روايات رومانسية
رواية عرف صعيدي الفصل الثامن 8 بقلم تسنيم المرشدي
رواية عرف صعيدي الفصل الثامن 8 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الثامن
( رد فعل )
______________________________________
_ اجتمع من في السرايا إثر صوت مصطفي الذي دوي في المكان ، جائته علي عجالة تتعسر قدميها من خلف هرولتها ، وقفت أمامه ملبية نداه :-
أمرك يا سي مصطفي محتاج حاجة ؟
_ أشار مصطفي بسبابته علي بابٍ ما وقال :-
حضريلي الاوضة ديي هنام فيها
_ صدمة انسدلت وبقوة علي الواقفين ، فلقد حضر خليل وزوجته أثناء طلب مصطفي لإعداد الغرفة من صفية التي طالعته لوقتٍ تستوعب فيه طلبه المبهم ، لا شعور يستطيع أن يوصف مشاعر ورد في تلك اللحظة ، مشاعر محملة بالحسرة والخوف ناهيك عن الندم والتسرع
_ ازدرد ريقها ولم تعلم للحديث سبيل ، لم تتحملها ساقيها فاضطرت الي الإستناد علي باب غرفتها الجديدة ، يا حسرتاه ستمكث بها بمفردها كما في الأيام الماضية..
_ خرجت صفية من شرودها علي صوته المرتفع ليجذب انتباهها :-
واجفة عندك ليه همي جهزي الاوضة
_ أسرعت صفية متجهة نحو الغرفة المغلقة وما تسمي بغرفة الضيافة التي أُحضِرت خصيصاً لمن يأتي دون سابق إنذار ، اقترب منه خليل متكأ علي عصاه وسأله بجمودٍ :-
بتطلب من صفية تجهزلك الاوضة الجوانية ليه عاد ومالها أوضتك؟
_ سحب أكبر قدرٍ من الهواء لكي يتسع رحبه وأجابه بجمودٍ :-
انت طلبت أتجوز أو بالمعني الصحيح أچبرتني وأني وفيت ومجصرتش في طلبك بس لحد إهنه يا بوي وانتهت
_ ضاق خليل بعينيه بعدم استيعاب لمعني حديثه وسأله بتردد :-
ايه هي اللي انتهت عاد يا ابن خليل؟
_ احتقن وجه مصطفي وفارت فيه الدماء ناهيك عن بروز عروق عنقه الواضحة ودني من والده وأردف بحدة :-
أني مهجدرش أعمل أكتر من أكده اني مشيفهاش غير مرت أخوي وجوازي منيها مش هيغير أي حاجة!
_ أنتبه مصطفي لقدوم صفية فاستدار إليها متسائلاً :-
خلصتي؟
_ أماءت له مؤكدة إجابة سؤاله دون أن تردف بشئ ، فلقد انحشرت الكلمات داخلها بصدمة لم يبتلعها عقلها إلي الأن ، سار مصطفي بخطي متريثة إلي الغرفة الذي أمر بإعدادها واختفي طيفه خلف بابها أسفل نظراتهم المصدومة التي تتجلي في أعينهم ، إلتفت خليل حيث تقف نادرة فتفاجئ بنظرات التشفي وابتسامتها التي رُسمت علي وجهها بسعادة بالغة ، تعجب من أمرها وردد متسائلاً :-
كانك مبسوطة بلي ولدك عمله؟
_ رفعت بصرها عليه ولم تجيبه لوقت ثم قالت بثبات :-
جوي جوي يا خليل ، ودييه نفسه اللي حوصل مع هلال الله يرحمه كانك نسيته! ، بس أني مههملش ولدي كيف ما هملت التاني يمشي علي كيفه وأخرتها رجع لي مجتول ، اني راسي براس مصطفي وكتفي في كتفه وكل اللي رايده يوحصل هيوحصل وأني اللي هسانده!
_ تركته مصدوم من خلف حديثها وسارت للأمام بضعة خطوات إلي أن وقفت أمام ورد الشاردة علي ذاك الباب الذي اختفي خلفه مصطفي وهتفت بنبرة تميل إلي الشماتة :-
جدمك شوم يابت يا ورد ، الرجالة عتهرب منيكي
_ اقتربت قليلاً أكثر الي أن إلتصقت بها وهمست لها بنبرة أكثر حدة :-
ده مجامك يا بنت صابر اني عيالي كاتير عليكي
_ تركتها وغادرت بعد أن ألقت بسمة سمجة في وجهها وولجت داخل غرفتها تتغنج علي ذكري الأحداث الأخيرة التي جائت علي هواها ، في الخارج لم تصدر ورد أي ردة فعل عما حدث ، فقط تقف مستندة علي الباب وعينيها مصوبتان أمامها كالمخدرة تماماً ..
_ اقترب منها خليل علي استحياء شديد ، فاللوم وقع علي عاتقه وحده هو من أجبر ولده علي الزواج منها كما أصر عليها بالمكوث وعدم الرحيل مع والدتها ، يا ليته تركها تغادر حتي لا يتحمل وزر تصرفات إبنه المتهورة
_ وقف مقابلها لا يعلم أي حديث يردفه أو أي كلمات ستهون عليها في ذلك الوضع المحزن والمهين ، لا يدري من أين له بالجرأة التي يقف أمامها ويحادثها من الأساس ، ابتلع ريقه وقبل أن يتفوه بشئ تحدثت هي :-
متجولش حاجة يا عمي مفيش كلام يتجال ، عن اذنك
_ أنهت جملتها وولجت إلي عُشها الجديد بمفردها دون رفيق ، أغلقت الباب ووقفت أمامه تطالع الغرفة الحديثة التي بدلها خليل لكي تليق بكونها عروس ، إلتوي ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة ساخرة ، أطلقت ضحكاتها وهي تطالع الغرفة بحسرة ومن ثم اختفت قهقهتها تدريجياً وتحولت إلي بكاء غزير موجوع
_ بعد مدة ليست بقصيرة انخفض صوت بكائها رويداً وتحول إلي أنين صامت ، لم تريد أن تعتلي الفراش بمفردها لطالما رُسمت عدة مواقف محببة لهما روادتها وهي تشاهد رقصه بالعصا مع أصدقائه بتريث وإتقان
_ أرادت خوض حياة طبيعية معه ، لا تعلم لم هو تحديداً فلقد شعرت من قبل بالنفور مع هلال ، ربما لأنها لا تريد خلق ألم آخر والعيش بين ثناياه ، فقط تمنت فترة نقاهه تسترد بها إشراقة روحها التي انطفئت وتستعيد رونقها مجدداً ..
_ أحرام عليها العيش في سلام مع رجلاً يعوضها آلامها التي عاشت بينها منذ وفاة والدها؟! ، أخرجت تنهيدة متألمة وهي تختلس النظر إلي الغرفة الباهتة وكأنها لا تري ألوانها الزاهية ، أوصدت عينيها بألم يكاد يخترق جوفها وينسدل علي أرض الغرفة لعدم تحملها له ..
_ ااه
أردفتها بأنين خافت وهي تضع راحة يدها يسار صدرها ثم حل السكون ولم يصدر لها صوت آخر ..
