روايات رومانسية
رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم اسيل الباش
رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم اسيل الباش
الفصل الحادي وثلاثون
تتيمت بكِ تتيم ليس له نشور..
حلقت معك حول ستائر العشق الهائم..
دوَّنت لكِ عيوني ابجدية غرامي..
وتغلغلت في اسوار خفقاتي وافكاري..
ولكن ملاذ هوانا توارى في ساحل اكداري..
لأجد نفسي القي عليك تحية وداعي وسلامي..
واعطي لنفسي حرية هلاكي دماري..
—————————
جلست والخوف يستوطن ملامح وجهها.. الرعب من القادم يرسم ألوانه على صفحة قلبها.. كانت عائشة شاردة بافكارها بينما بيديها الاثنتين تحيط ببطنها.. تفكر بطلب يوسف للزواج منها وإصراره على موافقتها.. خائفة بل مرتعبة من تكرار نفس الاحساس التي قاسته فيما مضى.. هي لا تنكر انها استنبطت صدقه بكلامه وهدفه من زواجه بها.. ولكن يبقى ما مرّت به ليس هيّنًا..
في الواقع هي أخبرت والدها بموافقتها بعد تردد وخوف لا زال يلازمها حتى بعد أن منحته الجواب.. ولكن هي لم تصبح بعد زوجته ولذلك يبقى القرار بيدها حتى تفكر بتريث اكبر رغم أن يوسف من ذلك الوقت زارها عدة مرات ليضمن موافقتها وعدم تغيير رأيها وقرارها..
ما يخيفها أنها في الأشهر الأخيرة من حملها.. وفور أن تضع مولودها كما قال يوسف سيتزوجها.. سيحضر المأذون ويتزوجها..
توتر خيالها واضطربت خفقات فؤادها لتصبح بطيئة جدًا وهي تفكر ماذا سيحدث بعد أن تصير زوجة ليوسف الفهدي.. شقيق ياقوت!
يوسف خشن ومتهور ليس كأحمد الذي يمتاز برقته مع الإناث وطيبة قلبه.. مطت عائشة شفتيها وهمست بحيرة:
– والله لا ادري الى اين سيأخذني دربي مع هذه العائلة!
– بماذا تفكرين وتهمسين؟!
تساءلت هدية وهي تقترب من مكان ابنتها لتنظر إليها عائشة وتجيبها:
– بموافقتي على الزواج من يوسف! هل تظنين انني فعلت الصواب امي؟!
وضعت هدية رأس ابنتها على كتفها بحنو وقالت:
– انت صغيرة حبيبتي.. الحياة لا تقف على تجربة واحدة مررت بها.. انت امامك حياة طويلة.. ترتكبين الأخطاء وتتعلمين منها.. تفعلين وتفعلين إلى أن تجدي نفسك في المكان الصحيح.. ربنا سبحانه وتعالى يأخذ منا شيئًا ويعوضنا بشيء آخر افضل منه.. موت احمد رغم حزنك وحزننا جميعًا عليه إلا أنني أجد به بنفس الوقت حكمة.. انتِ لم تحبي احمد بعد كزوج وهو لم يحبك كزوجة وحبيبة.. الحياة بينكما كانت ستبقى مؤلمة لك وله لأنها تحمل الكثير من الاوجاع والحساسية!
– انا احترمه.. هو انسان قلبه طيب جدًا!
غمغمت عائشة بصدق لتبتسم هدية:
– انا ادري.. ولكن لو لم يموت احمد هل تعتقدين أنه كان سيبقى متقبلًا لزواجه بشقيقة زوج المرأة التي يحبها.. هل تعتقدين أن العذاب بين ساري وياقوت سيصل إلى نهاية معينة؟!.. المسكينة ياقوت فقط بعد موت احمد بدأت تعبّر كما يجب عما يجول في صدرها.. علاقتهما كانت ستبقى مستحيلة ببقاء احمد على قيد الحياة وانت ما كنتِ ستتحملين اكثر النظر الى وجه ياقوت وانت تشعرين أنك سرقتِ الشخص التي أحبته منها!
– رحمه الله وغفر له ذنوبه كلها!
همست عائشة بتنهيدة لتقول هدية مشجعة:
– يوسف يبدو مختلفًا يا عائشة.. هو مصرٌّ على الزواج بك.. وافقي مطمئنة من ناحيته.. فلأول مرة اشعر بالراحة تجاهه.. الشاب يود أن يصلح أخطائه وأخطاء الجميع في حقك ويعوضك عن ظلم الماضي القاسي.. فدعيه يفعل!
