روايات رومانسية

رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل الثلاثون 30 بقلم اسيل الباش

رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل الثلاثون 30 بقلم اسيل الباش

الفصل الثلاثون..
محتارةٌ انتِ بين التداني والتنائي..
محتارةٌ اي سبيل عليك ان تَقْتَرِعِي وتجتازي..
محتارةٌ بين ما يفرضه عقلكِ وما يفرضه حبي..
إختاري ولا تهتمي يا محبوبتي..
فنهاية مسيرتك ليست الا لي وحدي..
ولو قطعتِ الاف اميال الدروب مصيركِ لي..
واليك هذا الوعد مني يا لبّ جماحي..
————————–
بعدة عدة أيام..
كانت علاقتها المتوترة به تعيث توجسًا مرعبًا في أنحاء صدرها.. تخبط مشاعرها كان ينجلي في عينيها بكل مرة تنظر بها له..
الايام الماضية لم تختلف عن سوابقها.. كالعادة قسوته ببروده ولسانه السليط وأوامره التي لا تنتهي بالإضافة إلى عصبيته الكامنة بنظراته وكلماته السامة..
وضعهما من سيء الى أسوأ.. وهي تشعر أن مهما حاولت تقبله خاصة في هذه الفترة تجد نفسها بغير قادرة.. خاصة وأن كلام الصغيران المخيف يتزايد فيتزايد معه توترها ورعبها على صغيرتها نور..
على الرغم من كونه قد بدأ بتنفيذ ما قاله بخصوص والدة آيات الا انها لا زالت قلقة بسبب تصرفاته الخشنة.. فتوعده لها بالعقاب لا زال أثره يثير الذعر في قلبها ولو قاومت وارتدت قناع العناد والتحدي.. البغيض لا زال يقوم بإحصاء أخطائها!.. ويذّكرها كل مرة بعددهم كلما ترتكب المزيد من الأخطاء..
زمت وهج شفتيها بغيظ وهي تلقي نظرات حارقة على جسده المتوسد سرير غرفتهما براحة تامة.. ذراعه اليمنى خلف رأسه كوسادة أخرى لرأسه بينما ذراعه الأخرى ملقية بإهمال على جانب السرير الفارغ..
دنت من السرير بتوتر رغم كل حنقها منه.. هو نائم بينما هي لا تدري ما هو طعم النوم منذ آخر شهور حملها حتى هذه اللحظة!..
مدت يدها تهزه من ذراعه بإرتباك ملحوظ بينما تهمس بسخط مكتوم:
– صفوان هيّا استيقظ.. اخبرتني أن أوقظك قبل اذان المغرب.. وإذا لم افعل سيزداد عدد اخطائي.. هيّا انهض!
رأته يتحرك بجسده قليلًا قبل أن يفتح عينيه السوداوين الناعستين.. تراجعت إلى الخلف عدة خطوات حالما همّ بالنهوض بينما يتأملها بنظراته القوية رغم نعاسها.. وفور أن وقف قبالتها غمغمت:
– سأذهب لأعد لك شيئًا تحتسيه.
– انتظري.
ردعها صوته من مواصلة طريقها لتستدير إليه وتهتف بعصبية حانقة:
– لم ارتكب اي خطأ الآن حتى انتظر وتخبرني عدد اخطائي!
– وصلنا العدد الحادي وثلاثون!
علّق صفوان ببرود لتجلس وهج على الأرض بخور وتقول:
– وصلنا الى هذا العدد ولا زلت لم افعل شيئًا حقيقي يدعو إلى الغضب والعقاب عليه.. ربما يجب أن أفعل شيئًا صدقًا حتى استحق عقابك المجهول ماهيته حتى هذه اللحظة!
مدّ صفوان يده لها وقال بخشونة:
– انهضي!
هزت كتفيها برفض لينحني بجسده قليلًا ثم يرفعها رغمًا عنها لتنتصب واقفة بين ذراعيه.. أفلت صفوان ذراعيها وقال بعدم صبر:
– انت ترين جيدًا يا وهج أن رغم كل الذي ارتكبتيه وتفوهت به من حماقات لم اعاقبك بعد.. اليس كذلك؟
مطت وهج شفتيها بضيق:
– ولكنك تقسو علي وتهددني بالعقاب وتقوم بحساب اخطائي لكي تفاقم من خوفي!