______________________________________
_ عادت صفية إلي المطبخ بذهنٍ شارد ، عقلها يتأرجح بين الذهاب والإياب لا تستوعب ما حدث أمامها ، قطعت حبال أفكارها صفاء بسؤالها الفضولي :-
سي مصطفي كان رايد منيكي إيه عاد؟
_ دنت منها وهمست ببسمة ماكرة :-
جولي كل اللي حوصل ومتخبيش عليا أني مبجتش صغيرة
_ سحبت صفية المقعد الخشبي من داخل الطاولة وجلست أعلاه ولازال عقلها لا يصدق ما ساهمت في حدوثه ، شعرت بالاختناق لطالما تذكرت تلك الفتاة التي باتت وحيدة كأيامها السابقة ، لم تستبشر صفاء خيراً من خلف تلك الملامح الجامدة ، أسرعت نحوها وسألتها بخوف :-
ما تجولي ياما في إيه لكل اللي انتي فيه ديه؟
_ وضعت صفية إحدي يدها أعلي رأسها مستنده بمرفقيها علي الطاولة وأجابتها بخزي مرسوم علي تقاسيمها :-
مصطفي خلاني أحضرله الاوضة الجوانية وترك البنية وحديها يا حبة جلبي في ليلة كيف ليلتها ديي!!
_ ذُهلت صفاء مما أردفته والدتها للتو ، ماذا يعني هذا الهراء؟ أتُترك الفتاة يوم زفافها وحيدة بمفردها؟ وليست بأي فتاة أنها ورد ذات الأعين الحابسة للأنفاس من فرط جمالها ..
_ لم تتردد صفاء في الصعود إليها فلن تتركها تعيش حزنها بمفردها ستشاركها الآلام وإن كلف الأمر تتحمله عنها لن تتردد لحظة ، ركضت خلفها صفية مسرعة محاولة إيقافها إلا أن رنين الجرس أوقفها وأجبرها علي التوجه عكس وجهتها التي كانت تسير عليها ، تأففت بضجر لعدم استطاعتها إيقاف إبنتها عما تنوي فعله وتابعت سيرها..
_ أدارت مقبض الباب بتذمجر فانقبض قلبها خوفاً ما أن رأت مأمور مركز الشرطة أمامها ، ازدردت ريقها بصعوبة ورحبت به بتلعثم :-
اتفضل يا بيه ثواني هنادي علي العمدة
_ انصرفت من أمامه مهرولة وصعدت حيث غرفة العمدة ، طرقت بابه برفق فأجابها من خلفه بنبرة متحشرجة :-
مين ؟
_ أردفت مختصرة :-
أني صفية ، مأمور المِركز رايد حضرتك
_ حدثها وهو يلتقط عبائته التي قد خلعها لتوه :-
نازله طوالي ضايفيه أي حاچة
_ حركت رأسها بطاعة وهي تقول :-
أمر جنابك
_ ألقت بصرها علي غرفة ورد بعدم إعجاب لوجود إبنتها معها في تلك الأثناء فمهما كان هن ليسوا سوي خادمات السرايا ولا يجدر بهن التواجد مع أسيادهم ، انتبهت علي صوته الذي نهرها بعصبية :-
لساتك واجفة مكانك همي ضايفي الراچل
_ أسرعت صفية بخطي غير مستقيمة ، تتعسر قدميها من حين لآخر وهي تركض للطابق السفلي لكي تلبي أمر خليل ، خرجت السيدة نادرة خلف زوجها ربما تعرف شيئاً جديد عن قاتل صغيرها ..
_ وقف خليل مقابل المأمور وردد متسائلاً بعد أن صافحه :-
ها يا حضرة المأمور جولي أخبار زينة تريح جلبي
_ أخفض المأمور رأسه بخزي شديد ، لا يعلم كيف يخبره بذلك لكن عليه أن يدلي بما جاء لأجله فبالأخير سيعلم حتي وإن طال الأمر ، حمحم لكي يلين من نبرته الخشنة وقال :-
بصراحة إكده يا عمدة أنا جاي أجولك أننا طول الشهور اللي فاتت ديي موصلناش لأي دليل واحد يجدر يوصلنا لطرف الخيط كن الجاتل فص ملح وداب وللأسف الجضية اتجيدت ضد مجهول!!
_ خبر صاعق انسدل علي خليل ألجم لسانه كما وقع علي السيدة نادرة كالخنجر الذي طعنها بقسوة دون رحمة فكيف لقاتل صغيرها أن يتهني بحياته دون عقاب ومدللها تركد عظامه بين الرمال في ظلمة القبر الموحشة!!
_ كيف لخليل أن يرضخ لتقيد القضية ‘ ضد مجهول ‘ ولا يفعل شئ؟ هو بالأساس لا يغفل له جفن قبل أن يبعث رجاله ليقوموا بدور رجال الشرطة مراراً وتكراراً لعلهم يصلوا إلي شئ ما وفي النهاية يعودون له يجرون أذيال خيباتهم دون جدوي ، لكن هل بتقيد الشرطة للقضية تكون تلك النهاية؟ لا وألف لا لن يكون إسمه خليل الجبلاوي إن لم يأتي بقاتل ولده ويقطعه إرباً إرباً ..
