روايات رومانسية
رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل السادس والعشرين 26 بقلم اسيل الباش
رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل السادس والعشرين 26 بقلم اسيل الباش
الفصل السادس وعشرون (الجزء الاول)
في بعدك.. من يوقد شمعة الغزل..
ويموج بروحي كرياح المطر..؟
في بعدك.. بمن اتشبث؟
وبمن اتغزل؟ وبمن اتأمل؟
لقد احببتك فوق الحب حبًا،
وعشقتك فوق العشق عشقًا،
رغم بعدك.. ودون قربك..
ورغم ليالي جفاء التنائي..
ودموع الايام.. وشجن الكلمات..
—————————
إتسعت عيناها برعبٍ شديد بينما اخذ قلبها الذي خارت قواه ينبض بقسوة، غير عابئًا بوهنه.. طالعتهن ياقوت دون تصديق للحظات طويلة.. ثم سرعان ما كانت دموعها تسيل على وجهها وهي تغمغم بنبرة ضعيفة مكسورة:
– ماذا قلتِ؟ انا.. انا ماذا؟
بتعجب اجابتها الداية:
– انتِ حامل!
– لا!! لا!!! مستحيل!!
صاحت ياقوت بعنف وهي تجهش ببكاء حاد لتطالع غزالة السلطانة فتفهم نظرات كنتها وتقوم بالخروج برفقة الداية من الغرفة..
قالت غزالة ببكاء متأثرة بانهيار ياقوت:
– ياقوت لا تفعلي ذلك بنفسك! لن يجبرك احد على اي شيء!
صرخت ياقوت بمرارة وهي تضرب السرير الذي ترقد عليه بقبضتيها بعنف:
– لا!! لا يا الله! سوف تجبرونني على العودة إليه وانا لا اريد ان افعل.. لا اريد! لا!! لا يا الله!
رفعت ياقوت رأسها فجأة وتطلعت أمامها بعينين شاخصتين للحظات معدودة قبل أن تنظر الى بطنها بجنون:
– اين هي؟ اين تلك الداية؟ قومي بالنداء عليها لتخلصني من هذا الطفل اللعين؟ ناديها والا سأقتل نفسي!
زجرتها غزالة بحدة:
– هل جننتِ يا ياقوت وفقدت عقلك؟.. هذا حرام! كيف سيهون عليك أن تقتلي روحًا لم تلد بعد؟ هذا طفلك.. من رحمك.. سيكون سندك وسيرفع لك ظهرك.
أغمضت ياقوت عينيها ودموعها تنهمر وتنهمر دون تريث.. ثم انتحبت هاتفة:
– سوف تخبرونه عن مكاني بحجة انني حامل.. لن اعود اليه.. لن افعل! اقتل طفلي ولا اعود اليه.. هل تفهمين؟
– قسمًا بالله لن أخبره.. وان ادع خبر حملك يصل اليه أبدًا ولكن لا تفعلي ذلك بنفسك.. انت تريدين الراحة والبعد.. ولكِ ما أردت.. حتى اذا اردتِ بعد أن تلدي سيبقى موضوع حملك سرًّا ومُخفى عن الجميع.. انا اعدك!
غمغمت غزالة بنبرة صادقة وهي تضم ياقوت الى جسدها التي همست بنبرة بائسة:
– انت تكذبين.. تحاولين أن تخدعيني، اليس كذلك؟
هزت غزالة رأسها سريعًا نافية:
– قسمًا بالله العظيم لا اكذب.. انا لن أخبره أبدًا عن مكانك يا ياقوت ولا احد سيخبره.
رفعت ياقوت رأسها تحاول أن تستنبط الصدق في مقلتي غزالة.. ثم إزدردت غصتها الخانقة وشحوبها يزداد بينما تغمغم بنبرة موجوعة:
– لماذا هناك دائمًا ما يربطني به؟ اريد ان ارتاح.. قلت ان ببعدي عنه سأرتاح ولن يكون هناك بعد الآن ما يجمعني ويربطني به.. ولكن ها هو هذا الطفل يربطني ويذكرني به مجددًا.. لماذا؟
ردت غزالة بهدوء متفهمة خوفها وحزنها:
– ياقوت حبيبتي الحمل ليس شيئًا عجيبًا.. انت متزوجة منذ فترة لا بأس بها وهو يقترب منك منذ فترة.. كان لا بد أن يحدث الحمل يومًا ما.. واحمدي الله أن الحمل حدث وانت بعيدة عنه والا ما كان سيدعك تغيبين عن نظره لو لدقيقة واحدة.. اكثر ما يتمناه طفلًا منك انت خاصةً.. ادري انه عذبك كثيرًا وانا على الرغم من كوني شقيقته لا أرضى بظلمه لك.. محال أن ارضى لأنك انثى مثلي.. ادري بمقدار وجع الظلم ومرارته.
إختنقت نبرة صوتها وهي تسترسل فيظهر الألم العميق الذي يكمن داخلها:
– انا أيضًا تعذبت وفقدت طفلي بسبب ظلم شقيقك لي.. لذلك اخبرك أن لا تفقدي طفلك واهتمي به.. سيكون سلاحك ضد كل من يتجرأ ويؤذيك.
وضعت ياقوت يدها على بطنها تتحسسه برقة ثم همست:
– وإذا لم يكن وحاول أن يكسر ظهري؟ اذا عرف ساري به وحاول أن يعيدني اليه؟ ماذا سأفعل حينها؟
إبتسمت غزالة بحنو:
– انت اقوى منه يا ياقوت.. تذكري أن بداخلك نقطة ضعفه.. انت تحملين اغلى روحين على قلبه.. تحملين روحك وروح طفلكما!
زفرت ياقوت بوهن ثم هزت رأسها بعزم وهي تعيد النظر إلى بطنها..
– اريد ان انام.. دعيني لوحدي من فضلك!
******************
وقف قسورة ينظر إلى السماء بعينين جامدتين وخنساء تقف على بعد منه تتأمله بتعاسة.. كان شاردًا واجمًا.. ملامحه لا تشي بشيء.. فقط الجمود يستوطن ملامح وجهه الجميلة..
تتذكر حينما عاد إلى المنزل ودماء معتصم وعزيز تلطخ ثيابه ويديه..
