبيه قائلاً:
-الحمد لله يا بابي.
مسح يونس على رأسه برفق وهو يقول بعتاب:
-هو أنت خايف مني في حاجة؟
هز يزيد رأسه نافيًا، وظل ينظر إلى أبيه بعينيه الساحرتين، القادرتين على كسر جبروت يونس وقوانينه الصارمة:
-لا يا بابي.
قبل يونس وجنته برقة، متعاملًا معه كأنه قطعة ألماس يخشى خدشها، ثم قال بعتاب طفيف:
-امال ليه لما أنا دخلت أنت خبيت عني حاجة وحطتها هنا.
أشار بعدها إلى الموضع الذي وضع الصغير يده فوقه، فأسبل يزيد أهدابه بخجل، وتمتم بأسف:
-أسف يا بابي، أنا خبيت التاب، عشان عارف إن حضرتك مش هترضى تخليني اقعد عليه شوية كمان.
ثم أخرج حاسوبه ووضعه على ساق أبيه، ورفع رأسه مرة أخرى متوسلًا إليه بنظراته المدمعة.
-ممكن ماتزعلش مني؟
ربت يونس على يد طفله ليخفف عنه وطأة خطئه، قائلاً:
-حبيبي أنا مش زعلان منك طالما أنت اعترفت ومفضلتش تكدب عليا، بس…
صمت بضع ثوانٍ، أخرج خلالها تنهيدة ثقيلة تعبر عن حجم العبء الذي يحمله منذ أن تولى تربية طفله وحده:
-بس أنا وأنت متفقين على حاجة المفروض ماترجعش في اتفاقك، إلا إذا جيت لبابا زي الراجل كده وطلبت مني ازودلك وقت تقعد على التاب وأنا بقى أشوف ينفع ولا ماينفعش.
تعلقت عينا الصغير بوالده وهو يدرك كلماته جيدًا، ثم هز رأسه موافقًا:
-صح، هعمل كده بعد كدا، هستأذنك الأول.
داعب يونس خصلات شعر طفله الكثيفة، مستمتعًا بنعومتها التي أراحت أنامله:
-طيب ما أنا ابني راجل وبيفهم اهو، امال أيه بقى؟
ابتسم يزيد ابتسامة خجلة، ثم تعلق بعنق والده يستعطفه:
-حبيبي أنت يا بابي يا عسل يا سكر يا جميل….
قرصه يونس في وجنته قرصة خفيفة، ناهرًا إياه بأسلوب زائف بسبب مرواغته:
-أنت كده فاكر بتضحك عليا يعني؟ اياك تفكر تخبي عليا حاجة تاني هعرف بطريقتي.
وضع يزيد يديه في خصره، وقال بضيق مصطنع، مع انعقاد حاجبيه الذي أوحى لوالده أنه خرج من كنف الطفولة ودخل في مرحلة الشباب:
-طيب ما انت بتخبي عليا، بس أنا برضو بقفشك.
توسعت عينا يونس بصدمة مصطنعة، ثم تساءل بعدم فهم:
-هو أنا خبيت عليك أيه؟ أنا وأنت صحاب وكمان صريح معاك.
غمز يزيد بعينيه البنيتين غمزة طفيفة، ثم قال بنبرته الطفولية المازحة:
-عمرك ما قولتلي على قريبتك القمر دي خالص.
اندهش يونس من أسلوب طفله، فقال باستنكار خفيف:
-قمر؟! هي عجبتك للدرجادي!
أكد بقوة ولمحة إعجاب تضيء عدستي عينيه الصغيرتين:
-ايوه شبه لولي صاحبتي في الاسكول، شعرها زيها.
مط يونس شفتيه بتفكير وهو يردد خلفه، بينما غرق عقله في دوامة التفكير بها، بخصلات شعرها السوداء الثائرة، ونبرة صوتها المميزة كأنها لحن ناعم يتراقص فوق أوتار الفؤاد:
-اممم قولتلي لولي.
أمسك الصغير بذقن والده ليجذب انتباهه بينما يسرد قصصه مع صديقته:
-اه صاحبتي اللي كنت حكيتلك عنها، اللي بتجيبلي شوكلت كل يوم.
تساءل بفضول:
-وأنت بتجبلها أيه؟
رد ببساطة وابتسامة تعلو شفتيه:
-سناكس بتاعتي بديلها، أنت قولتلي لو حد ادالي حاجة حلوة اديله حتى لو كان اخر حاجة معايا.
شجعه والده بحماس على كرمه:
-جدع يا يزيدو يا قمر، يلا نام ساعتين عشان عندك تمرين.
