روايات رومانسية

رواية عيون الريان الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم نيللي العطار

رواية عيون الريان الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم نيللي العطار

                                              
“الآن يقفُ حبيبكِ المَكلوم أمامَ حفرتكِ باسِم الشَفتين، دامعُ القلب، سلوتهُ أنكِ لم تَذوقي ألمَ الفقدِ كما ذاقهُ هو.”
+
___ سلمان العودة ___
+
************
+
الأمل عطرً رائحته استكانة، وشوق لا يهدأ أمام المستحيل، غيمة ناصعة البياض يمتد ظلها من قلب أميرة حتى قلب يوسف ، وصار يشربه منها كلما خانته الدروب المؤدية لوجه شقيقته، ويغتسل به معها من خطوات الخوف وسطوة الحزن ليغرق فيها هي وحدها ، وبينما كان جالساً بشرفته يتأمل السماء الصافية والقمر يتلألأ في محارته الفجرية أضاءت شاشة هاتفه بإسمها ، أجابها مُتعجباً من استيقاظها في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل وقبل أن يلقي التحية أتاه صوتها تقول بفرحة عارمة (عرفت مكان مريم يا يوسف) 
+
انتفض يوسف واقفاً يسألها بنبرة مهزوزة (انتِ بتقولي إيه؟، أكيد بتهزري؟) 
+
ردت عليه بحماس (والله العظيم عمو فايز اللي شغال في السجل لسه قافل معايا حالاً ، وقالي انها عايشة في دار وسيلة علوي) 
+
وضع يده فوق رأسه والدموع تملأ مقلتيه قائلاً (ياما انت كريم يارب) .. حاول استجماع شتات عقله ثم أردف وهو يدور حول نفسه (انا هالبس واعدي عليكِ بسرعة عشان نروح لها) 
+
ضحكت أميرة قائلة (إهدى يادكتور، الساعة تلاتة الفجر ، زمانهم نايمين دلوقتي)
+
نظر في ساعة يده وجدها مُحقة فالوقت قارب على آذان الفجر قائلاً بتوتر (خلاص نستنى لحد ما النهار يطلع، اوعي تنامي، انا هافضل صاحي) 
+
وافقته أميرة بترحيب شديد، متأثرة بعاطفته وسعادته التي تتقافز من نبرته وتصل إليها عبر الهاتف وما أن أغلق الخط معها حتى خرّ ساجداً لله، يثني عليه ويحمده حمداً كثيراً ،طيباً، مباركاً فيه ، ودموع الفرحة تغرق وجهه ، ثم عاد لجلسته ينتظر شروق الشمس بأشواق تعانق حنين الغياب ورائحة الراحلين…وعلى صعيد آخر تحديداً أمام الدار تجمع عدد كبير من الرجال الملثمين ينتظرون إشارة رئيسهم بالاقتحام ، تقدّمهم أولاً ثم طعن الحارس بمديّة حادة ليرديه قتيلاً على الفور، ولوح لهم بالدخول فانقسموا لثلاثة مجموعات ، كل مجموعة اتجهت ناحية مبنى، يحملون أوعية مملوءة بالبنزين والسولار ، قامو بإغراق الحوائط والسلالم والطرقات المُقابلة لغرف الأطفال النائمين والمُعلمات ومكاتب الإدارة وأضرموا النيران بها جميعاً وفرّوا هاربين سريعاً قبل أن تطالهم ألسنة اللهب التي امتدت لتحرق الأخضر واليابس والنائم في أمان الله والمستيقظ لصلاة الفجر يناجي ربه ، دوى إنذار الحريق لعلّه ينقذ مايمكن إنقاذه وسرى في آناء الليل ينوح كأم فقدت وليدها، هلعت ريهام من نومها تسعل بشدة والدخان الممزوج برائحة الموت يسد مجرى تنفسها لتوقظ مريم التي كادت أن تفقد حياتها مُختنقة ، أسندتها بكل قوتها وإصطحبتها تركض خارج الغرفة، تتلفت حولها صارخة بذعر فالنار تلتهم المكان كوحش جائع، تعثرت وسقطت برفيقة عمرها عشرات المرات لكنها جاهدت على الثبات رغم الفجيعة بصعوبة بالغة حتى وصلت بها إلى الأسفل مُتخطية الباب الخارجي، أجلستها على الرصيف المقابل للدار وجلست بجوارها تحتضنها ،تنظر لألسنة اللهب فارعة القامة وهي تأكل ماضيهما وذكرياتهما وأحلامهما بأعين جاحظة ووجه مُلطخ بالسُخام الأسود وشعرها المُشعث يجلد كتفيها بفعل الرياح الساخنة، أما مريم فكانت شبه غائبة عن الوعي، والهواء لا يصل لرئتيها بسهولة وأصبح الموت قريباً جداً من أخذ روحها البريئة …. 