حينها كادت أن تفقد عقلها رعبًا عليه وما أن همت بسؤاله والصراخ كان يهتف بنبرة حادة مقتضبة
“اخذت بثأر شقيقك وبثأر طفلنا”
وقبل أن تحاول مرة أخرى الحديث كان يرفع كفه قائلًا بخشونة
“لا اريد ان اسمع اي كلمة الآن.. دعيني لوحدي فقط”
ثم غادر بعد ذلك تاركًا إياها لا تعرف ماذا حدث أبدًا والقلق يعصف بها عصفًا..
تنهدت خنساء بمرارة ثم دنت منه بإرتباك لتغمغم بوهن بينما تمتد يده لتلمس ذراعه برقة:
– قسور هل ستبقى على هذا الحال طيلة اليوم؟
لم يرد عليها وبدى أنه من الاساس لم يسمعها.. فهزت خنساء ذراعه بخفة:
– حبيبي.. قسور.. انظر الي!
هز رأسه بخفة ثم تطلع إليها وقال بخشونة:
– ماذا هناك يا خنساء؟
تأبطت ذراعه وتساءلت بنبرة شجية:
– ما خطبك حبيبي؟ ما الذي. يؤرق مضجعك ويزعجك الى هذا الحد؟ ما الذي يحزنك؟
اشاح قسورة بعينيه وهتف بنبرة قاسية تحمل في طياتها وجعًا عميقًا:
– لا شيء عدا انني قتلت روحين اليوم.. فقط قتلت اثنين من أبناء عمومتي! معتصم وعزيز! ما رأيك خنساء الان؟
إتسعت عيناها بنظرات مصدومة مذبهلة وسارعت دموعها للتجمع في مآقيها:
– هما؟!!! هما من قتلا شقيقي؟! من قتلا احمد؟ لماذا؟ لماذا؟
هزت رأسها بذعر ووجع وهي تدمدم بعدم وعي ودموعها تتدحرج على وجنتيها بقساوة مشاعرها الموجوعة:
– يا الله! كيف طاوعهما قبلهما أن يقتلا ابن عمهما؟ ما هي الفائدة؟ احمد لا يستحق! لعنة الله…!
صمتت سريعًا وهي تستوعب أن قسورة قتلهما وصارا الاثنان الآن تحت التراب فغمغمت بصوت مرتعش:
– قسورة!! هل انت بخير؟
زلفت منه أكثر لتحيط وجنتيه بكفيها بينما تطالعه بحزن وقبل أن تحاول الحديث كان قسورة ينحني برأسه ليقبلها بقوة محاولًا قدر الإمكان إقصاء فكرة انه قتل اليوم شخصين من عائلتهما..
قبلته لها كانت عنيفة ومع ذلك تجاوبت معه خنساء وهي تكاد تصرخ من قسوة عناقه لجسدها..
كان في عالم اخر كليًا.. يحارب به تأنيب الضمير.. الخوف من الله.. الخوف من القادم.. الخوف من العداوة التي ستنشأ لا بد بين أفراد قبيلته..
انتقم وأخذ بثأر ابن عمه وبثأر طفله ولكن ليس سهلًا أبدًا أن تقتل روحين بجمود وبلا مبالاة خاصةً إذا كانا يقربانك.. ليس سهلًا أبدًا..
استشرست قبلته عنفوانًا مؤلمًا وشفتيه تؤدي طقوسها حول وجهها وعنقها.. ثم طال بهما الليل وطال وقسورة ينهل من شغفها دون اكتفاء ودون أي تروٍ.. وهي رغم كل شيء احتوته برحب الصدر.. رغم قسوة لمساته وعنفوان مشاعره.. احتوته بقلب امرأة عاشقة وبادلته جنونه بتوق وشغف كبير دون الحاجة للحديث أو التفوه بالكلمات التي لا معنى لها مؤقتًا.. دون الحاجة لاي شيء سوى الشعور بالبعد يندثر بينهما والاحتواء يلتحم بينهما بجنون..
******************
بعد اسبوع..
تلبث يوسف قبالة باب منزل فؤاد وغزالة بقلب ملهوف ومنقبض في آنٍ واحد..
كان قد بعث فؤاد بأحد من رجاله ليطلب وجوده.. وبعد أن تحدثا عرف يوسف من فؤاد أن ياقوت تختبئ في منزله..
كان بحاجة لشقيقته.. أن يحتويها.. أن يشعر أنها على قيد الحياة ويطمئن على سلامتها.. أن يضمها لصدره ويشعر انها هي أيضًا لم تتركه لوحده في هذه الدنيا وتغادر..
حينما فتح فؤاد الباب واشار له بيده أن يدخل بلغ به التوتر منتهاه.. من سيلتقي بها هي شقيقته فلماذا كل هذا الخوف والتوتر؟ على الرغم من كونها هي من طلبت أن تراه ولولا طلبها لم يكن ليعرف مكانها أبدًا إلا أنه مذعور من فكرة أن تكون سواء حالتها الجسدية أو النفسية سيئة..
– السلام عليكم.. هي في هذه الغرفة!
همست غزالة باستحياء ليهز يوسف رأسه بإمتنان ويطرق الباب بقبضته عدة مرات فيوافيه اذنها له بالدخول..
التقط يوسف أنفاسه بصعوبة ودخل ثم اغلق الباب خلفه ورآها… رآها جالسة على السرير بضفيرة طويلة مرتاحة على كتفها الأيمن بينما بعينين رقراقتين تنظران له بلهفة وآسى..
لم تتردد قدماه للحظة وهي تقوده إليها ليجلس بجانبها على طرف السرير ثم يأخذها سريعًا في حضنه وتنهمر دموعه ودموعها..
بقي يوسف يريد عبارة “حمدًا لله” بصوت عالٍ بينما ياقوت اخذت تردد اسمه بضياع واستنجاد..
بعد دقائق طويلة بعض الشئ ابتعد يوسف عنها ليحيط وجهها بكفيه وسألها:
– كيف حالك يا ياقوت؟ هل كنتِ طيلة الوقت هنا؟
اومأت برأسها مستنزفة تمامًا:
– منذ اللحظة التي هربت بها منه وانا هنا.. اختبئ في منزل شقيقته.
– الم يعرف بعد بمكانك؟
تساءل بتوجس فهزت رأسها تنفي سريعًا وغمغمت:
– لا احد يدري.. لا هو ولا غيره.. انا مرهقة يا يوسف! انا اتألم للغاية!