إرتسمت الابتسامة الساخرة على شفتيه:
– وهل انت الآن خائفة يا زوجتي المصون؟ انا اراك لا تلقين بالًا لأي من تحذيراتي لك وتواصلين تصرفاتك الملتوية!
– انت السبب بكل ذلك يا صفوان! عدم شعوري بالأمان هو السبب!
غمغمت وهج بإختناق ودموعها تهددها على التفوه بالمزيد من العبرات بسقوطها..
قرّب صفوان رأسها من صدره لتستند عليه بنعومة وقال بجدية:
– بل نفورك من قربي منك وشعورك بالندم على زواجك بي هما السبب.
كادت أن تتقطع اوتار جيتارة قلبها وهي ترد بتوتر يشوبه لمحة من الخوف:
– انا.. انا لم اكن اقصد.
تنهد صفوان بقلة حيلة وهو يضغط على ظهرها بذراعيه يقرّبها منه أكثر.. هي صغيرة.. لا تفقه شيئًا في هذه الدنيا مثله.. صغيرة وأم لثلاثة أطفال.. تحمل مسؤولية اكبر مما يجب.. وضحت كثيرًا دون مقابل.. هي طفلة بالنسبة حتى له.. ففرق العمر أيضًا شاسع بينهما وكأنها طفلته الأولى لا زوجته.. بكل ما بها من تفاصيل.. بجسدها وبشخصيتها وبأمومتها ورقتها.. هي انثى خلابة سحرت روحه وسلبتها منه وهو الذي لم يكن يؤمن الا بوجود الاحترام المتبادل بين الزوجين والتضحية من طرف كل منهما.. ولكن حينما داهمت هذه الملاك حياته لم تقلب موازينه فقط بل سرقتها تمامًا وانتشلتها كلها منه..
إبتعدت وهج قليلًا حتى ترفع رأسها له وتواجه عينيه الهائمتين بها.. ازدردت ريقها وهي تتأمل بتوتر العاطفة التي تومض بها عيناه ثم تساءلت برقة طفولية جعلت وتينه ينصهر:
– انت لن تعاقبني، اليس كذلك؟
– سأفكر في هذا الموضوع بعد أن تغدقيني بدلالك.
قال صفوان بعبث لتتخضب وجنتاها بخجل وتهمس:
– أخشى أن تستيقظ نور.
– سيعتني بها ادهم وسيف.
أجابها صفوان بجدية لتنكمش ملامحها بخوف لا إرادي جاهدت على إخفائه وهي تهز رأسها موافقة بقلب منقبض غير مرتاح البتة..
بعد أن قام صفوان بتوصية ابنه الكبير على عدم ازعاج أخته الصغيرة وتركها نائمة عاد متوجهًا إلى الغرفة ليجد وهج لا تزال في مكانها واقفة والخوف يخطف اللون من وجهها ويترك مكانه الشحوب..
إقترب منها متسائلًا بهدوء:
– هل انت بخير؟
هزت رأسها واجابت بصراحة:
– انا بخير.. ولكن فقط قلقة على نور.
أعادها صفوان الى حضنه:
– هي مع شقيقها وليس مع احد غريب يا وهج.. ابعدي هذه الهواجس لأنها حقًا تثير بي كل انواع الغضب.. هي ابنتي تمامًا كما هي ابنتك.. لا فرق بيننا.
همهمت وهج موافقة مرغمة نفسها على تقبل وجودها بين ذراعيه صامتة مستسلمة.. صفوان لن يتركها وهي لا تقدر أن تتخلى عن أطفالها رغم خوفها.. بالإضافة إلى كونها قد أحبته رغم غضبها منه.. مشاعرها متخبطة.. تتفاوت بين العديد والعديد من الاحاسيس المختلفة.. ومع ذلك فرضت تأثير سلطان سحره على عقلها ودفعت مقاومة شعورها بالبغض منه..
حالما قبّلها كانت القبلة خشنة لا تمت بصلة للنعومة أبدًا.. ومع ذلك تجاوبت بها وهي تسمح له بالغوص اكثر في محراب جمالها ليتعبده بطريقة مميزة لا يتّبعها الا هو..