+
          
                
**************
+
ثلاث ساعات كاملات كُن الحد الفاصل بين اندلاع النيران ووصول قوات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف والشرطة لتفقد الحادث المُفجع وحصر الخسائر، مباني الدار تفحمت بالكامل وعدد الارواح التي اُزهقت أكثر من الناجين ومعظم الضحايا أطفال امتدت يد الغدر الآثمة لتسحق أجنحتهم الملائكية بلا رحمة وأحرقتهم نائمين ، آمنين في مأواهم الذي سخره الله لهم ، وأرسلتهم إلى السماء ملائكة تزين جنات النعيم فتقر أعينهم الصغيرة برؤية آبائهم في لقاء خالد لا موت فيه ولا حريق ..  وبعد وقت ليس بقليل اقترب يوسف بسيارته من الدار وأصوات الصراخ المتداخلة مع ضوضاء صافرات الإنذار وعربات الإسعاف تعبأ المكان بالإضافة لرائحة الدخان وسحابته السوداء التي تجعل من النهار ليلاً دامساً ، لم يدري كيف وأين صف السيارة وترجل مع أميرة يركضان بهلع شديد ، هالهما منظر حاملات الجثث وأجهزة التنفس لإغاثة المُختنقين .. تفرقا كلاً منهما في جهة بحثاً عن مريم وسط بقايا الموتى، والذعر سيد الموقف ، لم يتركا عربة إسعاف ولا نقالة إلا وتفقداها حتى انتبهت أميرة لفتاة تجلس على الرصيف تحاول إفاقة رفيقتها الغائبة عن الوعي صارخة بخوف ، فأسرعت إليهما وإذا بأنظارها تلتقط السلسلة المُعلقة برقبة مريم والتي تحمل إسمها .. رفعت يديها للسماء قائلة ببكاء غير متزن (يارب نجيها عشان خاطر أخوها) .. ثم جلست بجوارها تحيط كتفها بذراع وبالأخرى تتحسس نبضها قائلة بلهجة مطمئنة تحمل سعادة كبيرة (الحمدلله ، لسه عايشة) 
+
سألتها ريهام باكية بهيستيريا شديدة (امال مابتردش ليه؟) 
+
أجابتها أميرة بشفقة بالغة (ماتخافيش هي مُغمى عليها من ريحة الدخان) 
+
لطمت ريهام على وجهها تقول بانهيار (الدار ولعت والولاد ماتوا، ياحرقة قلبي عليكم ياحبايبي) 
+
لم تستطع أميرة تمالك نفسها فبكت تأثراً قائلة بحزن (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله) .. ثم تذكرت يوسف الذي لم تعد تراه وسط الجموع فأخرجت هاتفها واتصلت عليه فأجابها بصوت مفزوع يكاد لا يصلها من الضوضاء حوله لكنها عاجلته قائلة (مريم معايا يا يوسف، هتلاقينا عالرصيف اللي قصاد الدار) … وقبل أن تغلق الخط انتبهت لسعالها الحاد فأردفت بلهفة (الحقنا بجهاز تنفس من أي عربية إسعاف بسرعة) .. نفذ  يوسف طلبها والدموع تغرق وجهه وملابسه ، تختلط مشاعره بين الفرحة لنجاة شقيقته والقهر لضحايا هذا الحادث الأليم ، اقترب منهن وبنظرة واحدة عرفها ، فالشبه بينها وبين والدتها رحمها الله يصل حد التطابق، لم ينتظر لحظة إضافية عندما انتبه لعدم قدرتها على التنفس، جلس أمامها القرفصاء واضعاً قناع الأكسجين فوق أنفها وفمها ولسانه يردد (أحمدك وأشكر فضلك يارب) … وأثناء تلك الحالة المُفجعة جاءت السيدة وسيلة ركضاً من منزلها بملابس النوم حافية ، عارية الشعر بعدما علمت بِما حل عليها من موت وخراب ، لم تصدق أحد ممن أخبروها وظنتهم يمازحونها مزاحاً ثقيل، ونهرتهم نهراً صارماً كي لا يتنذروا شراً على أولادها حتى شاهدت بعينيها عمرها الذي احترق وجثث صغارها المتراصة جنباً إلى جنب داخل عربات الإسعاف، ومن بعيد رأتها ريهام فنهضت لتتجه نحوها بخطوات مترنحة ثم ارتمت بأحضانها تبكي دون حديث 
