روايات رومانسية
رواية عرف صعيدي الفصل الخامس 5 بقلم تسنيم المرشدي
رواية عرف صعيدي الفصل الخامس 5 بقلم تسنيم المرشدي
عُرف صعيدي
الفصل الخامس
( إجبار )..
______________________________________
_ مرت أربعة أشهر وتسعة أيام لم يدق بابهم حدث جديد وها هي ورد قد أوشكت عدتها علي الإنتهاء ، كما أستبعد نفادي طاهر عن القضية لعدم وجود أدلة ضده ، القضية لازالت مستمرة والتحقيقات لا تنتهي ، كذلك لم يغمض جفن لخليل طيلة المدة الماضية وهو يبحث عن قاتل ولده ولا يصل إلي شئ في نهاية المطاف
_ يقضي مصطفي يومه كاملاً في حرث الأرض وچني الزرع وإطعام البهائم كما يتابع مواعيد تطعيماتهم حتي يكونوا بصحة جيدة ، يلهي نفسه في العمل نهاراً ويبدأ برحلة البحث عن قاتل أخيه ليلاً
_ أبتعد عن الجميع مؤخراً ليس في مزاج يمسح له بخلق حديث مع أحدهم حتي مع صديقه المقرب “ضيف” ، صامت طيلة الوقت ولا يكل من العمل الذي يرهق بدنه فيه يومياً علي أملٍ أن يشعر بالراحة الداخلية قليلاً ..
_ لم تبرح ورد غرفتها طيلة الشهور التي مرت عليها وكأنها أعوام ، تأني السيدة سنية لزيارتها من حين لآخر تطمئن علي حالتها سريعاً وتعود حيث جائت بسبب تحذيرات حمدان التي يقف لها في الدخول والخروج ويمنعها من المكوث عند أبنتها فترة طويلة خوفاً من أن تشي عليه
_ وقعت ورد في براثن ذلك الشعور الموحش ما يسمي ‘ بالإكتئاب ‘ ، ترفض الطعام عشرات المرات وتقبله مرة من بينهم عندما تضطر إلي ذلك بسبب هلوسة عقلها التي تظهر بودارها عليها كلما امتنعت عن الطعام مدة طويلة
_ باتت باردة المشاعر جامدة الملامح كجهاز آلي ليس إلا ، لا تفتح فاها إلا في وجود والدتها ، تعد الثوانِ لكي تعود إلي منزل والدها رحمة الله عليه ربما تتحسن نفسيتها إن ابتعدت عن تلك السرايا التي دوماً ما تذكرها بأفعالها الحقيرة مع هلال ، تشعر بتأنيب الضمير في كل حين يمر عليها لا ينقص أبدا بل يزداد مع مرور الوقت ..
_ وقفت أمام خزانتها تحضر جميع ثيابها وكل أشيائها الخاصة وتضعهم في حقيبتها الضخمة التي سترافقها في رحلة عودتها ، أخذت نفساً عميقاً وهي تهون علي نفسها بترديدها للكلمات :-
معتش إلا ليلة واحدة يا ورد هانت جوي وتعاودي دار بوكي
_ أغمضت عينيها مستاءة مما ينتظرها وتابعت تمتمتها بتهكم :-
وترجعي لجرف عمك وبته
_ تأففت بضجر بائن وألقت ما بيدها علي الفراش بإهمال ، جلست علي طرف الفراش تطالع الفراغ أمامها وعقلها مزدحم بالافكار السودوية التي تتخيل مدي بشاعة حدوثها ما إن غادرت السرايا
_ أخرجت تنهيدة حارة بقلة حيلة ورددت متوسلة ربها :-
دبرها من عندك يارب
_ أجبرت نفسها علي النهوض وإكمال ما بدأته لكي تنهيه سريعاً حتي لا يعطلها عن المغادرة شئ ..
______________________________________
_ تلفت يرمق المكان من حوله بتفحص يتأكد من أن لا يراه أحد ، جلس القرفصاء ما أن وصل إلي المكان المراد ، حفر بيده عُمق قليل ثم سحب جورب قطني ، مد يده داخله وأخذ سلاحه الذي أخفاه بعيداً عن ولده حتي لا يكرر فعلته التي كان سيقع فيها لولا وصوله في الوقت المناسب
_ عاد حمدان بذاكرته الي ذلك اليوم المشؤم حين عاد إلي منزله ورأي طاهر يقف أمام خزانته ويأخذ سلاحه ، أسرع نحوه وسأله بإرتباك ممزوج بالحدة الرافضة لأخذه لسلاحه :-
وااه واجف عنديك بتعمل ايه؟ ورايد ايه من سلاحي عاد؟
_ التفت طاهر نحوه ورمقه بنظرات احتقارية ولم يتردد في الرد عليه بخشونة :-
هسلم السلاح للحاكومة اني مهكنش أخرس كيف الشيطان وأجف اتفرج علي عمايلك
_ صعق الآخر من صراحته الوقحة واقترب منه يريد استعادة سلاحه بأي ثمنٍ كان ، رفض طاهر التخلي عن السلاح بتلك السهولة ولأن قوته مضاعفة لقوة والده الهزيلة استطاع أن يهرب من أمامه ، كاد أن يغادر المنزل لكن توقفت قدميه حين استمع لحديث والده الذي حاول التلاعب به بنبرة متوسلة :-
أني مخايفش علي نفسي ، أنا خايف عليك انت واختك ، خايف علي سمعتكم اللي هتتلط لو أتعِرف ان أني اللي جتلت ولد العمدة ، أختك حالها هيجف اكتر ماهو واجف العرسان مهدقش بابنا واصل ، معلوم مين هيناسب جتال جتله ؟
_ توجه حمدان نحو طاهر بخطي ثابتة وهو يري سكونه ، لابد أن حديثه سيجدي نفعاً ، وقف خلفه ووضع يده علي كتفه وتابع حديثه بإنكسار مزيف :-
وانت كمان يا ولدي خايف عليك ، مين هيجبل يجوزك بته وأبوك جاتل ؟ بلاش ديي تفتكر ورد هترضي تتجوزك بعد ما تعرف أن بوك هو نفسه جاتل جوزها اللي كسر فرحتها؟
_ استدار إليه طاهر ونظراته توحي إليه بإشارات تلومه وتعاتبه عن ما بدر منه والآن يطالبه أن يعرض عن الحق بتلاعبه علي أوتار حساسة للغاية لديه ..
_ أضاف حمدان وهو يتراقص داخله علي سذاجة إبنه ، لم يتصور أن الموضوع سيمر دون عناء بتلك السهولة :-
انت خابر زين سرو بلدنا وخابر أن محدش هيتعامل معاك تاني لو عرفوا الحجيجة وانت بلي رايد تعمله دييه هتظلم نفسك وديه أولهم وتظلم اختك وأمك وديه تانيهم ، لو لساتك رايد تبلغ عني روح مهمنعكش بس متبجاش تزعل من اللي هتجابله بعدين
_ تركه حمدان وعاد إلي غرفة الضيافة ، أغلق باب الخزانة متأملاً في رجوع طاهر إليه وتسليمه السلاح لكنه تفاجئ بخروجه من المنزل ، استدار ونظر إلي الباب بصدمة شديدة ، أيعقل أنه لم يصغي الي أي شئ مما قاله ؟
_ ازدادت نبضات قلبه متوجساً خيفة من تهور طاهر ، حاول أن يطمئن نفسه لكن لم يعرف للراحة سبيل ، تراجع خطوة الي الخلف وجلس بإهمال علي الأريكة في انتظار مجئ الشرطة لكي يلقوا القبض عليه ..
_ بعد وقت ليس بقصير عاد طاهر وقد تحول لون بشرته الي الاحمرار القاتم لابد من انعكاس الغضب الذي يتبدد داخله ، ألقي السلاح أرضاً وصاح مندفعاً :-
أني عاودت عشان اختي وأمي مش عشانك واصل لو عليك فأني مش هتردد اني أسلمك بيدي للحاكومة
_ ألقي ما في جوفه وغادر يلعن ضعفه وقلة حيلته التي منعته من الإبلاغ عنه ، لا يرضي بتصرفه لماذا عاد أليس الله موجود وسيرعي شقيقته ووالدته ؟ لما خشي أن يعرضهم للنبذ ؟ ربما لأنه لن يتحمل تأنيب الضمير الذي سيأتي من خلف ما ستعيشانه بسبب فعلته؟!
_ عاد حمدان من ذكرياته وهو يبتسم بانتصار ، أعاد السلاح كما كان وألقي عليه الأتربة إلي أن اختفي تماماً ، نهض ودار حول نفسه يتأكد من خلو المكان ثم غادر سريعاً قبل أن يراه أحدهم ..
_____________________________________
_ مساءاً ، اجتمع خليل وزوجته علي مائدة الطعام لا يشتهون اي شئ علي الرغم من تنوع صفية في الأكلات لكي تغري أعينهم ، تفعل كتلك المقولة
‘ العين تأكل قبل الفم ‘
_ نهضت السيدة نادرة من مقعدها مرددة بنبرة هادئة منكسرة :-
مليش نفس للوكل كُل انت
_ لحق بها خليل قبل أن تبتعد عنه بحديثه :-
عاودي مكانك يا نادرة خلينا ناكل كيف البني ادمين كيف ما كنا بنعملوا زمان
_ تقوس ثغرها للجانب مُشكلة بسمة ساخرة ورددت بتهكم :-
كيف زمان؟ هنرجعوا زمان كيف يا عمدة ؟ طيب لو الزمان رجع اللي فارجونا هيرجعوا تاني ؟
_ تنهد خليل بحزن ورفض أن يتأثر بحديثها ، وأمرها :-
جولت عاودي مكانك هتعصيني إياك!
