روايات رومانسية
رواية عيون الريان الفصل الخامس 5 بقلم نيللي العطار
رواية عيون الريان الفصل الخامس 5 بقلم نيللي العطار
أعرف هذه الرؤيا وأعرف أنني أمضي إلى مالست أعرف .. ربما مازلت حياً وأؤمن بأني سأجد الطريق يوماً ما إلى ذاتي .. إلى حلمي.. إلى ما أريد
+
(محمود درويش)
+
****************
+
ساد صمت بينهما مشحون بالتفكير وبعد دقائق فرقع كريم بأصبعيه قائلاً بحماس (بس لقيتها)
+
إنتبه إليه ريان يسأله بتحفز (هي إيه دي اللي لقيتها؟ )
+
أجابه كريم مبتسماً بثقة (ركز واسمعني كويس)
+
كتف ريان ذراعيه أمام صدره قائلاً بقلة حيلة (ماشي بس يارب تقول حاجة مفيدة)
+
إستند كريم بمرفقيه على الطاولة متحدثاً بإهتمام (انت هتروح مقر الدار وهتطلب تقابل المسئول على إنك متبرع ، بس مش هاتتبرع بفلوس)
+
رمقه ريان بعدم فهم ثم أجابه ساخراً (أمال هروح اتبرعلهم بكليتي مثلاً؟)
+
ضحك كريم على مزحته (يابني مش انت صاحب شركة عقارات؟)
+
رد ريان بنفاذ صبر (إنجز ياكريم انا مش فاهم حاجة)
+
تحدث كريم بنبرة واثقة (قصدي إنك تشوف لو محتاجين إصلاحات ف المباني ، وبكده هاتقدر تعاين الدار كلها ، ماتفتح مخك معايا بلاش غباوة بقى)
+
رمقه ريان باستنكار مصطنع (شوف يا أخي الزمن خلاني أقعد مع واحد حمار زيك يفكر في حل لمشكلتي)
+
خبط كريم كفيه ببعضهما (والله أنا غلطان عشان بفكر معاك ياجلَّاب المصايب ياخرابة انت)
+
ضحك ريان على طريقته قائلاً (معلش خدني على قد عقلي)
+
رفع كريم حاجبه متحدثاً بنبرة مشجعة (يبقى تصحصح معايا كده وتفكر فاللي قولتلك عليه)
+
أمسك ريان فنجان قهوته يشرب منه ثم قال بهدوء (مش هانكر إنها فكرة كويسة ، بس برضه محتاج سبب مقنع يخليني أقرب من مريم)
+
إرتشف كريم بعضاً من كوب الشاي خاصته قائلاً (حط رجلك الأول ف الدار وإتأكد إنها مقيمة هناك وبعدين يحلها الحلَّال)
+
وضع ريان فنجان القهوة مكانه قائلاً باستهزاء (نسيت أقولك صحيح ، مش چيسي هتقعد معانا)
+
سأله كريم بتعجب (نعم؟! …ليه وازاي؟)
+
أجابه ريان بملامح ممتعضة (وقعت من على سلم الڤيلا عندنا ، والدكتور كتبلها راحة إسبوعين)
+
تحدث كريم بسخرية (وطبعاً مش هاترتاح الا جنب حبيب القلب؟)
+
زفر ريان بضيق (هو فيه فرصة احسن من كده؟)
+
شعر كريم بالشفقة عليه من الأوضاع التي ترهق أعصابه لكنه أخفاها في سره قائلاً بقلق (خد بالك من نفسك)
+
إبتسم ريان قائلاً بنبرة مُتْعَبَة ( ربنا يستر)
+
****************
+
في ڤيلا سعد زين الدين/
+
أنهى ريان مقابلته مع كريم ثم أوصله لمنزله وإنطلق إلى الڤيلا مترقباً لِمَ سيحدث في وجود چيسي.. يشعر بغرابة تجاه الأمر وتتصاعد بداخله الشكوك أنها حيلة مُدَّبرة للتقريب بينهما.. مجرد التفكير في مكوثهما بمكان واحد جعله يختنق فماذا لو أطاع والدته وتزوجها؟.. ولماذا تفرض نفسها عليه وهو لم يعطها أي وعد بالإرتباط من قبل؟.. وكيف يوضح ويشرح عدم إنجذابه لها؟.. بكل بساطة لا يحبها.. هل يوجد مبرر أقوى؟ .. وهل الرفض يحتاج لذلك التعقيد السخيف؟.. يريد الوقوف أمام الجميع ويعلنها بملأ فمه وإرادته (لا أحب ، ولا أنتمي ، ولا أريد).. كلمات سهلة يستطيع طفل في الرابعة من عمره أن يصف بها تلاشي رغبته نحو وجبة طعام أو لعبة يكرهها ، ومن المؤسف أن ينقلب الوضع في حياة شاب بالغ يودون سلب أقل حقوقه.. وأثناء دخوله من الباب الرئيسي للڤيلا تفاجئ بصوت والدته تهتف بحنق (طبعاً هاتطلع أوضتك بسرعة عشان ماتسلمش على بنت خالتك)
+
أجفل ريان بشدة من ظهورها أمامه كالشبح ثم وضع كفه فوق صدره ينظم تنفسه قائلاً (خضتيني ياماما!)