متشكرين يا حضرة المأمور علي مجيتك لإهنه أني من لاول جولت مرايدش الحاكومة تتدخل في الموضوع ديه بس انت ووكيل النيابة اللي أصريتوا عليا وأني اهه بجولك متشكرين كتر خيرك بس اللي جاي بتاعي أني ، أني مهسيبش دم ولدي يروح هدر
_ هتف بهم خليل بوجه محتقن وعروق بارزة من شدة غضبه ، رمقه المأمور بتهكم ورد عليه مستاءً :-
كاني معارفش إنك بتخرج رجالتك كل يوم لما الليل يليل يدورا علي جاتل ولدك يا عمدة أني سايبك آه بس عارف كل دبة بتحصلوا في البلد ديي مهياش سايبة إكده كيف ما انت فاكر ، وزيي ما إحنا موصلناش لحاجة انت ورجالتك موصلتوش بردك اللوم مهيبجاش عليا وحدي واسكت
_ صمت يلتقط أنفاسه التي فرت من رئتيه إثر ثرثرته دون توقف وواصل مختصراً :-
بالإذن أني وألف مبروك لمصطفي علي جوازته اللي انت معزمتناش فيها
_ استدار المأمور وغادر السرايا ما إن ألقي ما في جوفه كاملاً دون زيادة أو نقصان بينما تعسرت ساق العمدة ولم تتحمله لأكثر من هول الصدمة ، شد بيده علي عصاه لعلها تكون المنقذ له لكن هيهات لثقل بنيته علي عصا خشبية هذيلة
_ ارتطمت العصا بالأرضية الرخامية مدوية صوتاًً عالياً ، وما أن انتبهت السيدة نادرة لذلك الصوت كان قد وقع خليل بجوار عصاه مغشي عليه
_ شهقت نادرة بصدمة ناهيك عن لطمها علي صدرها صارخة بأعلي نبرة تمتلكها حنجرتها :-
إلحجوني ، يا خلج يلي إهنه غيتوني
_ وقعت إستغاثة السيدة نادرة علي مسمع صفية التي كانت علي مقربة منها ، جائتها مهرولة فتفاجئت الأخري بسيدها في حالة لا يرثي لها ، هرولت نحوه وقد تعرقلت قدميها برعب شديد الي أن وصلت إليهم فصاحت بها نادرة :-
اطلبي الداكتور ياجي دلوك
_ أماءت لها بطاعة ثم اختفت من أمامها تلبي طلبها كذلك صعدت إلي الطابق العلوي بعدما هاتفت الطبيب وأخبرها بأنه سيوافيهم في الحال ، دقت بكل قوتها علي باب غرفة مصطفي تستعين بمساعدته
_ فتح لها بعبوس لتلك الحالة التي طرقت بها بابه وصاح بها هدراً :-
في ايه يا صفية في حد يخبط إكده؟
_ لم تعقب علي غضبه فهي تريد إخباره بشئ واحد فقط وقد أتت لتتدلي به فقالت بنبرة لاهثة :-
إلحج .. العمدة .. وجع من طوله
_ اتسعت حدقتي مصطفي بذهول ثم أزاحها من أمامها بيده لكي يمر ويصل الي أبيه سريعاً ، قفز علي الأدراج حتي انتهوا سريعاً عكس النزول المعتاد من عليه ، وصل إلي وجهة والده وجلس بجواره ، وزع أنظاره بين ووالديه بتوجس وسألها بقلق :-
ماله ابوي يا اما حصله ايه عاد؟
_ رفعت بصرها عليه وحدثته بنبرة مرتجفة تخشي أن يصيبه مكروه هو الآخر :-
المأمور كان إهنه وجال إن الجضية اتجيدت ضد مجهول ، هو متحملش أن حج خوك راح هدر ووجع من طوله زي ما انت شايف إكده
_ أمسكت نادرة يد مصطفي وتابعت حديثها متوسلة :-
أبوس يدك يا ولدي شوف بوك هيحتاج ايه واعمله اني مهتحملش خسارة تانية
_ أسرع بالرد عليها مستاءً من تفكيرها :-
متجوليش إكده ابوي هيبجي بخير هكلم الداكتور ياجي..
_ قاطعته صفية بقولها :-
أني كلمته وزمناته علي وصول
_ أنهت صفية جملتها وانتبهوا جميعهم لطرقات الباب ، أسرعت لفتحه وإذا به عسران يقول وهو يشير إلي الطبيب :-
الداكتور بيجول أن العُمد…
_ توقف عسران عن الحديث حين وقع بصره علي خليل ، اتسعت حدقتاه بصدمة وأسرع نحوه يجر قدميه خلفه بتوجس شديد وهتف متسائلاً بنبرة خشنة :-
واه ماله أبا الحاج خليل ايه اللي حوصل؟؟
_ نهرته صفية بضيق :-
مش وجته يا عسران المهم نطمن عليه لاول
_ وجهت بصرها نحو الطبيب ورحبت به بتلعثم :-
اتفضل يا داكتور طامنا علي العمدة الله يطمن جلبك
_ حاول الطبيب أن يهدئ من روعهم الظاهر بقوله :-
اطامنوا يا جماعة أن شاء الله خير
_ اقترب من خليل وفعل اللازم فعله ، سكون مريب مسيطر علي المكان ، الجميع مترقب وما أسوء الانتظار في تلك الأزمات ، العديد من الأفكار السيئة تراود عقولهم وخصيصاً أنه لم يستعيد وعيه بعد أن مر وقت كافي
_ تبادلا الجميع النظرات بتوجس وأعادوا النظر إلي الطبيب حيث سأله مصطفي عن حال والده :-
بوي ماله يا داكتور عنديه حاجة خطيرة ولا ايه؟
_ وقف الطبيب وأعاد وضع نظارته الطبية بإبهامه إلي عينيه بثبات وأدلي بما لديه من علم :-
بوك اتعرض لأزمة جلبية الظاهر زعل والله أعلم بس هو هيكون كويس اعطوا لعجله (عقله) فترة يستريح فيها وهتلاجوه فاج وبجا زين
_ شكره مصطفي ثم حمله بمساعدة عسران وأوصلوه إلي غرفته ، وضعوه أعلي الفراش بحذر ، وقف الجميع منتظرين استعادته لوعيه لكي يطمئنوا عليه ويذهبوا حيثُ كانوا ..
_ انسحبت صفية من بينهم دون أن يلاحظها أحد وذهبت إلي غرفة ورد ، طرقت علي الباب بخفة وولجت للداخل قبل أن يسمحن لها من هن بالداخل ، رمقت صفاء شزراً لفعلتها لكن سرعان ما رق قلبها حين صغت لبكاء ورد المكتوم ..
_ اقتربت منهن وجلست بجانبهن علي الأرض ، ربتت علي يد ورد تأزرها في محنتها وقالت :-
والله ما عارفة أجولك ايه يابتي ، الله يربت علي قلبك ويعدل أحوالك يارب
_ ابتعدت ورد عن حضن صفاء واعتدلت في جلستها وأردفت من بين بكائها :-
اتعودت علي الوجع
_ تقوس ثغرها بإبتسامة موجوعة وتابعت متحسرة علي حالها :-
الظاهر ممكتوباليش الفرحة واصل
_ تأثرت صفاء بحديثها وأعادتها الي حضنها مرة أخرى وأردفت بنبرة حنونة :-
أني معاكي اهاه شاوري بس وأني أنفذ حتي لو جولتي أروح اضربه علي عملته ديي مهتترددش واصل
_ نهرتها والدتها بغضب لقلة حيائها :-
اتحشمي يا صفاء وجومي انزلي تحت الست نادرة لو لجيتنا إهنه هطربج السرايا علي روسنا جومي فزي
_ إلتوي ثغر صفاء بعدم إعجاب وتمتمت بوجه محتقن تفور به الدماء :-
مش حرام عليهم اللي بيعملوه في البنية ديه ، بلا ست نادرة بلا…
_ قاطعتها صفية بإنفعال :-
صفاء..