-(ولادي ماتوا ، شقا عمري راح) .. نطقتها وسيلة بعدم إتزان وكأنها على مشارف الموت ثم ابتعدت برفق عن ريهام تتحسسها لتتأكد من بقائها على قيد الحياة وسألتها بخوف (مريم جرالها حاجة؟) .. أشارت لها ريهام ناحية الرصيف بصمت مرير حيث كانت مريم تجلس بين أميرة ويوسف وبدأت في استعادة وعيها .. وفجأة صرخت بإسم صباح عندما رأتها ممددة فوق أحد النقالات تحتضن جثة الصغيرة سلمى وممرض الإسعاف يغطي وجهيهما دلالة على مفارقتهما للحياة ..  
(لا يا صباح، عشان خاطري قومي ، هاتسيبينا لمين) قالتها ريهام وهي تزيح الغطاء عن وجه مربيتها الغالية، ومربية أقرانها من الأيتام وعقلها يرفض أنها قد ماتت.. بينما ظلت وسيلة تطوف بين عربات الإسعاف تردد بهزيان ولسان ثقيل من فرط الصدمة (ولادي ماتوا، شقا عمري راح) .. لاحظت أميرة منظر ريهام المُلتاع ودخولها في نوبة انهيار عصبي قد تؤدي لفقدانها للوعي، فقامت لتحتضنها وتجذبها بعيداً عن الجثث المُحترقة ، أجلستها مجدداً بجوار مريم التي مازالت تتأرجح بين الإدراك والغيبوبة تقول ليوسف بحزن (هات عربيتك بسرعة ، لازم ناخدهم على أي مستشفى) .. أومأ لها موافقاً ثم قال وهو يسند مريم على كتفها الآخر لينهض ويأتي بالسيارة (عندك حق ، مريم مش هاتقدر تستعيد وعيها وسط الدخان الكتير) 
+
        
                
**************** 
   
+
نشوب حريق هائل في دار وسيلة علوي لرعاية الأيتام وذوي الإحتياجات الخاصة وأنباء عن سقوط عدد كبير من الضحايا” … كلماتٍ موجزة انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي، وجميع المحطات التليفزيونية الفضائية منها والأرضية والتي أعلنت حداداً عاماً بوضع شريطة سوداء مائلة أعلى شاشاتها ، واستيقظت البلاد على كارثة لتتشح بالسواد والحزن وتستعد لتشييع جثامين أولادها المفقودين إلى مثاويهم الأخيرة ، وأثناء جلوسه خلف مكتبه ليتابع أعماله في الشركة بعدما قرر إلهاء نفسه ولو قليلاً لعلّه يتجاوز وجعه الذي يحوم حول خراب قلبه منذ عودته من سفره المفاجئ .. انتبه ريان لصوت مذيعة الأخبار وهي تتلو الخبر ببث مباشر من موقع الحادث .. انتفض من مكانه بذعر وركض خارج المكتب ، لايرى شيئاً أمامه من هول الصدمة فاصطدم بكريم الذي عَلِم للتو أيضاً ليقفا قبالة بعضهما البعض والهلع يسيطر عليهما، والكلمات لم يكن لها اتساع بينهما الآن، وبدون مقدمات تحركا ليستقلا سياراتهما ، سالكين طريقاً واحداً بسرعة جنونية نحو الهلاك ، ورائحة الموت تفوح في الأفق ،وتحيل السماء لمحرقة هائلة دخانها يغشى الأبصار ، لم يدرك رفيقي الحزن كيف ومتى وصلا أمام الدار المغدور ، ترجلا بخطوات مُرتعشة ليتوغلا وسط الحشود وعربات الإسعاف التي تحتوي على حاملات الجثث والمصابين ، يبحثان عن مريم وريهام وكأنهما يطوفان في أرض مَحشر ..  