_ تفاجئت بحدته التي تعامل بها وعادت بهدوء الي مكانها فمزاجها ليس في محله لكي تدخل معه في جدال لن ينتهي الا بمشاجرة كبيرة ، نادي خليل بصوته الأجش ما أن جلست نادرة :-
صفية
_ جائته مسرعة ووقفت أمامه مجيبة علي ندائه :-
نعم يا سيدي ؟
_ رمقها خليل لبرهة قبل أن يردف :-
نادي علي مصطفي ياجي يتعشي معانا ومتنزليش إلا وهو معاكي ، بكفيانا فراج لغاية أكده موتنا بالحياة بلي عنعمله في نفسنا ديه
_ دقت أسارير السعاده قلب صفية وهي تراه يريد إستعادة حياتهم السابقة ، تشكلت بسمة عفوية علي محياها وأجابته بحماس :-
أمرك يا سيدي
_ أوقفها خليل قائلاً :-
وبلغي ورد تنزل تاكل هي كمان ولا أجولك خدي لها الوكل عشان مهتعرفش تاكل في وجود مصطفي
_ امأءت له بالقبول وأسرعت إلي الأعلي مهرولة تتمني لهم صلاح الحال وأن تعود حياتهم كما كانت مليئة بالسعادة والهناء ، طرقت باب مصطفي وولجت للداخل حين سمح لها ، قابلته بوجه بشوش وهتفت بسعادة :-
العمدة رايدك تنزل تتعشي معاهم وجبل ما تعترض جالي متنزليش غير وهو معاكي وانت عارف العمدة ميحبش كلمته تتعصي أبدا
_ نفخ مصطفي بضجر بائن وردد بفتور شديد :-
وأني مراديش أكل جوليله لجيته نايم
_ لم تتحرك صفية وحاولت أن تلين عقله الحجري ذاك :-
لو تاخد بنصيحتي يا مصطفي يا ولدي جوم أنزل اتعشي وسط أهلك ، العيلة مبتتعوضش أبدا ، رجع لمتكم من تاني واضحكوا الحياة جاسية جوي ومشكلتها أنها مبتجفش علي فراج حد واصل مهما كان غالي ، بتكمل كيف الجطر اللي ماشي ومش هيجف غير في محطته حتي لو واحد من الركاب رايد ينزل في نص الطريج ، بوك وأمك مهمومين وجلوبهم شايلة حزن كابير وانت اللي في يدك ترجع لهم بسمتهم تاني ، لو ليا خاطر عنديك يا ولدي جوم كُل وياهم ومتكسرش بخاطرهم
_ تأثر مصطفي من حديث صفية كما أنبهُ ضميره علي حالة والديه الذي لم يفكر في التخفيف عنهم ، لكن كيف وهو يفشل في التخفيف عن آلامه!!
_ سحب مصطفي شهيقاً يحاول به إقناع عقله علي النزول الي الأسفل وأردف وهو ينهض من مكانه :-
هنزل معاكي
_ ظهرت إبتسامة عريضة علي وجه صفية مبدية مدي سعادتها في تلك اللحظة ، هبطت الي الطابق السفلي برفقة مصطفي الذي ما أن رآه والده حتي تبسم براحة فهو لم يصدق أنه امتثل لأمره لقد عاني في الأيام السابقة من عصيانه المستمر
_ ألقي مصطفي عليهم التحية وهو يجلس مكانه :-
مساء الخير
_ أجاباه في نفسٍ واحد :-
مساء النور
_ شرع الجميع في تناول الطعام ، شعرت نادرة بالتحسن القليل في وجود مصطفي معهم ، في تلك الأثناء همت صفية بتحضير العشاء خصيصاً لورد وصعدت إليها طرقت الباب وانتظرت حين فتحت لها وقابلتها بود قائلة :-
اتفضلي يا صفية
_ ولجت للداخل ووضعت الطعام أعلي الطاولة ورددت مؤكدة بمرح :-
كلي الوكل ده كلاته وده أمر من العمدة واجب التنفيذ
_ ضحكت ورد علي داعبتها وقالت بنبرة تميل الي الرجاء :-
ما تجعدي تاكلي لجمة معايا بدل ما باكل لحالي أكده وباجي علي تاني لجمة ونفسي تتصد
_ طالعتها صفية بشفقة شديدة ولم تعترض طلبها بل قابلته بصدر رحب مهللة :-
بس أكده عيوني التنين وكمان هنادي البنتة ياكلوا معانا
_ ازدادت إبتسامة ورد بسعادة دقت أبواب قلبها ، خرجت صفية تنادي هويدا وصفاء اللتان جئن مهرولين ، جلسن جميعهن علي الأرض حول صنية الطعام وشرعن في الطعام ولم تكف إحدهن عن الثرثرة طيلة الجلسة ..
______________________________________
_ انتهي خليل ومن معه من الطعام ونهضوا عن المائدة ، أوقف خليل مصطفي قبل أن يفر هارباً كعادته ويتسلل خارج المنزل قائلاً :-
تعالي يا مصطفي رايد اتحدت معاك
_ أماء له بقبول بينما ابتعدت عنهم نادرة لكن أوقفها خليل مردداً بصوته الجهوري :-
استني يا نادرة رايدك تحضري انتي كمان
_ استدارت إليه وهي تريد الهروب من بينهم وتعود إلي فراشها الذي بات رفيقها في الأوانِ الأخيرة ، لكن إصرار خليل أجبرها علي الجلوس معهم في غرفة الضيافة ..
_ حمحم بخشونة ثم بدأ حديثه لطالما طال التفكير فيه ، لقد حان موعد إخبارهم عن قراره الذي عزم علي فعله :-
عدة ورد خلاص هتخلص بكرة
_ رمقه مصطفي بفتور فهو لا يعي ما شأنه في ذلك الأمر ، تحلي بالصبر قدر المستطاع لحين فهم ما يشير إليه أباه الذي تابع حديثه المسترسل :-
رايدك تتجوزها
_ وقعت جملته ألجمت ألسنتهم من هولها ، لم تستوعبها عقولهم حتماً يمازحهم ، انتفض مصطفي مذعوراً وعارضه بإحترام :-
بتجول ايه يا بوي ؟ اتجوز مين؟
_ نهضت نادرة هي الأخري ودعمت إبنها معارضة زوجها بحدة :-
مين يتجوز مين يا خليل إيه اللي چاب مصطفي لورد؟
_ أضاق خليل بعينيه علي نادرة مستنكراً آخر ما تفوهته وأجابها مستاءً :-
ما سبج ورديتي بيها لهلال ولا مصطفي مش زييه ؟
_ أسرع مصطفي بالرد عليه يوضح له سبب رفضه :-
أديك جولتها يا بوي
_ حرك خليل رأسه بتهكم فهو لم يعي قصده وردد متسائلاً :-
أني جولت ايه ؟
_ أجابه الآخر بوجه محتقن :-
ورد كانت مرت هلال يعني مرت أخوي الله يرحمه
_ أزفر خليل أنفاسه بضجر بائن للجميع وصاح به مندفعاً :-
وانت جولت اهاه الله يرحمه يبجي ايه اللي يمنع؟
_ اتسعت حدقتي مصطفي علي آخرهم لا يصدق عقله ذلك الحوار المنتهي لديه ، لقد فاجئه والده لدرجة أنه لا يدري من أين يأتي بسبب الرفض تحديداً لأن الموضوع غير مقبول لديه بالمرة
_ حاول التحلي بالقليل من الصبر الذي علي وشك النفاذ وأردف موضحاً سبب اعتراضه :-
يا بوي كيف اني وأخوي نتشاركوا في حرمة واحدة ؟
_ هدر به خليل شزراً لعدم استيعابه للأمر بعد :-
تتشاركوا ايه يواد اتحشم عاد ، وبعدين لا عيب ولا حرام وانت لا أول ولا آخر واحد يتجوز مرت خوه ومن الاخر ديه عُرفنا إن الولية إن مات جوزها خوه أولي بيها من الغريب
_ لن تجدي نفعاً العصبية الآن ، أوصد مصطفي عينيه لبرهة وعاد بأدراجه إلي حيث مجلسه وتحدث بهدوء :-
العُرف دييه يتنفذ لو معاها كوم عيال لكن هي لحالها
_ لم يقتنع خليل بحديثه وتابع بإصرار واضح :-
وعشان إكده اني رايد الجواز يتم إكمنها لحالها وعمها ديه اني مبرتحلوش واصل
_ خرجت نادرة عن صمتها تلك المرة ، لم تتحمل سماع المزيد من السخافات لأكثر من ذلك وصاحت في زوجها مبدية رفضها التام للأمر :-
مصطفي مسبجش له جواز يعني يستاهل بت بنوت مش أرملة!
_ تقوس ثغر خليل للجانب مبدي تهكمه من هرائها :-
البنية أرملة ولدك يا نادرة ، وبعدين ما كان جدامه البنتة كاتير وجبناله عرايس ياما وكان مصمم علي كلمة لاه لاه مهتجوزش يبجي فرجت أرملة من بت بنوت طلاما هو رافض الفكرة نفسها
‘ فرجت يا خليل يا جبلاوي ، ثم أني معتش مرتاحة للبت ديي جدمها جدم الشوم ، البيت خرب من اول ما دخلته سيبها تغور ونخلصوا من شومها
_ ضرب خليل الأرض بعصاه ونهرها بغضب شديد :-
رطرطت الحريم ديي متهمنيش بلا جدم بلا اربعتاشر جدم
_ وجه خليل بصره نحو مصطفي الذي انسحب من الحوار وسأله بتجهم :-
ها جولت ايه يا مصطفي ؟
_ لم يأتي مصطفي بفكرة يمكنها إقناع عقل خليل الجبلاوي ، نعم هو الآن يتحدث كعقل عائلة الجبلاوي وليس بعقل الأب ، نهض مرة أخري ووقف أمامه وألقي ما في جوفه دفعة واحدة :-
بصراحة يا بوي أني من حجي اتجوز بت بنوت كيف ما أمي جالت مش أرملة!