قالت عائشة بهدوء:
– أن شاء الله أمي.. سنرى كل ذلك بعد ولادتي سالمة انا وطفلي.
******************
إبتسمت خنساء بإستمتاع وهي تخفي رأسها في حضن جدها.. فقسورة يكاد يفقد عقله من تصرفاتها.. في السوق لم يبقى شيئًا إلا واشترته.. من مجوهرات وقماش وفاكهة وخضار.. وكل هذا تفعله وهي متعبة من الحمل! طيلة الوقت وقسورة يتأفف بعصبية شديدة ولكن ليس بإمكانه الاعتراض بما أن الليلة هذه أخيرًا سيتم الفرج وستحاول خنساء تقبل قربه ومقاومة وحامها..
بعد أن انتهت خنساء من التسوق اخذها قسورة كما أرادت لزيارة جده.. ومنذ أن دخلت إلى منزل جده وهي تشكو له معاملة قسورة لها ليؤنبه جده حتى يرأف بها وبحملها.. وما كاد أن يجعله يجذبها من شعرها حتى يتمزق بين أصابعه هو قولها:
– جدي انا ارغب بالنوم هنا.. بالقرب منك فرائحتك تنعشني!
اغمض قسورة عينيه بعصبية، متوعدًا اياها حينما يعودان إلى المنزل بعقاب شديد.. ولكن امام جده اضطر أن يقول بلطف:
– خنساء حبيبتي.. انت تدرين انني من المستحيل أن اسمح لك بالابتعاد عني.. بالإضافة إلى كوني خاصةً هذه الليلة جهزت لك مفاجأة ستعجبك كثيرًا.. لقد خططت لها منذ وقت طويل لأفاجئك بها!
غمغمت خنساء بعبوس:
– ولكنني اتوحم على عطر جدي!
ضغط قسورة على أسنانه بنفاذ صبر:
– سأخذ من جدي زجاجة عطره لأغمر جسدي بها.. لا تقلقي انت! الحل بين يداي!
ازدردت خنساء ريقها بصعوبة وهي ترى الغضب يتألق في حدقتيه.. لا بد أن ليلتها حقًا ستكون سوداءًا.. لم تجرؤ على التفوه بالمزيد والاعتراض بينما القلق يهاجم قلبها فجأة من انعدام الصبر الذي يرتسم بوضوح على ملامح وجهه وحركة يديه.. هل حقًا تجاوزت حدودها؟! لا تدري خاصةً وهي تحس ان شجاعتها تغادرها ويحل مكانها خوفها من قسورة وكأنه قد كشفها..
بعد فترة قصيرة كانا يدخلان منزلهما.. وضع قسورة الاغراض التي اشترتها من السوق على الأرض ثم أخيرًا تحدث بعد صمت طويل من قبله كان يسود الأجواء طيلة طريق العودة من منزل جده:
– هل اكتفيت الآن من تصرفاتك؟
غمغمت خنساء مصطنعة عدم الفهم:
– اكتفيت من ماذا؟ انا لا افهم!
جذبها قسورة الى حضنه بخشونة ليعانقها بقسوة ثم هتف وهو يدس رأسها في عنقه:
– من تمثيلك!
– قسورة رائحتك تخنقني.. ابتعد عني والا سوف اتقيأ!
تمتمت خنساء وهي تحاول دفعه بيننا الرعب يجتاح أوصالها فجأة..
قهقه قسورة بخشونة ثم دفعها بخفة وقال بتحذير:
– كفاك تمثيلًا والا انت تدرين الى اي مطاف سيأخذ بنا غضبي!
– انا لا أمثل حبيبي ولكن أنا حقًا لا اقدر على تحمل رائحتك مع انك تعلم كم انا اعشقها.
همست خنساء بنعومة كي لا تزيد الطين بلّة فأخرج قسورة من جيبه زجاجة العطر التي أخذها من جده ورشّ منها بكثرة على جسده حتى كاد أن يغرق ملابسه بالعطر..
وبعد أن انتهى القى قسورة زجاجة العطر على الأرض بإهمال واعادها مرة أخرى إلى صدره قائلًا بغلاظة:
– والآن ما هي حجتك سيدة خنساء؟ الم تقولي لجدي انك تتوحمين على رائحته.. وها أنا الآن اغرقت نفسي بعطره حتى تخرجين كل وحامك علي كما حملك السابق!
