روايات رومانسية
رواية عيون الريان الفصل السابع والعشرين 27 بقلم نيللي العطار
رواية عيون الريان الفصل السابع والعشرين 27 بقلم نيللي العطار
ﻓﻜﺄﻧﻪ ﺑﺎﻟﺤﺴﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﻳﻮﺳﻒ
ﻭﻛﺄﻧﻨﻲ ﺑﺎﻟﺤﺰﻥ ﻣﺜﻞ ﺃﺑﻴﻪ
+
ﻳﺎ ﻣﺤﺮﻗﺎ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ﻭﺟﻪ ﻣﺤﺒﻪ
ﻣﻬﻼً ﻓﺈﻥ ﻣﺪﺍﻣﻌﻲ ﺗﻄﻔﻴﻪ
+
ﺃﺣﺮﻕ ﺑﻬﺎ ﺟﺴﺪﻱ ﻭﻛﻞ ﺟﻮﺍﺭﺣﻲ
ﻭﺍﺣﺮﺹ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻲ ﻓﺈﻧﻚ ﻓﻴﻪ
+
ﺇﻥ ﺃﻧﻜﺮ ﺍﻟﻌﺸﺎﻕ ﻓﻴﻚ ﺻﺒﺎﺑﺘﻲ
ﻓﺄﻧﺎ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻭﺍﺑﻦ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻭﺃﺧﻴﻪ
+
—ابن الفارض—
+
***************
+
السويس أو كما يلقبونها “بلد الغريب” ، أم البواسل، الحانية ، ورمز الصمود وشرف أراضينا وعزتها .. وفي حي الأربعين العتيق يقف منزل الراحل ” عبدالرحمن السويسي” ذو السيرة العطرة بشموخ مثل صاحبه رحمه الله ، ينتظر عودة صغيرته الغالية .. ريم مُدللة أبيها التي قذفتها رياح عاتية بعيداً عن مسقط رأسها ، هاهي عادت كالشمس الغائبة تحت مظلة شقيقها ليبني لها بيتاً من خشب الصندل المقدس في عمق قلبه.. خطت بقدميها أولى خطواتها نحو الداخل يدها بيده.. حلّت المليحة فأنارت الأركان ، وفتحت النوافذ ، ودَرَست القمح بنورج ابتسامتها في بَيدر البيت ليأكل الحمام وتشرب العصافير .. اشتبك فرعها الأخضر مع جذوره من الدَرَج إلى غرفتها ، والتف حول أغصان شجرة عائلتها بحنين ، بينما كان يقف يوسف مستنداً بكتفه على حافة الباب يراقب ردود أفعالها ، يتأمل بقايا الراحلين فيها باشتياق ، يعطيها مساحة من حرير لتفقد المكان وبعد وقت ليس بقليل اقترب منها ثم أمسك كفها متسائلاً بنبرته العذبة (حاسة بإيه؟)
+
أجابته مبتسمة بصدق (دفا غريب كأن البيت بيطبطب عليا وواخدني في حضنه)
+
ضمها يوسف إليه قائلاً (كان مستنيكِ تنوريه تاني، وترجعي له الحياة بعد ما الغاليين راحوا)
+
أسندت رأسها على صدره قائلة بامتنان (انت عملت اللي مفيش حد في الدنيا ممكن يعمله عشاني)
+
مسد يوسف خصلاتها الناعمة قائلاً (أنا ماليش غيرك يامريم ، انتِ كل أهلي)
+
شبت على أطراف أصابعها تقبل وجنته قائلة بمحبة خالصة (ربنا يخليك ليا يا أحسن أخ فالدنيا)
+
أبعدها عنه قليلاً يرد قبلتها بأخرى فوق جبينها قائلاً بسعادة (ويحميكِ من العين ، ومايحرمني منك تاني أبداً يا قلب أخوكِ) .. طرقات مُهذبة استرعت انتباههما يتبعها صوت أميرة الهادئ تقول باستحياء لمقاطعتهما (حسام بره يا يوسف، عايز يسلم عليك)
+
رد عليها مبتسماً أجمل ابتسامة قد يراها إنسان (حاضر ياحبيبتي) .. أخفضت بصرها بخجل من دعوته الصريحة لها بحبيبته ، ثم خرجت بصمت مُتداعي كي لا تترك ريهام بمفردها مع الطبيب حسام، زميلهما الثالث الذي قام بأعمال العيادة في غيابهما على أكمل وجه وفرح كثيراً برجوعهما سالمين، غانمين بإيجاد شقيقة صديقه المفقودة
+
-(حمدالله عالسلامة يادكتور ، نورت بيتك) .. قالها حسام وهو يحتضنه بشوق حقيقي فشدد يوسف عناقه قائلاً بترحيب (ده نورك ياغالي ، ليك وحشة والله) .. ثم جلسوا جميعاً في صالة الاستقبال الواسعة.. مريم بجوار ريهام الصامتة منذ وصولها ، ويوسف وحسام على كرسيين مقابلين للأريكة الكبيرة، وأميرة تحضر مشروباً للضيافة قاصدة إلهاء نفسها، تتهرّب من حصار مشاعرها ونظراته..