-حاضر.
داعب خصلاته بحنو قبل أن يقبل قمة رأسه ويخرج مغلقًا اضاءة الغرفة معه..
كان في الرواق حين مر صدفةً امام المرآة فـ لاح أمام بصره ذلك الخدش الرقيق الذي تركه على رقبته المقص الحاد الذي هددته به تلك المجنونة “غزل”..
مد يده يتحسسه بشرود، ولأول مرة لا يبدو منزعجًا من أثر سلبي تركه له شخصًا ما، بل هو لا يشعر أنه أثر سلبي من الأساس، يشعر كما لو أنه مداعبة رقيقة من قطة ناعمة أرادت اظهار مخالبها…ولكنها قطة!
انتبه لوقوف غزل امامه بعدما لاحظت الجرح الصغير الذي يتحسسه، واقتربت منه بتلقائية شديدة لتمد يدها متحسسة ذلك الجرح برفق وهي تقول مندهشة:
-ايه دا وريني كدا.
ثم همست بالقرب من وجهه بصوتها المغوي – بالفطرة- بكلمات تلحنت على انغام الذنب:
-دا بسببي صح؟
أحس يونس بلمستها ونغمة صوتها الساحرة بهذا القرب منه، وكأن كهرباء أصابت جسده وومضت داخله حاملة في طياتها مشاعر غريبة افتقدها منذ زمن، واستنكرها كل إنش به!
أبعد يدها عنه برفق ملتزمًا بغطاء الصمت والتماسك وكأن شيء لم يحدث..
فابتعدت هي بحرج مغمغمة:
– انا اسفة.
لا يدري هل تعتذر على تطاولها عليه باللمس ام على الجرح؟! ولكنه اختصر اجابته مرددًا:
-مفيش مشكلة.
رفعت حاجبيها معًا في استهجان عفوي:
-بالبساطة دي؟
رمقها بنظرة رجولية مطولة بطيئة جعلت احشائها تتقلص ترقبًا، ثم اقترب منها خطوتان فعادت مثلهما للخلف، وأردف بخشونة رائقة:
-عندك حق مينفعش اعدي الموضوع بالبساطة دي.
ثم أشار لرقبتها بيده عن بُعد، وأضاف بنفس النبرة بينما أنظاره مسلطة على رقبتها المرمرية البيضاء:
-مثلًا المفروض اكتفك واعملك خربوش زيه في رقبتك صح؟
ولا يدري لِمَ تخيل ملامسة أصابعه الخشنة لنعومة رقبتها؟! تُرى هل ستكون بنفس سحر وتأثير صوتها المغوي!
نفض تلك الافكار عن رأسه مسرعًا ناهرًا ما توصل إليه تفكيره، ثم انتبه لها وهي تضع يدها على رقبتها قائلة بقلق:
-لا لا انت اكيد مش هتعمل كدا صح؟
لم يعطها رد مقررًا التلاعب بها قليلًا كما تتلاعب بإحساسه – كرجل- دون شعور منها حتى، فـ ازداد انبلاج الخوف في عينيها وهي تكرر منتطرة تأكيده:
-صح يا يونس؟
قال ببساطة ساخرًا:
-ماتخافيش اوي كدا.
فابتسمت بارتياح وهي تُثني عليه بمرح كأنه طفل في السابعة من عمره:
-انا كنت عارفة برضو انك محامي شطور عنده ضمير ولا يمكن ترتكب الجريمة دي.
ابتسم بجانب فمه دون أن يستطع المحافظة على ثبات عبوسه هذه المرة، ثم سألها شاردًا فيما شغل عقله عنها:
-هو أنتي بتتعاملي مع أي حد بتلقائية كدا؟
لم تدرك هل يقصد أنه شيء لطيف كونها تستطع التعامل بتلقائية ام انه يسأل من باب الاستنكار، وقفت اجابتها حائرة بين الطريقين لا تدري ايهما تسلك، الى أن ردت بحروف مرتبكة مشتتة ما بين هذا وذاك:
-اه… آآ أقصد لا، يعني اه، بتسأل ليه؟
فأجاب بصدق دون أن يفكر كثيرًا:
-تلقائيتك غريبة نادرًا ما بتكون موجودة في بنت خصوصًا لو مع حد لسه بتتعرف عليه.
هذه المرة خرجت الاجابة من رحم التلقائية التي توالدت بين كلماتها مؤخرًا :
-يمكن عشان أنا اتعودت أتعامل مع…..
ثم قطعت حديثها فجأة وهي تدرك أنها كادت ببساطة تُفصح عما لا يجب عليها الافصاح عنه ابدًا!!