+
رفعت رويدا حاجبها مبتسمة بإستهزاء (ماهو لو أنا عارفة إنك هاتيجي تسلم على چيسي من نفسك ماكنتش إضطريت أمسكك هنا)
+
أجابها ريان مستنكراً (إنتِ ماسكة حرامي؟! ..ده بيتي لو مش واخدة بالك)
+
كتفت رويدا ذراعيها تقول بتعابير مستفزة (إتفضل يابشمهندس يامحترم رحب بالضيوف الموجودين في بيتك)
+
مسح ريان وجهه وخصلاته براحتيه قائلاً بنفاذ صبر (أستغفر الله العظيم).. صمت لثواني يحاول تهدئة أعصابه ثم أردف بقلة حيلة (حاضر ياماما)
+
إستدارت رويدا بصلف شديد والغرور يتقافز حولها بينما هو تبعها نحو الحديقة حيث تجلس چيسي والضيق يعتلي ملامحه .. إقترب منها وصدره يموج من الغضب عندما لاحظ إرتداءها لملابس لاتليق بخروجها من غرفة نومها.. غير مراعية لبقائها بمنزل غريب عنها ولا لوجوده وكأنها متعمدة إغراءه بتلك الأفعال الرخيصة.. إضطر للترحيب بها فهي في كل الأحوال ضيفة .. (ثقيلة وغير مرغوب بها).. لكنها ضيفة وحتماً ستغادر آجلاً أم عاجلاً .. مد يده يصافحها قائلاً بإبتسامة سخيفة (إزيك ياچيسي؟)
+
بادلته چيسي إبتسامته بأخرى مائعة تقول بوهن مصطنع (بحاول أكون كويسة بس رجلي لسه بتوجعني أوي)
+
رد عليها ريان ضاغطاً على إنفعالاته ألا يلكمها في فكها لعدم اقتناعه بتمثيلها (ألف سلامة عليكِ)
+
مطت چيسي شفتيها تقول بغنج مُتَعَمد (ميرسي)
+
قاطعتهما رويدا بحماس ظناً منها بأن خطتها تسير على مايرام (هاخليهم يحضروا الغدا أصل چيسي مستنياك عشان تاكل معاك)
+
كتم ريان زفرة مختنقة حتى لا يصرخ بهما قائلاً بثبات زائف (شكراً .. اتغديت برا مع كريم )
+
رمقته رويدا بغيظ بينما غمزت لها چيسي أن تلتزم الصمت وقالت بحزن إعتقدت أنها نجحت في تمثيله (مفيش مشكلة براحتك يابيبي)
+
\
أشاح ريان بعينيه بعيداً عنهما يقول بضيق يجاهد على إخفائه (أنا تعبان ، ومحتاج أنام ، عن إذنكم) .. وقبل أن ينصرف تفاجئ بچيسي تمسك معصمه بضعف ممزوج بدلعها السخيف (ممكن توصلني أوضتي؟)
+
شعر ريان بإحراج بالغ ولأول مرة يجد نفسه غير قادر على التصرف وإضطر أن يوافقها على مضض مكتفياً بإيماءة صامتة كي لا يصبح قليل الذوق كما تنعته والدته حينما ينسحب في مثل هذه المواقف .. وبعد ثواني إستغرقها بالتفكير مد كفه نحوها لتستند عليه وما أن إستقامت واقفة حتى تظاهرت بالتعب الشديد ورغماً عنه أحاط خصرها كرد فعل طبيعي ليساعدها على المشي..سارت معه بضع خطوات متعمدة الإلتصاق به ولم تكتفي بهذا القدر من التمثيل تقول بإستعطاف (بليز ياريان شيلني مش قادرة أمشي)
+
إندهش ريان من طلبها الغريب ثم سألها بتعجب ليتأكد مما وصل إلى مسامعه (أشيلك إزاي؟)
+
إصطنعت چيسي البكاء قائلة (رجلي بتوجعني أوي)
+
ظل ريان يحدق فيها كالصنم ولسانه معقود عن الكلام..يخيم على عقله سحابة سوداء من التشتت والشرود المصحوب بغباء ليس من صفاته حتى أفاق على ذراعيها يطوقان رقبته هامسة بنبرة ضعيفة تعمدت إصباغها بالإغراء ( مش عارفة أدوس عليها خالص)..
+
إبتلع ريان ريقه بصعوبة ولم يجد مفر سوى تنفيذ طلبها حتى يتخلص من إقترابها المزعج وإنحنى بجسده قليلاً يضع ذراعاً حول خصرها والأخرى أسفل ركبتيها ثم حملها بخفة وداخله يشتعل ناراً ولو كان الأمر بيده لألقاها خارج الڤيلا تماماً أما هي فإستندت برأسها على صدره متمادية في تمثيليتها الحقيرة وبالطبع لم تغفل عن عيني خالتها التي تراقب مايحدث والسعادة تغمرها معتقدة أن چيسي تسلك درباً أصح وأقصر من الذي رسمته .. وبعد لحظات وصل بها ريان أمام باب غرفتها .. أدار المقبض بشق الأنفس ولم ينتبه لأصابعها التي تفك أزرار قميصه مستغلة محاولاته في إضاءة المصباح لكنه لم يستطع فمدت ذراعها من خلفه وقامت بتشغيله ضاحكة بميوعة تعمدتها قاصدة إغوائه لتصبح بين أحضانه رسمياً .. فغر شفتيه بصدمة عندما إنتبه لقميصه المفتوح وأصابعها تعبث بعضلات صدره ونظراتها تأكل شفتيه تدعوه لتقبيلها بوقاحة وقلة حياء لم يتخيل يوماً أن تصل إليها فمن المفترض أنها إبنة خالته ولولا أفكارها المريضة لوضعها بمكانة أخته الصغرى .. حاول إنزالها على السرير لكنها تشبثت بياقة القميص المفتوح أكثر مما جعله يجثو فوقها غصباً عنه .. نظر إليها مصعوقاً من جرأتها فبادلته نظرته بجرأة أكبر وعينيها تتفحص عضلاته البارزة بطريقة أخجلته كثيراً .. نهض سريعاً من فوقها يحدجها بإحتقار ولم يجد كلمة تصف شعوره فآثر الصمت ثم إتجه نحو غرفته في أعلى درجات الغضب لتصرفاتها التي تخطت كل الحدود الحمراء وبعد دقائق من خروجه صعدت إليها رويدا بتوجس لتطمئن على سير مخططها.. قصت چيسي ماحدث على مسامع خالتها بفخر شديد تظن أنه إرتبك ووصل لذروته تأثراً بفعلتها .. لا تعلم أن الذروة الوحيدة التي وصل لقمتها هي ذروة الإحتقار والبغض..
+
تهللت أسارير رويدا كثيراً فمخيلتها الضيقة جعلتها تقتنع بتفسير إبنة شقيقتها الحمقاء وهتفت بإعجاب مبالغ فيه (براڤو عليكِ هو ده اللعب الصح)
+
إبتسمت چيسي بغرور ثم قالت (أراهنك إنه مش هايستحمل فإيدي إسبوع)
+
ضحكت رويدا قائلة ( كتري بقا من الحركات دي طالما جابت نتيجة عايزاه يجيلي مستوي عالآخر)
+
وأثناء نسجهما لخيوط أوهامهما كان هو يذرع أرضية غرفته ذهاباً وإياباً بتوتر شديد لا يصدق أنه تعرض للتحرش على يد تلك البغيضة التي إزداد كرهاً لها وكلما تذكر لمساتها ونظراتها الوقحة يجتاحه شعوراً قوياً بالتقزز ، وبدون مقدمات خلع قميصه المُدنس بأصابع الغانية عاقداً النية على إلقائه في سلة القمامة ثم دلف إلى الحمام ليتخلص من آثارها على جسده.. وقف تحت المياه علَّها تهدئ من إشتعال غضبه.. يفكر كيف سيواجه والدته ويعلنها صراحةً أمام الجميع أنه لا يحب چيسي ولن يجازف ويتجاهل مشاعر عدم الإرتياح بداخله.. متأكد من صدق حدسه ، وغرائزه تخبره بوجود خطأ ما ، فالله لم يخلق شيئاً عبثاً ولغة جسده النافر لا تخطئ أبداً .. وبعد وقت طويل أنهى حمامه وخرج مرتدياً ملابسه وللأسف مازال مختنق وأحس بأن جدران الغرفة تطبق على صدره لدرجة جعلت أنفاسه ثقيلة وحاجة رئتيه للهواء أصبحت ملحة.. فتح الشرفة ينشد الهدوء لكن هيهات والضجيج يحتدم بدواخله وكأن في رأسه مقبرة تتشاجر أشباحها ليلاً .. سحب نفساً عميقاً ثم زفره على مهل مطبقاً جفنيه.. يناجي ربه ويسأله دليلاً على الطريق الصحيح ، فتح عينيه يتأمل السماء بنجومها وقمرها المكتمل الذي يتوسط جوفها بمنظر لا يتكرر كثيراً ولا يعلم من أين ظهر وجه مريم ليرتسم فوق بدر التم وإبتسامتها الهادئة تخرج من وراء الغيوم لتنير ظلام العالم.. وأخيراً تسربت إليه بعض الراحة فمجرد تجسد طيفها أمام ناظريه أثلج صدره حتى روحه همست بتنهيدة مشتاقة (أصابتني بسهم عينيها في منتصف الجبهة وقل لن يصيبنا إلاما كتب الله لنا) .. ولم يحسب الدقائق التي أمضاها على تلك الحالة حتى غلبه النعاس.. تثائب بتثاقل ثم خرج من الشرفة ليغلقها جيداً وخفف الإضاءة إستعداداً للنوم.. إستلقى فوق الفراش وظل يحدق في السقف أعلاه ومتاريس التفكير تطحن عقله ليجد طريقة تمكنه من الوصول لمريمته وفجأة طرأت بذهنه فكرة فأمسك هاتفه يتصل بصديقه حتى يخبره بها ..