لم يسمح لها أن تنبس ببنت شفة ففور أن رفعت رأسها كان قسورة يقبّلها بشغف مؤلم ويعاقبها على ابتعادها عنه كل هذه الفترة.. لم يغدقها بالغزل الذي انتظرت سماعه.. ولم يكن رقيقًا معها كما اعتادت.. لمساته كانت خشنة كخشونة انفعاله وانفاسه..
ربما عرف بخطتها وكشفها او أن بلغ به غضبه منتهاه فهي فعلت الويل به في السوق وطيلة هذه الفترة بحجة كونها حامل وبالتأكيد لم يعد بإمكانه تحمل المزيد!
طال المشوار بهما وهو يبثها شوقه حالما يصل حد الجنون.. ولم يكن أمامها غير مبادلته جنونه والا الله وحده يعلم ماذا سيفعل بها هذا اللعين الخبيث قسورة.. من أفعاله كلها يبدو أنه قد كشف مخططها ولكن كيف لا تدري..
بعد عدة ساعات كان يهمس بالقرب من اذنها قبل أن يدير لها ظهره:
– المرة القادمة التي تحاولين بها الابتعاد عني باستخدام هذه الطريقة الحقيرة سأكسر لك قدميك ويديك.. هذه اخر مرة يا خنساء تستخدمين مكرك اللعين معي!
– قسورة!
همست خنساء بوهن وهي تكاد تفقد عقلها.. من اين أدرك بمخططها لا تعرف حقًا!.. لم يرد عليها أبدًا وبدا وكأنه لم يسمعها من الاساس ولكنها أدركت أن صباح الغد لن يسرّها البتة.. ولأول مرة تدرك خنساء أن المكر لا يحالفها دائما بل احيانًا من الممكن أن يكون مؤذيًا للطرفين..
******************
انهمرت دموعها على خديها وهي تضم ادهم وسيف الى صدرها.. المنظر كان مرعبًا لها ولكن مع ذلك لم يطاوعها قلبها أن تسمح لصفوان أن يعاقبهما.. فهي لا تقدر على لوم طفلين لا يفقهان ما هو الصواب وما هو الخطأ.. فقط يسيران وفقًا للكلام الذي يقال لهما ويطبقان السموم التي بثتها والدة آيات بأذنيهما..
كانت الساعات الماضية رغم ما تحمله من غرابة وتعب نفسي من شدة الأفكار التي كان تسطو على هدوئها ورزانة أفكارها تختفي رويدًا رويدًا ليعود عقلها يعمل كما يجب وخوفها الأمومي يأخذها الى طفلتها الموجودة برفقة ادهم وسيف..
لم تتردد وهج وهي توثب عن السرير بسرعة، تاركة صفوان ينادي عليها دون أن تأبه بأي كلمة تبذر منه تطالبها بالانتظار..
بقلب يخفق بعنفوان داخل صدرها فتحت وهج باب غرفة الصغيرين لتجد صغيرتها النائمة متوسدة سرير احد الصغيرين بينما يقوم ادهم برفع خنجر صغير ويمرره على جسد الطفلة دوم أن يجرحها.. فقط يمرّره على جسدها في حين هي نائمة كأحد الملائكة لا تفقه ما يدور حولها..
الصرخة التي أطلقتها وهج من ثغرها جعلت صفوان يهرع إلى الغرفة ليسمع طفليه يغمغمان مذعوران من والدهما:
– لا نود أن نقتلها!
دموعها عبّرت عن الخوف التي كانت تقصده وهي تسير بخطوات سريعة رغم الوهن الذي تسلل إلى عظامها نحو طفلتها التي استيقظت مفجوعة بالصراخ..
حملت وهج صغيرتها تضمها إلى صدره بقوة وهي تهدهدها لعل بكائها يهدأ.. رباه ربما كانت ستفقدها! كانت ستخسر طفلتها التي ولو حدث لها شيء سيء حتى وإن كان خفيفًا ستفقد عقلها لا شك!
ما انتشلها فقط من القوقعة التي انحصرت بها وهي تعاني خوفها من فقدان طفلتها هو بكاء الصغيران المرعوبان من صراخ والدهما عليهما..