قبّل جبينها وسألها بحنو:
– هل اخذك برفقتي الليلة؟ هل تريدين المجيء إلى منزلي؟
– لا! سيعرف مكاني.. ربما يراقبك وانت لا تدري! سأبقى هنا فهو لا يشك بشقيقته غزالة ابدًا!
تمتمت برعب ليتنهد قائلًا:
– سأحاول أن أجد طريقة احضرك بها الى منزلي.. انت لن تبقي طيلة الوقت في منزل فؤاد ما دمت اعرف مكانك!
تنهدت ياقوت بوهن ثم تساءلت بتردد:
– ما هي اخبار القبيلة؟ اقصد.. يعني العائلة؟
إستفحلت وطأة الكماشة التي تخنق فؤاده وهو يتذكر الايام الماضية بتعاستها ومرارتها.. موت احمد ثم معرفته بقاتله ثم موت معتصم وعزيز..
أغمض يوسف عينيه مرتبكًا وخائفًا.. لا يدري إذ كان من الصواب أن يقص على ياقوت كل الاحداث الماضية وخاصةً موت شقيقهما معتصم بسبب قتله لأحمد..
تمتمت ياقوت بتخفر عندما لم تجد منه غير الصمت:
– يوسف.. هل الاخبار لا تسر؟ ماذا هناك؟ أخبرني!
جذبها الى صدره ليضمها بقوة ثم همس بشحوب:
– لا شيء! لا شيء!
– يوسف!
اعترضت بإستنكار وهي تحاول الابتعاد عنه فيثبتها بحضنه ويغمغم بآسى:
– انا وحيد يا ياقوت! ليس لي غيرك الآن.. اخاف ان اخبرك فتتأذي.. لست مستعدًا على خسارتك انت الأخرى بعد أن وجدتك.
استسلمت له وهمست بضياع:
– انا لا افهم! ماذا تقصد؟ لن تخسرني! لا تقلق علي!
زفر انفاسًا حارة تكوي روحه ورد بكذب:
– اقصد بسبب موت احمد.. انت لن تتحملي اي شيء اخر.. وانا لا اريد ان ألقي همومي عليك إذ أن همومك تكاد أن تهدم جبلًا!
سالت دموعها دون أي تريث وهمست بشحوب والم بينما يدها ترتفع لتحيط اسفل بطنها بخوف:
– انا حامل يا يوسف! هذا هو همي الكبير حاليًا! انا مذعورة! مذعورة أن يجدني ساري ويعيدوني إليه بحجة الحمل.
للحظات لم تظهر أي رد فعل منه فإبتعدت عنه بتوجس لتطالع ملامحه المصدومة.. إرتعشت شفتيها لتغمغم ببؤس وخوف:
– انا ايضًا لا أريده!
أعادها يوسف سريعًا إلى صدره يهتف بآسى:
– لا يا ياقوت! لا حبيبتي! لا ذنب للطفل أن يموت بسبب كرهك لوالده! لا يستحق! بالعكس استغلي حملك لتكوني اقوى! في رحمك روح أن شاء الله ستكون سندك وقوتك حتى الممات.
حمد الله أنه لم يخبرها عن موت معتصم.. يخشى أن يؤذيها وهي حامل..
لثم جبينها قبل أن يسمعها تقول:
– أن شاء الله سأحتفظ به وسأحميه.. ارجوك يوسف لا تخبر اي شخص بمكاني.. وانتبه جيدًا حينما تزورني!
******************
وضعت حسناء يدها على بطنها الذي ازداد انتفاخه بشكل ملحوظ وهي تبتسم بحب شديد.. وإتسعت ابتسامتها العاشقة اكثر حالما شعرت بيدي زوجها تطوقانها بقوة وبشفتيه تتجولا على خدها وعنقها بينما يهمس بعشق:
– اشتقت لكِ! كيف اهون عليك وتدعيني وحدي بسبب هذا الولد العاق قبل أن يولد!
ضحكت حسناء ملئ شدقيها واستدارت لتحيط عنقه بذراعيها مغمغمة بدلال:
– اشتقت لك انا بجنون يا روح حسناء.. ولكن انت تدري بحملي.. والان انا أصبحت بحال افضل وسأغدقك بدلالي انا وطفلنا البار.
ومضت عينا أيهم بنظرات خبيثة وقال بمكر:
– اثبتي لي الآن حبيبتي.. لأنني عاشق مشتاق حد النخاع.
رفعت جسدها قليلًا تقف على أصابع قدميها بينما تلمس شعره بحنو.. وبخجل قبلت طرف شفتيه وهمست:
– احبك يا أيهم! وطفلي لأنه منك اعشقك!
لم يغمض عينيه مستمتعًا بمشاعرها التي تغلف وجهها وهي تتغزل به.. اخذت عيناه تراقب إغلاقها لعيونها مستسلمة تمامًا لتيار مشاعرها الذي كاد أن يجرف قلبه الى الهلاك وهو يخفق بعنف ليس له حدود.. احتدت وتيرة أنفاسه بسبب أنفاسها اللاهثة التي تقابل أنفاسه بعنف ورقة..
بمشاعر عنيفة ارتفعت يده ليمررها على ظهرها بنعومة شديدة يقرّبها منه أكثر، محاولًا بصعوبة اخفاء ضحكته الشقية من شعوره ببطنها المنتفخة تعيق قربه منها كما يجب ثم جاهد للتركيز بكلماتها التي كادت أن تهلك فؤاده هيامًا:
– الفترة التي غبت بها عنك حبيبي كنت اموت ببطء.. احبك كثيرًا ايهم ولا استطيع أبدًا الابتعاد عنك.. معك انت فقط اشعر بالحب.. اشعر انني انثى مميزة.. معك فقط يا روح وقلب حسناء!
همسها بهذه الكلمات بالقرب من شفتيه لم يفاقم الا من جنون عاطفته ليرفعها حتى تصل طوله ثم دون أي حرف اقتحمت شفتاه ثغرها بشغف وشوق شديد.. بادلته حسناء شغفه ويدها تحيط رأسه بحب ممررة اناملها بين خصلات شعره بنعومة ليتوجه بها إلى غرفة نومهما بينما ذراعيه تتنقل بجنون على جسدها..
بعد عدة ساعات..