_ يعلم جيداً أن ما أفصح به ماهو إلا هراء فهو ليس بتلك العقلية كما أن والده يعرفه جيد المعرفة ولا يمكنه تصديقه بتلك السهولة ، طالت نظرات خليل علي مصطفي بعدم اقتناع فهتف مصطفي قائلاً حين استشف ما يوجد خلف نظراته :-
يا بوي الله لا يسيئك افهمني ، ورد ديي أني مشيفهاش غيرت مرت أخوي مش هجدر أغير نظرتي ليها واصل ، كل ما هبصلها هفتكر هلال الله يرحمه ولا يمكن أخد خطوة نحيتها كزوجة ليا ، بالله عليك تفهمني وتجدر اللي بجوله
_ أماء له خليل برفضٍ تام وحاول الدخول له من ثغر أخري لعلي قلبه يلين :-
ورد أمانة خوك مينفعش نهمل الأمانة ، هتجف جدام خوك بعد عمر طويل تجوله مجدرتش أحافظ لك علي الأمانة يا خوي؟
_ لا وألف لا لن يقبل بتلك السخافات مطلقاً ، لم يرفض الفتيات جميعهن من أجل واحدة رسمها في خياله تليق مع شخصيته ثم في نهاية المطاف يقع مع أرملة أخيه ذات الوشاح الأسود!!
_ غادرهم دون زيادة أو نقصان ، لم يكن هناك داعي لإبداء رفضه الآن فعلي ما يبدو أن والده أخذ عهداً علي نفسه ولابد من تنفيذه ولا يكترث للظلم الذي سيحل علي ولده بربطه بفتاه بالتأكيد لن ينظر إليها يوماً ، كذلك هي سـ يمسها من الظلم قدراً ، لأنها تستحق حياة أفضل تعويضاً عن فراق أخيه لكن مع شخص آخر وليس هو ..
_ تفاجئ مصطفي بوجود ضيف في حديقه السرايا ما أن خرج منها ، اقترب منه وسأله بقلق :-
في حاچة ولا اييه؟
_ أجابه ضيف يحاول اطمئنانه حين رأي القلق في عينيه :-
كنت جاي أطل عليك غيبتك طالت جوي يا صاحبي والواحد مبيعرفش يتحدت معاك في الأرض بيحس أنك هتاكله
_ انفجر ضيف مقهقهاً علي داعبته الأخيرة بينما بدي مصطفي جامداً لا يهتم لا لحديثه ولا لضحكاته ، سرعان ما اختفت الابتسامة علي وجه ضيف وأردف معاتباً :-
يا ساتر عليك يا أخي حتي مش هاين عليك تتبسم
_ عقله مشوش وكلمات أبيه تردد داخله لا يوجد مفر منها ، تنهد بإرهاق حين لم يصل لحل لتلك الورطة التي وضعه والده بها ، رفع بصره علي ضيف وقال بعبوس :-
تعالي نبعد عن إهنه مناجصش خنجة
_ وافقه ضيف واقترح هو مكان يذهبان إليه :-
تعالي نروحوا الجهوة يامة دارنا
_ أماء له بالرفض واعترض موضحاً :-
معايزش أشوف أي مخلوج رايد ابجي علي راحتي
_ حرك الآخر رأسه يمينا ويساراً وهو يحاول الوصول إلي مكان ما فقطع مصطفي حبال أفكاره بقوله :-
تعالي نروح الإسطبل
_ لم يتردد ضيف ثانية ووافق فلقد اشتاق للحديث معه كثيراً ..
_ داخل السرايا ، لم تريد نادرة الذهاب قبل أن تصر علي رفضها لتلك الزيجة الذي يريدها زوجها هاتفة بحنق :-
أني مريداش الجوازة دي تتم يا خليل كفاية جوي اللي راح مني مهتحملش التاني يروح بسبب جدمها الشوم
_ نهض خليل ناهياً الحوار معها بصوته الجهوري :-
محدش عارف هيموت ميتي يمكن أطب ساكت دلوك ده جدر ربنا مش جدمها كيف ما عتجولي وإوعي أكده بلاها حديت ماسخ
_ تركها بمفردها تتآكل غيظاً ، أليس من حقها أن تختار عروس أبنها البكري أول ما العين رأت واول مالقلب نبض لحبه ، أول من شعرت معه بالأمومة ولانت طباعها الحادة من أجل عينيه ..
_ لم يكن أمامها سوي الرضوخ الأن لكن لم ينتهي الحوار علي ذلك هناك المزيد سيتحدثان فيه لاحقاً ..
______________________________________
‘ أنا ياما قولتلك تعالي اقعدي عندي هنا وانتي اللي كنتي بترفضي ‘
_ أردفهم معاتباً بدافع الإخوة فأجابته الأخري موضحة :-
مكنش ينفع أهمل ورد لحالها يا خوي أني كلمتك لما فاض بيا وعِدتها خلاص هتنتهي بكرة ، أنا مجدراش أجعد إهنه مع حمدان أكتر من أكده ده حابسني في داره حاسة إني في سجن مش دار
_ حدثها بتلقائية حين انتهت مما تقوله :-
الشمس تشرق وأني من نجمة هكون عندكم اخدك وأرجع بيكي علي مصر انتي ورد
‘ ياريت ياخوي الواحد كره عيشته بسبب المخلوج اللي عيرازي فيا في الدخول والخروج ديه ‘
_ هتفت بهم سنية بنبرة تريد الخلاص من مرارة الحياة مع حمدان الذي يغلق عليها كل السُبل والابواب حتي أنفاسها تضطر لحشرهم داخلها لكي لا يبوخها ..
_ أنهت المكالمة ونظرت للهاتف بحماس شديد ، ستنتهي تلك المأساة التي تعيشها في القريب العاجل ، تشكلت بسمة سعيدة علي ثغرها وهي تتخيل لحظة التحرر من ذلك السجن النتن ، مالت بظهرها علي الفراش ترسم مشاهد أخري حين تصل إلي مصر التي لم تزورها الا مرتان فقط ، ها هي الزهرة تتفتح من جديد وتطلق نسماتها ، حتماً ستتبدل حياتهم إلي الافضل فقط بمرور الغد ..
______________________________________
وانت رافض ليه ؟
_ سأله ضيف بعد أن أخبره مصطفي بطلب والده ، رمقه الآخر بطرف عينيه وهتف مستاءً :-
انت ممكن تتخيل أنك تتجوز مرت اخوك ؟
_ لوي ضيف شفتيه وأجابه بهدوء :-
وايه يعني مش أمانة أخوي
_ تفاجئ مصطفي من رده واتسعت حدقتيه بذهول وصاح به :-
لاه وانت الصادج مش موضوع أمانة خوك بس انت ذئب حريم مبتعتجش
_ قهقه ضيف عالياً ومن ثم أوضح له اعتقداته وما يؤمن به :-
أصل ايه الفرج يعني ؟ أو فين المشكلة طلاما إكده هتجوز وإكده هتجوز فرجت هي مين ؟ يا صاحبي الحريم دول نعمة كابيرة من ربنا محدش يجولهم لاه أو يرفضهم
_ يا أخي معترضتش عليهم بس اني رايد واحدة تكون اتخلجت مخصوص عشان مصطفي الجبلاوي محدش لمسها جبلي ، جلبها مدجش لحد غيري
_ حاول ضيف التفكير معه بصوت عالٍ :-
حوار جلبها اللي دج دييه مفتكرش أنه لحج يدج يا مصطفي ده هو يوم بليلة اللي عاشتها مع خوك يعني جلبها ملحجش يدج دجاته العادية من أساسه والحوار التاني دييه مفتكرش يكون حوصل غير مرة!
_ أضاق مصطفي بعينيه علي صديقه بعدم اقتناع فطريقته ساذجة للغاية ولا تقنع حتي طفلٍ صغير ، حرك رأسه مستنكراً يلوم نفسه علي إصغائه لتلك الهرائات ، طالت نظراته علي ضيف الذي صاح به بإرتباك من خلف نظراته :-
اييه؟ هتفضل تبحلج فيا كاتير ؟
_ بنبرة هادئة للغاية لا تشبهه سأله متهكماً :-
انت مصدج اللي بتجوله؟
_ أجابه ضيف بتلقائية دون تفكير :-
لاه
_ انفجر كليهما ضاحكين ، طالت قهقهاتهم لبعض الوقت قبل أن يواصل ضيف حديثه مضيفاً :-
أجولك ايه يعني أني خابر زين كيف عجل عمي خليل وأنه مش هيسيب الموضوع بسهولة إكده الا لما ينفذه ، حاولت أبين لك إن الموضوع عادي يعني
‘ حاولت تجلطني مش تبين لي الموضوع عادي ‘
_ أردفهم مصطفي بنبرة مرهقة كما انعكست ملامحه تماماً وتحولت إلي الضيق الشديد فهو علي علم جيد بقرارات والده التي يبدأ في تنفيذها فور ترديد الفكرة في عقله ، ليس علي أتم استعداد الأن أن ينفذ ذلك الطلب مطلقاً ..
_ إلتزم الصمت طيلة سهرته مع ضيف وأفكاره باتت في الذهاب والعودة ولا يري سوي الرفض يتجلي داخله ، أخرج تنيهدة حارة متمنياً أن يقلع والده عن الفكرة وذلك هو الوحل الوحيد أمامه..
______________________________________
_ صباحاً ، لم تنم ورد تلك الليلة الأخيرة من فرط تدفق الحماس المندفع في شرايينها ، أمسكت بحقيبتها ورمقت الغرفة بنظرة سريعة مودعة جميع أحزانها وآلامها التي عاشتها بها ، طالعت ذلك الفراش الذي بات وحيداً ومن ثم أخفضت بصرها علي الوسادة التي لازالت آثار عبراتها لم تجف من عليها بعد ..