ولم يشعر ريان بنفسه إلا وهو يتخطى السياج الحديدي الذي يحيط بمكان الحادث، دافعاً أفراد الحماية المدنية بعنف ، يركض نحو غرفتها وياليته مافعل .. النيران أكلت كل شئ بالمعني الحرفي للكلمة، فراشها وفراش صديقتها مُتفحمين بالكامل، والخزانة مفتوحة وجميع الملابس والأغراض أصبحت رماد.. جثى على ركبتيه أو بمعنى أصح سقط كمن تلقى ضربة موجعة قصمت ظهره نصفين وهشمت عموده الفقري ، واضعاً كفيه فوق رأسه ينطق إسمها بخفوت وحدقتين متسعتين على الفاجعة (مريم!) … بينما تبعه كريم الذي لم يكن أقل انهياراً منه ..  هاله ما رأى وأصبح الجزم بوفاة الرفيقتين مؤكداً لا ريب فيه ، فالنجاة احتمالاً بعيداً وسط آثار الدمار وسواد السُخام ، اقترب منه ليحتضنه باكياً بهيستيريا ، صرخة بآهة عالية خرجت من جوف حسرته يتبعها جملة تعبّر عن حالته بدقة متناهية (ياروحي اللي اتحرقت معاكِ يامريم)  .. وبعد وقت ليس بقليل لحق بهما أحد أفراد الشرطة يقول بحرص (من فضلكم النيابة مانعة التواجد في محيط الحادث) .. استقام كريم ثم أسنده ليقفا معاً وملابسهما مُلطخة بالرماد دون حديث فأردف الرجل بتأثر وحزن كبير (البقاء لله، ربنا يصبركم ويصبرنا جميعاً)
+
ربت كريم على كتفه قائلاً بصوت مبحوح (ونعم بالله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون)  .. ثم همّ بالخروج مع ريان من المبنى لكنه استوقفه عندما لمح سوارها المكتوب عليه إسميهما مُلقى بجانب الباب فانحنى ليلتقطه بأصابع مُرتعشة قائلاً والألم يطعن قلبه بسكين الفقد (مش باقي منها غير ده ياكريم؟) 
+
        
          
                
احتضنه كريم مجدداً يقول من وسط دموعه (اللهم لا اعتراض على قضائك يارب) 
+
تحدث ريان بنحيب يقطع نياط القلب (أكيد كانت خايفة وهي مش شايفة حاجة والنار حواليها) .. 
+
-(لو سمحتم ياجماعة اخرجوا من المبنى لأنه ممكن ينهار فأي لحظة) .. قالها فرد الشرطة بآلية تامة خوفاً على سلامتهما فأطاعاه بخطوات هزيلة والدموع تجرى فوق وجهيهما مدراراً  ليلحقا بعربات الإسعاف التي تجهزت للذهاب إلى المستشفى بالجثامين استعداداً للعرض على الطب الشرعي وتحديد أسباب الوفاة وانهاء إجراءات الغُسل وتصاريح الدفن .. لا يعلما أن قافلة عزيز إسمه يوسف سبقتهما ومرّت من هنا والتقطت شقيقته والرفيقة من غيابات الجُب لتعيد بنفسج البيت القديم لمكانه وتزرع زهر الرمان في أُصصٍ جديدة، تاركة سقاية الألم في رَحل صدريهما اللذان تحولا لمقابر واسعة، لعلّ القصة تبدء مجدداً من مكانٍ آخر وتتبدل الأدوار…. 