_ نهضت الأخري متذمرة من عدم حريتها في الحديث ، ضربت الأرض بقدميها بطفولة وأردفت بتجهم :-
اووف الواحدة متعرفش تتحدت علي راحتها واصل في السجن دييه
‘ سجن ‘ تلك الكلمة التي تتردد داخل عقل ورد طيلة الوقت ، شعرت ببعض الراحة لأنها ليست بمفردها من تشعر بأنها حبيسة سجن الجبلاوي ، تنهدت بصوت عالٍ ووجهت حديثها إلي صفاء قائلة :-
اسمعي حديت أمك ومتعذبيهاش أني بجيت زينة لما خدتيني في حضنك هديت شوية
_ ابتسمت لها صفاء ثم انتبهت لحديث والدتها وهي تحذرها :-
اخرجي علي مهلك متعمليش غاغة لانهم كلاتهم في اوضة العمدة عيطمنوا عليه
_ قطبت صفاء جبينها وتسائلت في فضول :-
ماله العمدة عاد كان زين من دجايج
_ أخرجت صفية تنهيدة حزينة وأردفت موضحة وهي تستند علي الجدار تريد النهوض :-
وجع من طوله والداكتور كان إهنه وجال حصله سكته جلبية ربنا لا يعودها واصل
_ نهضت ورد هي الأخري بتوجس من حديث صفية الذي لا يبشر بالخير وسألتها :-
أباه وهو كيفه دلوك ؟
_ ردت عليه بحزن جلي علي تعابيرها :-
لساته مفاجش ربنا يستر
_ وجهت حديثها إلي صفاء مباشرةً باندفاع :-
واه لساتك واجفة مكانك اتحركي يابت جبل ما حد يشوفك وتبجي ليلتنا مطينة بطين
_ تأففت صفاء متذمرة من أوامر والدتها التي لا تنتهي ودلفت للخارج بغضب قد تملك منها بينما أعادت صفية النظر إلي حيث ورد ورددت بهدوء :-
أني همشي لو احتجتي حاجة ناديلي هاجيلك طوالي
_ اكتفت ورد بإيماءة خفيفة من رأسها ممتنة لوجودها هي وابنتها ، فهن من يهونون عليها ما يحدث بينما غادرت صفية الغرفة قبل أن يراها أحد ، ارتدت ورد وشاحها سريعاً ودلفت للخارج لكي تطمئن علي خليل فهي لم تري منه إلا خيراً
_ اقتربت من الغرفة علي استحياء وقد لمحتها السيدة نادرة من داخل الغرفة وهي تعتلي الفراش ، لم تتردد في التوجه نحو الباب بخطي ثابتة حتي وصلت إليها وأغلقت الباب قبل أن تولج هي للداخل
_ تفاجئت ورد بتصرفها الذي أجبرها علي الوقوف لبرهة علها تستوعب حقيقة وقاحتها ، ابتلعت ريقها وهي تحاول هضم خجلها معه ، استدارت وعادت إلي غرفتها تجر قدميها خلفها بثقل من فرط الحرج التي وقعت بين طياته ..
______________________________________
داخل الغرفة ، استعاد خليل وعيه تدريجياً إلي أن عاد لأرض الواقع بسلام ، هرول جميعهم نحوه فرحين بسلامته
‘ حمدلله علي سلامتك يا أبا الحاج ‘
_ أردف بهم عسران مهللاً بسعادة بالغة فأجابه خليل بنبرة مرهقة :-
الله يسلمك
_ اقتربت منه نادرة وجلست بجواره ، ملست علي رأسه بحنو وعاتبته بحنو :-
خوفتنا عليك يا خليل
_ رفع بصره عليها ورد عليها بنبرة مضطربة مختصراً حديثه :-
الحمد لله كل اللي يجيبه ربنا خير
_ جاء دور مصطفي في الحديث فقال سريعاً لكي يفر هارباً من بينهم :-
حمدالله على سلامتك يا بوي
_ ضاق خليل بعينيه عليه لبرهة ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه لا يريد خلق أي محادثة بينهم فهو لم يرضي عما يفعله مع ورد لذا فلا داعي لأي نقاش سيخلق بينهم
_ انسحب مصطفي من بينهم حين شعر بالاختناق الشديد الذي أطبق علي صدره وسبب له ضيق في التنفس ، لم يريد العودة إلي غرفته وهرب من السرايا بأكلملها ، لحق به عسران بعد أن أطمئن علي صحة خليل وحاول إيقافه بصوته الجهوري :-
وجف يا مصطفي يا ولدي أني مجدرش ألحج خطوتك
_ توقف الآخر عن السير واستدار إليه بملامح جامدة ، توجه عسران إليه بخطي ثابتة وأردف :-
متهملش الدار دلوك إحنا في وجت متأخر تعالي أسهر معايا وانا هعملك كل اللي في نفسك
_ عارضه مصطفي بتهكم :-
سهر ايه اللي عتتحدت عنيه اني من ميتي كنت بسهر والحديت الفارغ ديه؟
_ دني منه عسران في محاولة أخري لأن يبقيه بجواره خوفاً عليه :-
يا سيدي اني رايدك جاري هترفضلي طلب إياك
_ تأفف مصطفي بضجر بائن وحرك رأسه يميناً ويساراً مستنكراً أمره ثم أولاه ظهره وتوجه نحو بوابة السرايا فأوقفه عسران بكلماته التي انفطر قلبه حزناً إثرها :-
خوك خرج كيف دلوك ومعادوش تاني ، بلوم نفسي ليه مأجبرتوش وجتها يجعد حدايا بدل ما اشيلوا علي يدي وهو غرجان في دمه..
_ استدار مصطفي إليه وطالعه بنظرات منكسرة تحمل من القهرة والحزن قدراً ، حمحم عسران وتابع حديثه بنبرة تميل إلي اللين :-
متهملش السرايا يا ولدي صدجني أنا بعتبرك انت وهلال الله يرحمه كيف ما تكونوا ولادي اللي ربنا مكتبليش إني اخلفهم ، إجعد معايا إهنه وطلع خنجتك فيا أني وبلاها الخروج في الوجت المتأخر دييه
_ ازدرد مصطفي ريقه وذكري وفاة أخيه رادوته من جديد ، صوب بصره نحو عسران وتحدث بصوت متحشرج يهدد بالبكاء :-
بس اني اجوي من هلال
_ قاطعه عسران بحكمته :-
وجت الجدر بيتعمي البصر يا ولدي ، اسمع الحديت واجعد جاري علي الاجل تهون عليا شوية الوحدة اللي اني فيها ديي
_ أولاه عسران ظهره واقترب من أريكته القديمة والتي يتكأ ظهرها علي جدار غرفته التي تتوسط حديقة السرايا ، جلس أعلاها وأشار إليه بالجلوس فجائه مصطفي علي مضضٍ فلم يخضع لأحد من قبل فماذا الذي يحدث الأن ؟ قبل قليل يخضع لزواجه من امرأة يرفضها والان يخضع لتوسلات عسران كأنه يخشاهم!!
_ هرب بأنظاره بعيداً عن عسران كنوع من التمرد ، لمح تلك الهالة السوداء التي تقف في شرفة غرفته دون ملامح واضحة ، بالتأكيد عروسه هي من تحملق به ، ظهرت علي شفاه إبتسامة ساخرة لوضعهم ، لها الحق في أن تراه كلنا أرادت بينما هو لا يري سوي الهالة السوداء سواء من بعيد أو من قريب!!
_ أنتبهت أذنيه لتلك الأغنية التي بدأت تطربها سيدة الغناء العربي السيدة ‘ أم كلثوم ‘
ياما أمر الفراق بين الخليل والخليل
شكوى وانين واشتياق قبل الوداع والرحيل
بابعد اخاف من خيالك واصورك في خيالي
مين في الوجود طال مطالك من قلب عاشق وخالي
ترخص الدمع الغالي وتلوع القلب السالي
والحب يظهر مقداره والقلب بتشعلل ناره
لما يغيب عن هالحبيب
غاب الحبيب عن عيوني ومين يداوي أسايا
من اللي يرحم شجوني ومين هواه من هوايا
تطول علي الليالي سهران أناجي النجوم
الدمع فاض بي وملالي في الوحده كاس الهموم
أصور الماضي في بالي واعيش على العهد الخالي
واللي يغيب عنه حبيبه يتقل م الدنيا نصيبه
ويعيش مابين اهله غريب”
_ مسحت عبراتها التي فرت من مقلتيها دون وعي منها وهي تصغي لكلمات الأغنية التي وصفت حالها مع مصطفي ، بينما هو كالجبل المنيع لا يأثر به ريح ، لم تتحرك مشاعره ولو بمقدار ذرة لا يكترث لما يدور من حوله إذا لم يكن هو المتسبب به ، ثم أنه ضحية مثلها تماماً أجبر علي ذلك وتم الزواج أسفل ضغط والده عليه..