+
رد كريم عليه بصوت ناعس فاعتدل في جلسته يحثه على التركيز (فوق كده وإسمعني كويس)
+
دلك كريم عينيه متسائلاً بقلق (حصل حاجة بعد ماسيبتني؟!)
+
تنهد ريان بإرتياح وإبتسامة جميلة تزين وجهه المليح (أنا جاتني فكرة حلوة أوي هتخليني أدخل الدار وأدور علي مريم براحتي)
+
نفض كريم الغطاء عنه صاكاً أسنانه (إنت مصحيني عشان ست مريم بتاعتك؟)
+
إتسعت إبتسامة ريان أكثر والكلمة التي ضمت إسم مريم لخاصته ترن في آذانه كنغمة هاربة من وتر كمان قائلاً بتأكيد (آه عشان ست مريم بتاعتي)
+
زفر كريم بغيظ (إنجز يا روميو وقول فكرت فإيه)
+
أجابه ريان محاولاً ترتيب أفكاره (بص ياسيدي انا هاروح الدار وهاقابل المسئول على أساس اني عايز أبني مبنى جديد هناك)
+
سأله كريم بتعجب (إنت عارف الموضوع ده هايتكلف كام؟)
+
إستلقى ريان مرة أخرى قائلاً بثقة (يتكلف زي مايتكلف المهم أشوفها)
+
إستند كريم بمرفقه على الوسادة واضعاً قبضته أسفل خده يسأله بقلة حيلة (وهاتقول إيه لأبوك؟)
+
جاوبه ريان متثائباً (ابويا مش هيرفض حاجة زي كده)
+
مسح كريم وجهه بنفاذ صبر (وافرض ماعندهمش أرض تبني عليها؟)
+
إنقلب ريان على جانبه يقاوم النعاس بأعجوبة (الأول هاقولهم اني عايز اتفرج عالدار عشان أجدد المباني القديمة ، وبعدين اقترح عليهم موضوع المبني الجديد)
+
حك كريم رأسه قائلاً (والله الفكرة مقنعة جداً)
+
تحدث ريان بنبرة متخدرة أثراً للنوم الذي يداهم جفنيه (ادعيلي اشوفها لما أروح)
+
جذب كريم الغطاء عليه مجدداً داعياً (يارب تشوفها وترتاح يامجنون يا ابن المجنونة)
+
ضحك ريان بخفة (إتخمد ياحيوان)
+
بادله كريم ضحكاته قبل أن يغلق الخط (سلام يا آخر صبري)
+
****************
+
في صباح اليوم التالي /
+
تعمد ريان الإستيقاظ مبكراً عن موعده ليتسلل بهدوء من الڤيلا تجنباً لمواجهة والدته ورؤية چيسي التي ترقد في الغرفة المجاورة لغرفته حتى يذهب لعمله بكامل تركيزه دون مضايقات ومشاحنات سخيفة خاصةً أن عقله منشغل بما سيقدم على تنفيذه وفكرة الذهاب لدار وسيلة بحجة إقامة مبنى جديد لا تغيب عن باله وصورة مريم تراوده كلما أغمض عينيه ويكاد يجزم أنها زارته في منامه لتحثه على القدوم فهي تنتظره كما يطوق هو لرؤيتها.. وصل إلى الشركة وإتجه نحو مكتبه يطلب من سكرتيرته رقم دار وسيلة علوي فوراً ثم دلف إلى الداخل وبمجرد جلوسه على كرسيه وجدها تتبعه وبيدها بطاقة مدون بها هاتف وعنوان الدار أخذها منها يشكرها مبتسماً بينما هي سألته إذا كان سيكلفها بشئ آخر فأجابها (متشكر أوي بس ياريت لما بابا ييجي عرفيني ضروري)
+
إنصرفت رانيا إلى مكتبها لتتابع أعمالها وبمجرد إغلاقها الباب وراءها أمسك الهاتف و إتصل فوراً بالرقم المكتوب بالبطاقة وبعد رنات متتالية أتاه الرد مباشرة من مكتب وسيلة علوي وإستطاع تحديد موعداً مع سكرتيرتها لمقابلتها في تمام السادسة مساءً .. أغلق الخط مبتسماً بشرود لبضع دقائق حتى أفاق على رنين الهاتف فأجاب ليصله صوت السكرتيرة تبلغه بوصول والده ..أنهى المكالمة ونهض مسرعاً ليخبره بما يدور في رأسه.. طرق بخفة على الباب ثم دخل يلقي التحية بإبتسامة مشرقة يعلم جيداً أنها محببة إليه (صباح الخير )
+
بادله سعد إبتسامته بأخرى أكثر إتساعاً (صباح النور ياحبيبي.. رانيا قالتلي إنك عايزني)
+
جلس ريان على الكرسي المقابل للمكتب يمازحه (وحشتني شوية قولت أصبح عليك يا ابو ريان ياغالي)
+
فهم سعد أن إبنه يريد شيئاً وضحك على دعابته قائلاً (عايز ايه ياريان؟)
+
إبتسم ريان قائلاً (فاكر دار وسيلة علوي؟)
+
رد عليه سعد (آه طبعاً فاكرها)
+
إستجمع ريان شجاعته محاولاً إخفاء التوتر المتملك منه قائلاً بنبرة ثابتة ظاهرياً (أنا أخدت منهم ميعاد انهاردة وهاروح اشوف المباني اللي محتاجة تصليحات ، وهاقترح عليهم إن شركتنا تتكفل بتجهيز مبنى جديد كتوسعة للدار ، لو عندهم أرض صالحة للإنشاء)
+
تحمس سعد كثيراً للأمر قائلاً بإعجاب (والله فكرة هايلة وبره الصندوق)
+
سأله ريان بفرحة لم يستطع مداراتها (بجد يابابا موافق؟)
+
أجابه سعد بتأكيد (طبعاً موافق وهاخصص ميزانية ليهم ، ومش بس كده ده احنا كمان هنغير الفرش والديكورات كلها)
+
تهللت أسارير ريان كثيراً يقول بإمتنان (انت أحسن أب ف الدنيا كلها ، ويارب يقدرك دايماً على فعل الخير)
+
ربت سعد على كف ولده داعياً بحنو بالغ (ويحفظك ليا ومايحرمنيش منك أبداً ياحبيبي)
+
صمت ريان لثواني ثم سأله بترقب (ممكن طلب أخير؟)
+
جاوبه سعد مازحاً (طلباتك كترت ياسي ريان )
+
أطرق ريان رأسه لأسفل بحزن مصطنع (من عشمي فيك يا ابو ريان)
+
ضحك سعد على طريقته اللطيفة (عايز ايه تاني؟)
+
أعاد ريان أنظاره نحو والده قائلاً بتوجس (اشتغل بنفسي فالموضوع ده)
+