1
*****************
+
انتشر خبر كارثة دار الأيتام بين الناس كالنار فالهشيم ، ولم يعد لهم حديث سوى عن حصر عدد الضحايا الكبير والذي وصل للعشرات مابين أطفال ومربيات ومعلمات، ووصلت الأنباء المفجعة إلى مسامع رويدا التي انهارت عندما رأت الڤيديوهات المسجلة لأسرّة الإسعاف النقّالة وهي تحمل جثث الصغار المُحترقة ، هوت على وجهها تلطم بشدة حزناً وكمداً وخوفاً من أن يكون زوج أختها الدنئ هو المدبر لهذه الجريمة البشعة ولم تتردد لحظة في الذهاب إليه، ركضت مسرعة تستقل سيارتها متجهة نحو ڤيلته وبمجرد وصولها هناك شنت هجوماً عنيفاً على الباب الخارجي وكأنها ستقتلعه من مكانه، وعندما فتحت الخادمة أزاحتها لتدخل كعاصفة هائجة  (انت فين يامحمود ياصرّاف، انزلي ياقتّال القتلة ياجبان) 
+
خرج من غرفة مكتبه ليس متفاجئاً من قدومها قائلاً بهدوء مستفز (خير يارويدا ، داخلة بزعابيبك كده ليه؟)
+
انقضت عليه تمسكه من تلابيبه قائلة بأعين تستعر من الغضب (انت اللي ورا حريق الدار) 
+
دفعها بعيداً عنه قائلاً بابتسامة باردة (ليه؟، هو انا روحت اتبلطج عليهم واتخانق مع مديرة الدار امبارح؟) .. ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بتشغيل ڤيديو ريان وهو يتشاجر مع الحارس ويحاول اقتحام البوابة ، وابتسامته الشيطانية تتسع كلما جحظت عينيها مصدومة مما تراه، الحقير، منعدم الضمير، تجرد من كل معاني الإنسانية وارتكب جريمة يندى لها الجبين ليضرب عصفورين بحجر واحد، ألا وهي التخلص من مريم بقتلها وإلصاق التهمة بريان، ونيته المُبيتة اتضحت الآن .. ضحك مِلأ فمه بتشفي قائلة بنبرة هازئة (مش تاخدي بالك من ابنك وتربيه كويس؟ ، اهو جابلك مصيبة هاتلف حبل المشنقة حوالين رقبته) 
+
صرخت رويدا بوجهه (إخرس قطع لسانك ، ابني مستحيل يعمل حاجة زي دي أبداً) 
+
رمقها من أسفل لأعلى باحتقار قائلاً بتهديد (والله هانعرف رأي النيابة لما الڤيديو يوصلها،  ساعتها بس تقدري تقولي إذا كان يعمل كده ولا لا)
+
        
          
                
ضربته بقبضتيها في صدره هادرة (ده انا اقتلك قبل ماتفكر تمس شعرة من راسه) … وأثناء حالة الشد والجذب المشتعلة بينهما قاطعتهما نهى بدخولها مُتصنعة التعجب من الأصوات العالية وقبل أن تتحدث استنجدت بها رويدا قائلة ببكاء (الحقيني يانهى، جوزك ولع فالدار وعايز يلبس التهمة لريان) 
+
احتضنتها شقيقتها تحتويها بين ذراعيها لتهدأ من روعها قائلة وهي تحدج محمود بملامح غير مقروءة (ماتخافيش، مش هايقدر يعملها) .. ثم أبعدتها عنها برفق تمسح دموعها بجانب كفيها متابعة (ابنك محتاجك جنبه دلوقتي، روحي خديه فحضنك) .. 