_ شهيقاً وزفيراً فعلت هي ثم دلفت للخارج ، ربااه شعور مختلف كلياً قد تغلغل لأعماق قلبها ، ها هي تستيعد جزءاً من حريتها تدريجياً وسوف تستعيدها كاملةً بخروجها من تلك السرايا
_ أنتبه خليل لنزول ورد ممسكة بحقيبتها ، لم يتفاجئ بذهابها لكنه لم يتوقع ذهابها بتلك السرعة فاليوم لم ينتهي بعد ، حمحم بخشونة وأردف متسائلاً :-
علي فين يا ورد من بدري أكده ؟
_ وضعت ورد الحقيبة جانباً واقتربت منه علي استحياء ، رفعت وشاحها عن وجهها فظهر جمال زرقاوتاها وأجابته بنبرة رقيقة :-
معدلهاش عازة الجاعدة إهنه يا عمي
_ عارضها خليل متحدثاً بالأصول :-
لسه اليوم مخلصش يابتي تبجي عيبة في حج الجبلاوية لو خرجتي جبل ما العدة تخلص حتي لو بدجيجة
_ طالعته ورد بذهول وحاولت إقناعه بحديثها :-
بس امي جاية هي وخالي ياخدوني
_ توقعت منه أن يعترض لكنها تفاجئت بترحيبه :-
يا أهلاً وسهلاً بيهم ينوروا الدار يابتي حتي ياكلوا لجمة معانا وبعديها نشوف موضوع الخروج دييه
بس يا عمي..
_ قالتها ورد معترضة بينما قاطعتها خليل مردفاً :-
مبسش يا ورد اسمعي حديتي
_ وصلت السيدة سنية برفقة شقيقها إلي السرايا ، رحبت بيهم صفية ثم أمرها خليل أن تنادي السيدة نادرة لكي تستقبلهم هي الأخري ، لبت نادرة أمره ورحبت بيهم بحفاوة بعدما رأت حقيبة ورد ، حتماً ستغادر السرايا وهما هنا الآن ليأخذوها ، تهللت أساريرها بسعادة ما أن شعرت أن خليل قد نسي الأمر
_ أمرت صفية بإحضار أشهي انواع الطعام لهم ، لحقت بها سنية ممتنة لكرمها قائلة :-
ملوش لزوم يا ست نادرة إحنا يدوب نلحج الجطر
_ عقدت نادرة ما بين حاجبيها بغرابة ورددت متسائلة :-
جطر! ليه عاد انتوا رايحين علي فين؟
_ تولي شقيق سنية الرد عليها بلهجة مصرية :-
هيقعدوا عندي في القاهرة يا ست نادرة
_ تصنعت نادرة الحزن وهتفت بلهجة تميل الي الندم الزائف :-
أكده هتجطعي بينا يا ورد ، المهم تكوني بخير يابتي وإحنا هنبجي مطمنين طول ما انتي زينة
_ ابتسمت لها ورد ممتنة وردت عليها بلطف كـ لطف ملامحها :-
تسلمي يا ست نادرة هبجي اكلمك علي المحمول اطمن عليكي
_ أزفرت نادرة بعض العبرات الزائفة وضمتها لحضنها عكس قلبها الذي يرقص طرباً من فرط السعادة وأردفت من بين بكائها :-
معلوم هنتحدت في التلافون ده أني يومي مهيبدأش الا ما سمع صوتك اللي كيف الكروان دييه
_ ابتعدت عنها ورد وانحنت علي يدها وطبعت قُبلة رقيقة عليها ، ربتت نادرة علي رأسها بحب ووجهت بصرها الي ضيوفها وقالت بإصرار :-
محدش هيهمل السرايا جبل ما نتغدوا ويا بعض الله اعلم هشوف حبيبة جلبي تاني ميتي
_ أردفت آخر جملتها وهي تطالع ورد ببمسة زائفة ، بينما اعترض شقيق السيدة سنية بذوق :-
معلش يا ست نادرة بس معاد القطر التاني هيكون متأخر أوي وده أنسب وقت نمشي فيه
_ تولي خليل مهمة إقناعه بنبرته الرخيمة :-
يفوت الجطر نوصولك لحد دارك بعربية مخصوص ده انت خال غاليتنا يا أستاذ ماهر
_ تقوس ثغر ماهر مشكلاً ابتسامة خجولة ورد عليه ممتناً لذوقه :-
يسلم ذوقك يا عمدة بس..
_ قاطعه خليل بإصرار وقد تحولت نبرته للحدة قليلاً ليجبر ماهر علي الموافقة :-
مبسش يا راجل تبجي عيبة في حجنا لو مشيتوا جبل ما نجوم بواجبنا معاكم ويا سيدي اعتبرها عزومة الوداع
_ وجه ماهر بصره إلي سنية يأخذ موافقتها فأماءت له بقبول عكس الرفض الذي بدي علي ورد ونظرت إلي والدتها متذمرة فأشارت الأخري إليها بأهدابها لكي تتحلي بالصبر فليس هناك إلا القليل
_ استقبل خليل ضيوفه في غرفة الضيافة وقبل أن يولج إليهم نادي صفية أمراً إياها :-
نادي علي مصطفي ياجي يجعد مع ضيوفنا
_ أجابته صفية تلقائياً دون تفكير :-
مصطفي معاودش من وجت ما خرج يصلي الفجر يا عمدة
_ إلتوي ثغره بتهكم وقال :-
جولي لعسران يشيع له حد من رجالته وميعاودش إلا بيه
_ أماءت له بطاعة ثم انصرفت لكي تلبي ما أمره ، نظر خليل متعجباً من حالة نادرة التي بدت عليها من وقت معرفتها بسفر ورد وسألها بفضول :-
مالك عتضحكي كانك مبسوطة أن البت هتسافر
_ انشرح قلب نادرة بسعادة حينما وقعت كلمة سفر علي مسامعها وهللت بفرحة عارمة :-
الود ودي ازغرط وأرجص لو الوجت يسمح
_ حرك رأسه وهو يطالعها بشفقة علي فرحتها التي لن تدوم طويلاً وعزم أن يلبي طلبها بصدر رحب وقال بإبتسامة عريضة علي وجهه :-
هتزغرطي وترجصي متستعجليش علي رزقك
_ لم تفهم ما رمي إليه خليل الذي عاد إلي ورد وعائلتها ، كما جلست نادرة تتسامر مع السيدة سنية وهو كذلك مع ماهر بينما وزعت ورد أنظارها عليهم بفتور وملل ، تريد ترك البلدة ومافيها من هموم وأحزان كثيرة قد انحشرت بينهم الفترة الماضية
_ حمحم بخشونة معلناً عن وصوله ، رفعت ورد وشاحها حين استمعت إلي صوته الاجش التي دوت في المكان ، نادي عليه خليل بصوت جهوري :-
تعالي يا مصطفي إحنا في اوضة الضيوف
_ طل بقامته المرتفعة وبنيانه العريض الذي لاحظه الجميع ، أخفضت ورد وسنية بصرهن بحياء حين دخل عليهن بينما رحب به ماهر بحفاوة قائلاً :-
أهلاً بيك يا بني
_ صافحه مصطفي مردداً بود :-
أهلاً يا بيك يا أستاذ ماهر نورت السرايا
_ رد عليه ممتناً :-
منورة بأهلها
_ استأذنت صفية للدخول فسمح لها خليل ، توجهت الأنظار عليها في إنتظار سماع ما تريد بينما وضحت هي سبب مجيئها :-
الوكل جاهز يا عمدة
_ نهض خليل من مكانه ونظر إلي ضيوفه يدعوهم للطعام :-
اتفضلوا يجماعة واعتبروا نفسيكم أهل الدار يعني مش محتاجين نعزم عليكم في الوكل
_ ربت ماهر علي ذراع خليل بخجل من لطفه :-
تسلم يا عمدة يا أبو الكرم كله
_ اجتمع جميعهم حول المائدة وشرعوا في تناول الطعام في صمت طال لحين قطعه خليل بسؤاله :-
شكلك معرفاش تاكلي مليح يا ورد من وشاحك ديه
_ كادت أن تجيبه لكن وقوف مصطفي منعها ، نظر إليه الجميع متعجبين من أمره فأوضح السبب بنبرته الرخيمة :-
هاكل جوا عشان تعرِف تاكل علي راحتها
_ أسرعت ورد بالرد عليه بنبرة عفوية :-
أني اتعودت مفيش مشكلة
_ كانت تلك المرة الأولي أن يصغي مصطفي إلي نبرتها المبحبوحة ، لم يكن هناك داعي لأن يغادر بعد أن علم بعدم تقيده لها ، انتهوا من الطعام وقامت ورد تساعد هويدا وصفاء في حمل الصحون علي الرغم من رفض الجميع لذلك إلا أنها أصرت لكي تقضي آخر وقت لها في السرايا معهم ..
_ تفاجئت ورد بذلك الحضن الذي كادت أن تسقط إثر قوته ، أنها صفاء المجنونة لا تخرج تلك التصرفات التلقائية والمفاجئة إلا منها ، ابتسمت ورد بسعادة وبادلتها الحضن بصدق
_ ابتعدت عنها ورد ما إن صغت الي أنينها ، لم تتفاجئ حين رأت عبراتها تنسدل بغزارة علي مقلتيها دون توقف ، لامتها بدافع الحب :-
متبكيش عاد أني صحيح همشي لكن هكلمكم علي طول حتي نبجي نتحدتوا علي البرنامج ديه اللي إسمه سكيب
_ قهقهت صفاء عالياً وهتفت ساخرة :-
يختي إسمه سكايب ، سكيب ايه عاد
_ ضحكن الفتاتان ثم دخلت هويدا ووجهت حديثها مباشرةً إلي ورد :-
العمدة رايدك يا ورد
_ أماءت لها بتفهم وتوجهت حيث يجلس الجميع ، إلتوي ثغر العمدة ببسمة عريضة ما أن طلت ورد عليهم وأمرها بنبرة متحمسة قد استشفها الحاضرين ، جلست ورد بجوار والدتها ولم ينتظر خليل الإنتظار فبدأ حديثه قائلاً :-
مصطفي رايد يتجوز ورد يا استاذ ماهر ايه جولك؟
الفصل الخامس
( إجبار )..