رد عليه سعد بجدية (ممكن نعين لجنة وهم يقوموا باللازم وزيادة ، وبعدين أنا مابستغناش عن وجودك فالشركة)
+
تحولت نظرة ريان إلى الرجاء قائلاً (عشان خاطري يا بابا)
+
بادله سعد نظراته بأخرى حانية ثم قال (وحشك الشغل بإيدك يابشمهندس؟)
+
أجابه ريان ضاحكاً (حاجة زي كده.. وإذا كان عالشركة كريم موجود يسد مكاني)
+
تنهد سعد بقلة حيلة (إنت عارف اني مش هاقدر أردلك طلب ، بس على شرط تعدي كل يومين تتابع شغل الشركة مع كريم)
+
نهض ريان من مكانه قائلاً بسعادة بالغة (حاضر والله ماتقلقلش كل حاجة هاتبقى تمام)
+
أنهى حديثه وإبتسامته لا تفارق ثغره ثم إستأذن بالإنصراف ليتابع أعماله وينجزها في وقت قياسي ليذهب لرؤية مريمته الغامضة .. يشعر وكأن قلبه سبقه حيث تمكث المليحة التي سرقت لُبَّه وجعلته يتصرف كالصبيان ليلمح طرف لحظيها ..مرت ساعة كاملة ووصل كريم إلى الشركة بعد إستلام سيارته من التوكيل وإتجه نحو مكتب صديقه بتحفز ليطمئن على أخباره..طرق الباب بخفة ثم دخل يلقي التحية بمرحه المعتاد (ياصباح الخيرات)
+
سأله ريان بضيق مصطنع (إنت فين يا بيه من الصبح؟)
+
جلس كريم قبالته واضعاً ساق فوق الأخرى (كنت بستلم العربية من الصيانة)
+
رفع ريان حاجبه قائلاً بتقريع (ربنا يستر وماتخبطهاش تاني)
+
خبط كريم بكفه على سطح المكتب قائلاً (سيبك مني دلوقتي وطمني عملت ايه فموضوعك؟)
+
أرجع ريان ظهره للوراء يبتسم قائلاً (إتصلت بالدار وخدت منهم معاد الساعة 6 وكلمت ابويا ووافق على الفكرة)
+
تحدث كريم بحماس لفرحة صديقه البادية على ملامحه (حلو أوي كده مش باقي غير إنك تدور على ست الحسن والجمال بتاعتك)
+
شبك ريان كفيه بحركة علم منها كريم أنه ينوي توريطه في أمرٍ ما فمط شفتيه بقلة حيلة (شِلّني يلا وقولي هاتدبسني فإيه)
+
ضحك ريان قائلاً (كل ماهنالك اني هاشتغل فالدار بنفسي ، وحضرتك هتقوم بشغلي هنا لحد ما أخلص)
+
عقد كريم ذراعيه أمام صدره قائلاً بمراوغة (والله لو مرتبي هيزيد انا مستعد اقوم بشغل أبوك شخصياً)
+
رمقه ريان بإستنكار (آه يا مادي ياحقير بدل ماتشيل أخوك لحد ماتجوزه وتسَتّره)
+
لوح كريم بكفه في الهواء معترضاً بمزاح (وربنا ماحد عايز يتسَتّر غيري ده انا قربت أتكاثر ذاتياً)
3
تعالت ضحكات ريان على دعابته بينما تابع هو بابتسامة لطيفة (عامةً يعني أنا موافق)
+
نظر إليه ريان قائلاً بحب (ربنا يخليك ليا ، ويديم المحبة مابينا يارب)
+
نهض كريم مؤمناً على دعائه (اللهم آمين.. هاسيبك تخلص اللي وراك وهاروح أشوف شغلي)
+
+
****************
+
مرت الساعات على قلب ريان بطيئة لا يعلم إذا كان إحساسه يغالب ثوانيها أم أن تلك المشاغبة تعانده قاصدة لكنه متيقناً بالوصول في موعده وبالفعل أنجز أعماله بوقت قياسي وإنصرف متجهاً حيث تسكن (ست الحسن والجمال خاصته) كما نعتها رفيقه وتمنى أن يصبح هذا النعت حقيقة يلمسها بكفيه ويراها رؤيا العين.. وصل أخيراً أمام الدار وقام بصف سيارته ثم ترجل ليطلب من حارس الأمن الذي يقف على البوابة إبلاغ مكتب المديرة بأنه ينتظر الإذن بمقابلتها وفي غضون دقائق إستقبلته السيدة وسيلة بحفاوة شديدة تصافحه بترحيب (أهلاً بيك يابشمهندس..الدار نورت)
+
صافحها ريان مبتسماً بإحترام (منورة بوجودك ياافندم)
+
أشارت له وسيلة أن يجلس على الكرسي المقابل لمكتبها ثم جلست هي خلفه قائلة (إتفضل ، قهوتك إيه؟)
+
أطاعها ريان قائلاً بآلية تامة (مظبوطة)
+
طلبت وسيلة من السكرتيرة إحضار قهوة ضيفها عبر الهاتف وأردفت مبتسمة برسمية (طبعاً أنا إتشرفت بزيارتك بس حابة أعرف السبب)
+
أجابها ريان بثبات رغم تحفزه للقادم (حضرتك أكيد عارفة إننا شركة عقارات وإنشاءات معمارية ، شركتنا فكرت في تقديم تبرعات للدار بس بطريقة مختلفة شوية ، بمعنى إن الإدارة هاتخصص لجنة فنية لمعاينة المباني ، وتحديد الإصلاحات اللازمة وهانجدد المكان كله)
+
إتسعت إبتسامة وسيلة قائلة بفرحة لم تستطع التحكم بها (بس اللي بتقوله ده تكلفته كبيرة جداً)
+
بادلها ريان إبتسامتها قائلاً (ده واجبنا ياافندم بالذات إن دار وسيلة مكان متميز ويستحق) .. قاطعهما دخول السكرتيرة بفنجان القهوة لكنه تابع بحماس متمنياً أن يحقق الله غايته (كنت عايز اسأل حضرتك إذا كان فيه أرض قريبة من هنا صالحة للإنشاء عشان نعمل مبنى جديد كتوسعة للدار)
+
تهللت وسيلة كثيراً قائلة بأسارير مبتهجة (إحنا عندنا أرض مساحتها كبيرة جداً مش عارفين نبنيها بسبب تعطيل التراخيص والدار محتاجة مدرسة للولاد اللي مالهمش شهادات ميلاد لأن المدارس الحكومية مابتقبلش تاخدهم وللأسف مابيقدروش يتعلموا .. حقيقي انت ربنا بعتك عشان تحل لينا المشكلة دي)
+
شعر ريان بسعادة عارمة قائلاً (الشركة هاتخلص التراخيص اللازمة إن شاء الله ، سواء كانت تراخيص الإنشاء او تراخيص المدرسة)