_ يذهب بعيداً ويعود إلي نفس النقطة من جديد وهي إجباره علي زواجه منها ، لكن لكل فعل رد فعل وردة فعله ستكون قوية بمثابة حصن يمنع أحدهم من التفكير في إجباره علي شيء بعد الأن ..
_ نهض ولم يكترث لندائات عسران ، عاد بأدراجه حيث غرفته التي يمكث بها ، في تلك الأثناء أرادت ورد مواجهته لكي تعلم حقيقة تركها في أهم ليلة في حياة أي فتاة!!
_ وقفت أمام بابها مترددة فيما تنوي فعله ، وبعد عدت دقائق مروا عليها حسمت أمرها أن تبادر بالمواجهة قبل أن تغير رأيها ، أدارت مقبض الباب مسرعة فلمحت طيفه يغلق باب غرفته ، كزت علي أسنانها بضيق شديد فحتماً لن تذهب إلي غرفته وتبدأ بمواجهته هناك ، تأففت بتزمجر ثم عادت إلي الداخل مستاءة من ترددها الذي أضاع عليها فرصة المواجهة بينهم ..
_ طالعت ذلك الفراش اليتيم التي لم يحظي بعد بنوم أحدهم أعلاه ، لم يكن أمامها سوي السير نحوه وألقت بجسدها عليه فور وصولها إليه ، يجب أن تنعم بقدراً من الراحة اليوم وبالتأكيد يوجد حلول جديدة ستظهر في الوسط غداً ..
_ سحبت وسادتها الناعمة واحتضنتها برفق وتمتمت بغيظ :-
هو الخسران مش أني بكره يندم
_ تقلبت علي الجانب الآخر في محاولة منها علي النوم سريعاً لكن هيهات لافكارها التي حلت ما أن استلقت علي الفراش وأرادت النوم وكأن بين الأفكار الواهية والنوم عقد متفق عليه من قبلهم بأن لا يتركوها وشأنها تنعم بالقليل من الراحة!
_ رفعت الوسادة بكلتي يديها ووضعتها أعلي رأسها ورددت داخلها ‘ فليحترق الكون ‘ ستحظي بالنوم عافية إن لم يأتيها راضياً بذاته ، وبعد دقائق من المعافرة ارتفعت حشرجة حنجرتها التي دلت علي نعاسها ..
_ في الغرفة الأخري أستلقي مصطفي علي فراشه الذي لم يعتاده بعد ، تقلب يميناً ويساراً علي أملاٍ أن يسيطر عليه النعاس كما في فراشه الآخر لكن دون جدوي ، توسط الفراش ووضع كلتي يديه أسفل رأسه وطالع سقف الغرفة لبرهة لتأتي فتاة أحلامه التي رآها اليوم في مطبخ السرايا ، بدأت تظهر تقاسيمها رويداً رويداً إلي أن تشكلت بالكامل فابتسم هو فور تذكره
_ تذكر توتر يديها التي فركتهم بإرتباك خجل حينما تفاجئت بوجوده ، ناهيك عن عضها علي شفاها السفلي التي أسرت قلبه ، ماذا؟ أهناك من تستطيع أسر قلب مصطفي الجبلاوي عقل الحجر كما تلقبه والدته!
_ انتفض من نومه ونظر أمامه لوقت قبل أن يردد :-
أجيبك منين يا شاغلة عجل مصطفي؟!
_ حرك رأسه يطرد أفكاره اللعينة التي لا تتركه وشأنه ففي النهاية هي حلم جميل قد عاشه للحظاتٍ وقد مضي وركض في سلام ولن يتكرر ثانيةً ..
_ أزفر أنفاسه بضجر بائن فهو لم يفعل سوي ما يخبره به عقله منذ زمن وحين خفق القلب لطلب واحد دون غيره لن يقدر علي تحقيقه ..
_ أخرج تنهيدة مليئة بالهموم المختلط بالارهاق وعاد بجسده لذلك الفراش الذي لا مفر منه وحاول جاهداً أن يغفوا أعلاه لكنه فشل وبجدارة ، التقت زجاجة المياه التي تعتلي الكومود بجانبه وارتشف الكثير منها ثم عاد ليجبر نفسه علي النوم ، مرت دقائق معدودة تلاها ساعاتٍ طويلة دون نوم
_ بدأ نور الصباح في البزوغ فاندمج مع زقزقة العصافير وكأنهم حاملين للنوم معهم ، غفت عينيه تدريجياً ما أن شعر بالنعاس يتملكه حتي بات في ثُبات عميق …
______________________________________
_ في وقت لاحق بمكانٍ آخر ، لم تكف عن التطلع علي نفسها بتفحص ، قاربت علي الساعة لا تفعل شيئاً سوي وقوفها أمام المرآة ، تارة تداعب خصلاتها التي حررتها وتارة تملس بأناملها السمراء علي وجهها وتارة أخري تختلس النظر إلي ملامحها التي تراها أسوء ملامح في الكون
_ فركت عينيها البُنية بعصبية وانحنت علي المرآة لتكون قريبة من صورتها المنعسكة وهتفت من بين أسنانها المتلاحمة ببغض :-
طلعتي سمرا كيف بوكي يا صباح ، حتي خوكي أحلي منيكي ويشبه بت عمك ببياضه! ، مناخيرك كيف الحلة اللي هتطبخي فيها كل يوم وعنيكي مفنجلة ومدورة معرفاش طالعة لمين بشكلها العفش دييه
_ تحسست خصلاتها وابتسمت وهي تطالعهم بتفحص ورددت ساخرة :-
شعرك أحلي من بت عمك بس مداري ورا الحجاب معيشوفوش رجال واصل ، هيشوفوا بس الخلجة العفشة ديي اللي تخليه يهرب منيكي جبل ما يشوف شعرك الزين أحلي ما فيكي
_ فرت دمعة من عينيها فمسحتها بغضب عارم ، كزت علي أسنانها بحقد وكلمات الجميع تلاحقها ولا تريد الإقلاع عن عقلها بسهولة ، لم يرأف بها أحد يوماً ، ومن وضيع الذكر أن تلك الكلمات خرجت من فاه أبويها! اللذان من المفترض أن يكونان أكبر داعمان لابنتهم الوحيدة ، لم تنتهي المقارنات بينها وبين ورد منذ صغرهم حتي الأن ، وبعد أن إلتحقت بالمعهد العالي للحاسب الآلي لكي تكون ذات قيمة رفيعة ومكانه مرموقة بعدما تأكدت من عدم إكمال ورد لدراستها بعد الصف الثالث الثانوي ، فعلت كل ما يمكنها فعله لكي تشعر بالقليل من الثقة التي تفتقر إليها لكن دون جدوي بالأخير تأتي كلمات متدنية تدعس علي كل ما فعلته بحذاء ساقط حقير تنهيها بالكامل..