+
-(مين فيهم ريم؟) .. همس بها حسام متسائلاً بخفوت فأجابه يوسف (اللي لابسة اسود)
+
نظر له قائلاً باسترابة ( انت عيان يا يوسف؟!، ما الاتنين لابسين اسود)
+
ضحك يوسف بصوت خفيض وقال (أم شعر طويل تبقى ريم ، وخلي بالك إسمها دلوقتي مريم)
+
تأمل حسام جلستها الهادئة وبخبرته كطبيب سأله بمفاجأة (هي كفيفة؟)
+
تنهد يوسف بألم قائلاً (للأسف حصلت لها حادثة وهي صغيرة ضيعت نظرها)
+
ربت حسام على كتفه قائلاً بمواساة (ربنا يشفيها بإذن الله) .. ثم وجه حديثه لمريم (السويس نورت يا آنسة مريم)
+
ردت مريم برقتها المُعتادة (الله يخليك ، منورة بوجودك)
+
قاطعتهم أميرة وهي تضع صينية المشروبات فوق الطاولة تسأل حسام (أخبار العيادة إيه يادكتور؟)
+
تناول حسام كوب العصير قائلاً بمزاح (والله العيادة تمام وزي الفل، ومستنية حضراتكم عشان تشوفوا شغلكم)
+
قال يوسف ضاحكاً (ماتقلقش ، يومين بالكتير و ارجع أقرفك تاني) .. بينما تسائلت مريم بفضول (انت دكتور في إيه يا يوسف؟)
+
تحدث يوسف بلهجة جادة (مخ وأعصاب) .. وٱضاف وهو يطالع أميرته بفخر (وأميرة دكتورة عظام شاطرة جداً) ..
+
لم يعطه حسام فرصة التكملة قائلاً (وانا دكتور عيون)
+
ابتسمت مريم قائلة (ماشاء الله عليكم ، أكيد كنتم متفوقين في دراستكم)
+
توتر حسام أمام جمالها وبراءة ملامحها قائلاً في محاولة لإطالة الحديث معها (وانتِ درستي إيه؟)
+
أرجعت مريم شعرها خلف أذنها تجيبه بتهذيب (أنا اتخرجت من المعهد العالي للموسيقى)
+
قالت أميرة بحماس (والله برافو عليكِ، وعلى كده بقى صوتك حلو؟) .. أومأت مريم إيجاباً دون حديث
+
-(ماما ليلى صوتها كان جميل أوي ، أكيد انتِ ورثتيه منها) .. قالها يوسف ناظراً إليها بحنان فدعت لوالدتها بحزن (الله يرحمها) .. لاحظت سكون ريهام وعدم مشاركتها الكلام معهم فأدركت أنها تشعر بالغربة بينهم .. نهضت تستند على كفها ، تحثها على اتباعها لتعفيها من ذلك الاجتماع الذي يضايقها قائلة (عن إذنكم، هاندخل أوضتنا نرتاح شوية) .. وبخطوات مهمومة وملامح يعتليها الألم اصطحبتها نحو الغرفة ، جلستا معاً على أريكة مقابلة للفراش ممسكتان بكفي بعضهما البعض والمبادرة بالحديث كانت لريهام مطرقة برأسها لأسفل (ماكانش له لازمة أسافر معاكم)
+
عاتبتها مريم بحنو بالغ (عايزة تسيبيني لوحدي؟ . ده انتِ نصي التاني وعيني اللي بشوف بيها)
+
تحدثت ريهام بصوت مبحوح (مش حابة أكون تقيلة عليكم يامريم، أخوكِ ذنبه إيه يتحمل وجودي و.. )
+
قاطعتها مريم باكية (أنا لو ظهر ليا مليون أخ عمرهم ماهايكونوا في غلاوتك ، والله ما اقدر اعيش في دنيا صوتك مش فيها، ومفيش حاجة تكسرني وتقطم ضهري بجد إلا انتِ ياريهام)
+
احتضنتها ريهام قائلة بحب (ربنا مايحرمني منك أبداً ، أنا ماليش حبايب ولا اخوات ولا عيلة غيرك) .. ابتعدت عنها برفق تحيط كتفها بذراعها ثم أضافت (كنت عايزة أتكلم معاكِ في موضوع تاني)
+
-(خير ياحبيبتي)
+
-(ريان)
+
-(بلاش تفتحي السيرة دي عشان خاطري)
+
-(اسمعيني، وبعد كده القرار قرارك) .. صمتت لثواني تقاوم غصة تخنقها مستكملة (صباح الله يرحمها قالتلي إنه جه قدام الدار واتخانق مع الحارس عشان يشوفك ، وماما وسيلة بهدلته ومشيته بصعوبة، تفتكري لو كلام البت دي صح كان هاييجي يواجهك؟)
+
سألتها مريم وطعم مُرّ كالعلقم يعبأ حلقها (قصدك إنه مظلوم؟)
+
أجابتها ريهام بإشفاق شديد على ريان خاصةً أنها شاهدته منهاراً في مقاطع من صلاة الجنازة والعزاء التي تم بثها عبر الفضائيات ومواقع التواصل الإجتماعي (آه يامريم مظلوم ، وصعبان عليا تبعدي عنه وهو مفكرك بعد الشر موتّي ، وواقف ياخد عزاكي)
+