+
ردت وسيلة عليه ببنبرة ممتنة (أنا مش عارفة أشكرك ازاي.. ياريت كل رجال الأعمال فالبلد زيكم)
+
رفع ريان فنجان القهوة ليرتشف منه ثم قال مترقباً (بعد إذن حضرتك كنت محتاج أعاين المباني لأني هاشرف على الشغل بنفسي)
+
أومأت وسيلة بموافقة (مفيش مشكلة الدار كلها تحت أمرك )
+
وضع ريان الفنجان فوق الطاولة ونهض سريعا قائلاً بحماس (ياريت دلوقتي لو سمحتِ)
+
تبعته وسيلة بتعجب من حماس هذا الشاب الوسيم وللحظة أحست بأنها رأته من قبل لكنها لاتتذكر متى وأين ثم أشارت نحو الباب قائلة (تمام يلا بينا)
+
***************
+
خرج ريان برفقة السيدة وسيلة لبدء جولة تفقدية حول الدار الذي كان يحتوي على ثلاث مباني.. كل مبنى له وظيفة معينة ومشرفات ومربيات حسب أعمار النزلاء وحالاتهم.. فالمبنى الأول كان للأطفال تحت سن خمس سنوات وذوي الإحتياجات الخاصة والثاني للأولاد الأكبر سناً والمراهقين.. مقسم داخلياً لغرف عديدة تم تصنيفها حسب العمر والجنس بالإضافة لمكان مجهز لتعليمهم بعض المهارات والحرف البسيطة كنوع من تنيمة مواهبهم أما المبنى الثالث فكان للمعلمات والمربيات واللاتي معظمهن مقيمات داخل الدار بصفة دائمة أو مغتربات في حاجة لمكان آمن للمبيت ملحق به صالة كبيرة تنقسم لجزأين متصلين.. جزء يخص مريم حيث تقوم بتعليم الأطفال العزف على البيانو والآخر لريهام مُزَوَد ببعض الأجهزة الرياضية التي تناسب طبيعة عملها كمدربة لياقة.. قام ريان بتفقد المبنى الأول والثاني ورغم إحباطه لعدم وجود مريم في أحدهما إلا أنه كان منبهراً مما يراه.. المكان منظم ونظيف وكل شئ يسير بترتيب والرعاية الفائقة تنعكس على وجوه الأطفال وضحكاتهم وأكثر ما أعجبه هو إهتمام الدار بتعليم نزلاءها كافة المجالات وأيضاً لطف المربيات ومعاملتهن الطيبة للأيتام فمن الواضح أن السيدة وسيلة أحسنت إختيارهن لتأدية تلك المهمة التي تحتاج لقلوب رحيمة وأيادي حانية لتعوض هؤلاء الصغار عما فقدوه..وأثناء سيره في رواق مؤدي للمبنى الأخير إنتبه لسيدة في منتصف الأربعينات تحمل طفلة لا تكف عن البكاء والصراخ ..إتجهت نحو وسيلة بملامح حزينة لعدم قدرتها على إسكاتها وعندما دقق النظر في وجهها تذكرها.. إنها نفس السيدة التي كانت ترافق مريم .. تملك التوتر منه وتمنى ألا تعرفه تجنباً لحدوث مشكلة بسبب تهوره حينها.. إقتربت صباح منهما تقول لوسيلة بقلة حيلة (إنتِ فين يا أستاذة انا بدور عليكِ من بدري؟)
+
توجست وسيلة من منظر صباح المهموم وسألتها بقلق (خير ياصباح فيه إيه؟)
+
أجابتها صباح وهي تهدهد الطفلة (سلمى بقالها أكتر من ساعتين بتصرخ ، وخايفة تتعب ولا يجرالها حاجة)
+
تنهدت وسيلة ثم تناولت الصغيرة بين ذراعيها تمسد شعرها (ربنا يهديكِ يابنتي)
+
نظر ريان لسلمي بحزن قائلاً (هي بتعيط كده ليه؟)
+
ردت عليه وسيلة بتأثر (سلمى بنت يتيمة باباها ومامتها أنبوبة الغاز إنفجرت فيهم وتوفوا الاتنين مع بعض ، ولحسن حظها إنها كانت عند جدتها وربنا نجاها ، بس مفيش حد من أهلها قدر يشيل مسئوليتها ، وسلموها للدار من حوالي شهر ونص)
+
شعر ريان بقبضة قوية إعتصرت قلبه شفقة على تلك الصغيرة التي لاحول لها ولا قوة وللأسف تخلى عنها ذويها لتواجه مرارة اليُتم بمفردها دون أدنى رحمة ، إرتعشت شفتيه بإبتسامة حزينة وإستأذن أن يحملها ، ضمها إليه حتى إستكانت وهدأت تماماً وسط أنظار وسيلة وصباح المتعجبة وعندما حاولت صباح أخذها رفضت وتشبثت به أكثر تردد بتلعثم طفولي كلمة ” بابا ” .. إبتسم ريان بحنان وأبعدها قليلاً عن أحضانه يمسح دموعها قائلاً (سيبيها معايا شوية)
+
تدخلت وسيلة قائلة بحرج بالغ (مش عايزين نتعبك يابشمهندس)
+
أحاط ريان سلمى بذراعيه يحتضنها قائلاً (بالعكس أنا مبسوط جداً .. ممكن ناخدها معانا واحنا بنعاين المبنى الأخير؟)
+
أومأت وسيلة مبتسمة بموافقة (مفيش مشكلة) .. وبالفعل سار برفقة وسيلة ليتفقد المبنى الأخير حاملاً سلمى بين ذراعيه بحنان أبوي لم يختبره من قبل وكأن الله أراد تعويض تلك الصغيرة ولو لبضع دقائق عن حضن والدها المفقود بينما وقفت صباح تراقبهما بدهشة تحاول إستجماع الصور بعقلها لتتذكر أين ومتى قابلت هذا الشاب .. لاحظت وسيلة سكون سلمى وإنتظام أنفاسها في النوم فإبتسمت قائلة لريان (أول مرة تنام بهدوء من يوم ما إستلمناها)
+
مسح ريان على ظهر الصغيرة يقول بحزن (أنا مش عارف ازاي أهلها يتخلوا عنها بسهولة كده؟)
+
تحدثت وسيلة بوجع يعكس تأثرها بحالة الأولاد التي تتكفل برعايتهم (مفيش حد هايتحمل مسئولية طفل فالسن ده وبالذات لما الأب والأم بيتوفوا)
+
رد ريان عليها بإعجاب شديد بعملها وأمومتها الفطرية نحو هؤلاء الصغار الضعاف (لحسن حظ سلمى إن أهلها سلموها ليكم.. بجد مش مجاملة المكان هنا جميل وكل الناس طيبين ويستاهلوا كل خير)