+
سألتها بشهقات متقطعة (ومحمود؟) 
+
ردت عليها بثقة (هابلعه كلامه واشربه وراه ميا) … أنهت كلماتها بنظرة مؤكدة وأشارت لها أن تغادر ولا تحمل هماً فالأمر مُنتهي قبل بدئه .. تتبعتها حتى تأكدت من انصرافها تماماً ثم عادت لزوجها الذي مازال واقفاً لا يبالي بشئ سوى نجاح مخططه القذر ثم سألته مبتسمة ابتسامة خالية من التعابير (سمعني كده تاني عايز تعمل ايه فريان؟) 
+
جاوبها بسخرية مقيتة (ولا حاجة يابيبي؟ ، لقيته ناقص رباية فقولت امرجحه شوية على حبل المشنقة) 
+
أطلقت نهى ضحكة عالية قائلة (وانت متخيل اني هاسيبك تأذي ابن اختي واقف اتفرج عليك؟) 
+
قال بعدم اهتمام (هاتعملي إيه يعني، آخرك تعيطي شوية) 
+
اقتربت منه حتى أصبحت قبالته تماماً لتطوق رقبته بذراع وبالأخرى تتلاعب بياقة قميصه قائلة بنبرة أصبغتها بالإغواء (انا عايزاك تفكر بس ، مجرد تفكير إنك تجيب سيرة ريان وهافرجك هاعمل ايه) … شبت على أطراف أصابعها تهمس بالقرب من أذنه (دفاترك القديمة كلها هاتتفتح ياروحي، صفقات المقاولات الفاسدة، والمخدرات ، والسلاح، وغسيل الأموال) .. ابتعدت عنه قليلاً تغرز نظراتها في عمق عينيه مستكملة (ده غير قتل عبدالرحمن السويسي ومراته) .. أحس بالتوتر من طريقتها التي توحي بأنها جادة… جادة جداً .. ولن تقصر فيما ستفعله إذا نفذ تهديداته لكنها لم تعطه فرصة للحديث متابعة بلهجة خطرة (بلاويك وجرايمك السودة متجمعة على فلاشة صغنونة قد كدهو، هاتشيل ابن اختي من دماغك وتبعد عنه؟ ، كان بها، مش هاتشيله وعايز تلعب ضربات جزاء؟ ، حبل المشنقة اللي عايز تلفه حوالين رقبته هايبقى تحفة ولايق على رقبتك أوي لما احطهولك انا بإيديا) 
+
قبض على مرفقها بكفه ليلوي ذراعها خلفها قائلاً بشرٍ (ما انا ممكن اقتلك عادي جداً ، واعمل اللي فدماغي، وهاطلع منها زي الشعرة مالعجين) 
+
تخلصت نهى من مسكته بسهولة قائلة بتحدي (المستندات والتسجيلات اللي فيها اعترافاتك بجرايمك، عندي منها خمس نسخ، كل نسخة في مكان، ولو اختفيت نص ساعة بس هاتتقدم للنيابة) 
+
صك أسنانه بغيظ قائلاً (بتبعيني يانهى ، بدل ماتقفي جنبي وتنتقمي من اللي رفض بنتك وذلها؟) 
+
        
          
                
تراجعت للخلف خطوتين لتجلس أمامه على الأريكة واضعة ساق فوق الأخرى قائلة بسخرية (بقا انت عايز ريان حفيد الحاج زين الدين، حافظ القرآن ،سليل الأشراف يتجوز بنت حرامي وقتال قتلة زيك؟) .. سكتت لثواني تتابع ردود أفعاله الخائفة ثم استطردت بحسرة (ريان عايز واحدة زيه، تليق بيه وبأخلاقه، مش بنتك اللي طالعة نسخة منك في شرك وحقارتك) 
+
صُعِق من كلامها فكيف لها أن تتحدث عن ابنتها بهذا الشكل قائلاً بذهول (انتِ ازاي تتكلمي عن چيسي كده؟ ، دي بنتك الوحيدة؟ وبعدين ما انتِ كنتِ بتحاربي عشان يتجوزوا ، فجأة اكتشفتي إنها ماتليقش بيه؟) 
+
ردت عليه بحزن يخفي وراءه الكثير من الألم (كنت غلطانة، زي ماغلطت في تربيتها وسيبتها لنفسها لحد ما بقيت مستنقع قذر، كل اللي بيقرب منه بيتوحل ويتوسخ) .. ابتلعت غصة مريرة استقرت في جوفها متابعة (بنتك يا محمود بيه، ماتتحطش ند بند مع ريان ولا تتساوى بيه) 
+
همّ أن يرد عليها لكنها استوقفته بسبابتها مُحذرة (قصره، ڤيديو ريان يتمسح من تليفونك وتليفون اللي مصوره، والباقي انت عارف هاتتصرف فيه ازاي) .. نهضت من مكانها مجدداً تستعد للخروج وانهاء ذلك النقاش لصالحها قائلة بثبات (انا عايشة معاك طول عمري عالهامش، بس اللي بيعاشر التعابين بيتعلم اللدع منهم) .. لم تعطه فرصة للرد على حديثها الذي جعله يرتجف من الخوف وتركته يرغي ويزبد لتلحق بشقيقتها وتطمئنها ، وهي تعلم أنه أجبن من المخاطرة بحياته في سبيل انتقام أحمق أقنعته به الشيطانة الصغيرة .. وبعد تفكير دام لوقت ليس بقليل وجد أن الدفة ستنقلب عليه والحل الوحيد هو التراجع وعدم خوض حرب سيكون أكبر خاسر بها، وكعادته سيستطيع حل الأمر بعلاقاته المشبوهة وسيدفع الأموال بسخاء مقابل طمس الجريمة وتحويلها من جناية إلى مسألة قضاء وقدر وباتصال هاتفي صغير تم تمزيق تقارير الطب الشرعي الحقيقية والتي تثبت أن الحادث مُدبر وبفعل فاعل ، وكتابة أخرى مُلفقة ، تفيد بأن الماس الكهربائي بطل الكارثة وأنه السبب في اندلاع النيران لتحصد أرواح بريئة كانت نائمة في أمان الله….. 