_ أقسمت بألا تدع الأمور وشأنها دون وضع بصمة واضيعة يتذكرها الجميع ويعلم من تكون صباح إبنة حمدي القاتل!!
_ استمعت إلي صوت بوابتهم التي صدر عنها حكة شديدة أثر فتحها ، توجهت نحو نافذتها لتعلم من الزائر فإذا به طاهر ، تشكلت بسمة خبيثة علي محياها حين روادتها تلك الفكرة الشيطانية التي لن تتردد في فعلها ثانية
٠
_ سحبت غطاء رأسها ودلفت للخارج بخطي مهرولة حتي وصلت إلي أخيها بأنفاس متهدجة إثر ركوضها قبل أن يختفي وتفشل خطتها التي لم تبدأها بعد
_ جلست بجواره علي الأريكة الخشبية التي وضع الزمان عليها بصمته فهي تعود إلي جد والدها ، سكون حل لبضعة دقائق قاطعته هي بنبرة لينة :-
كانك مضايج؟
_ شعر طاهر بإهانتها له فأسرع بالحديث لكي تكف عن ثرثرتها التي ليست في محلها الأن :-
صباح مش وجته اللي ناوية عليه دييه أني علي أخري
_ رمقته بغيظ لكنها لم تبدي له تهكمها منه وأسرتها في نفسها ، سحبت نفس وأردفت بحزن زائف :-
أني حاسة بيك يا خوي مهما مسكنا في خناج بعض في الاخر احنا اخوات ودمنا واحد واكيد عنحس ببعضنا وأني جلبي واجعني علي حالتك ديي والصراحة عندي الحل بس خايفة من ردة فعلك
_ أوصد عينيه بتعب وأخذ زفيراً وشهيقاً لكي يواصل حواره معها بصدر يساع هرائها ، أضافت هي حين لم تتلقي منه الرفض كما توقعت :-
انت بجالك كد إيه عايش علي ذكراها وهي مهتحسش بيك؟ ، كاتير جوي.. يبجي جه الوجت اللي تشوف نفسك فيه وتدور علي واحدة تحبك كيف ما تحبها مش اللي مش شيفاك من أساسه ديي!
_ فتح طاهر عينيه فهو لن يقتنع بما أردفته فكيف له أن ينسي عشق طفولته بتلك السهولة ويبدلها بامرأة أخري؟
_ تقوس ثغره ببمسة متهكمه ساخراً علي تفكيره الساذج ، فهي تزوجت من غيره وبدل الرجل رجلين وإلي الأن هو موضوع أعلي ركن ضئيل لا يسعه التنفس به ، ربما عليه أن يرفرف بجناحيه ويقفز من ذلك الركن الذي لم يعد يسعه مطلقاً ، أخرج تنيهدة مرهقة فعقله مشتت تماماً ولا يعلم ما الطريق الذي عليه أن يسلكه ويلقي جزاء صبره في آخره ..
_ خرج من شروده علي اقتراح صباح بخبث فسره هو حماس أخوي :-
إيه رأيك في البت مروة؟
_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً من ذاك الاسم الذي شعر بترديده علي مسامع أذنيه من قبل ، حرك رأسه لليمين قليلاً ورمقها باستغراب فتابعت هي موضحة :-
مروة أخت ضيف صاحبك!!
( رد فعل )
______________________________________
_ اجتمع من في السرايا إثر صوت مصطفي الذي دوي في المكان ، جائته علي عجالة تتعسر قدميها من خلف هرولتها ، وقفت أمامه ملبية نداه :-
أمرك يا سي مصطفي محتاج حاجة ؟
_ أشار مصطفي بسبابته علي بابٍ ما وقال :-
حضريلي الاوضة ديي هنام فيها
_ صدمة انسدلت وبقوة علي الواقفين ، فلقد حضر خليل وزوجته أثناء طلب مصطفي لإعداد الغرفة من صفية التي طالعته لوقتٍ تستوعب فيه طلبه المبهم ، لا شعور يستطيع أن يوصف مشاعر ورد في تلك اللحظة ، مشاعر محملة بالحسرة والخوف ناهيك عن الندم والتسرع
_ ازدرد ريقها ولم تعلم للحديث سبيل ، لم تتحملها ساقيها فاضطرت الي الإستناد علي باب غرفتها الجديدة ، يا حسرتاه ستمكث بها بمفردها كما في الأيام الماضية..
_ خرجت صفية من شرودها علي صوته المرتفع ليجذب انتباهها :-
واجفة عندك ليه همي جهزي الاوضة
_ أسرعت صفية متجهة نحو الغرفة المغلقة وما تسمي بغرفة الضيافة التي أُحضِرت خصيصاً لمن يأتي دون سابق إنذار ، اقترب منه خليل متكأ علي عصاه وسأله بجمودٍ :-
بتطلب من صفية تجهزلك الاوضة الجوانية ليه عاد ومالها أوضتك؟
_ سحب أكبر قدرٍ من الهواء لكي يتسع رحبه وأجابه بجمودٍ :-
انت طلبت أتجوز أو بالمعني الصحيح أچبرتني وأني وفيت ومجصرتش في طلبك بس لحد إهنه يا بوي وانتهت
_ ضاق خليل بعينيه بعدم استيعاب لمعني حديثه وسأله بتردد :-
ايه هي اللي انتهت عاد يا ابن خليل؟
_ احتقن وجه مصطفي وفارت فيه الدماء ناهيك عن بروز عروق عنقه الواضحة ودني من والده وأردف بحدة :-
أني مهجدرش أعمل أكتر من أكده اني مشيفهاش غير مرت أخوي وجوازي منيها مش هيغير أي حاجة!
_ أنتبه مصطفي لقدوم صفية فاستدار إليها متسائلاً :-
خلصتي؟
_ أماءت له مؤكدة إجابة سؤاله دون أن تردف بشئ ، فلقد انحشرت الكلمات داخلها بصدمة لم يبتلعها عقلها إلي الأن ، سار مصطفي بخطي متريثة إلي الغرفة الذي أمر بإعدادها واختفي طيفه خلف بابها أسفل نظراتهم المصدومة التي تتجلي في أعينهم ، إلتفت خليل حيث تقف نادرة فتفاجئ بنظرات التشفي وابتسامتها التي رُسمت علي وجهها بسعادة بالغة ، تعجب من أمرها وردد متسائلاً :-
كانك مبسوطة بلي ولدك عمله؟
_ رفعت بصرها عليه ولم تجيبه لوقت ثم قالت بثبات :-
جوي جوي يا خليل ، ودييه نفسه اللي حوصل مع هلال الله يرحمه كانك نسيته! ، بس أني مههملش ولدي كيف ما هملت التاني يمشي علي كيفه وأخرتها رجع لي مجتول ، اني راسي براس مصطفي وكتفي في كتفه وكل اللي رايده يوحصل هيوحصل وأني اللي هسانده!