توسمت حدقتا ايهم النظر بحسناء المتوسدة صدره بينما يده تمر بحب على ظهرها بعد جولة طويلة من العشق كان يبثها من خلالها جنون حبه لها..
تنهدت حسناء مسمتعة بلمساته الرقيقة ثم رفعت وجهها إليه وتمتمت بدلع:
– حبيبي..
إبتسم وهو يرفع لها حاجبه، هامسًا:
– عيونه لحبيبك.
إتسعت ابتسامتها لتقبل صدره بحب ثم تقترح بتساؤل:
– ما رأيك أن نفكر معًا بأسم لطفلنا أو طفلتنا؟
– اذا طفلة فسيكون اسمها علياء على اسم أمي.
رد أيهم بجدية لتبتسم وتغمغم بتوتر:
– بالتأكيد حبيبي ومن الأساس اسم أمك جميل جدًا.. وانا افكر يعني أن لو كان طفلًا.. اقصد انني اقترح فقط أن يكون اسم الولد.. يعني اقصد…
صمتت حسناء بإرتباك وخوف وهي ترى انعقاد حاجبيه وكأن سحر لحظاتهما قبل قليل ينقشع بعيدًا..
هتف أيهم بنبرة صارمة وقد أدرك ما تريد التفوه به:
ماذا يا حسناء؟ تابعي.
عضت شفتها السفلى قبل أن تقول برجاء:
– لقد قطعت وعدًا على نفسي! ارجوك!
أبعدها عنه برقة لتعتدل وتسند ظهرها على ظهر السرير في حين نهض أيهم وهتف بعصبية:
– حسناء انا أفهم جيدًا ما تريدين الوصول إليه.. ولكن في احلامك أن اسمح لأسم شخص اغار منه عليك على الرغم من كونه تحت التراب الآن أن يكون بيننا.. هذا الاسم مجرد أن أسمعه يحرق أوصالي.. محال يا حسناء! وعدك بإمكانك أن تلقيه عرض الحائط اذا كنتِ لا تريدين حقًا رؤيتي مجنونًا.. وايّاك ثم ايّاك أن اسمعك تحاولين الحديث بهذا الموضوع مجددًا.. هل تفهمين سيدة حسناء؟
صمتت حسناء دون أن تعقب ليزمجر بعنفوان:
– هل سمعت ماذا قلت ام اكرر؟
اومأت برأسها دون أن تنبس ببنت شفة ليدنو منها بعينين شرستين ويهدر بتهديد:
– هل فهمت وسمعت ماذا قلت؟ لم اسمع الى الآن جوابًا منك!
طأطأت ثم أجابت بأختناق:
– حاضر! لقد فهمت.
حدجها أيهم بنظرات دامت للحظات طويلة كانت تحاول خلالها التماسك وعدم البكاء.. ماذا كان سيحدث لو اخبرها بتفاهم عن رأيه؟.. بأمكانه أن يتحدث دون صراخ.. ولكن الرجال كلهم مثل بعضهم البعض.. مجانين!
******************
بعد ثلاثة اشهر..
لم يكن ساري يدري بحمل عائشة.. لم يكن يعرف بحملها اي احد عدا والدتها وشقيقتيها.. كان كل تفكيره يأخذه اليها فقط.. الى ياقوته.. التي اشتاقها بجنون ولم يمل الى الآن من البحث عنها.. سيجدها أن شاء الله.. لا بد أنه سيجدها.. ولو بعد سنوات سيجدها وسيعيدها الى جناحه ليغدقها بجنون عشقه دون اكتفاء.. سيجدها ولن يدعها تغيب عن عينه ولو للحظة..
كان قد تحدث مع عائشة صباح اليوم.. بعد أن كادت روح جسده أن تذبل روح من شدة يأسه واشتياقه لياقوت.. وعرف بموضوع حملها عندما رآها تتقيأ بسبب حملها.. لم يكن يجلس كثيرا في المنزل فلم يكن يراها كثيرًا ويرى اثار الحمل عليها.. لكن صباح اليوم اعترفت له بكل سهولة بحملها وطلبت منه برجاء أن يبقى موضوع حملها بينهم فقط.. لا تريد أن يعرف اي شخص من قبيلة الفهدي.. وهو وافقها قبل أن ينظر إليها بتمعن ويقول بآسى:
– الا تعرفين مكانها يا عائشة؟ اخبريني انك انت من ساعدتها على الهروب! صارحيني وقسمًا بالله لن اعاتبك أو اعاقبك.. فقط اريد ان اعيدها الي.
بخوف مطموس داخل صدرها كانت تجيبه:
– لا والله انني لم اساعدها على الهروب يا ساري.. ولو كنت اعرف مكانها لأخبرتك.. انت في النهاية شقيقي! بالتأكيد لن اراك تتألم هكذا وابقى صامتة!
– اصدقيني القول يا عائشة!
هتف ساري بجدية لترد عائشة بهدوء:
– انا صادقة يا ساري.. لا اعرف مكانها.. لن اكرر تجربتي بعد المرة الأولى التي ساعدتها بها على الهروب.
هز ساري رأسه بآسى ثم غادر متوجهًا الى منزل شقيقته غزالة ليتحدث معها فهي الوحيدة التي تفهمه..
وفي طريقه اشترى لها بعض الاغراض كالخضار والفاكهة والمكسرات ثم توجه إلى منزلها..
رحبت به شقيقته فهذه ليست المرة الأولى التي يزورها بها بعد هروب ياقوت.. وياقوت طيلة الوقت اساسًا لا تفارق غرفتها وحمدًا لله أن كل مرة يزروها يغادر دون أن يشعر أو يشك بإختباء ياقوت في منزلها..
كانت غزالة على معرفة ان ياقوت موجودة في غرفتها فلذلك تصرفت براحة أكبر وهي تقول لشقيقها:
– ساري حبيبي ضع الاغراض في المطبخ وتعال لنجلس ونتحدث.
اومأ ساري ثم اتجه بقلب مرهق من شدة شوقه لحبيبته التي هجرته ووضع الاغراض على الطاولة الخشبية دون أن ينتبه أن من هاجرته تقف بجانب نافذة المطبخ تنظر عبرها الى السماء بكآبة..