كان الشوق الغاضب يتمثل بلمساته وغزله الشرس.. وكأنه يطلق العنان لعقابه ولكن بأسلوب آخر..
لم يكن بوسعها فعل اي شيء عدا الاستسلام.. فجفاء الايام الطويلة التي مضت كان أثرها قويًا عليه ليبثها عاطفته بهذه القوة والخشونة!
*******************
إتسعت ابتسامتها الامومية وهي تتأمل ملامح صغيرها.. بعزقت حسناء قبلاتها بعشوائية على وجهه الناعم بينما تستنشق عبيره الطفولي بعاطفة اجشة..
تعالت ضحكاتها وهي تراه يضحك ويضرب بذراعه في الهواء موحيًا سعادته بحضن والدته..
أحست حسناء فجأة بيدين تضمانها هي وطفلها لتتوتر ضحكاتها إلى أن اضمحلت تقريبًا فور أن شعرت بأنفه يتغلغل عبر شعرها ليصل إلى عنقها ويطبّع قبلة طويلة هناك.. وتمهلت شفتاه وهي تبتعد بتريث عن موضعها لتقبل خد الصغير بقوة..
– أيهم دعني حتى لا يقع رفعت من بين يداي!
تمتمت حسناء بإعتراض ليثبتها ايهم في حضنه بذراع واحدة بينما الأخرى تتناول الصغير منها وهو يقول بشقاوة:
– والان ايتها الحسناء لن يقع ما دام طفلك بذراعين أمينة لشخص اذا امتلك شيئًا ما يحافظ عليه اكثر مما يحافظ على روحه!
رفعت حاجبيها بعدم رضى ثم استدارت وهي في حضنه لتواجه عينيه الماكرتين.. وهمست بهدوء:
– هلّا تركتني يا أيهم.
هز أيهم رأسه بنفي وغمغم بينما يسير بيها قسرًا نحو سرير الطفل ليضعه به وذراعه اليسرى لا تزال تطوق جسدها..
بعد ان وضع رفعت في سريره ضمها بكلتا ذراعيه وقال:
– انا مشتاق اليك.. واكثر مما تعتقدين ايتها الظالمة!
ابتسمت حسناء بتهكم يشي بمدى قهرها منه ليتنهد أيهم بقوة ثم ينحي مقبّلًا جبينها بحنو..
– افهميني حبيبتي.. انا رجل يغار بجنون.. ومن الأساس ولادتك قد تمت منذ أكثر من شهر وانت لا زلت تحملين علي كل هذا الغضب.. يجب أن تكوني مدركة أن الحفيد الاول لوالدي سيحمل فقط اسمه.. فقط اسم رفعت الفهدي!
عقدت حسناء حاجبيها بضيق وابتعدت قليلًا برأسها عنه لتواجهه ثم قالت بقهر:
– انا أتفهم غيرتك يا ايهم.. واتفهم كل ما تقوله.. ولكن لا استطيع ابدًا على تفهم برودك في آخر أيام حملي.
تفرقت قبلاته على سائر حنايا وجهها بينما يهمس بشغف واسف:
– اعتذر.. اعتذر.. ولكنني والله اعشقك بجنون.. ومجرد سماع اسمه رغم كونه الان تحت التراب يثير بس شتى أنواع الغضب الاسود والغيرة العمياء.. أصبح اعمى لا يرى أمامه.. انا اغار حبيبتي.. اغار بجنون واعشقك بجنون.. ماذا كنت تتوقعين مني أن افعل بعد أن تطلبي مني أن يكون اسم طفلنا الاول على اسم المرحوم أمين؟ بالتأكيد لم تتوقعي أن اوافق واستقبلك بالاحضان لنرثيه انا وانت معًا!
مررّ أيهم يده على شعرها الناعم يتملسه بنعومة بينما يسند جبينه على جبينها ويتابع:
– عليك أن تفهمي غيرتي عليك وان تتفهميها حبيبتي.. بل عليك أن تسعدي بيها لانني اذا وافقتك الرأي وحققت لك طلبك هذا يعني انني لا اغار عليك واعشقك حتى هذه الدرجة!