قال ادهم ببكاء مذعور:
– نحن لا نقصد.. اسف ابي! جدتي هي من اخبرتنا أن نفعل ذلك! وانا أقسم بالله انني لم اكن لأفعل.
هوى صفوان بكف يده على خده، صافعًا إياه بعصبية ليرتد ادهم إلى الخلف مطلقًا صرخة الم من فمه.. وقبل إن يأتي دور سيف كانت وهج تقف قبالة صفوان لتردعه من ضربه وهي تقول ببكاء:
– لا تضربهما! هما طفلان لا لوم يقع عليهما اذا كانت هناك امرأة شريرة تعبث بعقلهما.. اللوم لا يقع عليهما فقط!
اختباء الصغيران خلف ظهرها وبكاء طفلتها المستمر في حضنها اجج من وطأة بكائها لتجهش ببكاء حاد بينما صفوان يكاد يفقد عقله من صوت البكاء النابع من اربعتهم!
جذب صفوان ادهم وسيف من خلفها ليهزهما من قميصهما وهو يزجرهما بحدة:
– كفى! لا أود أن أسمع اي صوت منكما.. وسيتم عقابكما على محاولتكما قتل اختكما الصغيرة بدلًا من الاعتناء والاهتمام بها ومنحها الامان بما انكما اخويها الكبيران.
غمغم سيف محاولًا الامتناع عن البكاء:
– جدتي قالت لنا إذ اردنا أن يحبكما والدكما عليكما التخلص من اختك نور لأنها ستجعل والدك وخالتك وهج يكرهانكما!
قالت وهج بنفس وتيرة بكائها التي لم تخف بعد:
– صفوان اتركهما.
– انت اصمتي ولا تتدخلي!
هتف بها بحدة لتجفف دموعها وتضم طفلتها اكثر إلى صدرها ثم تقول بتحدي:
– بل سأتدخل.. هما أمانة لدي من والدتهما ومحال أن أفرط بهذه الأمانة.
اقتربت وهج منه وقالت بلطفٍ بينما تنظر إليهما بشفقة:
– هما لن يكررا هذه الأفعال مجددًا لأنهما يخافان على اختهما الصغيرة.. وبالتأكيد فقط بسبب الكلام الغير صحيح الذي وصلهما من جدتهما فعلا ذلك.. اليس كذلك؟
– أجل! والله انا لم اكن حقًا سأقتلها!
برّر ادهم وهو يتطلع إليها ببراءة لتبتسم له وهج وتهمس:
– ادري حبيبي.. وانت تدري انك انت وشقيقك سيف لا تختلفان أبدًا عن نور.. انا احببتكما حتى قبل أن احبها.
أفلت صفوان ابنيه لتناول وهج صغيرتها له ثم تضم الطفلين الى صدرها..
– نحن اسفان امي وهج.. نعدك أن ما حدث اليوم لن يتكرر مجددًا.
– إذًا هيا اعتذرا ايضًا من والدكما.
غمغمت وهي تمرر يدها على رأسهما لينفذا كلامها بسرعة ويعتذران من والدهما..
إكتفى صفوان برمق وهج بنظرة ساخرة تحمل اعجاب كبير برقتها وحنانها فرفعت حاجبيها بعدم فائدة من تناقضه الدائم بكل ما يفعله..
– والله لدي أربعة أطفال لا ثلاثة فقط!
تمتم صفوان بتهكم قبل أن يخرج من الغرفة ويتوجه بصغيرته التي هدأ بكائها الى غرفته..
اتسعت ابتسامة وهج وهي تتأمل طيفه الذي غادر خلفه قبل أن تعيد نظرها الى الطفلين وتمنحهما محاضرة خفيفة رقيقة عن كيفية تعاملهما مع اختهما نور..
بعد أقل من ساعة لحقت وهج بصفوان لتجده يلاعب صغيرتهما.. فإبتسمت بحنو وهي تحمد الله على سلامتها..
– حمدًا لله أن الوضع اصبح افضل!
قال صفوان متشدقًا:
– إذ كنت من البداية قادرة على زرع المحبة بين الأطفال لماذا كنتِ تتصرفين بغباء؟!
زمت وهج شفتيها بحنق:
– كنت في حالة نفسية سيئة.. بين حمل وولادة وخوف.. كيف تتوقع مني أن اتصرف؟! ثم انت ماذا كان دورك غير التهديد بالعقاب حتى الآن وقول كلماتك السامة!