+
***************
+
مثل شجرة ، مكسورة الأغصان ، ترتفع وحدها في العراء كان يجلس ريان بجوار كريم على مقعد من مقاعد المستشفى، ينتظران انتهاء الطب الشرعي من فحص الجثث وتحديد أسباب الوفاة والحزن يطوق عنقيهما كالسَّمِيقَانِ ، والمشاهد تمر أمام أعينهما سريعة وكأنهما ينظران عبر نافذة قطار ، وأثناء جلستهما المحزونة دخل عليهما الجد زين يتوكأ على عكازه ، لم يستطع ترك حفيده الغالي في مثل هذا الظرف وحيداً بمجرد وصول الخبر المشؤوم لمسامعه ، تاركاً زوجته في حالٍ لا يُرثى لها من البكاء والحزن، وما أن رآه ريان حتى انتفض من مكانه ليرتمي بين ذراعيه باكياً يقول بألم يمزق أحشائه (مريم ماتت ياجدو) 
+
شدد جده عناقه يقبل وجنته قائلاً بمواساة (شد حيلك يابني ، البقاء لله وحده) .. ثم جذبه برفق نحو المقعد مجدداً ليجلس ويجلسه بجواره يحيط كتفه بذراعه بينما يستند ريان برأسه على صدره ودموعه لا تتوقف فتابع الجد محاولاً تهدئته (كل نفسٍ ذائقة الموت، والصبر في البلاء أدب مع الله) 
+
        
          
                
رد عليه ريان بنحيب مرير (مش قادر استحمل، قلبي اتحرق معاها) 
+
تحدث الجد بنبرة راضية ومن مثله يُضرب كمثال للرضا بعد فقده لفلذة كبده (مريم راحت لمكان أحسن بكتير من هنا ، واللي خلقها واستردها أحن عليها منك)
+
استمر ريان في إخراج ما في جوفه من عصارة الوجع (هاعيش مكسور بقية عمري من بعدها ياجدو، أنا عمري ما أذيت حد، ليه تأذيني فيها يارب؟) 
+
ضمه الجد إليه أكثر قائلاً (الصبر ياريان، الصبر ياحبيبي ، ربنا يصبرك ويربط على قلبك) .. 