افترّت شفتيها بشبح ابتسامة تقطُر وجعاً قائلة (ولو ماطلعش مظلوم؟ ، أفتح على روحي طاقة جهنم تاني؟ ، واعيش على احتمالات وأوهام آخرتها جرح مش هاخف منه العمر كله؟) .. بذلت تنهيدة عميقة وأردفت باستسلام (ريان صفحته اتقطعت من حياتي، ادعيلي بس اقدر انساه) .. أنهت كلماتها مطبقة جفنيها على أمطار دموع لم تعد تكفيها مظلة أهدابها .. صوته مازال يتردد صداه داخل قلبها ويعصف بكيانها ، وعطره الحاضر فيها يكبر كما الجرح ، وللأسف شعلة الوجع التي تحرقها بلا رحمة مصدرها هو ، وندبة غائرة ختمها غيابه على جلدها ووشم روحها بإسمه .. ريان .. الروح والقلب … في الخارج تحديداً صالة الاستقبال وبحال مختلف كانت أميرة تهم بالإنصراف بعد مغادرة حسام تقول ليوسف مبتسمة ( أنا هاروح أطمن على ماما ، وبكرة ان شاء الله هاعدي عليك عشان نروح نخلص موضوع شهادة ميلاد مريم الجديدة ورقمها القومي)
+
بادلها يوسف ابتسامتها بأخرى ممتنة ثم أمسك كفها يقبل ظاهره قائلاً (هتوحشيني من دلوقتي) .. أسبلت هُدبيها الجميلين بخجل ولم ترد فاستطرد هو متنهداً بقلة حيلة (شكلي مش هاوحشك)
+
ردت عليه بخفوت رقيق (هاتوحشني والله)
+
اتسعت ابتسامته يرفع وجهها حُلو التقاسيم بسبابته وعينيه تعترف لعينيها بالحب قبل أن ينطقها لسانه قائلاً بولهٍ (بحبك) .. نظرت إليه بتيهٍ ومشاعر مختلطة بين السعادة باعترافه والخوف من أن يكون الأمر مجرد شكر ورد للجميل قائلة (انت مش مُجبر تعمل كده على فكرة…)
+
قاطعها باستغراب (بعمل ايه مش فاهم؟)
+
رفرفت برموشها تكبح غلالة دموع توخز جفنيها قائلة (إنك تشكرني بالطريقة دي)
+
رفع حاجباً مستنكراً يسألها بضيق طفيف (أشكرك؟ ، هو الشكر بقا بالمشاعر يادكتورة؟ ، ايه حركات العيال دي؟) أشاحت بوجهها للجهة المقابلة ولم ترد فأضاف بلهجة جادة .. جادة للغاية ويجب عليها الاقتناع (اعتقد اني ناضج بما فيه الكفاية، وبحبك يعني بحبك، ولو عايز اشكرك فاتأكدي اني مش هاقدر أوفيكِ حقك من الشكر)
+
أعادت أنظارها إليه تقول (أنا خايفة تكون بتنسى بسمة بيا)
+
أمسك مرفقها يسحبها خلفه لتجلس بجواره على الأريكة قائلاً بحزن لم يستطع إخفائه (بسمة الله يرحمها ماتتنسيش يا أميرة، دي بنت عمي قبل ماتكون خطيبتي ، وغصب عني هافضل فاكرها لحد ما اموت، لأنها جزء من عيلتي) .. سكت لثواني يتابع ردود أفعالها وخيبة الأمل المرتسمة على ملامحها ثم أحاط جانب وجهها بكفه يداعب بشرتها بإبهامه مستكملاً بصدق (هي كانت جزء ، لكن انتِ دلوقتي الكل .. آه مقامها غالي مش هانكر، بس انتِ مقامك أغلى وحبك أكبر)
+
صريح وصراحته أعلت قدره ورفعته درجات لا تُعد ولا تُحصى بداخلها ، صراحةً تعبرها وتُفرغها منها ، وتلمس بأصابع مرتجفة سرّ امرأة عاشقة يحتل قلعتها حبه احتلال جندي مهووس بأرض قاومته حتى اندثرت وبعد دقائق من السكون الهادئ تحدثت الأميرة بهيبتها الملكية (وأنا كمان بحبك) ..
+
زفرة ارتياح انفلتت من بين شفتيه وأنوار قلبه الخفية ازدادت تألقاً يسألها بسعادة غامرة (نتجوز؟)
+
أومأت موافقة (نتجوز)
+
وعلى الطرف الموازي وبعد ساعة ونصف استغرقها الطريق من العاصمة إلى العين السخنة وصل كريم بالسيارة أمام الفندق الذي كان يجمع فوج رحلة النادي بناءً على طلب ريان ثم تركه عائداً بعدما أوصاه بألا يغلق هاتفه حتى يستطيع الإطمئنان عليه .. اتجه نحو قسم الاستقبال يدعو الله أن تكون الغرفة التي أقامت بها مريم شاغرة ولحسن حظه أخبره الموظف المسئول عن حجوزات الغرف بأنها لم تُحجَز .. وباستسلام تام أعطاه بطاقته الإئتمانية ليدفع ثمن إقامته الغير مُحددة.. وفي غضون دقائق كان يقف أمام الباب بنظرات شاردة، وبأصابعه المُرتعشة أدار المقبض ليلج إلى الداخل لعلّه يجد بعض من بقايا أنفاسها عالقة بالأركان.. أضاء مصباح الإنارة وخدرٍ مؤلمٍ يزحفُ في روحه ، زحفَ محارب مهزوم بُترت قدميه فأطفأه مجدداً مثلما انطفأت قناديل مدينته واحداً واحداً .. الظلام أفضل لعاشق مثله جفف الفقد ريقه ، مُلتاع هو ويطلبون منه الصبر على كثرة السحب العابرة. ولا أحد يفهم لغة الحزن السخي، ويدوسون فوق فتات قلبه المكلوم بعبارات المواساة الخرقاء ..