______________________________________
_ مرت أربعة أشهر وتسعة أيام لم يدق بابهم حدث جديد وها هي ورد قد أوشكت عدتها علي الإنتهاء ، كما أستبعد نفادي طاهر عن القضية لعدم وجود أدلة ضده ، القضية لازالت مستمرة والتحقيقات لا تنتهي ، كذلك لم يغمض جفن لخليل طيلة المدة الماضية وهو يبحث عن قاتل ولده ولا يصل إلي شئ في نهاية المطاف
_ يقضي مصطفي يومه كاملاً في حرث الأرض وچني الزرع وإطعام البهائم كما يتابع مواعيد تطعيماتهم حتي يكونوا بصحة جيدة ، يلهي نفسه في العمل نهاراً ويبدأ برحلة البحث عن قاتل أخيه ليلاً
_ أبتعد عن الجميع مؤخراً ليس في مزاج يمسح له بخلق حديث مع أحدهم حتي مع صديقه المقرب “ضيف” ، صامت طيلة الوقت ولا يكل من العمل الذي يرهق بدنه فيه يومياً علي أملٍ أن يشعر بالراحة الداخلية قليلاً ..
_ لم تبرح ورد غرفتها طيلة الشهور التي مرت عليها وكأنها أعوام ، تأني السيدة سنية لزيارتها من حين لآخر تطمئن علي حالتها سريعاً وتعود حيث جائت بسبب تحذيرات حمدان التي يقف لها في الدخول والخروج ويمنعها من المكوث عند أبنتها فترة طويلة خوفاً من أن تشي عليه
_ وقعت ورد في براثن ذلك الشعور الموحش ما يسمي ‘ بالإكتئاب ‘ ، ترفض الطعام عشرات المرات وتقبله مرة من بينهم عندما تضطر إلي ذلك بسبب هلوسة عقلها التي تظهر بودارها عليها كلما امتنعت عن الطعام مدة طويلة
_ باتت باردة المشاعر جامدة الملامح كجهاز آلي ليس إلا ، لا تفتح فاها إلا في وجود والدتها ، تعد الثوانِ لكي تعود إلي منزل والدها رحمة الله عليه ربما تتحسن نفسيتها إن ابتعدت عن تلك السرايا التي دوماً ما تذكرها بأفعالها الحقيرة مع هلال ، تشعر بتأنيب الضمير في كل حين يمر عليها لا ينقص أبدا بل يزداد مع مرور الوقت ..
_ وقفت أمام خزانتها تحضر جميع ثيابها وكل أشيائها الخاصة وتضعهم في حقيبتها الضخمة التي سترافقها في رحلة عودتها ، أخذت نفساً عميقاً وهي تهون علي نفسها بترديدها للكلمات :-
معتش إلا ليلة واحدة يا ورد هانت جوي وتعاودي دار بوكي
_ أغمضت عينيها مستاءة مما ينتظرها وتابعت تمتمتها بتهكم :-
وترجعي لجرف عمك وبته
_ تأففت بضجر بائن وألقت ما بيدها علي الفراش بإهمال ، جلست علي طرف الفراش تطالع الفراغ أمامها وعقلها مزدحم بالافكار السودوية التي تتخيل مدي بشاعة حدوثها ما إن غادرت السرايا
_ أخرجت تنهيدة حارة بقلة حيلة ورددت متوسلة ربها :-
دبرها من عندك يارب
_ أجبرت نفسها علي النهوض وإكمال ما بدأته لكي تنهيه سريعاً حتي لا يعطلها عن المغادرة شئ ..
______________________________________
_ تلفت يرمق المكان من حوله بتفحص يتأكد من أن لا يراه أحد ، جلس القرفصاء ما أن وصل إلي المكان المراد ، حفر بيده عُمق قليل ثم سحب جورب قطني ، مد يده داخله وأخذ سلاحه الذي أخفاه بعيداً عن ولده حتي لا يكرر فعلته التي كان سيقع فيها لولا وصوله في الوقت المناسب
_ عاد حمدان بذاكرته الي ذلك اليوم المشؤم حين عاد إلي منزله ورأي طاهر يقف أمام خزانته ويأخذ سلاحه ، أسرع نحوه وسأله بإرتباك ممزوج بالحدة الرافضة لأخذه لسلاحه :-
وااه واجف عنديك بتعمل ايه؟ ورايد ايه من سلاحي عاد؟
_ التفت طاهر نحوه ورمقه بنظرات احتقارية ولم يتردد في الرد عليه بخشونة :-
هسلم السلاح للحاكومة اني مهكنش أخرس كيف الشيطان وأجف اتفرج علي عمايلك
_ صعق الآخر من صراحته الوقحة واقترب منه يريد استعادة سلاحه بأي ثمنٍ كان ، رفض طاهر التخلي عن السلاح بتلك السهولة ولأن قوته مضاعفة لقوة والده الهزيلة استطاع أن يهرب من أمامه ، كاد أن يغادر المنزل لكن توقفت قدميه حين استمع لحديث والده الذي حاول التلاعب به بنبرة متوسلة :-
أني مخايفش علي نفسي ، أنا خايف عليك انت واختك ، خايف علي سمعتكم اللي هتتلط لو أتعِرف ان أني اللي جتلت ولد العمدة ، أختك حالها هيجف اكتر ماهو واجف العرسان مهدقش بابنا واصل ، معلوم مين هيناسب جتال جتله ؟
_ توجه حمدان نحو طاهر بخطي ثابتة وهو يري سكونه ، لابد أن حديثه سيجدي نفعاً ، وقف خلفه ووضع يده علي كتفه وتابع حديثه بإنكسار مزيف :-
وانت كمان يا ولدي خايف عليك ، مين هيجبل يجوزك بته وأبوك جاتل ؟ بلاش ديي تفتكر ورد هترضي تتجوزك بعد ما تعرف أن بوك هو نفسه جاتل جوزها اللي كسر فرحتها؟
_ استدار إليه طاهر ونظراته توحي إليه بإشارات تلومه وتعاتبه عن ما بدر منه والآن يطالبه أن يعرض عن الحق بتلاعبه علي أوتار حساسة للغاية لديه ..
_ أضاف حمدان وهو يتراقص داخله علي سذاجة إبنه ، لم يتصور أن الموضوع سيمر دون عناء بتلك السهولة :-
انت خابر زين سرو بلدنا وخابر أن محدش هيتعامل معاك تاني لو عرفوا الحجيجة وانت بلي رايد تعمله دييه هتظلم نفسك وديه أولهم وتظلم اختك وأمك وديه تانيهم ، لو لساتك رايد تبلغ عني روح مهمنعكش بس متبجاش تزعل من اللي هتجابله بعدين
_ تركه حمدان وعاد إلي غرفة الضيافة ، أغلق باب الخزانة متأملاً في رجوع طاهر إليه وتسليمه السلاح لكنه تفاجئ بخروجه من المنزل ، استدار ونظر إلي الباب بصدمة شديدة ، أيعقل أنه لم يصغي الي أي شئ مما قاله ؟
_ ازدادت نبضات قلبه متوجساً خيفة من تهور طاهر ، حاول أن يطمئن نفسه لكن لم يعرف للراحة سبيل ، تراجع خطوة الي الخلف وجلس بإهمال علي الأريكة في انتظار مجئ الشرطة لكي يلقوا القبض عليه ..
_ بعد وقت ليس بقصير عاد طاهر وقد تحول لون بشرته الي الاحمرار القاتم لابد من انعكاس الغضب الذي يتبدد داخله ، ألقي السلاح أرضاً وصاح مندفعاً :-
أني عاودت عشان اختي وأمي مش عشانك واصل لو عليك فأني مش هتردد اني أسلمك بيدي للحاكومة
_ ألقي ما في جوفه وغادر يلعن ضعفه وقلة حيلته التي منعته من الإبلاغ عنه ، لا يرضي بتصرفه لماذا عاد أليس الله موجود وسيرعي شقيقته ووالدته ؟ لما خشي أن يعرضهم للنبذ ؟ ربما لأنه لن يتحمل تأنيب الضمير الذي سيأتي من خلف ما ستعيشانه بسبب فعلته؟!
_ عاد حمدان من ذكرياته وهو يبتسم بانتصار ، أعاد السلاح كما كان وألقي عليه الأتربة إلي أن اختفي تماماً ، نهض ودار حول نفسه يتأكد من خلو المكان ثم غادر سريعاً قبل أن يراه أحدهم ..
_____________________________________
_ مساءاً ، اجتمع خليل وزوجته علي مائدة الطعام لا يشتهون اي شئ علي الرغم من تنوع صفية في الأكلات لكي تغري أعينهم ، تفعل كتلك المقولة
‘ العين تأكل قبل الفم ‘
_ نهضت السيدة نادرة من مقعدها مرددة بنبرة هادئة منكسرة :-
مليش نفس للوكل كُل انت
_ لحق بها خليل قبل أن تبتعد عنه بحديثه :-
عاودي مكانك يا نادرة خلينا ناكل كيف البني ادمين كيف ما كنا بنعملوا زمان
_ تقوس ثغرها للجانب مُشكلة بسمة ساخرة ورددت بتهكم :-
كيف زمان؟ هنرجعوا زمان كيف يا عمدة ؟ طيب لو الزمان رجع اللي فارجونا هيرجعوا تاني ؟
_ تنهد خليل بحزن ورفض أن يتأثر بحديثها ، وأمرها :-
جولت عاودي مكانك هتعصيني إياك!