ظنت ياقوت أن غزالة من دخلت إلى المطبخ فهمست بتعب دون أن تشيح ببصرها عن السماء:
– غزالة.. هل ابدأ بتحضير الغذاء الان ام بعد قليل؟
لثوانٍ معدودة شعر بجسده كله يتجمد وقدميه بصعوبة شديدة تستدير لتتأكد عيناه من وجودها أمامه.. حدقتاه إتسعتا ومشاعر شتى هاجمته دون رحمة.. خوف.. لهفة.. فرح.. تعب.. غضب..
– ياقوت!
تمتم ساري بنبرة قاسية غير مصدقة وكأنه يشرب حروف اسمها بنهم فإستدارت ياقوت بسرعة بقلب مذعور وقبل ان يدنو منها خطوة واحدة كانت تصيح بفزع وسعادتها الوهمية تختفي وتضمحل:
– لا!!!! غزالة ساري!!!!! لا!!!! لا!!!!!
————————–
يتبع..
الفصل السادس وعشرون (الجزء الثاني)
ازداد صراخها عنفوانًا وهي تراه يخطو نحوها.. هزت رأسها بذعر محاولة تخطيه والهروب منه إلا أن سرعان ما كانت يداه تكبلان جسدها.. يضمها بقوة كادت أن تسحق جسدها.. جل ما يريده في هذه اللحظة هو التأكد انها حقًا بين ذراعيه..
– ابتعد عني.. ابتعد.. لماذا اتيت؟ لماذا؟
– ششش..
همس ساري بنبرة لم تفاقم الا من رعبها خاصةً وجسدها يرتفع عن الأرض.. دفن رأسه في عنقها يستنشق نعيم عطرها الذي أخذ بالتغلغل داخل ثنايا قلبه.. يا الله ماذا يفعل به قربها! يكاد يشعر بضلوع صدره ستتمزق من شدة خفقان فؤاده الملهوف..
قاومته بتخبط وهي تشعر بقبلاته تتفرق على عنقها بشغف وجنون.. ودموعها تتصبب بخوف دون أن تقدر على مقاومتها.. ستنهار يا الله! اخر شيء ارادت حدوثه هو رؤيتها له..
أغمضت عينيها وهي تهدر بنبرة شرسة مرتعبة:
– دعني وشأني.. الا تفهم انني لا اطيقك! دعني يا الله!
– ساري ارجوك اتركها!
هتفت غزالة بذعر ليحرر ياقوت من ذراعيه ويكتفي بجذبها من خصرها إلى صدره حتى لا تبتعد عنه..
القى ساري على غزالة نظرة متفرسة قبل أن يسألها بخطورة:
– هل كنتِ تعرفين بمكانها ولم تخبريني يا غزالة؟
بتحدي أجابت ياقوت وهي تقاومه:
– لا كنت ادور كل ليلة في مكان مختلف.. وانام كل مرة في مكان.. كنت اتجول في الليالي دون أن يمنعني احد.. واتحدث مع من اريد وافعل كل ما اريد!
ادلهمت حدقتاه بسواد قاتم ويده ترتفع إلى ذراعها تضغط عليها بقوة مؤلمة بينا يقرّبها اكثر الى صدره..
أنّت ياقوت بوجع وغزالة تقول بسرعة:
– لا والله يا ساري منذ أن غادرت المنزل وهي في بيتي.. لم تخرج إلى أي مكان!
رمقها ساري بنظرات مطعونة قبل أن يهتف بنبرة حادة، وهو ينظر إلى ياقوت بينما يحرر جسدها:
– هيا اذهبي لتجهيز نفسك حتى تعودين معي!
تراجعت ياقوت بسرعة قبل أن تهرول مغادرة المطبخ وهي تصيح بقهر:
– لا اريد ان اعود اليك.. لن افعل!
تحرك ساري نحوها فوقفت غزالة أمامه بإرتباك وقالت:
– دعني اتحدث معها اولًا!
– ابتعدي عن طريقي!
همس ساري بغضب سببه سكينة الغدر الذي يشعر بها تطعنه بقساوة شديدة وممن؟ من غزالة!!! الذي لآجلها فقط قام بإختطاف ياقوت حتى يثأر لوجعها.. التي بسببها إفتعل كل انواع الجرائم وتحدى العجائب.. لآجلها فقط!.. هي شقيقته الأقرب إلى قلبه! والذي لو خانه العالم كله ما كان سيهتم ما دامت هي موضع ثقة بالنسبة له كما توهم!
إبتعدت غزالة من امامه والألم ينبض حيًّا في مقلتيها الممتئلتين بالدموع.. كيف تشرح له الآن موقفها وتبرر له خيانتها له! الالم الذي تشعشع في جسدها لا يضاهي ذرة واحدة من الوجع الذي أخذ ينهش قلبه بضراوة..
إنحدرت دموعها بآسى وهي تراه يتجه إلى الغرفة التي دخلتها ياقوت وأغلقت الباب خلفها..
لم تحاول الحديث الان.. فأي كلمات ستسعف موقفها وتخفف من مرارة جرحه الغائر التي تسببت هي به؟ لا شيء! فقط لا شيء!
ترددت.. هل تقترب منه ام تدعه وشأنه وهي تراه يطرق الباب الذي اوصدته ياقوت خلفها بالمفتاح بعنف..
هتف ساري بعصبية شديدة:
– ياقوت افتحي الباب! افتحيه قبل أن اكسره على رأسك!! هل تعتقدين أن هذا الباب سيخفيك عني بعد الآن؟! قسمًا بالله العظيم لن اغادر الا وانت معي.. افتحيه!
صاحت ياقوت بغضب يوازي خوفها هي الأخرى:
– لن افتح.. لن افعل! اضرب رأسك بألف جدار اذا اردت.. انا لن افتح الباب!
ارتدت الى الوراء ووضعت كفيها حول اذنيها وهي ترى الباب يهتز بسبب ضربات ساري المجنونة التي تنزل عليه.. جلست على السرير تحدق بالباب بترقب وانفاسها تتصاعد بلهاث مذعور..
سمعت زمجرته الثائرة فإحتدت خفقاتها وثبًا حتى كادت ان تبجس من صدرها..
– سأريك الآن بمن سأضرب رأسي!
صرخت بتعب وهي تتقوقع حول نفسها حالما رآت الباب يفتح على مصرعيه وساري يتوجه نحوها بوجه مكفهر..