ما الذي دهاها لينبطح لسانها مستسلمًا امام تلقائيتها؟ هي التي كانت تحسب كل حرف يخرج منها؟!
عادت لتضيف مستدركة امام عينيه المترصدتين:
-اتعودت اتعامل مع الناس بتلقائية.
-غزل.
ردد اسمها بعمق متنهدًا.. فهمست :
-نعم؟
سألها بذات اللهجة العميقة بينما عيناه الكحيلتين تحاول سبر اغوارها:
-هو انتي مخبية حاجة مش عايزة حد يعرفها؟
حينما شعرت الانثى -الداهية- داخلها بالخطر، اشهرت على الفور اسلحتها المتمثلة في ذكائها وهدوئها بالتزامن مع اجاباتها الناعمة المقنعة:
-انا؟ لا طبعًا عادي مفيش حاجة معينة، يمكن متهيألك كدا بس عشان احنا لسه مانعرفش بعض كويس.
هز يونس رأسه مرددًا بحيرة:
-ممكن.
فجأة اقتحم الرواق قاطعًا وصلة حديثهم مجيء تلك السيدة التي لا زالت غزل لا تعرف مكانتها، قائلة بصوت مقتضب:
-تليفونك بيرن يا يونس.
رمقها يونس بنظرة لم تستطع غزل فك شفراتها، ثم تحرك مغادرًا نحو غرفته، كادت غزل تغادر هي الاخرى لولا أن اوقفها صوت الاخرى وهي تستطرد بشيء من الضيق المبطن بينما تتفحصها:
-انتي بقى غزل مش كدا؟
رفعت غزل احد حاجبيها مستنكرة:
-انتي تعرفيني؟
فأكدت الاخرى وهي تهز كتفيها معًا كأنه شيء بديهي:
-اه طبعًا، يونس قالي عنك.
فابتسمت غزل بسماجة متابعة:
-لا والله؟ بس للأسف ماقاليش عنك عشان أتشرف بحضرتك.
بادلتها الاخرى ابتسامة اكثر برودة وسماجة رامية بكلماتها الحارقة في وجه غزل الذي بدا كالالغام:
-اصله مش بيحب يتكلم عن حياته الخاصة.
ولكن غزل لم تدعها تنل منها في حرب خفية لا تدري لماذا تقحمها بها، اذ قالت بجفاف:
-وماله، الظاهر إنك تعرفيه كويس.
أكدت الاخرى بثقة وكأنها تريد ايصال رسالة معينة لها:
-طبعًا، احنا عِشرة، وانا مش اي حد، انا حد مهم في حياة يزيد ويونس.
فكان التفجير الهادئ من نصيب غزل تلك المرة حين استرسلت ببرود يسانده اللامبالاة في حربه :
-انا ماسألتكيش انتي مين، وبصراحة مش مهتمة اعرف، كدا كدا احنا معرفتنا لبعض مؤقتة.
هزت رأسها وهي تخبرها بما يبدو أنها تتمناه:
-عندك حق، انتي اكيد هترجعي بيتك.
قررت غزل انهاء ذلك النزال الذي ترى أنه لا داعي له على الاطلاق، مغمغة:
-اكيد، عن اذنك.
ثم غادرت متجهة نحو الغرفة التي كانت تقيم بها، بينما الاخرى تكاد تحرقها حرقًا بنظراتها، فـ هي لم يُخفى عنها ما حدث بينها وبين يونس منذ قليل، ولا تعجبها تلقائيتها الجريئة على الاطلاق!
وما يثير غضبها وذهولها؛ أن يونس لم يوبخ غزل، فقط اكتفى بأن ابعد يدها، وهي متأكدة انها لو كانت اخرى محل تلك الغزل المائعة، لكانت تلقت بكل صرامة توبيخًا حارًا !!
****
كان موسى يسير في الشارع هائمًا، وهو يفكر في غم أنه فشل مرة اخرى في الوصول لطرف الخيط الذي ينشده!
تحديدًا بعد أن واصل طرق باب منزل الشخص الذي يريد ولكن لم يأته رد فأدرك أن لا احد بالداخل للأسف..
قطع شروده صوت رنين هاتفه الذي يعلو فأخرجه مجيبًا بهدوء يعاكس ضجيج روحه وعقله:
– ازيك يا سامي.
اتاه الصوت على الطرف الاخر معاتبًا:
-سامي ايه بقى يا عم موسى هو انت بقيت فاكر سامي؟!
اكد بمحبة صادقة:
-اكيد طبعًا مش للدرجة دي.