_ تفاجئت بحدته التي تعامل بها وعادت بهدوء الي مكانها فمزاجها ليس في محله لكي تدخل معه في جدال لن ينتهي الا بمشاجرة كبيرة ، نادي خليل بصوته الأجش ما أن جلست نادرة :-
صفية
_ جائته مسرعة ووقفت أمامه مجيبة علي ندائه :-
نعم يا سيدي ؟
_ رمقها خليل لبرهة قبل أن يردف :-
نادي علي مصطفي ياجي يتعشي معانا ومتنزليش إلا وهو معاكي ، بكفيانا فراج لغاية أكده موتنا بالحياة بلي عنعمله في نفسنا ديه
_ دقت أسارير السعاده قلب صفية وهي تراه يريد إستعادة حياتهم السابقة ، تشكلت بسمة عفوية علي محياها وأجابته بحماس :-
أمرك يا سيدي
_ أوقفها خليل قائلاً :-
وبلغي ورد تنزل تاكل هي كمان ولا أجولك خدي لها الوكل عشان مهتعرفش تاكل في وجود مصطفي
_ امأءت له بالقبول وأسرعت إلي الأعلي مهرولة تتمني لهم صلاح الحال وأن تعود حياتهم كما كانت مليئة بالسعادة والهناء ، طرقت باب مصطفي وولجت للداخل حين سمح لها ، قابلته بوجه بشوش وهتفت بسعادة :-
العمدة رايدك تنزل تتعشي معاهم وجبل ما تعترض جالي متنزليش غير وهو معاكي وانت عارف العمدة ميحبش كلمته تتعصي أبدا
_ نفخ مصطفي بضجر بائن وردد بفتور شديد :-
وأني مراديش أكل جوليله لجيته نايم
_ لم تتحرك صفية وحاولت أن تلين عقله الحجري ذاك :-
لو تاخد بنصيحتي يا مصطفي يا ولدي جوم أنزل اتعشي وسط أهلك ، العيلة مبتتعوضش أبدا ، رجع لمتكم من تاني واضحكوا الحياة جاسية جوي ومشكلتها أنها مبتجفش علي فراج حد واصل مهما كان غالي ، بتكمل كيف الجطر اللي ماشي ومش هيجف غير في محطته حتي لو واحد من الركاب رايد ينزل في نص الطريج ، بوك وأمك مهمومين وجلوبهم شايلة حزن كابير وانت اللي في يدك ترجع لهم بسمتهم تاني ، لو ليا خاطر عنديك يا ولدي جوم كُل وياهم ومتكسرش بخاطرهم
_ تأثر مصطفي من حديث صفية كما أنبهُ ضميره علي حالة والديه الذي لم يفكر في التخفيف عنهم ، لكن كيف وهو يفشل في التخفيف عن آلامه!!
_ سحب مصطفي شهيقاً يحاول به إقناع عقله علي النزول الي الأسفل وأردف وهو ينهض من مكانه :-
هنزل معاكي
_ ظهرت إبتسامة عريضة علي وجه صفية مبدية مدي سعادتها في تلك اللحظة ، هبطت الي الطابق السفلي برفقة مصطفي الذي ما أن رآه والده حتي تبسم براحة فهو لم يصدق أنه امتثل لأمره لقد عاني في الأيام السابقة من عصيانه المستمر
_ ألقي مصطفي عليهم التحية وهو يجلس مكانه :-
مساء الخير
_ أجاباه في نفسٍ واحد :-
مساء النور
_ شرع الجميع في تناول الطعام ، شعرت نادرة بالتحسن القليل في وجود مصطفي معهم ، في تلك الأثناء همت صفية بتحضير العشاء خصيصاً لورد وصعدت إليها طرقت الباب وانتظرت حين فتحت لها وقابلتها بود قائلة :-
اتفضلي يا صفية
_ ولجت للداخل ووضعت الطعام أعلي الطاولة ورددت مؤكدة بمرح :-
كلي الوكل ده كلاته وده أمر من العمدة واجب التنفيذ
_ ضحكت ورد علي داعبتها وقالت بنبرة تميل الي الرجاء :-
ما تجعدي تاكلي لجمة معايا بدل ما باكل لحالي أكده وباجي علي تاني لجمة ونفسي تتصد
_ طالعتها صفية بشفقة شديدة ولم تعترض طلبها بل قابلته بصدر رحب مهللة :-
بس أكده عيوني التنين وكمان هنادي البنتة ياكلوا معانا
_ ازدادت إبتسامة ورد بسعادة دقت أبواب قلبها ، خرجت صفية تنادي هويدا وصفاء اللتان جئن مهرولين ، جلسن جميعهن علي الأرض حول صنية الطعام وشرعن في الطعام ولم تكف إحدهن عن الثرثرة طيلة الجلسة ..
______________________________________
_ انتهي خليل ومن معه من الطعام ونهضوا عن المائدة ، أوقف خليل مصطفي قبل أن يفر هارباً كعادته ويتسلل خارج المنزل قائلاً :-
تعالي يا مصطفي رايد اتحدت معاك
_ أماء له بقبول بينما ابتعدت عنهم نادرة لكن أوقفها خليل مردداً بصوته الجهوري :-
استني يا نادرة رايدك تحضري انتي كمان
_ استدارت إليه وهي تريد الهروب من بينهم وتعود إلي فراشها الذي بات رفيقها في الأوانِ الأخيرة ، لكن إصرار خليل أجبرها علي الجلوس معهم في غرفة الضيافة ..
_ حمحم بخشونة ثم بدأ حديثه لطالما طال التفكير فيه ، لقد حان موعد إخبارهم عن قراره الذي عزم علي فعله :-
عدة ورد خلاص هتخلص بكرة
_ رمقه مصطفي بفتور فهو لا يعي ما شأنه في ذلك الأمر ، تحلي بالصبر قدر المستطاع لحين فهم ما يشير إليه أباه الذي تابع حديثه المسترسل :-
رايدك تتجوزها
_ وقعت جملته ألجمت ألسنتهم من هولها ، لم تستوعبها عقولهم حتماً يمازحهم ، انتفض مصطفي مذعوراً وعارضه بإحترام :-
بتجول ايه يا بوي ؟ اتجوز مين؟
_ نهضت نادرة هي الأخري ودعمت إبنها معارضة زوجها بحدة :-
مين يتجوز مين يا خليل إيه اللي چاب مصطفي لورد؟
_ أضاق خليل بعينيه علي نادرة مستنكراً آخر ما تفوهته وأجابها مستاءً :-
ما سبج ورديتي بيها لهلال ولا مصطفي مش زييه ؟
_ أسرع مصطفي بالرد عليه يوضح له سبب رفضه :-
أديك جولتها يا بوي
_ حرك خليل رأسه بتهكم فهو لم يعي قصده وردد متسائلاً :-
أني جولت ايه ؟
_ أجابه الآخر بوجه محتقن :-
ورد كانت مرت هلال يعني مرت أخوي الله يرحمه
_ أزفر خليل أنفاسه بضجر بائن للجميع وصاح به مندفعاً :-
وانت جولت اهاه الله يرحمه يبجي ايه اللي يمنع؟
_ اتسعت حدقتي مصطفي علي آخرهم لا يصدق عقله ذلك الحوار المنتهي لديه ، لقد فاجئه والده لدرجة أنه لا يدري من أين يأتي بسبب الرفض تحديداً لأن الموضوع غير مقبول لديه بالمرة
_ حاول التحلي بالقليل من الصبر الذي علي وشك النفاذ وأردف موضحاً سبب اعتراضه :-
يا بوي كيف اني وأخوي نتشاركوا في حرمة واحدة ؟
_ هدر به خليل شزراً لعدم استيعابه للأمر بعد :-
تتشاركوا ايه يواد اتحشم عاد ، وبعدين لا عيب ولا حرام وانت لا أول ولا آخر واحد يتجوز مرت خوه ومن الاخر ديه عُرفنا إن الولية إن مات جوزها خوه أولي بيها من الغريب
_ لن تجدي نفعاً العصبية الآن ، أوصد مصطفي عينيه لبرهة وعاد بأدراجه إلي حيث مجلسه وتحدث بهدوء :-
العُرف دييه يتنفذ لو معاها كوم عيال لكن هي لحالها
_ لم يقتنع خليل بحديثه وتابع بإصرار واضح :-
وعشان إكده اني رايد الجواز يتم إكمنها لحالها وعمها ديه اني مبرتحلوش واصل
_ خرجت نادرة عن صمتها تلك المرة ، لم تتحمل سماع المزيد من السخافات لأكثر من ذلك وصاحت في زوجها مبدية رفضها التام للأمر :-
مصطفي مسبجش له جواز يعني يستاهل بت بنوت مش أرملة!
_ تقوس ثغر خليل للجانب مبدي تهكمه من هرائها :-
البنية أرملة ولدك يا نادرة ، وبعدين ما كان جدامه البنتة كاتير وجبناله عرايس ياما وكان مصمم علي كلمة لاه لاه مهتجوزش يبجي فرجت أرملة من بت بنوت طلاما هو رافض الفكرة نفسها
‘ فرجت يا خليل يا جبلاوي ، ثم أني معتش مرتاحة للبت ديي جدمها جدم الشوم ، البيت خرب من اول ما دخلته سيبها تغور ونخلصوا من شومها
_ ضرب خليل الأرض بعصاه ونهرها بغضب شديد :-
رطرطت الحريم ديي متهمنيش بلا جدم بلا اربعتاشر جدم
_ وجه خليل بصره نحو مصطفي الذي انسحب من الحوار وسأله بتجهم :-
ها جولت ايه يا مصطفي ؟
_ لم يأتي مصطفي بفكرة يمكنها إقناع عقل خليل الجبلاوي ، نعم هو الآن يتحدث كعقل عائلة الجبلاوي وليس بعقل الأب ، نهض مرة أخري ووقف أمامه وألقي ما في جوفه دفعة واحدة :-
بصراحة يا بوي أني من حجي اتجوز بت بنوت كيف ما أمي جالت مش أرملة!