تبرطمت حسناء وعلّقت بينما تتذكر الايام الماضية بكل ما بها من تفاصيل:
– كلامك صحيح ولكن هناك طرق مختلفة للتعبير عن الغيرة.. انت لم تتفهمني.. كان بإمكانك أن تخبرني بهذا الكلام قبلًا لا أن تصمت حتى اليوم هذا ثم تقول لي انا اسف وتبرر لي!
إختنق صوتها وهي تستأنف:
– انت كنت جافًا معي.. باردًا.. وانت تدري كم أكره برودك.. ثم لحظة الولادة رغم خوفك علي ومساندتك لي بها الا انك فور أن ناولتك الداية الطفل قلت ان اسمه رفعت وانت ترشقني بنظرات متحدية قاسية.
دسّت رأسها في صدره بقوة واكملت ودموعها تسيل:
– انا اعتدت على حنانك.. على حبك.. وانت السبب.. انا لا اقدر على تحمل قسوتك ولا برودك.. بسرعة احس انني سوف انكسر.. انت دللتني.. وانا ادمنت هذا الدلال.. لا اتحمل اي شيء غيره! وخاصةً حينما يكون منك انت!
ابتسم أيهم بحب واكتفى بجذبها الى السرير الذي يتوسط الغرفة ليجلس عليه ويجلسها على ساقيه في حضنه لتغمغم حسناء بتحذير وهي ترفع اصبعها نحو وجهه:
– اياك ان تكرر تصرفك هذا مجددًا.. هل فهمت سيد ايهم؟
ضحك أيهم ملئ شدقيه وهز رأسه موافقًا قبل أن يجذب اصبعها ليقبله بقوة ويقول بنبرة هائمة:
– اجل، لقد فهمت واللوم يقع علي انا فقط لأنني ادللك أكثر مما يجب! ولكن ماذا افعل إذ كنتِ انثى ولدت لتلقي الدلال فقط؟ وماذا افعل اذا كنت احبك اكثر مما يجب؟ انت حلم منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد!
ضحكت حسناء بغرور:
– وستبقى تركض خلف هذا الحلم الى الابد الى الابد.. وممنوع أن تجعل هذا الحلم يحزن حتى لا يصبح كابوسًا وهو الذي يركض خلفك!
اومأ أيهم بخنوع وقال بمرح:
– حاضر.. حاضر حبيبتي.. ولكن فقط امنحينا العفو ورضاك!
أحاطت حسناء ذقنه الخشنة بيدها الرقيقة وتساءلت بنبرة مغرية:
– لقد عفوت عنك حبيبي ومنحتك عفوي منذ فترة طويلة.. ولكن سؤالي هو الان: الم تشتاق لي يا قلب حسناء ورجلها الوحيد؟
إتسعت ابتسامته الملتوية وبريق عينيه ازداد اسودادًا وهو يرد عليها بخشونة محببة:
– بل انا الوحيد الذي اشتقت الى درجة لن تتصوريها يا روحي!
وقبل أن تستمر بدلالها عليه كان يجذبها الى دوامة غرام لتمارس دلال من نوع اخر عليه.. دلال يعشقه ولا يمل ولا يكل منه أبدًا.. ومحال أن يفعل يومًا ما وعشقه لها يكاد ان يهلك أوصاله من شدة ولعه بها..
*******************
كاد قسورة ان يفقد اعصابه بسبب دلالها الزائد.. فتعلقها به كما حدث في حملها الاول تحول إلى نفور في حملها هذا.. رائحته التي كانت تعشقها وتجبره على تحمل التصاقها به اضمحل تمامًا وصار هو من يتمنى أن ينعم بقربها لساعة كاملة فقط كما يجب.. لا يدري صدقًا إذ كان كل ذلك تمثيلًا من قبل هذه الماكرة التي تدعى زوجته.. ام حقًا وحامها هذه المرة لا يحالفه بل أصبح عدوه..
تأفف قسورة بحنق قبل أن يدلف الى غرفتهما، مجهزًا نفسه إلى سلسلة الصراخ التي ستهاجم أذنيه كطبول تُدق بصخب في أذنيه..
جاهد على كبت انفعالاته بينما يسمعها تزمجر بضيق:
– قسورة لماذا دخلت؟ انت تعلم انني لا اطيق اقترابك مني هذه الفترة! هيّا أخرج! اخرج! رائحتك تخنقني!