لم يقرأوا الوجع المكتوب فوق جبهته جيدًا ، ولا يدركون أن الفؤاد الذي أزهر بالقرب لا يذوي إلا بالعزلة والهرب نحو منتهى التيه ولن يُجمَّع شتات الرماد المُبعثر في مهب رياح الاشتياق .. فتح الشرفة يطالع البحر والهواء يضرب صفحة وجهه ، ويحصد شوك الوحشة النابت بين ملامحه بأنامل نازفة .. صدى صوتها يتردد في آذانه مُختلطاً بتلاطم الأمواج ، قالت أنها خائفة وخوفها تحقق ، وسرقتها الأيام وفرّقتهما.. والآن هو الخائف .. الغارق .. المسروق .. شهقة بكاء غادرة حررها صدره المُحتبس بالأنفاس المحروقة.. فرفع كفه يتحسس عنقه وموضع نبضه ثم فك أزرار قميصه ليخلعه وألقاه أرضاً .. وانسحب نحو الفراش مُستلقياً على جانبه ، فغلبه النعاس خلال لحظات ومفعول المُهدئ الذي حقنه به الطبيب بدء يسري في وريده
+
*****************
+
في السويس وبعد مرور شهرين وبضعة أيام من الشهر الثالث /
+
هذا الصباح ومنذ قرابة الشهرين وأكثر تشعر مريم بأنها بُعِثت من جديد كعنقاء خُرافية .. فاليوم استلمت أوراقها الثبوتية ، وشهادة ميلادها الحقيقية بإسم “مريم عبدالرحمن السويسي” وجميع الوثائق التي تؤكد نسبها لوالديها وأخيها الآن بين يديها ، كما تم إستخراج إعلام الوراثة وأُثبِتت حقوقها بالمستندات والعقود .. وبينما كانت تجلس ريهام بمفردها في الغرفة بملامح متجهمة ، رافضة تصرف صديقتها الذي ضايقها كثيراً ، دخلت عليها مريم تتحسس الأثاث بكفيها حتى وصلت نحو مكان جلوسها على الأريكة المقابلة للفراش ثم جلست بجوارها ممسكة بيدها متسائلة (ممكن أعرف انتِ زعلانة ليه دلوقتي؟)
+
أجابتها ريهام مطأطأة رأسها بضيق (مش عايزة آخد حق مش حقي، الفلوس دي بتاعتك يامريم)
+
تحدثت مريم بابتسامة حانية (حقي وحقك ايه؟ ، انا وانتِ واحد ياهبلة)
+
عقدت ريهام حاجبيها قائلة بغير رضا (مش لدرجة إنك تكتبي نص ورثك بإسمي…)
+
قاطعتها مريم محاولة إقناعها بهدوء (احنا طول عمرنا بنقسم المرة قبل الحلوة مع بعض، وبعدين انا عملت كده عشان ماتحسيش إنك ضيفة فالبيت ده ،ويبقى ليكِ هنا زي ما ليا بالظبط)
+
نظرت إليها ريهام قائلة بتأنيب ضمير (بس كده كتير عليا)
+
مالت مريم لتستند على كتفها قائلة بمحبة كبيرة (مفيش حاجة تكتر عليكِ أبداً ، لو طلبتِ عمري كله مايغلاش والله ياريهام)
+
أحاطتها ريهام بذراعيها تحتضنها قائلة (ربنا مايحرمني منك ، ويسعد قلبك يارب)
+
أطبقت مريم جفنيها تقول بتعب (قلبي؟ ، هو فين قلبي ده ؟ ، انا مابقيتش حاسة بيه من كتر الوجع)
+
ردت عليها ريهام بقلة حيلة (قلبك فالقاهرة حاطة عليه حجر ، ومش راضية تديله فرصة تانية يمكن يطلع مظلوم)
+
ابتعدت مريم عنها برفق تشبك أصابعها ببعضهما قائلة بحزن (طاقتي خلصت ولو ماطلعش مظلوم هاموت بجد المرة دي) .. سكتت لثواني تقاوم رغبة قوية بالبكاء تعتريها ثم قالت بصوت مهزوز (ربنا يصبرني على بعده والأيام تداوي اللي عمله فيا) .. قاطع حديثهما صوت طرقات خافتة على باب الغرفة يتبعه دخول جميل ليوسف مثل طلته الثرية بالبهاء يسألهما مبتسماً (القمرين قاعدين لوحدهم ليه؟)
+
أجابته مريم بتعبير حُلو (ريهام ياسيدي كانت زعلانة من موضوع الورث)
+
جلس يوسف قبالتهما موجهاً حديثه لريهام بلهجة مُعاتبة (هو فيه الكلام ده بين الأخوات ياريهام؟)
+
نظرت إليه ريهام قائلة بحرج (مش قصدي والله بس …)
+
لم يدعها تستكمل كلامها قائلاً بحنانه المعتاد (مفيش مجال للنقاش فالموضوع ، وعيب نتكلم فيه أصلاً، انتِ مننا وليكِ في كل حاجة زينا وأكتر ،إلا إذا كنتِ بتعتبري نفسك غريبة)
+
تحدثت مريم بصدق ومعزة بالغة (غريبة؟ ، ريهام ليها فيا أكتر من نفسي ، ومن أي حاجة فالدنيا)
+
مط يوسف شفتيه بضيق طفولي مصطنع يقول لريهام (سامعة؟ ، عشان تصدقيني لما اقولك انها بتحبك أكتر مني)