اخبره بلوم متواصل:
-لا انت من ساعة ما رجعت مصر وانت خلاص نسيتنا خالص.
ولم يتأخر موسى في محاولة استرضاؤه:
-لا ماقدرش انساك طبعًا يا سامي انت صاحبي قبل ما تكون زميلي في الشغل.
اردف سامي ساخرًا :
-الشغل، تقصد الشغل اللي انت نسيته انت تقريبا؟!
تنهد بقوة مواصلًا بلهجة ثقيلة مكتومة بالضيق والغضب المستتران:
– غصب عني يا سامي انا من ساعة ما رجعت وانا في دوامة مابتنتهيش.
-ماشي هسامحك المرادي، المهم انا اتصلت عشان حاجة مهمة، مستر فادي عايز فايل المشروع اللي انت شغال عليه النهارده.
عقد ما بين حاجبيه حانقًا:
-النهارده؟ هو صعب بس هحاول حاضر.
فأتاه صوت الاخر يحثه بإلحاح:
-لا صعب ايه الله يباركلك انجز لأحسن دا فاضله تكة ويرفدك، مش كفاية انه مشغل باشمهندس معاه اونلاين.
رد على مضض:
-حاضر يا فادي حاضر ماتقلقش.
-ماشي يلا هسيبك انا بقى تشوف اللي وراك، سلام.
-مع السلامة.
ما أن اغلق موسى الهاتف ونظر امامه حتى وجد ضالته المتمثلة في شاب في منتصف العمر تقريبًا، يسير حاملًا بعض الاشياء التي يبدو انه اشتراها للتو..
تحرك موسى نحوه بلهفة على الفور، حتى اصبح امامه قائلًا:
-انت مصطفى صح؟
تفحصه الشاب بقلق وهو يسأله:
-ايوه، انت مين وتعرفني منين؟
قرر موسى ألا يراوغ فـ هتف بصوت أجش:
-انا عايز اتكلم معاك بخصوص شغلك مع دكتور عابد الدناري.
تلون وجهه بعدة ألوان افصحت عن توتره وهو يغمغم بانقباض:
-انا سيبت الشغل ومعرفش اي حاجة.
كاد يتحرك مغادرًا فأوقفه موسى قابضًا على كتفه بعنف وهو يقول بنبرة مُظلمة تخفي خلفها جيوشًا من الاجرام تود الانقضاض عليه:
-بس أنا ماقولتلكش عايز اتكلم معاك بخصوص إيه.
ما هي إلا بضع ثواني حتى ركض الشاب بقوة هاربًا، فركض موسى خلفه عازمًا ألا يُفلته ابدًا..
اخيرًا امسك به بعد وصلة ليست قصيرة من الركض، ولم يتردد في أن يلكمه بعنف مزمجرًا في وجهه بشراسة:
-انت هتعرفني كل حاجة، سامع؟ كل حاجة.
كاد الشاب يبكي بخوف مضيفًا:
-انا ماعرفش حاجة صدقني.
صرخ فيه بعنف وهو يضغط على رقبته بذراعه:
-كداب، انت كنت شغال مع الكلب اللي اسمه عابد، اللي اختفى بعد انتحار اختي، فاكرها؟
ثم انهمر الغل والغضب الهائج من حروفه مواصلًا:
-اختي زينة اللي أمنت له وفكرت أنه هيعالجها نفسيًا ويكون سند لها وهو هرب اول ما الكلاب اللي اتسببوا في اللي وصلتله هددوه صح؟
همس الشاب مختنقًا بفعل قبضته:
-سيبني، صدقني انا ماعرفش حاجة عن اختك دي.
ولكن الاخر كان كالوحش الثائر لم يرحمه وظل يهدر بجنون مهتاج:
-امال جريت ليه اول ما سألتك؟ هاا.. رد يا كلب؟ انا هعرف اختي كان مالها ومين أذاها وازاي، هعرف كل حاجة ومش هارحمهم ولا هارحمك لو ماقولتليش كل حاجة.
هز رأسه نافيًا يردد بخوف:
-ماقدرش اقولك حاجة هيقتلوني، دول ناس مش سهلة.
استمر زئير موسى في وجهه مهددًا:
-أنا اللي هقتلك لو ماقولتليش حالًا كل حاجة، سامعني؟
ثم فجأة دون مقدمات سمع موسى صوت طلق ناري أصاب كتف ذلك الشاب، وقبل أن يستوعب ما حدث كانت الطلقة التالية تُصوب نحوه………
****
يتبع.
الثالث من هنا