هتف قسورة من بين اسنان تصطك ببعضها البعض من شدة الغيظ:
– أود ان ارتاح في غرفتنا كأي رجل طبيعي.. لقد مللت من هذا الوضع!
صاحت خنساء بينما تضع يدها على أنفها كي تردع تغلغل رائحته الى أعماقها:
– قسورة اخرج! سوف اتقيأ اذا بقيت في الغرفة! رائحتك تقتلني! اخرج!!!!!!!
ألجمت ضحكتها بصعوبة من الانطلاق وهي تشاهد احمرار وجهه وتوسع فتحتي انفه بغضب أشوس.. ود أن يتحدث مرة أخرى إلا أنها صاحت مجددًا تمنعه من النطق بحرف واحد:
– اخرج!!!!!!
أطلق انفاسًا مشتعلة من بين شفتيه وهو يستدير ليغادر الغرفة، مغلقًا باب الغرفة خلفه بعنف اهتزت له جدران المنزل تمامًا كما اهتزت نوافذ قلبها من ذهولها..
سمعته خنساء يطلق شتائم بذيئة من بين شفتيه لأول مرة تسمعها منه.. اذبهلت حدقتاها وهي تطالع باب الغرفة بعدم تصديق قبل أن تنطلق بنوبة ضحك صاخبة.. ولكن سرعان ما كانت تكبت ضحكاتها وجسدها يرتجف بمفاجأة حينما هوى بقبضته على باب الغرفة المغلق وهدر بجنون:
– هذا الولد العاق سأقتله ما أن أراه! سيجعل شعري يشيب وكأن تصرفات امه المجنونة لم تفعل الويل بي بشكل كافٍ!
– لا تتحدث عني وعن طفلي بهذا الشكل؟
هتفت خنساء بنبرة مثيرة للاستفزاز ليعض على شفته السفلى بعصبية وهو يغادر المكان كله كي لا يبتلي بها وبطفلهما العاق..
بعد خروجه من المنزل وثبت خنساء عن السرير وخرجت من الغرفة، متوجهة نحو المطبخ لتعد لنفسها شيئًا ما تأكله.. ترغب بتناول الحلويات وبالتأكيد الآن ستتفنن بكل انواع الحلويات حتى تأكل هي وطفلها وتقهر زوجها وهي تمنعه من اكلها..
كان خطئه الوحيد أنه فكّر بالزواج من غيرها لتنتقم منه شر انتقام.. اذا اعتقد انها قد مررت له فعلته مرّ الكرام فهو مخطئ تمامًا.. كل ما تريده حاليًا هو أن تلقنه درسًا لا ينساه ما دام في صدره نفسًا.. الم يكن يود الابتعاد عنها والزواج بأخرى والان ستستغل حجة حملها ووحامها وتذيقه القليل من مرارة بعدها وعدم اغداقها له بعشقها كما اعتاد..
اجل هي مشتاقة لتوسد صدره الرجولي ومشتاقة لسماع كلماته التي ترفعها إلى عنان السماء.. مشتاقة للغوص في ملاذه المثير ولكن مع ذلك هي خنساء.. المرأة الماكرة.. التي تموت ولا تسمح لزوجها بالتفكير بإمرأة غيرها.. فكيف إذ كان هذا الشخص قسورة.. الهيبة والرجولة.. هو لها.. فقط لها لوحدها.. وخاصةً بعد أن ضمنت زواج عمران من غالية وموافقة وسيم العثماني بكلام قسورة التي اقترحته هي..
بعد عدة ساعات كان قسورة يعود إلى المنزل ليجدها جالسة على الفراش الارضي وصينية كاملة من الحلويات التي أعدتها منبسطة أمامها في حضنها..
لم يلقي تحية السلام وهو يرشقها بحمم غيظه قبل أن يتوجه إلى غرفتهما ويحاول أن ينام على سريره الذي امتنع عنه منذ عدة أيام قضى بها النوم خارج الغرفة..
تناول وسادتها وضمها الى صدره بينما يهمس كشخص فقد عقله:
– صاحبتك حقيرة.. تحرمني النوم والبقاء قربها! آه فقط لو انها ليست حامل لكنت اعدك انني من شعرها الطويل سأجرها واعلمها فنون الادب!