+
ضحكت مريم على طريقته اللطيفة، بينما قالت ريهام بحبور (انا ربنا عوضني بيكم عن أهلي ، وكفاية عندي وجودي وسطكم)
+
مازحها يوسف بلُطف (يبقى نبطل عبط شوية ، وتقوموا انتم الاتنين تجهزوا نفسكم بسرعة عشان اتأخرنا)
+
فغرت مريم فاهها عندما تذكرت أن اليوم عقد قرانه على أميرة قائلة (ياخبر الناس هاتقول علينا ايه دلوقتي؟)
+
نهض يوسف قائلاً بنفاذ صبر طفيف ممزوج بالمرح (انجزوا بالله عليكم، أميرة بتتصل كل خمس دقايق وموتراني) .. وقبل أن ينصرف أضاف (اعملي حسابك يامريم، بكره هانروح بيت عمنا سالم الله يرحمه ، البيت اللي عايشة فيه سمية)
+
ارتبكت مريم كثيراً قائلة برجاء (بلاش عشان خاطري)
+
صك يوسف أسنانه قائلاً بإصرار (أنا مش هاسيب حقك ، وهابلغ عنها في قضية التزوير)
+
قالت مريم بتعاطف (حرام يايوسف، دي برضه خالتك ومايصحش تقف قصادها)
+
اتسعت حدقتيه قائلاً بدهشة مما تقول (مش معقول تكوني عايزة تسامحيها بعد اللي عملته فيكِ؟)
+
قامت من مكانها تمد ذراعها فالهواء بعشوائية فأمسك مرفقها ثم قالت (الست خدت جزائها واتحرمت من بنتها ، وعفا الله عما سلف، إكراماً لبسمة ولمامتك ولعمنا الله يرحمهم)
+
احتواها يوسف بين أحضانه يقبل رأسها قائلاً (كريمة وبنت كُرَما يامريم ، وطيبتك دي ماتنفعش مع كل الناس) .. وكأن الزمن عاد بها إلى الوراء ليُسمعها نفس كلمات ريان على لسان أخيها .. أدمعت مقلتيها رغماً عنها تلوح لشبح الذكرى في خيالها بكفين مرتعشين، وتودع حب العمر وداعاً لا رجعة فيه وابتعدت عنه برفق تقول (أنا عايزة أزور مكان تاني)
+
سألها باستفهام (فين؟)
+
جاوبته بتنهيدة خفيضة (قبر بابا وماما)
+
مسد خصلاتها براحته الطيبة قائلاً (بكره بإذن الله هاخدك ونروح نزورهم) .. قاطعهما رنين هاتفه فتفحصه ليجد الشاشة تضئ بإسم حسام ثم قال باستعجال (حسام وصل ومستنينا تحت بعربيته)
+
أحست مريم ببعض الانزعاج لذكر صديق شقيقها المُقرب متسائلة بضيق أخفته بشق الأنفس (هو هايوصلنا؟)
+
تحرك يوسف باتجاه الباب مستعداً للخروج كي يكمل تجهيزاته سريعاً يقول باعتيادية (آه وعازمنا كلنا عالعشا بالليل) .. أنهى كلماته بإيجاز تام وانصرف كلياً تاركاً إياها تتأرجح بين فرحتها بعقد قرانه ومشاعرها المستاءة من وجود حسام ، هو شخصية محترمة ، ولبقة، وريهام تقول لها أنه وسيم وأنيق ويليق به لقب (دكتور) كثيراً لكنها تنزعج منه ومن معاملته الودودة معها بشكل زائد عن الحد .. وحدسها دوماً لا يخطئ فالطبيب الوسيم مُعجب بها منذ رآها أول مرة وهذا شئ لو تعلمه .. عظيم .. عظيم جداً ..
+
******************
+
أصدق مقولة قد تصف حالة الإنهيار التي وصل إليها هي ؛ (الألم إن فاض أغرق ، ولا عاصم لكم من طوفانه) .. وهناك حيث مازال ريان وحده ، يكابد حتى يرصف مسافات الوجع بينه وبين العالم ، واقفاً في شرفات التيه يزرع بذرة حزنه الفريد .. لا يدري كيف خانته الأيام ومرّت ليكتمل شهرين كاملين وأكثر على الصفعة التي تلقاها وأوقدت شعلة قلبه ولوّنته بالنار .. ستون يوماً لم يُحسبوا من عمره وكأن مدار الزمن انحرف خارج حواف الدنيا .. ستون يوماً لم يرى فيهم نور الشمس ، ولم يأكل إلا مخافة الله بأن يفقد حياته ويُكتب له انتحاراً بالتحايل على القدر .. ستون يوماً يقتات المُهدئات ليلاً نهارًا، ويشد خصر روحه الهائجة بزنّار ضيق كي تنحني للصمت ولا تشرك بقيامة حنينه الأسود أحدا .. وأثناء نومته المُرهقة بأعين تحدق في الفراغ بلا هدف رنّ الهاتف الخاص بالغرفة ليبلغه موظف الاستقبال بوجود شخص يسأل عنه ويريد لقائه فوراً .. فطلب منه أن يرشده أحد العاملين بالفندق لغرفته رافضاً مقابلته بالأسفل.. ولحظات وكان الباب يُطرق برتابة.. نهض بتثاقل يشعر بساقيه أصبحتا مصنوعتان من هُلام ليفتح لكنه تفاجئ بالزائر قائلاً بتعجب (بابا!)