أمسكها ساري بسرعة قبل أن تحاول التملص والهروب منه.. ثم قرّب رأسه بقوة من رأسها لتغمض عينيها بخوف، معتقدة أنه سيضرب رأسه برأسها.. ولكن ظنونها ذهبت عرض الحائط وساري يسند جبينه على جبينها بنعومة بينما لهاثه الساخط يلفح وجهها بعنف..
اغمض عينيه هو الآخر مستسلمًا باستمتاع لانفاسها المجنونة التي اخذت تلامس وجهه كما تمنى ثم غمغم بحزم:
– هيّا لنذهب إلى منزلنا حتى نتحدث.
أحس بدموعها تسيل على صفحة وجهها بقهر فرفع يده ليزيلها برقة، مسترسلًا بجدية:
– محال أن اتركك تغيبين عني بعد أن وجدتك! شهور يا ظالمة دون أن يرف لك جفن وتتساءلين ما أخباره؟ كيف حاله من بعدي؟ على اي حال ستتحدث فيما بعد.. الآن استري فقط نفسك حتى نغادر!
– لا اريد! ارجوك!
همست ياقوت بوهن والدوار يشتد ضغطه على رأسها..
احس بها تترنح بين ذراعيه فضمها بقوة إلى صدره قبل أن يرتخي جسدها تمامًا وتفقد وعيها وهي أسيرة حضنه..
– ياقوت! ياقوت! استيقظي حبيبتي!
هتف ساري بذعر وهو يربت على وجنتها بخفة وعندما لم يوافيه اي رد صاح بأسم شقيقته لتدلف الى الغرفة مسرعة فيقول ساري بقلق كاد أن يفقده صوابه:
– غزالة ارجوك ابعثي بأحد ليحضر طبيبة أو داية.
– ضعها على السرير اولًا!
قالت غزالة بتوتر فنفذ ساري سريعًا واحاط اصابعها برقة شديدة..
– هيّا غزالة.. ماذا تنتظرين؟! هي غائبة عن وعيها!
إتجهت غزالة لإحضار عطرًا ما قبل أن تقول بهدوء:
– لا داعي.. هذه ليست المرة الاولى لها.. فهي تفقد وعيها منذ أن حم…
– منذ ماذا؟
تساءل بعينين ضيقتين فجاهدت غزالة على التحلي بالثبات واخفاء توترها فكرّر ساري بحدة:
– منذ ماذا يا غزالة؟
– لا شيء!
ردت بإرتباك خائف ليهتف ساري بنبرة قاسية:
– عليكِ أن تنسي أن لديك شقيقًا يدعى ساري اذا لم تقولي منذ ماذا يا غزالة! وانا لا اكتفي بالتهديد وانت اكثر من يعرف!
طأطأت غزالة وهمست بإرتجاف:
– منذ أن حملت!
الالم الحاد التي رآته يرتسم على ملامح وجهه التي غامت بقهر ليس له حدود لن تنساه أبدًا ما دام هناك في صدرها نفس..
همّت غزالة بالدفاع عن نفسها الا انه قاطعها حتى قبل أن تبدأ بصوته الصارم قبل أن يخرج من الغرفة:
– اهتمي بها الآن وساعديها لتحضر نفسها حتى اخذها ونغادر!
بعد دقائق طويلة..
إقتربت غزالة منه حالما وجدته يقف بجانب الغرفة وعينيه تنظران أمامها بشرود ودون أي تركيز.. وبتردد رفعت يدها لتضعها على كتفه..
– ابعدي يدك عني وعن كل ما يخصني يا غزالة!
قال ساري بجفاء قبل أن يزيل بنفسه يدها عن كتفه ويستدير ليواجه عينيها التي تطلب العفو برجاء صامت..
أردف ساري بجمود:
– هل هي جاهزة الآن؟
– أجل.. دعها ترتاح قليلًا اولًا فهي متعبة.
أجابت غزالة فهز ساري رأسه ثم دخل إلى زوجته التي كانت جالسة على السرير مرهقة كليًا..
لم تلقي ولو نظرة واحدة عليه واكتفت بتنهيدة عنيفة انبثقت من أغوار قلبها.. وساري بدوره لم ينبس بأي كلمة واكتفى بتوجيه بصره بشوق ولهفة إلى بطنها التي لا يظهر عليها انها تحمل نطفة منهما معًا داخلها..
*****************
إبتسمت خنساء بحب وهي تتأمل يد قسورة الموضوعة على بطنها بحنو ابوي.. مررت اصابعها بين خصلات شعر رأسه المتوسد صدرها بنعومة..
كانت قد عرفت منذ ما يقارب الشهر بحملها.. حينها فقط استهلت البهجة بالتفشي داخل أنحاء قلب زوجها بعد فترة طويلة من الصعوبات والمآسي..
قبلت خنساء جبينه بحب وهمست:
– احبك قسور!
إبتسم قسورة واجابها وهو يرفع رأسه ليتأمل ملامح وجهها الفاتنة بعشق:
– وانا اموت بكل ما يخصك يا سيدة النساء!
إبتسمت خناس برضى لينحني قسورة ويسرق قبلة طويلة من شفتيها بينما يده تتنقل بجنون شغوف على على جسدها..
طالت القبلة وطالت حتى امتدت إلى ما ابعد بكثير وقسورة يأخذها برحلة طويلة عبر سماء العشق..
بعد فترة طالت توسدت خنساء صدر قسورة وغمغمت بدلال ويدها تتلمس شعيرات ذقنه بهيام:
– حبيبي اخبرتني انك ستقول لي ماذا الذي تحدث عنه مع وسيم العثماني! متى ستخبرني؟
– بعد أن اشبع منك قليلًا يا عسلي!
أجابها قسورة بعبث يبهج قلبها ويسرق خفقاته بجنون قبل أن يأخذها مرة أخرى إلى نفس الرحلة ولكن بطريقة ملتوية وعابثة اكثر!..
وعزم على اخبار خناس قلبه بماذا تحدث هو وسيم العثماني قبل أن تعرف هي من احد ما وتفقد عقلها لينتهي بالنهاية أمره هو..
*****************
تحركت وهج بصعوبة شديدة وهي تحمل صينية الطعام دون أن يساعدها احد من الصغيرين بعد أن زرعت جدتهما الكره والغيرة تجاه الطفل الذي تحمله..