وضع صفوان الطفلة بسريرها قبل أن يتوجه إليها بخطوات متريثة ويهمس بخطورة:
– وصلنا الى العدد الثاني وثلاثون! اليس كذلك؟
تراجعت وهج الى الخلف سريعًا وهتفت بخوف:
– نور في الغرفة.. ابتعد عني!
خلاب ثوان معدودة كان جسدها يرتفع عن الأرض لتطلق صرخة خفيفة وتزجره:
– صفوان حبيبي انا اسفة.. الم تقول أن لديك اربعة اطفال اي انني من ضمنهم؟ لذلك يجب أن يكون عقابي لطيفًا خفيفًا!
ضحك صفوان بخبث ثم غمز لها بوقاحة وهو يسير بها تجاه السرير ليضعها عليه ويقول:
– ومن قال لك أن عقابك لن يكون كالأطفال! بل سيكون كالاطفال تمامًا قبل أن يصبح كالكبار! ولكن اولًا عليّ أن أخذ نور لتتعرف اكثر على اخويها الكبيرين ثم سأعود اليك لأعاقبك على كل خطأ!
******************
احداث ومشاعر الليلة الماضية بدت كسراب.. فإعتقاد ساري أنه قد حقق مبتغاه من هذه الدنيا ونال على غفرانها اخيرًا تم سحقه بكل ما للكلمة من معنى وهو يستقيظ على نوبة بكائها الغير طبيعية البتّة.. كان مصدومًا بانهيارها وغضبها..
لم يتوقع اطلاقًا أن يستيقظ ليجدها على هذا الحال.. كان يتوقع أن يكون صباح الغد مشرقًا لحياة جديدة رسمها في خياله وسعى لأجلها كثيرًا.. ولكن الواقع الذي استيقظ عليه كان صاعقًا لفؤاده الحالم..
حاول كثيرًا أن يهدئها ولكنها كانت تضربه بجنون.. كارهة لكل لمسة منه.. كارهة لليلة أمس.. كارهة استسلامها المخزي له بعد كل ما عانته على يده.. كأنها دون كرامة! بعد كل ما فعله بها تسمح له بهذه السهولة أن يقترب منها ويتمتع بقربه منها! رباه كم حقدت على نفسها وحقدت عليه.. حتى أنها حقدت على الطفل التي تحمله..
كانت ياقوت منهارة تمامًا.. تغرس اظافيرها بذراعيه التي تحاول أن تردعها من ضربه.. تبكي وتشتمه.. صراخها كان عاليًا وصل الى الاسفل ولكن أحدهم لم يتدخل.. لان الاهتياج كما يبدو كان نابعًا منها لوحدها..
عضّت له يده بعنفوان حتى أُريقت له الدماء منها ليضطر ساري أن يحررها فتوثب عن السرير بحركة عنيفة رغم ثقل حملها وتزمجر بكره:
– انا اكرهك! كيف تستغلني بهذه الطريقة وتجرؤ على الاقتراب مني! كيف تفعلها؟
عضتها له لم تكن خفيفة ابدًا.. بل تحمل كل قسوتها وكرهها له.. وكأنها ترغب بإنتزاع لحمه من مكانه! بكل غل زرعت خلفها شكلًا كثيرًا للاشمئزاز.. ولكن رغم ذلك كان مرعوبًا عليها خاصةً أنها حامل.. خائف عليها وعلى طفله.. الغصة كانت تكتم أنفاسه بينما يطالعها مذهولًا موجوعًا بكمية مشاعر الحقد التي تحمله نحوه.. رباه كم شعر بالألم وهو يستنبط الكره الحقيقي بنظراتها وكلماتها..
وقف هو الآخر.. ينظر لها بعينين تكاد لا تبصران شيئًا.. لا يجرؤ على الاقتراب منها خشيةً أن تقوم بفعل شيء مجنون بنفسها.. فخاصةً الآن لا تبدو أبدًا انها بكامل قواها العقلية.. القهر يغمرها والغضب المجنون يعبث بعواطفها ويحذف الوعي تمامًا من عقلها..
همس ساري بنبرة متألمة:
– لم أتصور أن يكون صباحنا هكذا!
هتفت ياقوت بشراسة بينما تضع يدها حول بطنها:
– لا صباح يجمع بيننا! لا تلعب بعواطفي كما فعلت ليلة البارحة ثم تعود ساري القاسي الذي ابغض.. انا ادري ان كل تصرفاتك هذه ليست إلا تمثيلًا لانني احمل في احشائي الطفل الذي تنتظره على احر من الجمر.. انا لن انسى! لن افعل!