+
-(من فضلكم، احنا محتاجين متطوعين للغُسل والتكفين) .. قالتها إحدى الممرضات بأسف بالغ فعدد الضحايا أكبر من طاقم الأطباء والتمريض، وكان الجد زين أول المستجيبين، يحث ريان وكريم على اتباعه لعلّ مشاركتهم في هذا الثواب العظيم تكن لهما عظة وعبرة يدركا بها حقيقة (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) .. فلو كان أحد ناجياً من الموت لكان أنبياء الله والمُرسلون أول الناجين ، أطاعاه يسيران خلفه بخطوات واهنة وقلوب يعتصرها الألم فقال لهما  
مردداً حديث رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام (من غسل ميتاً خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه) .. مُتبعاً الحديث الشريف بالكثير من الحوقلة و
الاستغفار ، وبمسافة قصيرة أرشدتهم الممرضة لغرفة الغُسل حيث الحالات التي توفت نتيجة الاختناق بينما تولى الطاقم الطبي غُسل الحالات المُتفحمة حتى لا يتعرض أحدهم للصدمة، فمعظم الناس لايتحملون منظر الأجساد المُحترقة ، كانت جثث الصغار مُمددة فوق أسرّة بيضاء ووجوههم المستنيرة ، الباسمة تبشر بأن مُستقرهم عند رب العالمين مع الشهداء والصديقين وحسُن أولئك رفيقا.. وفي مثل تلك المواقف يُزاح الحزن جانباً وتحل محله المسئولية والإحسان، توزع الجميع حول الأطفال وبدءوا بصب الماء فوق ميامنهم ومياسرهم ومواضع الوضوء ثم كامل أجسادهم سبع مرات وفي الغسلة الأخيرة وضعوا الكافور ،استعداداً لتكفينهم بقماش رقيق مُطيب بالحناء .. ومن بعيد لمح ريان الصغيرة سلمى بين الضحايا، شهق شهقة فارعة الوجع يحاول الثبات قدر المُستطاع وسارع نحوها ليغسلها ويكفنها بيده، ودموعه لا تتوقف كمداً وقهراً على بُرعم صغير اُجتث من جذوره آخذاً معه قلبه وكلمة أبي التي نادته بها اطمئناناً لرحابة واتساع حنوه .. وقبل أن يحكم لف الكفن حول رأسها قبّل جبينها يودعها بكلمات خرجت من أعمق نقطة ألم في صدره (مع السلامة يالوما، هاتروحي لبابا وماما خلاص)… ثم ضمها إليه متابعاً (هاتوحشيني ياحبيبتي) .. أخرجه من حالته المتوجعة صوت الممرضة تقول بتأثر (بعد إذنك، البنوتة دي هاتتحط مع المربية بتاعتها في نعش واحد، أخو الست موصي بكده لأنها ماتت في حضنها) .. أدرك أن المقصودة صباح فلم يستطع السيطرة على نفسه وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار كلياً لكنها أسندته بعدما تناولت الصغيرة تقول ببكاء (البقاء لله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون) .. اندفع كريم الذي لم يكن أقل انفطاراً منه ليحتضنه فقال له بصوت مهزوز (صباح كمان ماتت) .. فأحاطه بذراعيه يرد عليه بنشيج مرير (الله يرحمهم جميعاً ، ويجعل مثواهم الجنة) .. والآن عصافير الجنة أصبحوا جاهزين للرحيل، وتم وضع خمس أطفال داخل النعش واحد، أما المفقودات من المربيات ، وُضعت جثثهن في نعوش منفردة، ماعدا صباح آنستها صغيرتها التي وافتها المنية بين أحضانها لتكن لها نِعمَ العمل الصالح ونوراً يضئ قبرها ويشفع لها أمام الله ، وحُمِلت الجثامين فوق الأعناق ليغادروا المستشفى بواسطة عربات الإسعاف ، طائرين بأجنحة الملائكة نحو مثواهم الأخير في مشهد مهيب حضره جموع محتشدة لإقامة صلاة جنازة جماعية يتقدمها ريان وكريم والجد زين ولحق بهم سعد والكثير من رجال الأعمال ووفد ضخم بعثته وزارة التضامن الاجتماعي لمؤازرة الدار المنكوب في مصابه الجلل ، وفتحت البلاد قبورها لتستقبل أحباب الرحمن عساها تكون برداً وسلاماً على أجسادهم، ويجدوا بين أحضانها الرحمة التي تلاشت من عالمهم فأودت بهم جثثاً هامدة ليواروا الثرى، ووقف المُعزيين بعد انتهاء مراسم التشييع والدفن ،يتلون آيات القرآن والأدعية .. بينما كان ريان واقفاً يبكي مأساته بقلب مفطور، مليئ بالثقوب، والهاوية تلّوح له من بين شواهد القبور ، فاجعته أكبر من أن يخفيها ، وأعمق من أن يطمرها ، ومَن يخبر العالم أنَّ هولَ البقاء على قيد الحياة بعد موتها أصعب من الموت ذاته .. ووسط صدمته واضمحلال وعيه المنطفئ الذي لا يدرك شئ سوى أنه دفن حب عمره تحت التراب ، تم ذكر أسماء ستة فتيات أثناء الدعاء على الرغم من وجود أربع جثث فقط، فهناك جثتين مفقودتين لم يعثر أحداً لهما على أثر …. 
+
*************
+
زر الذهاب إلى الأعلى