وضعت وهج صينية الطعام على الطاولة ثم نادت بأرهاق على صفوان ليأتي بتمهل ويقول:
– هل قمتِ بالنداء على الطفلين؟ فهما دون طعام منذ الفطور!
– لا.. هل بإمكانك ان تقوم بالنداء انت عليهما.. انا مرهقة حقًا واشعر انني لم اعد استطيع الوقوف!
غمغمت بوهن وهي تجلس على المقعد ببطنها المنتفخة فهتف صفوان بحدة:
– وهج كل النساء تحمل ولم ارى اي واحدة تتصرف مثلك.. اذهبي انت وقومي بالنداء عليهما.. لا تتخذي من حملك حجة!
ترقرقت دموع القهر في مآقيها وهي ترد بتعب شديد:
– هل تراني افعل ذلك عمدًا يا صفوان؟ انت تدري ما هي مكانتهما في قلبي! والله اعتبرهما طفلاي.. ولكنني مرهقة فمنذ الصباح وانا انظف المنزل واطهو وانت تدري انني في الفترة الأخيرة من حملي.. وكم أن الحمل يكاد أن يكسر ظهري من شدة ثقله! ما خطبك حتى تتهمني هكذا!
ثم نهضت بصعوبة شديدة وتركته وتوجهت بخطوات بطيئة ثقيلة تجاه غرفة الطفلين بينما تضع يدها على ظهرها.. فتحت الغرفة لتجدها في حال فوضى عارمة..
لم تقدر على ابتلاع غصتها وتجاهلها فبكت من شدة تعبها وقالت للصغيرين:
– اذهبا لتناول الغذاء مع والدكما!
تمتم الصغير بعدم رضى:
– وهجي انا ارى انا هذا الطفل الذي تحملينه لا يتسبب لك الا بالدموع.. لماذا لا تقومين بالتخلص منه حتى تعودين تبتسمين وتلعبين معنا؟!. فمنذ أن حملتِ وانتِ لا تهتمين بنا!
أحاطت وهج بطنها بيدها بخوف شديد على طفلها وغمغمت:
– لا حبيبي.. انا فقط متعبة لانني منذ الصباح اقف على قدمي.. اذهب برفقة شقيقك سيف لتتناول الطعام وبعد أن أقوم بترتيب الغرفة سأتبعكما.
هتف سيف بإمعتاض:
– لا تعالي الآن معنا.. انت تتخذين كل هذه الأشياء حجج لك حتى لا تجلسين معنا كما الاول!
القى نظرة تشع غيرة على بطنها المنتفخة واضاف بكره:
– يا ربي لماذا حملتِ؟ كنا قبل أن تحملي في حال افضل! جدتي دومًا تقول إن هذا الطفل لعنة وانك ستغيرين معاملتك معنا بسببه.. وها انت تفعلين.. ونحن كلنا بدأنا بكرهه!
تراجعت وهج بسرعة إلى الخلف بعينين واسعتين مفزوعتين.. ثم غمغمت بخوف شديد بالكاد طمسته في صدرها:
– لا حبيبي.. هذا شقيقكما أو شقيقتكما.. يجب أن تحبوه مثلي تمامًا.. هيا لنذهب إلى والدكما الان فهو ينتظرنا.
سارت وهج خلفهما وهي تشعر بانقباضات في بطنها وقلبها من شدة خوفها وضيقها.. جففت دموعها قبل أن تصل إلى صفوان المتجهم وقعدت ليبتسم صفوان بحنان ابوي الى طفليه..
قال سيف:
– امي اطعمينا بيدك!
يا الله كم هي متعبة وبالكاد تتحرك ولا احد يرحمها لا جسديًا ولا حتى نفسيًا.. ابتسمت بتوتر وضعف وهي تشعر بنظرات صفوان المراقبة لها وكأنه يحاول ايجاد زلة تقوم بفعلها حتى لو دون قصد..
تنهدت وهي تقوم بإطعامهما بيد مرتجفة كحال قلبها تمامًا..
إبتسم صفوان برضى وهو يرى طفليه يبتسمان، غافلًا تمامًا عن الالم الذي يكسو وجهها ويلمع بآسى بعينيها الجميلتين..
حاولت أن ترفع يدها الا انها لم تقدر والطعام يقع من يدها بينما صراخها يعلو ودموعها تنهمر بسبب الام الولادة التي هاجمتها فجأة..
– امي ما بك؟ لماذا تصرخين؟
صاح الصغيران بخوف ليتجاهلهما صفوان وينهض بقلق ليدنو منها يتلمس وجهها الذي أخذ بالانكماش والتعرق فتغمغم وهج بشفتين مرتعشتين وهي تتأوه من شدة الالم:
– آه صفوان انا ألد.. آه ارجوك ساعدني! احضر امي والداية! ارجوك! آه!!!!!!
هز صفوان رأسه سريعًا وهو يأمر طفله سيف أن يبقى بجانب والدته ريثما يعود..
*****************
انصدم الجميع بعودة ساري بياقوت.. أرادوا أن يفهموا ماذا حدث وكيف وجدها.. ولكن ساري حتى السلام لم يسمح أن يلقوه عليها وهو يتوجه بها إلى جناحهما.. وهي بدورها كانت جامدة، غير متفاعلة مع أي شيء اطلاقًا..
عودتها إليه لم تكن في الحسبان.. لا تدري اذا أخبرته غزالة بحملها ام لا.. لا تدري اي شيء..
تباطأت خطواتها حينما اقتربا من الجناح فتوقف ساري للحظات ليلقي نظرة متمعنة على وجهها قبل أن تحثها ذراعه التي تحيط بظهرها على الدخول الى الجناح..
أطلقت انفاسًا حارة بتعب وهي تتأمل الجناح الذي غابت عنه لأكثر من أربعة اشهر.. ولم تتمنى أبدًا أن تعود إليه.. فهذا المكان يحمل أسوأ ذكرياتها واتعس ايامها..
أجلسها ساري على السرير وقال ببرود:
– حاولي أن تنامي الآن.. سأعود اليكِ لنضع النقاط على الحروف.
لم تعقب وهي تراه يخرج من الجناح كله دون أن يلقي اي كلمة أخرى.. وهي لم تكن تريد اي شيء في هذا الوقت عدا النوم والهروب من جحيم الواقع التي عادت لتعيشه..