+
شكرته وسيلة بإمتنان لرأيه في مؤسستها الداعمة لحقوق الطفل (كلك ذوق يابشمهندس ..تعبناك معانا انهاردة)
+
إبتسم ريان قائلاً (بالعكس أنا اتبسطت جداً معاكم)
+
أشارت وسيلة أمامها قائلة (إحنا وصلنا لآخر مبنى) .. لم يعلم ريان سر الرجفة التي أصابت قلبه عندما توقفت وسيلة لتشرح له تفاصيل هذا الجزء من الدار.. يشعر بنسمات عليلة تمر على وجهه راسمة أثراً فوق ملامحه كالذي تركته مريم بصدره وأصبح شبه متأكد من وجودها في مكان ما حوله.. لا يدري أين لكنها موجودة وقاب قوسين أو أدنى من رؤيتها وبعد دقائق لم يحسبها أفاق من شروده على صوت وسيلة تشير بحماس نحو غرفة الموسيقى (هنا بقى أكتر مكان بيحبوه الولاد والمسئول عنه أحسن ثنائي عندنا ، مريم وريهام)
+
إنتبهت حواس ريان بأكملها ولم تلتقط آذانه سوى إسمها متسائلاً بتوتر (مريم دي البنت اللي كانت بتغني فالحفلة؟)
+
أومأت وسيلة إيجاباً ثم قالت بحزن ( آه هي ، كلنا هنا بنحبها أوي وبنحافظ على شعورها ، وده طبعاً عشان ظروفها)
+
حاول ريان إخفاء توتره مدعياً عدم الفهم (ظروف ايه؟)
+
أردفت وسيلة وهي تشعر بمرارة تعبأ حلقها (مريم كفيفة ، عمها الله لايسامحه سلمها للدار بعد ماضيع نظرها) .. صمتت لثواني تقاوم غلالة دموع وخزت جفنيها ثم تابعت بألم (مريم كانت طفلة طبيعية لحد ما في يوم باباها ومامتها سافروا العمرة ، وللأسف أتوبيس الرحلة إتقلب بيهم وماتوا واللي تولى رعايتها عمها، وبعد فترة طويلة جابها هنا ومعاه تقارير تثبت انها إتولدت كفيفة ، ولما دكتور الدار فحص عينيها إكتشفنا ان البنت اتعرضت لضربة قوية جداً على راسها عملتلها خلل في مركز الإبصار ، والتقارير اللي قدمها عمها كلها مزورة والإصابة حصلت أثناء إقامتها معاه)
+
حاول ريان تمالك نفسه وعبراته تتلألأ داخل محجريه قائلاً بصوت مختنق (ليه مابلغتوش عنه؟ ، أكيد كان هايتحاسب لأن الإصابة اتسببت بعاهة مستديمة)
+
أجابته وسيلة بقلة حيلة (إختفى تماماً كأنه فص ملح وداب ، ده غير إن العنوان المكتوب في شهادة ميلادها طلع مزيف وماعرفناش نوصله)
+
إبتلع ريان غصة مسننة شقت جوفه ثم سألها بثبات زائف (مفيش دكتور تاني كشف عليها؟)
+
ردت وسيلة بتنهيدة مرتجفة (كل الدكاترة اللي شافوها أكدوا إنها محتاجة عملية كبيرة ، ولازم تسافر بره مصر عشان نسبة النجاح تكون مضمونة ، وللأسف تكلفتها عالية جداً)
+
إلتمعت عيني ريان ببريق رجاء في شفائها قائلاً (الحمدلله طالما فيه أمل إن ربنا يشفيها)
+
إبتسمت وسيلة قائلة بتمني (إن شاء الله).. سكتت لبرهة تتأمل حالة التأثر البادية على وجهه ثم أشارت لإحدي المربيات التي كانت تمر بالقرب منهما أن تأخذ سلمى لتضعها في فراشها ووجهت الحديث إليه بتوجس (تعالى نعاين أوضة الموسيقي) .. لم يستطع ريان النطق من شدة توتره وإكتفى بإيماءة صامتة يخفي وراءها صوت خفقاته المتسارعة بينما فتحت هي الباب بهدوء .. تبعها بخطوات مرتجفة ووقف مشدوهاً عندما رآها تجلس خلف البيانو وإبتسامة ملائكية تزين مبسمها .. تعزف لحناً رقيقاً بأنامل تشبه حبات لؤلؤ متناثر فوق جدول مياه شفاف يجري من تحتها كنهر منبعه الفردوس الأعلى .. وخصلاتها تنسدل وراء ظهرها بتناسق مبهج فأسرته مرة أخرى خلف قضبانها .. هام ريان بنظراته وروحه تلقي التحية بهمس يدغدغ مشاعره ولا يسمعه سواه (وعليكم الحب ورحمة الله على قلوبنا وبركاتٌ منه على هذا الوجه ثم لكم السلام فيما أبقيتم لنا) .. ولما أطال النظر فيها قرأها كقصيدة نزارية وأيقن أن حضورها إكتفائه من العالم وفي تلك اللحظة عقله يتسائل بذهول كيف لها أن تحمل قداسة العفيفين (البتول ويوسف الصديق) بين تفاصيلها.. مرة في إسمها ومرة في شطر الجمال الذي تبقى من بهاء يوسف وإحتفظت به لملامحها .. وأي عبث هذا الذي يقول أنها لا ترى فما كف بصرها إلا كذب وافتراء على مليحة العينين ، قطع حبل أفكاره نداء السيدة وسيلة التي تعجبت كثيراً من حالته فإبتسمت متسائلة (روحت فين يابشمهندس؟)
1
حاول ريان السيطرة على مشاعره يجيبها بتلعثم (معاكِ ، حضرتك)
+
تصلبت أنظار وسيلة على وجهه وكأنها تقرأ أفكاره ثم قالت (تحب تتعرف على ريهام و…مريم؟).. تعمدت وسيلة الضغط على حروف إسم مريم لتراقب تعابيره التي لم يستطع التحكم بها ولاحظت إتساع حدقتيه بعدم تصديق وشرد للحظات فقاطعت هذا الشرود مجدداً بإشارتها لريهام أن تأتي بمريم وتقترب منهما .. فغرت ريهام شفتيها بصدمة وركضت مسرعة نحو صديقتها تهمس في أذنها (إلحقي يامريم المُز هنا)
+
سألتها مريم بعدم فهم (قصدك مين؟)
+
أجابتها ريهام بنفس رد الفعل (الواد اللي سأل عليكِ يوم الحفلة)
+
شهقت مريم بخضة (وده بيعمل إيه فأوضة الموسيقى؟)
+