_ يعلم جيداً أن ما أفصح به ماهو إلا هراء فهو ليس بتلك العقلية كما أن والده يعرفه جيد المعرفة ولا يمكنه تصديقه بتلك السهولة ، طالت نظرات خليل علي مصطفي بعدم اقتناع فهتف مصطفي قائلاً حين استشف ما يوجد خلف نظراته :-
يا بوي الله لا يسيئك افهمني ، ورد ديي أني مشيفهاش غيرت مرت أخوي مش هجدر أغير نظرتي ليها واصل ، كل ما هبصلها هفتكر هلال الله يرحمه ولا يمكن أخد خطوة نحيتها كزوجة ليا ، بالله عليك تفهمني وتجدر اللي بجوله
_ أماء له خليل برفضٍ تام وحاول الدخول له من ثغر أخري لعلي قلبه يلين :-
ورد أمانة خوك مينفعش نهمل الأمانة ، هتجف جدام خوك بعد عمر طويل تجوله مجدرتش أحافظ لك علي الأمانة يا خوي؟
_ لا وألف لا لن يقبل بتلك السخافات مطلقاً ، لم يرفض الفتيات جميعهن من أجل واحدة رسمها في خياله تليق مع شخصيته ثم في نهاية المطاف يقع مع أرملة أخيه ذات الوشاح الأسود!!
_ غادرهم دون زيادة أو نقصان ، لم يكن هناك داعي لإبداء رفضه الآن فعلي ما يبدو أن والده أخذ عهداً علي نفسه ولابد من تنفيذه ولا يكترث للظلم الذي سيحل علي ولده بربطه بفتاه بالتأكيد لن ينظر إليها يوماً ، كذلك هي سـ يمسها من الظلم قدراً ، لأنها تستحق حياة أفضل تعويضاً عن فراق أخيه لكن مع شخص آخر وليس هو ..
_ تفاجئ مصطفي بوجود ضيف في حديقه السرايا ما أن خرج منها ، اقترب منه وسأله بقلق :-
في حاچة ولا اييه؟
_ أجابه ضيف يحاول اطمئنانه حين رأي القلق في عينيه :-
كنت جاي أطل عليك غيبتك طالت جوي يا صاحبي والواحد مبيعرفش يتحدت معاك في الأرض بيحس أنك هتاكله
_ انفجر ضيف مقهقهاً علي داعبته الأخيرة بينما بدي مصطفي جامداً لا يهتم لا لحديثه ولا لضحكاته ، سرعان ما اختفت الابتسامة علي وجه ضيف وأردف معاتباً :-
يا ساتر عليك يا أخي حتي مش هاين عليك تتبسم
_ عقله مشوش وكلمات أبيه تردد داخله لا يوجد مفر منها ، تنهد بإرهاق حين لم يصل لحل لتلك الورطة التي وضعه والده بها ، رفع بصره علي ضيف وقال بعبوس :-
تعالي نبعد عن إهنه مناجصش خنجة
_ وافقه ضيف واقترح هو مكان يذهبان إليه :-
تعالي نروحوا الجهوة يامة دارنا
_ أماء له بالرفض واعترض موضحاً :-
معايزش أشوف أي مخلوج رايد ابجي علي راحتي
_ حرك الآخر رأسه يمينا ويساراً وهو يحاول الوصول إلي مكان ما فقطع مصطفي حبال أفكاره بقوله :-
تعالي نروح الإسطبل
_ لم يتردد ضيف ثانية ووافق فلقد اشتاق للحديث معه كثيراً ..
_ داخل السرايا ، لم تريد نادرة الذهاب قبل أن تصر علي رفضها لتلك الزيجة الذي يريدها زوجها هاتفة بحنق :-
أني مريداش الجوازة دي تتم يا خليل كفاية جوي اللي راح مني مهتحملش التاني يروح بسبب جدمها الشوم
_ نهض خليل ناهياً الحوار معها بصوته الجهوري :-
محدش عارف هيموت ميتي يمكن أطب ساكت دلوك ده جدر ربنا مش جدمها كيف ما عتجولي وإوعي أكده بلاها حديت ماسخ
_ تركها بمفردها تتآكل غيظاً ، أليس من حقها أن تختار عروس أبنها البكري أول ما العين رأت واول مالقلب نبض لحبه ، أول من شعرت معه بالأمومة ولانت طباعها الحادة من أجل عينيه ..
_ لم يكن أمامها سوي الرضوخ الأن لكن لم ينتهي الحوار علي ذلك هناك المزيد سيتحدثان فيه لاحقاً ..
______________________________________
‘ أنا ياما قولتلك تعالي اقعدي عندي هنا وانتي اللي كنتي بترفضي ‘
_ أردفهم معاتباً بدافع الإخوة فأجابته الأخري موضحة :-
مكنش ينفع أهمل ورد لحالها يا خوي أني كلمتك لما فاض بيا وعِدتها خلاص هتنتهي بكرة ، أنا مجدراش أجعد إهنه مع حمدان أكتر من أكده ده حابسني في داره حاسة إني في سجن مش دار
_ حدثها بتلقائية حين انتهت مما تقوله :-
الشمس تشرق وأني من نجمة هكون عندكم اخدك وأرجع بيكي علي مصر انتي ورد
‘ ياريت ياخوي الواحد كره عيشته بسبب المخلوج اللي عيرازي فيا في الدخول والخروج ديه ‘
_ هتفت بهم سنية بنبرة تريد الخلاص من مرارة الحياة مع حمدان الذي يغلق عليها كل السُبل والابواب حتي أنفاسها تضطر لحشرهم داخلها لكي لا يبوخها ..
_ أنهت المكالمة ونظرت للهاتف بحماس شديد ، ستنتهي تلك المأساة التي تعيشها في القريب العاجل ، تشكلت بسمة سعيدة علي ثغرها وهي تتخيل لحظة التحرر من ذلك السجن النتن ، مالت بظهرها علي الفراش ترسم مشاهد أخري حين تصل إلي مصر التي لم تزورها الا مرتان فقط ، ها هي الزهرة تتفتح من جديد وتطلق نسماتها ، حتماً ستتبدل حياتهم إلي الافضل فقط بمرور الغد ..
______________________________________
وانت رافض ليه ؟
_ سأله ضيف بعد أن أخبره مصطفي بطلب والده ، رمقه الآخر بطرف عينيه وهتف مستاءً :-
انت ممكن تتخيل أنك تتجوز مرت اخوك ؟
_ لوي ضيف شفتيه وأجابه بهدوء :-
وايه يعني مش أمانة أخوي
_ تفاجئ مصطفي من رده واتسعت حدقتيه بذهول وصاح به :-
لاه وانت الصادج مش موضوع أمانة خوك بس انت ذئب حريم مبتعتجش
_ قهقه ضيف عالياً ومن ثم أوضح له اعتقداته وما يؤمن به :-
أصل ايه الفرج يعني ؟ أو فين المشكلة طلاما إكده هتجوز وإكده هتجوز فرجت هي مين ؟ يا صاحبي الحريم دول نعمة كابيرة من ربنا محدش يجولهم لاه أو يرفضهم
_ يا أخي معترضتش عليهم بس اني رايد واحدة تكون اتخلجت مخصوص عشان مصطفي الجبلاوي محدش لمسها جبلي ، جلبها مدجش لحد غيري
_ حاول ضيف التفكير معه بصوت عالٍ :-
حوار جلبها اللي دج دييه مفتكرش أنه لحج يدج يا مصطفي ده هو يوم بليلة اللي عاشتها مع خوك يعني جلبها ملحجش يدج دجاته العادية من أساسه والحوار التاني دييه مفتكرش يكون حوصل غير مرة!
_ أضاق مصطفي بعينيه علي صديقه بعدم اقتناع فطريقته ساذجة للغاية ولا تقنع حتي طفلٍ صغير ، حرك رأسه مستنكراً يلوم نفسه علي إصغائه لتلك الهرائات ، طالت نظراته علي ضيف الذي صاح به بإرتباك من خلف نظراته :-
اييه؟ هتفضل تبحلج فيا كاتير ؟
_ بنبرة هادئة للغاية لا تشبهه سأله متهكماً :-
انت مصدج اللي بتجوله؟
_ أجابه ضيف بتلقائية دون تفكير :-
لاه
_ انفجر كليهما ضاحكين ، طالت قهقهاتهم لبعض الوقت قبل أن يواصل ضيف حديثه مضيفاً :-
أجولك ايه يعني أني خابر زين كيف عجل عمي خليل وأنه مش هيسيب الموضوع بسهولة إكده الا لما ينفذه ، حاولت أبين لك إن الموضوع عادي يعني
‘ حاولت تجلطني مش تبين لي الموضوع عادي ‘
_ أردفهم مصطفي بنبرة مرهقة كما انعكست ملامحه تماماً وتحولت إلي الضيق الشديد فهو علي علم جيد بقرارات والده التي يبدأ في تنفيذها فور ترديد الفكرة في عقله ، ليس علي أتم استعداد الأن أن ينفذ ذلك الطلب مطلقاً ..
_ إلتزم الصمت طيلة سهرته مع ضيف وأفكاره باتت في الذهاب والعودة ولا يري سوي الرفض يتجلي داخله ، أخرج تنيهدة حارة متمنياً أن يقلع والده عن الفكرة وذلك هو الوحل الوحيد أمامه..
______________________________________
_ صباحاً ، لم تنم ورد تلك الليلة الأخيرة من فرط تدفق الحماس المندفع في شرايينها ، أمسكت بحقيبتها ورمقت الغرفة بنظرة سريعة مودعة جميع أحزانها وآلامها التي عاشتها بها ، طالعت ذلك الفراش الذي بات وحيداً ومن ثم أخفضت بصرها علي الوسادة التي لازالت آثار عبراتها لم تجف من عليها بعد ..