جاهدت أن لا تتذكر اي شيء وهي تغمض عينيها بقوة لتجذبها دوامة النوم الى قعرها رويدًا رويدًا.. بينما هو لم يطاوعه قلبه ويبتعد عن باب الجناح..
قدماه لم تبرح جانب الباب خشيةً أن تهرب منه مرة أخرى بعد أن وجدها أخيرًا.. كانت هي بحاجة في هذه اللحظة للانفراد بنفسها وهو كذلك الأمر.. كان عليه أن يستوعب صدمات اليوم الذي تلقاها دون أي رحمة.. بداية من رؤيته لها في منزل شقيقته وعثوره عليها أخيرًا ثم معرفته انها كانت طيلة الوقت تختبئ في منزل شقيقته الذي كان يأتي إليها ليشكو عذابه وبعد ياقوت عنه.. وهي من كانت تهون عليه وتخفف عنه! ثم معرفته بحملها وصدمته بأن شقيقته التي تكون من لحمه ودمه والتي بسببها قام بإختطاف حبيبة قلبه وتعذيبها كانت ستخفي عنه حمل زوجته.. والله وحده يعلم متى كان سيجد ياقوت وطفله بعد أن يأتي إلى الدنيا..
بعد عدة ساعات كانت تشعر بصداع شديد يكاد أن يفتك برأسها فبصعوبة شديدة فتحت عينيها ثم عادت تغلقهما مجددًا بتعبٍ..
أحست بيد تتحسس بطنها برقة فسرعان ما عاد إليها وعيها وهي تدرك أنها حاليًا موجودة في منزل ساري وتحديدًا في جناحه وعلى سريره..
– افتحي عينيك لتتأكدي من وجودك في بيتك وعلى سريرك!
وفاها صوت ساري الهادئ لتدفع يده بعيدًا وتدير ظهرها له دون أن تعلّق بحرف..
إبتسم ساري وهو يدنو بجسده من جسدها الذي كان جامدًا تقريبًا.. وبنعومة غلغل وجهه في عنقها ليتنفس عطرها بشغف.. طبّع قبلة رقيقة على عنقها بينما يده تتحرك لتحيط اسفل بطنها بحبٍ فيضمها إلى صدره اكثر..
إنتقلت شفتاه الى وجهها لتلثمه بقبلات ناعمة دافئة ويده لا تزال تتحسس نفس المكان الذي احاطته..
بقيت ياقوت مغمضة العينيت بقوة غريبة.. جامدة بطريقة تثير الريبة! فهمس ساري بجانب اذنها بنبرة عاشقة:
– إفتحي عليّ نور سماءك يا ام كليم! دعيني ارى عينيك!
طال انتظاره وطال فلم يكن أمامه اي خيار آخر سوى أن يدير جسدها إليه فيقابله وجهها ذو الملامح الشرسة حتى في هدوئها!
إتسعت ابتسامته ويده ترتفع إلى وجهها تتجول على تفاصيله الكبيرة والصغيرة بتوقٍ فتقابله أنفاسها التي اخذت بالتصاعد بطريقة لم تفاقم الا من شوقه لها ورغبته بإحتوائها في أعماق روحه..
تمهلت أصابعه بالقرب من ثغرها ثم رسمت خطوطها ببطء شديد وردد مجددًا:
– افتحي عينيك!
هزت ياقوت رأسها برفض ودمعة حارة من عينها تنحدر بنعومة بائسة على جانب وجهها.. فأزالتها يده بهدوء قبل أن تزلف شفتاه من شفتيها ليقبلها بنعومة في البداية قبل أن يشعر بالحاجة الى شعور بها داخل أعماقه.. فإزدادت قبلته عمقًا لتفتح عينيها وهي تشعر بيده تتجول على جسدها بحرية..
حقيقة استسلامها المذعور له هذه اللحظة صفعتها دون رحمة.. تخبطت بين ذراعيه وذكريات قديمة لا تزال لم تنسلخ بعد عن صفحة عقلها تعود لترجمها بصوان قساوتها..
تصاعدت شهقاتها الباكية ليبتعد عنها قليلًا ويغمغم بصوت اجش:
– لا تبكي!
حاولت أن تدفعه بعيدًا عنها إلا انها لن تقدر على رفع ثقل جسده قيد انملة! فصاحت بقهر:
– ابتعد عني! ابتعد! لماذا لا تتركني وانت تدري انني محال أن اتقبلك!
– شششش الا يكفيك انني لا زلت لم اعاقبك بعد على هروبك مني وعلى الفضيحة التي تسببتِ بها لي.. وليس فقط.. بل على اخفاؤك لحملك بطفلي أيضًا؟!
قال ساري بهسيس لترد بخشونة ويديها لا تزالان تعملان على أبعاده، غير مستغربة معرفته بحملها:
– ولا تنسى أنني أيضًا لا زلت لم اعاقبك على افعالك بي؟ لا تنسى أبدًا!
ثم صمتت قليلًا وسألته بشرود:
– كيف أخرجت نفسك من المأزق الذي القيتك به وانا اشهد ضدك؟!
باستهزاء أجابها:
– هل اعتقدتِ انك سترتاحين مني حينما تشهدين ضدي؟! لا بد انك توقعتِ انني سأموت فلذلك هربتِ، اليس كذلك؟ شعرتِ بالخوف فلذتِ بالفرار مني!
تألقت حدقتاها بكرهها فدفعته بعنف ثم وثبت عن السرير، قائلة بتشفي:
– لا.. في الواقع انا لم اكن اريد الهروب منك.. ولكن شقيقتك الغالية على قلبك هي من اقترحت علي الهروب واحضرتني الى منزلها لاختبئ به.. شقيقتك التي فعلت بي الويل لأجلها هي التي طعنتك في ظهرك وليس انا!
وتابعت ياقوت بإبتسامة حاقدة:
– لا بد انك ترغب بمعرفة السبب.. سأخبرك حتى يرتاح عقلك قليلًا من التخمينات.. انا حاولت الانتحار! اردت ضرب عصفورين بحجر واحد.. اولًا ارتاح منك ومن حصارك لجسدي.. وثانيًا بموتي سيُلقى كل اللوم عليك ويقولون انك انت من قتلتني لانني شهدت ضدك.. وكنتَ ستتعذب لا بد، فمن ناحية جنونك لخنقي بسلطتك المجنونة ومن ناحية أخرى العقاب الذي كنت ستتلقاه من أفراد قبيلتي!