_ تركته مصدوم من خلف حديثها وسارت للأمام بضعة خطوات إلي أن وقفت أمام ورد الشاردة علي ذاك الباب الذي اختفي خلفه مصطفي وهتفت بنبرة تميل إلي الشماتة :-
جدمك شوم يابت يا ورد ، الرجالة عتهرب منيكي
_ اقتربت قليلاً أكثر الي أن إلتصقت بها وهمست لها بنبرة أكثر حدة :-
ده مجامك يا بنت صابر اني عيالي كاتير عليكي
_ تركتها وغادرت بعد أن ألقت بسمة سمجة في وجهها وولجت داخل غرفتها تتغنج علي ذكري الأحداث الأخيرة التي جائت علي هواها ، في الخارج لم تصدر ورد أي ردة فعل عما حدث ، فقط تقف مستندة علي الباب وعينيها مصوبتان أمامها كالمخدرة تماماً ..
_ اقترب منها خليل علي استحياء شديد ، فاللوم وقع علي عاتقه وحده هو من أجبر ولده علي الزواج منها كما أصر عليها بالمكوث وعدم الرحيل مع والدتها ، يا ليته تركها تغادر حتي لا يتحمل وزر تصرفات إبنه المتهورة
_ وقف مقابلها لا يعلم أي حديث يردفه أو أي كلمات ستهون عليها في ذلك الوضع المحزن والمهين ، لا يدري من أين له بالجرأة التي يقف أمامها ويحادثها من الأساس ، ابتلع ريقه وقبل أن يتفوه بشئ تحدثت هي :-
متجولش حاجة يا عمي مفيش كلام يتجال ، عن اذنك
_ أنهت جملتها وولجت إلي عُشها الجديد بمفردها دون رفيق ، أغلقت الباب ووقفت أمامه تطالع الغرفة الحديثة التي بدلها خليل لكي تليق بكونها عروس ، إلتوي ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة ساخرة ، أطلقت ضحكاتها وهي تطالع الغرفة بحسرة ومن ثم اختفت قهقهتها تدريجياً وتحولت إلي بكاء غزير موجوع
_ بعد مدة ليست بقصيرة انخفض صوت بكائها رويداً وتحول إلي أنين صامت ، لم تريد أن تعتلي الفراش بمفردها لطالما رُسمت عدة مواقف محببة لهما روادتها وهي تشاهد رقصه بالعصا مع أصدقائه بتريث وإتقان
_ أرادت خوض حياة طبيعية معه ، لا تعلم لم هو تحديداً فلقد شعرت من قبل بالنفور مع هلال ، ربما لأنها لا تريد خلق ألم آخر والعيش بين ثناياه ، فقط تمنت فترة نقاهه تسترد بها إشراقة روحها التي انطفئت وتستعيد رونقها مجدداً ..
_ أحرام عليها العيش في سلام مع رجلاً يعوضها آلامها التي عاشت بينها منذ وفاة والدها؟! ، أخرجت تنهيدة متألمة وهي تختلس النظر إلي الغرفة الباهتة وكأنها لا تري ألوانها الزاهية ، أوصدت عينيها بألم يكاد يخترق جوفها وينسدل علي أرض الغرفة لعدم تحملها له ..
_ ااه
أردفتها بأنين خافت وهي تضع راحة يدها يسار صدرها ثم حل السكون ولم يصدر لها صوت آخر ..
______________________________________
_ عادت صفية إلي المطبخ بذهنٍ شارد ، عقلها يتأرجح بين الذهاب والإياب لا تستوعب ما حدث أمامها ، قطعت حبال أفكارها صفاء بسؤالها الفضولي :-
سي مصطفي كان رايد منيكي إيه عاد؟
_ دنت منها وهمست ببسمة ماكرة :-
جولي كل اللي حوصل ومتخبيش عليا أني مبجتش صغيرة
_ سحبت صفية المقعد الخشبي من داخل الطاولة وجلست أعلاه ولازال عقلها لا يصدق ما ساهمت في حدوثه ، شعرت بالاختناق لطالما تذكرت تلك الفتاة التي باتت وحيدة كأيامها السابقة ، لم تستبشر صفاء خيراً من خلف تلك الملامح الجامدة ، أسرعت نحوها وسألتها بخوف :-
ما تجولي ياما في إيه لكل اللي انتي فيه ديه؟
_ وضعت صفية إحدي يدها أعلي رأسها مستنده بمرفقيها علي الطاولة وأجابتها بخزي مرسوم علي تقاسيمها :-
مصطفي خلاني أحضرله الاوضة الجوانية وترك البنية وحديها يا حبة جلبي في ليلة كيف ليلتها ديي!!
_ ذُهلت صفاء مما أردفته والدتها للتو ، ماذا يعني هذا الهراء؟ أتُترك الفتاة يوم زفافها وحيدة بمفردها؟ وليست بأي فتاة أنها ورد ذات الأعين الحابسة للأنفاس من فرط جمالها ..
_ لم تتردد صفاء في الصعود إليها فلن تتركها تعيش حزنها بمفردها ستشاركها الآلام وإن كلف الأمر تتحمله عنها لن تتردد لحظة ، ركضت خلفها صفية مسرعة محاولة إيقافها إلا أن رنين الجرس أوقفها وأجبرها علي التوجه عكس وجهتها التي كانت تسير عليها ، تأففت بضجر لعدم استطاعتها إيقاف إبنتها عما تنوي فعله وتابعت سيرها..
_ أدارت مقبض الباب بتذمجر فانقبض قلبها خوفاً ما أن رأت مأمور مركز الشرطة أمامها ، ازدردت ريقها بصعوبة ورحبت به بتلعثم :-
اتفضل يا بيه ثواني هنادي علي العمدة
_ انصرفت من أمامه مهرولة وصعدت حيث غرفة العمدة ، طرقت بابه برفق فأجابها من خلفه بنبرة متحشرجة :-
مين ؟
_ أردفت مختصرة :-
أني صفية ، مأمور المِركز رايد حضرتك
_ حدثها وهو يلتقط عبائته التي قد خلعها لتوه :-
نازله طوالي ضايفيه أي حاچة
_ حركت رأسها بطاعة وهي تقول :-
أمر جنابك
_ ألقت بصرها علي غرفة ورد بعدم إعجاب لوجود إبنتها معها في تلك الأثناء فمهما كان هن ليسوا سوي خادمات السرايا ولا يجدر بهن التواجد مع أسيادهم ، انتبهت علي صوته الذي نهرها بعصبية :-
لساتك واجفة مكانك همي ضايفي الراچل
_ أسرعت صفية بخطي غير مستقيمة ، تتعسر قدميها من حين لآخر وهي تركض للطابق السفلي لكي تلبي أمر خليل ، خرجت السيدة نادرة خلف زوجها ربما تعرف شيئاً جديد عن قاتل صغيرها ..