_ شهيقاً وزفيراً فعلت هي ثم دلفت للخارج ، ربااه شعور مختلف كلياً قد تغلغل لأعماق قلبها ، ها هي تستيعد جزءاً من حريتها تدريجياً وسوف تستعيدها كاملةً بخروجها من تلك السرايا
_ أنتبه خليل لنزول ورد ممسكة بحقيبتها ، لم يتفاجئ بذهابها لكنه لم يتوقع ذهابها بتلك السرعة فاليوم لم ينتهي بعد ، حمحم بخشونة وأردف متسائلاً :-
علي فين يا ورد من بدري أكده ؟
_ وضعت ورد الحقيبة جانباً واقتربت منه علي استحياء ، رفعت وشاحها عن وجهها فظهر جمال زرقاوتاها وأجابته بنبرة رقيقة :-
معدلهاش عازة الجاعدة إهنه يا عمي
_ عارضها خليل متحدثاً بالأصول :-
لسه اليوم مخلصش يابتي تبجي عيبة في حج الجبلاوية لو خرجتي جبل ما العدة تخلص حتي لو بدجيجة
_ طالعته ورد بذهول وحاولت إقناعه بحديثها :-
بس امي جاية هي وخالي ياخدوني
_ توقعت منه أن يعترض لكنها تفاجئت بترحيبه :-
يا أهلاً وسهلاً بيهم ينوروا الدار يابتي حتي ياكلوا لجمة معانا وبعديها نشوف موضوع الخروج دييه
بس يا عمي..
_ قالتها ورد معترضة بينما قاطعتها خليل مردفاً :-
مبسش يا ورد اسمعي حديتي
_ وصلت السيدة سنية برفقة شقيقها إلي السرايا ، رحبت بيهم صفية ثم أمرها خليل أن تنادي السيدة نادرة لكي تستقبلهم هي الأخري ، لبت نادرة أمره ورحبت بيهم بحفاوة بعدما رأت حقيبة ورد ، حتماً ستغادر السرايا وهما هنا الآن ليأخذوها ، تهللت أساريرها بسعادة ما أن شعرت أن خليل قد نسي الأمر
_ أمرت صفية بإحضار أشهي انواع الطعام لهم ، لحقت بها سنية ممتنة لكرمها قائلة :-
ملوش لزوم يا ست نادرة إحنا يدوب نلحج الجطر
_ عقدت نادرة ما بين حاجبيها بغرابة ورددت متسائلة :-
جطر! ليه عاد انتوا رايحين علي فين؟
_ تولي شقيق سنية الرد عليها بلهجة مصرية :-
هيقعدوا عندي في القاهرة يا ست نادرة
_ تصنعت نادرة الحزن وهتفت بلهجة تميل الي الندم الزائف :-
أكده هتجطعي بينا يا ورد ، المهم تكوني بخير يابتي وإحنا هنبجي مطمنين طول ما انتي زينة
_ ابتسمت لها ورد ممتنة وردت عليها بلطف كـ لطف ملامحها :-
تسلمي يا ست نادرة هبجي اكلمك علي المحمول اطمن عليكي
_ أزفرت نادرة بعض العبرات الزائفة وضمتها لحضنها عكس قلبها الذي يرقص طرباً من فرط السعادة وأردفت من بين بكائها :-
معلوم هنتحدت في التلافون ده أني يومي مهيبدأش الا ما سمع صوتك اللي كيف الكروان دييه
_ ابتعدت عنها ورد وانحنت علي يدها وطبعت قُبلة رقيقة عليها ، ربتت نادرة علي رأسها بحب ووجهت بصرها الي ضيوفها وقالت بإصرار :-
محدش هيهمل السرايا جبل ما نتغدوا ويا بعض الله اعلم هشوف حبيبة جلبي تاني ميتي
_ أردفت آخر جملتها وهي تطالع ورد ببمسة زائفة ، بينما اعترض شقيق السيدة سنية بذوق :-
معلش يا ست نادرة بس معاد القطر التاني هيكون متأخر أوي وده أنسب وقت نمشي فيه
_ تولي خليل مهمة إقناعه بنبرته الرخيمة :-
يفوت الجطر نوصولك لحد دارك بعربية مخصوص ده انت خال غاليتنا يا أستاذ ماهر
_ تقوس ثغر ماهر مشكلاً ابتسامة خجولة ورد عليه ممتناً لذوقه :-
يسلم ذوقك يا عمدة بس..
_ قاطعه خليل بإصرار وقد تحولت نبرته للحدة قليلاً ليجبر ماهر علي الموافقة :-
مبسش يا راجل تبجي عيبة في حجنا لو مشيتوا جبل ما نجوم بواجبنا معاكم ويا سيدي اعتبرها عزومة الوداع
_ وجه ماهر بصره إلي سنية يأخذ موافقتها فأماءت له بقبول عكس الرفض الذي بدي علي ورد ونظرت إلي والدتها متذمرة فأشارت الأخري إليها بأهدابها لكي تتحلي بالصبر فليس هناك إلا القليل
_ استقبل خليل ضيوفه في غرفة الضيافة وقبل أن يولج إليهم نادي صفية أمراً إياها :-
نادي علي مصطفي ياجي يجعد مع ضيوفنا
_ أجابته صفية تلقائياً دون تفكير :-
مصطفي معاودش من وجت ما خرج يصلي الفجر يا عمدة
_ إلتوي ثغره بتهكم وقال :-
جولي لعسران يشيع له حد من رجالته وميعاودش إلا بيه
_ أماءت له بطاعة ثم انصرفت لكي تلبي ما أمره ، نظر خليل متعجباً من حالة نادرة التي بدت عليها من وقت معرفتها بسفر ورد وسألها بفضول :-
مالك عتضحكي كانك مبسوطة أن البت هتسافر
_ انشرح قلب نادرة بسعادة حينما وقعت كلمة سفر علي مسامعها وهللت بفرحة عارمة :-
الود ودي ازغرط وأرجص لو الوجت يسمح
_ حرك رأسه وهو يطالعها بشفقة علي فرحتها التي لن تدوم طويلاً وعزم أن يلبي طلبها بصدر رحب وقال بإبتسامة عريضة علي وجهه :-
هتزغرطي وترجصي متستعجليش علي رزقك
_ لم تفهم ما رمي إليه خليل الذي عاد إلي ورد وعائلتها ، كما جلست نادرة تتسامر مع السيدة سنية وهو كذلك مع ماهر بينما وزعت ورد أنظارها عليهم بفتور وملل ، تريد ترك البلدة ومافيها من هموم وأحزان كثيرة قد انحشرت بينهم الفترة الماضية
_ حمحم بخشونة معلناً عن وصوله ، رفعت ورد وشاحها حين استمعت إلي صوته الاجش التي دوت في المكان ، نادي عليه خليل بصوت جهوري :-
تعالي يا مصطفي إحنا في اوضة الضيوف
_ طل بقامته المرتفعة وبنيانه العريض الذي لاحظه الجميع ، أخفضت ورد وسنية بصرهن بحياء حين دخل عليهن بينما رحب به ماهر بحفاوة قائلاً :-
أهلاً بيك يا بني
_ صافحه مصطفي مردداً بود :-
أهلاً يا بيك يا أستاذ ماهر نورت السرايا
_ رد عليه ممتناً :-
منورة بأهلها
_ استأذنت صفية للدخول فسمح لها خليل ، توجهت الأنظار عليها في إنتظار سماع ما تريد بينما وضحت هي سبب مجيئها :-
الوكل جاهز يا عمدة
_ نهض خليل من مكانه ونظر إلي ضيوفه يدعوهم للطعام :-
اتفضلوا يجماعة واعتبروا نفسيكم أهل الدار يعني مش محتاجين نعزم عليكم في الوكل
_ ربت ماهر علي ذراع خليل بخجل من لطفه :-
تسلم يا عمدة يا أبو الكرم كله
_ اجتمع جميعهم حول المائدة وشرعوا في تناول الطعام في صمت طال لحين قطعه خليل بسؤاله :-
شكلك معرفاش تاكلي مليح يا ورد من وشاحك ديه
_ كادت أن تجيبه لكن وقوف مصطفي منعها ، نظر إليه الجميع متعجبين من أمره فأوضح السبب بنبرته الرخيمة :-
هاكل جوا عشان تعرِف تاكل علي راحتها
_ أسرعت ورد بالرد عليه بنبرة عفوية :-
أني اتعودت مفيش مشكلة
_ كانت تلك المرة الأولي أن يصغي مصطفي إلي نبرتها المبحبوحة ، لم يكن هناك داعي لأن يغادر بعد أن علم بعدم تقيده لها ، انتهوا من الطعام وقامت ورد تساعد هويدا وصفاء في حمل الصحون علي الرغم من رفض الجميع لذلك إلا أنها أصرت لكي تقضي آخر وقت لها في السرايا معهم ..
_ تفاجئت ورد بذلك الحضن الذي كادت أن تسقط إثر قوته ، أنها صفاء المجنونة لا تخرج تلك التصرفات التلقائية والمفاجئة إلا منها ، ابتسمت ورد بسعادة وبادلتها الحضن بصدق
_ ابتعدت عنها ورد ما إن صغت الي أنينها ، لم تتفاجئ حين رأت عبراتها تنسدل بغزارة علي مقلتيها دون توقف ، لامتها بدافع الحب :-
متبكيش عاد أني صحيح همشي لكن هكلمكم علي طول حتي نبجي نتحدتوا علي البرنامج ديه اللي إسمه سكيب
_ قهقهت صفاء عالياً وهتفت ساخرة :-
يختي إسمه سكايب ، سكيب ايه عاد
_ ضحكن الفتاتان ثم دخلت هويدا ووجهت حديثها مباشرةً إلي ورد :-
العمدة رايدك يا ورد
_ أماءت لها بتفهم وتوجهت حيث يجلس الجميع ، إلتوي ثغر العمدة ببسمة عريضة ما أن طلت ورد عليهم وأمرها بنبرة متحمسة قد استشفها الحاضرين ، جلست ورد بجوار والدتها ولم ينتظر خليل الإنتظار فبدأ حديثه قائلاً :-
مصطفي رايد يتجوز ورد يا استاذ ماهر ايه جولك؟