ردت ريهام بتوجس (مش عارفة بس باين عليه حد مهم لأن أستاذة وسيلة بتنادي عليا وبتشاورلي أخدك عندهم)
+
أمسكت مريم بذراعها تستند لتنهض معها قائلة بتوتر (ربنا يستر ومايكونش بيشتكي منك بسبب تهزيقك ليه فالكواليس)
+
داعبت ريهام وجنتها بكفها الحر مازحة (أو مثلاً جاي يتقدملك وعايز يخطفك مني؟)
+
لكزتها مريم في كتفها بنفاذ صبر (إنتِ عبيطة يابنتي يتقدم لمين هو يعرفني أصلاً؟)
+
تأوهت ريهام ضاحكة (أنا شايفاه مانزلش عينه من عليكِ)
+
تأففت مريم بتذمر من حديث صديقتها ( شيلي الخزعبلات دي من دماغك ، وتعالي نشوفهم عايزين ايه بدل ما أستاذة وسيلة تعلقنا)
+
أطاعتها بصمت لكن حدسها ينبأها بوجود خطب ما وراء مجيئ هذا الشاب ، وأخذت يدها ثم إتجهت بها نحوهما بينما كان ريان يجاهد على الوقوف ثابتاً ويدعو الله في قلبه أن يعطيه القوة لتحمل إقترابها منه .. أخرجه صوت ريهام من دوامة أفكاره وهي تحدث وسيلة (خير يا أستاذة تحت أمر حضرتك)
+
أجابتها وسيلة بإبتسامة هادئة (كل خير ان شاء الله).. صمتت لثواني ثم تابعت وهي تنظر لريان الذي كان مسلطاً عينيه على مريم (دي ريهام يابشمهندس مدربة اللياقة ورفيقة مريم فالأوضة)
+
نقل ريان أنظاره نحو ريهام يرمقها بضيق ومد يده يصافحها قائلاً (أهلاً وسهلاً)
+
صافحته ريهام بإبتسامة سخيفة وسألت وسيلة (ويطلع مين الأستاذ؟)
+
إندهشت وسيلة من حالة الحنق التي تسيطر على كلاهما ثم أجابتها (ده المهندس ريان زين الدين صاحب شركة الريان للإنشاءات المعمارية)
+
عقدت ريهام ذراعيها أمام صدرها قائلة بإقتضاب (تشرفنا) .. بينما أمسكت وسيلة بكف مريم لتضعه في كفه قائلة بحب (سَلِّمي يامريم على بشمهندس ريان) وكان لوقع إسمه أثراً طيباً على مسامعها فلأول مرة بحياتها تقابل شخصاً يحمل إسماً مميزاً كهذا ، أما هو فكان ضائعاً بجمالها ، يطيل النظر في وجهها كمن يعيد مطالعة كتابه المفضل مراراً بنفس الشغف ولا يفقد شيئاً من روعته.. ورجفت جميع حواسه كأنه يتذوق ملمس راحتها العالقة بين خاصته ويشعر بها تتسرب في مسامات جلده كقطرة ندى إنسكبت من حدائق عينيها ، وأخيراً تحدثت مريم بصوت أعذب من عزف أصابع البيانو (ريان؟!.. إسمك حلو اوي أول مرة أسمعه)
+
لم يدري ريان أي ردة فعل صحيحة يجب أن يعطيها في هذا الموقف الذي لا يُحسد عليه وكيف أضاءت حروف إسمه الأربعة بين شفتيها وخرجت بترتيل شجي كأعظم سيمفونية ألفها عازف عتيق صُمَّت أذنيه.. كل مايرجوه الآن أن تلف عناية الله المشددة حول قلبه وتدركه رحمته فالحب يركبه مركباً صعباً لا قِبَلَ له به .. رد عليها وعينيه معلقة بورديتين سلبته لُبّه وصوته يحفر في ذهنها ذاكرة جديدة (أنا اللي أول مرة أعرف إن إسمي حلو أوي كده)
5
قاطعتهما ريهام وهي تمسك كف مريم الذي مازال يحتويه ريان بخاصته متسائلة بملامح ممتعضة (والبشمهندس منورنا ليه؟)
+
أحس ريان بحرج شديد من طريقتها وآثر الصمت فأجابتها وسيلة موضحة (بشمهندس ريان كان بيعاين مباني الدار عشان شركته هاتتكفل بتجديدها ً، وكمان هايتبرعوا يبنوا الأرض اللي جنبنا وهايخلصوا كل تراخيصها ، وأخيراً هنقدر نشغلها كمدرسة للولاد الساقطين من القيد الحكومي)
+
تهللت أسارير مريم بشدة قائلة (ربنا يجازيكم خير حضرتك أنقذت الدار من مشكلة كبيرة جداً) بينما تداعت نظرات ريهام قائلة بخجل من تصرفاتها الفظة تجاهه (شكراً يابشمهندس بجد موضوع المدرسة ده هايفرق معانا كتير)
+
رمقها ريان بغيظ قائلاً (يارب نكون نولنا شرف إعجاب سيادتك) .. فهمت ريهام مايرمي إليه بكلامه وإبتسمت ببلاهة غير قادرة على الرد فبادلها إبتسامتها بأخرى واثقة ونظر لمريم يراقب تعابيرها الحُلوة بأعين والهة ولم يستطع الحديث في حضرة سلطان فتنتها على قلبه.. وظلت وسيلة تتابع مايحدث ملتزمة الصمت لبضع ثواني ثم مدت يدها لتصافحه قائلة بنبرة ممتنة (إحنا اتشرفنا بزيارتك يابشمهندس ، وشكراً ليك إنك فكرت فالدار)
+
صافحها ريان قائلاً بإحترام (الشرف ليا ياافندم ، وان شاءالله من بكرة هاكون موجود ، ومعايا لجنة مكلفة من الشركة عشان نبدء الشغل فوراً) .. أنهى حديثه بآلية تامة لا تعكس مايدور بداخله وإستأذن بالإنصراف تاركاً فِكره حيث تسكن مريمته على وعدٍ بلقاء أطول غداً .. أما هي فوقفت تتبع سير خطواته بمسامعها .. تشعر بأن روحها ركضت خلفه ولا تفسر السر وراء إنقباضة قلبها عندما تلاشى وقع أقدامه من حولها .. أفاقت من شرودها على صوت ريهام تدعوها للعودة لمكانها لكنها طلبت منها أن تأخذ قسطاً من الراحة متعللة بشعورها المفاجئ بالإرهاق .. إمتثلت صديقتها لرغبتها وإصطحبتها لغرفتها وتركتها برفقة مربيتها الغالية التي لاحظت شرودها و زوغ عيونها متوهمة بأنها تنظر لشئ في الفراغ .. أحاطت صباح كتفها متسائلة (سرحانة فإيه يامريومة؟)
+