صفع قسورة الوسادة بغلٍ قبل أن يليقها بحنق على الأرض ويعود إلى شعلته الهائجة بجبروتها ليقف قبالتها ويهتف بجهامة:
– الليلة لا تحلمي أن أنام خارج الغرفة! ثم ما كل هذا الذي تأكلينه؟! هل تودين أن تصبحي سمينة لكي تصدعي لي رأسي فيما بعد؟ دعي ما بيديك!
لم ينتظر ردها وهو ينحني بجسده ليأخذ الصينية من حضنها فتصيح به خنساء بنفور:
– قسورة الم اخبرك أن لا تقترب مني؟ واعطني فورًا الصينية كي لا أفقد عقلي!
قال قسورة بتعب:
– خنساء حبيبتي انا اشتقت اليك! الا يمكنك مقاومة قليلًا هذا النفور؟ كيف تسمحين لوحامك أن يتغلب عليك؟
وضعت خنساء يدها على أنفها وغمغمت بضيق:
– هذا طفلك الذي لا يطيقك.. ماذا افعل إذ كان غاضبًا عليك لانك تستمر بمضايقة والدته؟
– دعيني اذا اتفاهم معه وأخبره أن أمه هي التي تزعجني وستفقدني عقلي يومًا ما.. اسمحي لي على الأقل أن أعقد اتفاقًا معه.
غمغم قسورة محاولًا استعطافها لتمط خنساء شفتيها وتهتف:
– ماذا تريد الان مني؟ لا تحلم أن تتقرب مني أو تلمسني.. بعد أن يولد ابننا افعل ما تشاء به.. ولكن الآن انا محظورة.. ممنوع الاقتراب مني!
– ماذا افعل إذًا حبيبتي وكل ما أريده هو الشعور بك يا امرأة الأحاسيس؟.. الستُ حبيبك يا خناس قلبي؟ أصبحت اكتب الاشعار لك وانت تتجاهليني.. ماذا تريدين مني أن افعل حتى تسعفي قلبي الملهوف لك ولاحتوائك بين ذراعي واغداقك بكلمات الغزل والعشق التي تستحقينها خناسي!
همس قسورة محاولًا العبث بدماغها وعنادها لتنزل يده عن انفها قليلًا وترد بابتسامة لعوب:
– خذني لأزور جدي ولكن قبلًا خذني الى السوق.. وبعد ذلك سأحاول أن ادع حبي لك يتغلب على وحامي وقساوة طفلي.
*******************
تنهدت ياقوت بوهن شديد بعد أن توسدت السرير بجسدها المنهك.. كانت قد عادت لتوها من منزل اهلها كما تفعل كل يوم يأخذها ساري لزيارة اهلها أو التنزه بين اسواق القبائل.. رأته يدنو بخطواته منها فقالت بضيق:
– اريد ان…
أكمل ساري بدلا عنها:
– أن تنامي!
ألقى عليها نظراته المغتاظة وتساءل:
– الا تملين من النوم؟ طيلة الوقت نائمة!
زمت ياقوت شفتيها:
– لا، لا أمل ابدًا! وانت السبب بذلك.. لذلك لا يحق لك الاعتراض!
غامت حدقتاه بنظرات بنظرات عابثة كلها حنين بينما يهمس وهو يقعد على السرير بجوارها:
– ادري ويا ليت الزمن يعود بنا إلى الوراء لأصلح كل شيء واؤجل ميعاد حملك إلى أن اشبع منك قليلًا فقط! قليلًا فقط لا اكثر!
تفشى الإحمرار خجلًا وحنقًا ليحتل خدّيها بينما تزجره بضيق:
– كفاك وقاحةً!
– لا زلت مهذبًا! إذ كنتِ تعتبرين هذه وقاحة فأنا حقًا تعيس الحظ!
قال ساري ببراءة ماكرة قبل أن يمد يده ليعانق اناملها بأصابعه ويستطرد:
– متى سيحن قلبك علي؟ دعيه يرأف بي قليلًا فقط.. الا تريني افعل المستحيل لأجلك ولأجل العثور بين قساوة قلبك على خفقة رضى وحب؟
بجمود قاسي كانت ياقوت تقول بينما تنظر الى وجهه:
– لقد اخبرتك يا ساري ماذا عليك أن تفعل لأسامحك.. لقد فعلت الكثير لي وانا لا انكر.. ولكن كل ما عليك فعله الان هو تلبية طلبي لتحصل على ما تتمناه!