زلف ساري منها بخطوات عصبية تحمل في عروقها وجعًا لا يطاق.. ثم قبض على ذراعيها ليضغط عليهما بقوة ويهدر بحدة:
– كفى! كفى! الا ترينني افعل المستحيل لنيل رضاك؟ متى قسوت عليكِ منذ اللحظة التي عدتِ بها الي؟! اي رجل مكاني تهرب زوجته منه كان سيقتلها دون تردد ولكن أنا لم افعل بل كنت اسعى فقط لأرى ابتسامتك.. لا يوجد طلب لم تطلبيه مني الا ونفذته لك عدا الطلاق! حتى انني لم اقترب منك الا البارحة رغم كل شوقي وعشقي لك! لماذا لا تقدّرين لي كل ذلك؟!
أطلق سراح ذراعيها ليتابع بسخرية:
– تقولين أن كل ما أفعله هو فقط لأجل الطفل الذي انتظره! كيف تفكرين بهذه الطريقة المريضة وانت تدرين انني متلهفٌ للقائه فقط لأنك أنت والدته.. فقط لأنه منك!
– وانا لا أريده! لا اريد اي شيء منك! انا اكرهك.. ومحال أن يختفي حقدي ذات يوم!
هتفت ياقوت ودموعها تتصبب معبّرة عن كل ما تقاسيه من جروح الماضي..
– انت قلت انك ستمنحني الفرصة لأتقبلك.. لأحبك.. على الأقل عليّ أن احاول.. وانا اخبرك الآن انك فشلت في هذه الفرصة التي منحتها لك.. انا لم احبك وعلى ما يبدو انني لن افعل يومًا.. ففي كل مرة اراك بها ذكريات الماضي تهاجم كياني.. تمتص من هناء روحي لأنك قريب مني وانا مستسلمة لم اثأر بعد كما يجب منك.
ارتعشت شفتاها وهي تطئطئ لتنظر الى بطنها المنتفخة وتغمغم:
– هذه الروح الكامنة في احشائي تبقى تذّكرني بأقسى افعالك بي! الروح التي تنتظرها انت على احر من الجمر هي نفسها التي لا تساعدني البتّة على تقبّل قربك ونسيان الماضي ولا حتى حياتي معك! انا قاسية كما تقول ولكنك أقسى مني! نحن لا نختلف عن بعضنا البعض بشيء عدا كونك انت من بدأت برحلة العذاب هذه وانا هي من ستنهيها بنفس القساوة التي بدأت بها انت!
أحاط ساري خدّيها بكفيه بينما يقول بلطفٍ محاولًا أن يحنن قلبها:
– انتِ البارحة كنتِ راضية.. حتى انك اردتِ البدء في حياة جديدة امنحك بها كل السعادة التي تمنيت الحصول عليها! انت تريدين الراحة! وراحتك بقربي منك! ازيلي هذه الأفكار المجنونة من عقلك ودعينا نتغلب على الماضي! لا تجعليه حاجزًا بيننا بعد اجمل لحظات عشناها معًا البارحة!
– الا تفهم اني لا اريدك؟ انني ابغض قربك! الى متى ستبقى تحاول؟ لقد مللت! انا لا اريدك! لا اريد حياتي معك! لا اريد!
صاحت ياقوت به بجنون وشعرها المتناثر حولها بعشوائية ينفعل مع جنون صفعاتها على صدره وهي تحاول دفعه بعيدًا عنها.. ثم تابعت ببكاء:
– طلقني! طلقني!!
هذه المرة هو من كان يبتعد عنها.. كان يتقهقر بينما يسألها بنبرة جامدة تواري اضطرام روح تكاد تتحول الى رماد:
– هل هذا صدقًا هو ما تتمنين الحصول عليه؟ الطلاق يا ياقوت!
هزت ياقوت رأسها بانفعال:
– هذا هو كل ما أريده! لقد اكتفيت منك! طلقني!
ومضت عيناه بشيء غريب.. شيء شبيه بالدموع.. الاحمرار ساد على لون عينيه والدموع كانت تجاهد لاحتلال مقلتيه.. أما الجنازة التي حدثت في قلبه تم تشييعها ودفن تابوتها وهو يحقق لها اكثر ما تتمناه بقوله:
– انتِ طالق!