إستندت مريم برأسها على صدرها ثم أجابتها بخفوت (عايزة أنام في حضنك زي زمان)
+
إحتضنتها صباح تسألها بقلق (مالك ياحبيبتي فيكِ إيه؟)
+
أغمضت مريم عينيها قائلة ( محتاجة حضنك دلوقتي ياصباح ، ماتسبينيش عشان خاطري)
+
مسدت صباح شعرها تقول بحنو بالغ (أنا جنبك يانور عين صباح ماتخافيش)
+
+
*****************
+
على صعيد آخر /
+
وصل ريان بسيارته أمام الڤيلا لكنه ظل جالساً لبعض الوقت وصورة مريم ترتسم في خياله ، يكاد يجزم أن صدى صوتها مازال يتردد بآذانه حتى رائحة كفها عالقة بكفه تداعب أنفه بعبير أسر عقله وكأنها نبتة ريحان تمتد جذورها لحدائق الجنة الغنَّاء .. وللأسف لم يُكتَب لتلك الحالة الحالمة أن تدوم وأفاق من شروده على رنين الهاتف بإتصال وارد من والدته قرر تجاهله ليدخل سريعاً ويستقبل وصلة التقريع الروتينية ، وأثناء سيره بالقرب من الحديقة وصله صوتها وهي تتحدث مع أختها (شكله هيتأخر انهاردة)
+
ردت عليها نهى ضاحكة (أحسن عشان نبقى على راحتنا أكتر)
1
بادلتها رويدا الضحك قائلة بسعادة (آه لو تشوفيه وهو متلخبط وعلى آخره)
+
نظرت نهى لإبنتها تقول بنبرة فخورة (هو فيه حد عاقل يقدر يمسك نفسه قصاد الجمال ده كله؟)
+
إبتسمت چيسي لوالدتها قائلة بثقة زائدة (أنا متأكدة إنه مش هايقدر يمسك نفسه المرة الجاية)
+
تعالت ضحكات رويدا قائلة (ياريت عشان يبقى جواز على طول)
+
شعر ريان بالدماء تغلي في عروقه وإنقلبت الفراشات التي كانت ترفرف حوله لأشباح سوداء خيمت بظلامها على صدره .. وقرر وضع حد لتلك المهزلة لتتوقف المؤامرات والحيل التي تحاك ضده بواسطة أناس من المفترض أنهم أهله ، فأي وضاعة سمحت لهن بالتفكير في أمر بهذا الرخص؟..أيعقل أن تخطط والدته لإيقاعه في محظور وذنب سيحرقه ويفقده آخرته قبل دنياه؟ .. حقاً إكتفى وطفح كيله ولابد من المواجهة بشجاعة وإما أن يعيش بشرف أو يموت صامداً أمام هجمات الحياة المؤذية.. وبعد دقائق إستغرقها في إستجماع قوته دخل عليهن وملامحه لا تبشر بخير فبادرت نهى بالسؤال عن حاله باهتمام زائف (إزيك ياريان؟)
+
رمقها ريان بغضب ثم قال (كويس إنك هنا عشان تسمعي اللي هاقوله)
+
سألته رويدا بقلق من منظر وجهه المحتقن (فيه إيه؟)
+
نقل ريان أنظاره المشتعلة نحو چيسي قائلاً باحتقار (فيه إن أنا مش هاتجوز چيسي ، ومش عارف مين اللي قالها اصلاً اني عايز اتجوزها؟)
+
فغرت چيسي شفتيها بصدمة (يعني إيه؟)
+
هدر ريان بها وجميع عروقه تنتفض من فرط عصبيته (يعني أنا عمري ماوعدتك بحاجة ولا عشمتك بجواز ، ولا حاسس ناحيتك بأي مشاعر غير انك بنت خالتي وبس)
+
تعالت نبرة چيسي أمامه (أمال أمك بتقول انك عايز تتجوزني على أساس إيه؟)
+
رد عليها ريان بسخرية (والله انا مش مسئول عن كلام حد ، ياريت بقى تحاسبيها هي لأنها ضحكت عليكِ)
+
قاطعته رويدا صارخة بوجهه (إخرس ياحيوان)
+
وقف ريان أمامها قائلاً بصوت جهوري (لا مش هاخرس ،وجواز من چيسي مش هايحصل ، وأظن كده كل حاجة بقيت واضحة ، ولو عندكم شوية كرامة تقفلوا الكلام فالموضوع ده لأنه أبعد من خيالكم)
+
أمسكت نهى بحقيبة يدها تقول لشقيقتها (متهيألي يارويدا إن مابقاش لينا قعاد هنا ثانية واحدة بعد اللي قاله إبنك)
+
إقتربت چيسي منه والشرر يتطاير من عينيها قائلة بصوت أشبه بفحيح الأفاعي (هتدفع تمن اللي عملته غالي اوي ياريان)
+
عقد ريان ذراعيه أمام صدره قائلاً بتحدي (أعلى مافي خيلك إركبيه) ..ظلت واقفة قبالته لبضع ثواني تحدجه بنظرات نارية ثم اندفعت مع والدتها خارج الڤيلا متناسية تمثيلتها بأن قدمها تؤلمها ، فلاحظ سيرها بشكل طبيعي وقال لوالدته بتهكم (ماهي ماشية على رجليها زي القرد ، إيه لازمتها بقى التمثيلية العبيطة اللي عملتوها دي؟)
+
أمسكته رويدا من ياقة سترته بعنف (ورحمة أبويا لو ماصلحت اللي هببته لأوريك الوش التاني ، وأول مين هايدفعك تمن عملتك السودة دي هايكون أنا)
+
أزاح ريان قبضتها من فوق ملابسه قائلاً بهدوء إستفزها (أنا راجع تعبان وعايز أنام ، عن إذنك)
+
جذبته مرة أخرى تصرخ بغضب عارم (إطلع بره وإرجع الزريبة اللي كنت عايش فيها)
+
لم يتحمل ريان ضغطها على أعصابه أكثر من ذلك ورد على حديثها بتهديد (البيت ده مش بيتك عشان تطرديني منه ، وأقسم بالله كلمة زيادة لاقول لبابا عاللي حصل ، ولو ما اتصرفش معاكِ هيكون ليا رد فعل هيزعلك اوي مني يا.. ماما)
+
هوت رويدا على وجهه بصفعة قوية جعلته يرتد خلفاً تقول والشياطين تتراقص حولها (إنت بتهددني ياقليل الأدب)
2
تفاجأ ريان بتلك الصفعة التي سقطت على قلبه قبل أن تستقبلها وجنته.. فأغمض عينيه يقاوم البكاء أمامها وبداخله يتجمع يُتم العالم كله وفي نفس التوقيت دخل سعد يهدر بزوجته عالياً (رويدا…… )
+
*********************
+
يتبع……… إلى اللقاء مع الفصل السادس…..
+