حاولت ياقوت انتزاع يدها ليضغط عليها أكثر مثبتًا اياها.. زفر ساري انفاسًا مضطرمة بشغفه الغير صبور واحاسيس قلبه المكلوم ثم همس محاولًا أن يعبث ولو قليلًا فقط بأوتار قلبها الحساسة عساها أن تشفق عليه:
– ادري ان كل ما مرّ بيننا كان قاسيًا.. ادري حبيبتي.. ولكن الا تذكرين رحلتنا الجميلة.. كم بدوتِ خالية البال وسعيدة.. الا تطمحين على النيل بهذه السعادة إلى الأبد؟ أن اخذك الى اينما تودين.. أن أعطيكٍ كل ما تتمنين.. وان اعشقك اكثر من اي شخص في الوجود؟
رفع يده الأخرى ليمرر إبهامه برقة على خدّيها وصولاً إلى طرف ثغرها بينما يسترسل وعيناه تتوسم النظر بها بلهفة عاشقة:
– انظري اليّ كم اعشقك.. انا كلي لك حبيبتي.. لا احب أحدًا في هذا الكون مثلما احبك.. لن يحبك احد كما انا احبك.
دنى بوجهه منها ليلثم طرف شفتيها بقبلة تائقة قبل أن يبتعد لانشات قليلة ويغمغم بصوت اجش:
– دعيني اعوضك.. الا تودين أن امنحك الدنيا كلها؟ لقد اعتذرت مرارًا وتكرارًا وها أنا اعدك مجددًا أن ما حصل بيننا محال أن يتكرر مجددًا! دعيني امحو اوجاعك التي تسببت انا بها من عقلك وقلبك.. دعيني امحوها بنفسي حبيبتي وجميلة روحي!
لم يتوانى ساري ولم يتردد البتة بإستغلال فرصة تأثرها بكلامه ليحصل على مغفرتها وينال قربها فإنتقلت شفتاه الى هدفها الصحيح.. الى شفتيها الناعمتين.. قبّلها برقة شديدة رغم شوقه الذي يكاد أن يتفجر في صدره من شدة قوته.. وهي بدورها لم تقاوم.. كلامه شتّت حواسها.. عبث بأفكارها.. كان يلعب على اوتارها الحساسة.. فهي جلّ ما تريده من هذه الدنيا هو الراحة.. أن تعيش مطمئنة البال..
حرّر شفتيها للحظات معدودة يهمس بها:
– اعشقك يا اقوى امرأة قد عرفتها يومًا.. اعشقك يا اجمل امرأة!
كان عاشقًا حد اليأس ومتلهفًا لقربها حد الجنون.. كان مجنونًا بها.. مشاعره اكبر بكثير من مجرد كلمة حب.. وهي كانت ضائعة.. محتارة.. خائفة.. تائهة بين الماضي والمستقبل، غير واعية للحاضر اطلاقًا..
حالما اخشوشنت لمساته كانت تتيبس مكانها وذاكرتها تأخذها تلقائيًا الى اقسى ذكرى قد عانتها يومًا على يديه..
ومع ذلك لم يطلق سراحها من براثن ولعه وهيامه وهو يصر على جعلها تتغلب تلك الذكرى ونسيانها نهائيًا ليبدلها بذكرى جميلة..
همس ساري بنبرة تشي عن مدى شوقه ورغبته بكل ما بها:
– دعيني اساعدك على تخطي هذه الذكرى ونسيانها.. دعيني حبيبتي أنسيكِ الماضي.. دعيني اجرب طعم جنتك يا فردوسي.
تاهت ياقوت بغزله ولمساته الرقيقة المتلهفة لتستسلم، مفسحة له المجال حتى تتخطى اكثر ذكرى تبغضها.. كانت جولة حب غريبة مختلفة.. بها شوق متأجج منذ اشهر طويلة.. تحمل في طياتها مشاعر صادقة ورغبة عارمة بنسيان الماضي.. كانت احاسيسهما الثائرة في الوقت الحالي تنافي تمامًا ثورة الغد.. ثورة قبل ثورة!..
———————
يتبع..
زر الذهاب إلى الأعلى