+
طالع سعد هيئته الغير مُرتبة بذهول شديد، بدءً من استطالة شعره أكثر من المعتاد حتى غطى عنقه كاملاً ولامس أطراف كتفيه ، مروراً بلحيته النامية بشكل فوضوي وملامحه الشاحبة ، منتهياً بجسده الذي صار نحيفاً وأقرب للهُزال ، وبلهجة مُعاتبة تحدث عندما استمر الصمت بينهما لدقائق (انا ما وحشتكش ولا إيه؟)
+
أجبر ريان ملامحه على الابتسام ثم احتضنه قائلاً باعتذار (وحشتني أوي) .. بينما شدد والده عناقه ، يستنشق رائحته التي افتقدها كثيراً يقول بشوق ولهفة (وانت كمان ياحبيبي) .. أبعده عنه برفق يحتوي وجهه الذابل بين كفيه مضيفاً بقلق (انت خاسس كده ليه؟) .. تنهد ريان بارتجاف ولم يرد فأمسك بكفه متجهاً به نحو الداخل وأغلق الباب خلفه ليجلس معه في الشرفة المطلة على البحر حول طاولة صغيرة تتوسط مجموعة من المقاعد الخشبية وبادر بالحديث يقول بلوم طفيف (ينفع اللي بتعمله في نفسك وفينا ياريان؟ ، لولا كريم ماكنتش عرفت مكانك طول الفترة دي؟)
+
أطرق برأسه لأسفل قائلاً بتعب (سامحني يا بابا، أنا آسف)
+
رفع سعد ذقنه بأطراف أنامله ينظر إليه نظرة أب يهفو لرؤية الحياة تدب من جديد في وريد فلذة كبده قائلاً (انت موقف حياتك وبتضيع شبابك)
+
آهة خافتة أفلتت من بين شفتيه يتبعها قولاً محترقاً بنار القهر (مش قادر)
+
أحس سعد بقلبه يتلوى حزناً عليه قائلاً (وتفتكر لو مريم الله يرحمها موجودة كانت هتفرح بمنظرك ده؟) .. غصة كبيرة شقت جوفه ابتلعها ريان بجهد عظيم فتابع أبيه ناصحاً (انت ضعيف ، ومخوخ ، وماعندكش إرادة ، وللأسف مخيب أملي فيك)
+
رد عليه ريان بمقلتين غائمتين (هو انا مش من حقي أحزن زي الناس العادية؟)
+
ربت سعد على كتفه قائلاً (إحزن بس ماتدفنش روحك بالحيا) .. أرجع ظهره للخلف يتأمل أمواج البحر مستطرداً بقلة حيلة (للأسف كنت مفكرك أقوى من كده ، وهاموت وأنا قلقان عليك)
+
ابتلع ريان ريقه الجاف قائلاً بخوف (بعد الشر، ربنا يطول في عمرك)
+
أعاد سعد أنظاره إليه قائلاً (هاحتاج طولة العمر فإيه وانا شايفك بتموت قدامي بالبطئ؟)
+
توسل إليه بنبرة مهزوزة (يابابا عشان خاطري….)
+
قاطعه سعد بصرامة (انت مش هاتقعد فالسجن ده لحظة واحدة، وهاترجع القاهرة وتعيش زي البني آدمين) .. سكت لثواني يتابع تعابيره المُستسلمة وأردف محاولاً تشجيعه (كل حاجة محتاجة وجودك ، انا وأمك ،وجدك وجدتك ، والبيت وشغلك ، وصاحبك اللي مالوش غيرك ، ونجاة حبيبتك مابتبطلش سؤال عنك) .. زفر مستطرداً بتحفيز (كلنا مسئوليتك ياريان ، ماتهربش وتسيبنا متكتفين ومش عارفين نشدك من غرقك ده ازاي)
+
وكأنه دس إجباره على الشعور بالذنب داخل قلبه كما خنجر مسموم ، فحرّك رأسه بموافقة واهنة ونهض متجهاً نحو الحمام ليغتسل ويبدل ثيابه استعداداً للعودة معه باستسلام ، وقف أمام المرآة ينظر لصورته المُشوهة وبقايا حياة غير صالحة للعيش مازالت عالقة بأُطُرها المتكسرة، ثم استند بكفيه على الحوض منحنياً ، يبكي بصمت كاتماً صرخة توغر صدره ، وقسم بأغلظ الأيمان يخبرهم أنه ليس بخير ، وأن العزلة لم تكن يوماً غايته لكنه تبعثر مع الريح ويريد استجماع ذاته الضائعة ولم يستطع بعد ..
+
***************
+
استغرق الطريق من العين السخنة إلى القاهرة وقته المُستحق وأخيراً وصل سعد بولده أمام الڤيلا
-(حمدالله عالسلامة ، نورت بيتك).. قالها سعد مبتمساً ليحثه على الترجل والدخول ليستكمل حياته بكل بساطة وكأن شيئاً لم يحدث .. امتثل لرغبته بسكون رهيب وأثناء مروره من الحديقة استقبلته والدته بالأحضان المتلهفة والكلمات المشتاقة تقول (وحشتني أوي ياحبيبي) .. احتوت وجهه بين راحتيها تعاتبه (كده ياريان؟، شهرين بحالهم ، وانت غايب وما اعرفش عنك حاجة؟)
+
شعور بالاختناق من لومهم وعتابهم المتزايد اعتراه فابتعد عنها يقول بمجاملة لايمتلك طاقة زائدة لها (ماتزعليش ياست الكل)
+
تفحصته رويدا بأعين مندهشة ثم سألته (انت خاسس ووشك تعبان كده ليه؟) .. ربتت على كتفه متابعة (اطلع اوضتك ارتاح ، وانا هاقول لنجاة تحضرلك الأكل)
+
رفض بأسلوب مُهذب (خليكِ انتِ ، انا هاقولها بنفسي) .. أنهى حديثه باقتضاب ملحوظ ثم اتجه نحو المطبخ حيث توجد مربيته الغالية والحضن الذي يشتاق لرمي ثقل العالم المحمول فوق عاتقيه عليه، تسلل بخفة ورغبة في ممازحتها تغالبه ثم لف ذراعيه حولها من الخلف كما كان يفعل وهو صغير يقبل وجنتها قائلاً (وحشتيني يانوجا)
+
اختضت نجاة شاهقة بفزع لكنها هدأت عندما انتبهت لوجوده واستدارت تغمره بعناق شديد طال لدقائق متمتمة بلهفة واشتياق كبيرين (يانور عيني، يابني، الحمدلله يارب، الحمدلله)
+
ضمها إليه أكثر يشعر ببعض الراحة قائلاً (حضنك وحشني يانجاة، وحشني أوي)
+
مسحت نجاة على ظهره تسأله بحنوها البالغ (عامل إيه ياروح نجاة)
+
تنهد باستكانة قائلاً (بقيت أحسن لما شوفتك)
+
أبعدته عنها قليلاً تتأمله قائلة بقلق (انت ماكنتش بتاكل ولا ايه؟)
+
ابتسم قائلاً (وهو انا بعرف آكل غير من إيدك؟)
+
أمسكت مرفقه تسحبه نحو طاولة المطبخ قائلة (اقعد ياقلب أمك ، ثواني والأكل يكون جاهز)
+
استوقفها قائلاً بملامح مُجهدة (ماليش نفس دلوقتي، هاطلع أغير هدومي واروح لكريم ، ولما أرجع هاكل)
+
ترجته بنبرة طفولية يحبها (وعد؟)
+
أومأ لها بابتسامة مستسلمة (وعد)
+
************
+
في النادي /
+
بينما كانت تجلس برفقة صديقتها بمكانهما المُعتاد ، تنفث الغيظ الذي يعبأ جوفها من اختفائه المُبالغ فيه مع دخان سيجارتها ، غضبها يتصاعد يوماً بعد يوم لمدة شهرين كاملين لم تعثر له على أثر مما اضطرها لتأجيل جميع مخططاتها للتقرب منه بالطريقة الصحيحة ، وفجأة وبدون مقدمات لمحته يدخل من البوابة ، بمظهر جديد وجذاب، شحوب ملامحه وذبول عينيه لم ينقصا من وسامته مثقال ذرة، جسده المشدود رغم فقدانه للوزن ، وطوله البائن، المهيب حكاية ساحرة تتراقص على فصولها قلوب الفاتنات .. واللحية ، وما أدراك ما اللحية! ، زينة تتناغم مع خصلاته الناعمة ، المسترسلة خلف أذنه كالموسيقى، وتمتزجان كما تمتزجُ قبلةٌ بقبلة.. فغرت چيسي فاهها بانبهار وكأن قلبها سقط أسفل قدميها تقول لدينا (ريان)
+
رمقتها دينا متعجبة تسألها بنفاذ صبر (ماله سي قرد)
+
استمرت چيسي في الحديث بنفس الطريقة (قرد ايه؟، ده قمر، يخرب بيت حلاوة خالتي)
+
أحست دينا باسترابة من منظرها فهزتها قائلة (مالك يابنتي؟، انتِ بتكتشفي حلاوة أمه ليه؟)
+
أشارت لها باتجاهه قائلة بأعين ساهمة (هناك يادينا ، بصي هناك) ..
+
نظرت دينا نحو مكان إشارتها فأدركت سر حالتها الغريبة قائلة بابتسامة خبيثة (أخيراً)
+
سألتها بلهفة (هانعمل ايه دلوقتي؟)
+
نهضت دينا قائلة (هاننفذ طبعاً)
+
أطفأت چيسي سيجارتها المُنتهية بين أصابعها في المنفضة ثم تبعتها قائلة (بسرعة، قبل ما يختفي تاني) .. لملمت أغراضها وتحرّكت أمامها بخطوات أقرب للركض ولو كانت النظرات تحرق لأحرقتها إشعاعات الحقد التي تخرج من محجري صديقتها تصك أسنانها بغل (ما ابقاش دينا السيوفي إن ما وقعتك في شر أعمالك ياعقربة) ….
+
وعلى صعيد آخر كان ريان يمشي وحيداً ، حاملاً حقيبة وجعه العميق فوق ظهره ، يبحث عن صديقه حتى وجده جالساً بمفرده كأغنية حزينة عن الحب الضائع والفراق على إحدى الطاولات الهادئة أمام حمام السباحة -(أنا لازم أقلب الدنيا يعني عشان ألاقيك؟) .. قالها ريان مبتسماً وهو يقف قبالته فانتفض من مكانه يعانقه باشتياق شديد وكأنه غاب عامين قائلاً (وحشتني ياريان)
+
احتضنه ريان بقوة قائلاً (وانت كمان، أنا رجعت عشانك أصلاً)
+
تمالك كريم دموعه بصعوبة قائلاً بنبرة مكتومة يداري بها مشاعره المجروحة (أول مرة فحياتي أحس إني ماليش حد) ..
+
تأثر ريان كثيراً وشعوره بالتقصير نحوه ينهش قلبه قائلاً (حقك عليا والله، أنا جنبك ومش هاسافر تاني)
+
ابتعد عنه كريم قائلاً (اقعد ، نشرب قهوة مع بعض)
+
امتثل ريان لطلبه بترحيب ونادى على النادل ليسجل طلبهما ثم قال متنهداً بمرارة لا تغادر حلقه (أنا تعبان أوي ياكريم ، ومش عارف أكون كويس ، ومطلوب مني أرجع لحياتي الطبيعية) .. سكت هُنيهة يقاوم قبضة تعتصر صدره مضيفاً (حاسس إن دراعي ملوي ورا ضهري ، ومغصوب على حياة مابقيتش قادر أعيشها)
+
واساه كريم بتعاطف (الموت مش نهاية العالم ، كلنا هنموت)
+
تنفس ريان بثقل مؤلم مستفيضاً في شرح معاناته (ومين قالك اني مامُتش؟ ، جزء كبير مني اتدفن معاها، ولو الإنتحار مش حرام كنت روحت لها كُلّي من أول يوم)
+
ربت كريم على كفه يقول بتعقل (وحد الله يا ريان ، مش هايبقى عذاب فالدنيا والآخرة)
+
أطاعه ريان مردداً (لا إله إلا الله ، اللهم لا إعتراض على قضائك) .. صمتاً محترقاً ران عليهما لدقائق قليلة قطعه ريان قائلاً بحرج (أنا آسف، شيلتك همي وانت فيك اللي مكفيك)
+
رد كريم عليه بلوم (انت اهبل؟! ، ما احنا طول عمرنا همنا واحد إيه الجديد؟) .. صمت لبُرهة يستجمع شتات نفسه مُردفاً بأسى (ماعرفتش إني بحبها أوي غير لما ضاعت، استغبيت واستكترت نفسي عليها، وزعلتها مني لحد ما ربنا عاقبني بموتها، وراحت ياحبيبتي في عز شبابها) .. لم يشعر كريم بدموعه فغطى وجهه بكفيه يخفي انهزامه وتابع (لو بس كنت اعرف إن العمر هاييجي قصير كده ، ماكنتش ضايقتها ، وبطلب من ربنا يرحمها ويديني إشارة إنها مسامحاني) … نهض ريان ليجلس على الكرسي بجواره ليحيط كتفه بذراعه قائلاً (ماتحملش نفسك ذنب فوق طاقتك، كفاية وجعك على موتها)
+
تحدث كريم باختناق (غصب عني، مش قادر ابطل تفكير)
+
قال ريان محاولاً إخراجه من حالته (إنت قوي ياكريم ، أقوى مني بكتير ، شد حيلك عشان تشدني معاك)
+
مازحه كريم رغم كآبته (احنا المعنى الحرفي لحطوا العرجة عالمكسورة)
+
ضحك ريان على دعابته قائلاً (اتحسدنا يالا والله، هموت واعرف مين ابن الصفرا اللي نشنا العين القذرة دي)
+
شاركه كريم الضحك ثم سأله (هاتنزل الشغل بكره؟)
+
أومأ ريان إيجاباً وقال له (هانزل يمكن اتلهي ، ودماغي تفصل شوية)
+
-(الوقت هاينسيك)
+
(أنسى؟ ، ده انت أكتر واحد عارف مريم بالنسبة لي إيه)
+
-(ربك يهونها علينا بإذن الله) …
+
وبعد وقت ليس بقليل مرّ عليهما بين فضفضة تحرر روحيهما ولو قليلاً من حزنهما، ومواساة تخفف الحمل عن عاتقيهما، ونصح بالصبر ودعوات بأن يلهمهما الله السلوان، غادرا النادي قرابة منتصف الليل، على اتفاق بالمقابلة صباح اليوم التالي في الشركة لمتابعة الأعمال المُتراكمة منذ سفر ريان.. وأثناء قيادته للسيارة متخذاً طريق عودته للڤيلا وتحديداً عند نقطة معينة ، ومنطقة مقطوعة وشبه خالية من البشر، تفاجئ بسيارة تعترضه بشكل عنيف ، أجبرته على التوقف ضاغطاً المكابح فإرتد جسده بقوة ، وبدون مقدمات ترجل السائق وفتح بابه يهاجمه بغتة ممسكاً بتلابيبه ليلكمه في أنفه بقبضته حتى سالت دماؤه ، حاول ريان الدفاع عن نفسه لكن الرجل كتف ذراعيه خلفه قائلاً بصوت غليظ (طلع اللي في جيوبك يا*** من سكات، بدل ما ادفنك هنا) … جاهد ريان على التخلص من قبضة هذا الحقير دون جدوى ، حتى شعر فجأة بسكونه وصوت شئ يصدر ذبذبات عالية يصل لآذانه بالقرب منه فالتفت بأنفاس متسارعة ليستكشف مايحدث فإذا بفتاة لا يتبين شكلها في الظلام تقف وراء الرجل واضعة الصاعق الكهربائي أسفل مؤخرة رأسه
-(يلا بسرعة قبل ما يفوق).. قالتها بخوف وهي تمسك مرفقه تحثه على التحرك فاستوقفها يدقق النظر في ملامحها فاغراً فاههه ذهول يقول بحدقتين متسعتين من الصدمة (چيسي!)
+
*************
+