_ وقف خليل مقابل المأمور وردد متسائلاً بعد أن صافحه :-
ها يا حضرة المأمور جولي أخبار زينة تريح جلبي
_ أخفض المأمور رأسه بخزي شديد ، لا يعلم كيف يخبره بذلك لكن عليه أن يدلي بما جاء لأجله فبالأخير سيعلم حتي وإن طال الأمر ، حمحم لكي يلين من نبرته الخشنة وقال :-
بصراحة إكده يا عمدة أنا جاي أجولك أننا طول الشهور اللي فاتت ديي موصلناش لأي دليل واحد يجدر يوصلنا لطرف الخيط كن الجاتل فص ملح وداب وللأسف الجضية اتجيدت ضد مجهول!!
_ خبر صاعق انسدل علي خليل ألجم لسانه كما وقع علي السيدة نادرة كالخنجر الذي طعنها بقسوة دون رحمة فكيف لقاتل صغيرها أن يتهني بحياته دون عقاب ومدللها تركد عظامه بين الرمال في ظلمة القبر الموحشة!!
_ كيف لخليل أن يرضخ لتقيد القضية ‘ ضد مجهول ‘ ولا يفعل شئ؟ هو بالأساس لا يغفل له جفن قبل أن يبعث رجاله ليقوموا بدور رجال الشرطة مراراً وتكراراً لعلهم يصلوا إلي شئ ما وفي النهاية يعودون له يجرون أذيال خيباتهم دون جدوي ، لكن هل بتقيد الشرطة للقضية تكون تلك النهاية؟ لا وألف لا لن يكون إسمه خليل الجبلاوي إن لم يأتي بقاتل ولده ويقطعه إرباً إرباً ..
متشكرين يا حضرة المأمور علي مجيتك لإهنه أني من لاول جولت مرايدش الحاكومة تتدخل في الموضوع ديه بس انت ووكيل النيابة اللي أصريتوا عليا وأني اهه بجولك متشكرين كتر خيرك بس اللي جاي بتاعي أني ، أني مهسيبش دم ولدي يروح هدر
_ هتف بهم خليل بوجه محتقن وعروق بارزة من شدة غضبه ، رمقه المأمور بتهكم ورد عليه مستاءً :-
كاني معارفش إنك بتخرج رجالتك كل يوم لما الليل يليل يدورا علي جاتل ولدك يا عمدة أني سايبك آه بس عارف كل دبة بتحصلوا في البلد ديي مهياش سايبة إكده كيف ما انت فاكر ، وزيي ما إحنا موصلناش لحاجة انت ورجالتك موصلتوش بردك اللوم مهيبجاش عليا وحدي واسكت
_ صمت يلتقط أنفاسه التي فرت من رئتيه إثر ثرثرته دون توقف وواصل مختصراً :-
بالإذن أني وألف مبروك لمصطفي علي جوازته اللي انت معزمتناش فيها
_ استدار المأمور وغادر السرايا ما إن ألقي ما في جوفه كاملاً دون زيادة أو نقصان بينما تعسرت ساق العمدة ولم تتحمله لأكثر من هول الصدمة ، شد بيده علي عصاه لعلها تكون المنقذ له لكن هيهات لثقل بنيته علي عصا خشبية هذيلة
_ ارتطمت العصا بالأرضية الرخامية مدوية صوتاًً عالياً ، وما أن انتبهت السيدة نادرة لذلك الصوت كان قد وقع خليل بجوار عصاه مغشي عليه
_ شهقت نادرة بصدمة ناهيك عن لطمها علي صدرها صارخة بأعلي نبرة تمتلكها حنجرتها :-
إلحجوني ، يا خلج يلي إهنه غيتوني
_ وقعت إستغاثة السيدة نادرة علي مسمع صفية التي كانت علي مقربة منها ، جائتها مهرولة فتفاجئت الأخري بسيدها في حالة لا يرثي لها ، هرولت نحوه وقد تعرقلت قدميها برعب شديد الي أن وصلت إليهم فصاحت بها نادرة :-
اطلبي الداكتور ياجي دلوك
_ أماءت لها بطاعة ثم اختفت من أمامها تلبي طلبها كذلك صعدت إلي الطابق العلوي بعدما هاتفت الطبيب وأخبرها بأنه سيوافيهم في الحال ، دقت بكل قوتها علي باب غرفة مصطفي تستعين بمساعدته
_ فتح لها بعبوس لتلك الحالة التي طرقت بها بابه وصاح بها هدراً :-
في ايه يا صفية في حد يخبط إكده؟
_ لم تعقب علي غضبه فهي تريد إخباره بشئ واحد فقط وقد أتت لتتدلي به فقالت بنبرة لاهثة :-
إلحج .. العمدة .. وجع من طوله
_ اتسعت حدقتي مصطفي بذهول ثم أزاحها من أمامها بيده لكي يمر ويصل الي أبيه سريعاً ، قفز علي الأدراج حتي انتهوا سريعاً عكس النزول المعتاد من عليه ، وصل إلي وجهة والده وجلس بجواره ، وزع أنظاره بين ووالديه بتوجس وسألها بقلق :-
ماله ابوي يا اما حصله ايه عاد؟
_ رفعت بصرها عليه وحدثته بنبرة مرتجفة تخشي أن يصيبه مكروه هو الآخر :-
المأمور كان إهنه وجال إن الجضية اتجيدت ضد مجهول ، هو متحملش أن حج خوك راح هدر ووجع من طوله زي ما انت شايف إكده
_ أمسكت نادرة يد مصطفي وتابعت حديثها متوسلة :-
أبوس يدك يا ولدي شوف بوك هيحتاج ايه واعمله اني مهتحملش خسارة تانية
_ أسرع بالرد عليها مستاءً من تفكيرها :-
متجوليش إكده ابوي هيبجي بخير هكلم الداكتور ياجي..
_ قاطعته صفية بقولها :-
أني كلمته وزمناته علي وصول
_ أنهت صفية جملتها وانتبهوا جميعهم لطرقات الباب ، أسرعت لفتحه وإذا به عسران يقول وهو يشير إلي الطبيب :-
الداكتور بيجول أن العُمد…
_ توقف عسران عن الحديث حين وقع بصره علي خليل ، اتسعت حدقتاه بصدمة وأسرع نحوه يجر قدميه خلفه بتوجس شديد وهتف متسائلاً بنبرة خشنة :-
واه ماله أبا الحاج خليل ايه اللي حوصل؟؟
_ نهرته صفية بضيق :-
مش وجته يا عسران المهم نطمن عليه لاول
_ وجهت بصرها نحو الطبيب ورحبت به بتلعثم :-
اتفضل يا داكتور طامنا علي العمدة الله يطمن جلبك
_ حاول الطبيب أن يهدئ من روعهم الظاهر بقوله :-
اطامنوا يا جماعة أن شاء الله خير
_ اقترب من خليل وفعل اللازم فعله ، سكون مريب مسيطر علي المكان ، الجميع مترقب وما أسوء الانتظار في تلك الأزمات ، العديد من الأفكار السيئة تراود عقولهم وخصيصاً أنه لم يستعيد وعيه بعد أن مر وقت كافي
_ تبادلا الجميع النظرات بتوجس وأعادوا النظر إلي الطبيب حيث سأله مصطفي عن حال والده :-
بوي ماله يا داكتور عنديه حاجة خطيرة ولا ايه؟
_ وقف الطبيب وأعاد وضع نظارته الطبية بإبهامه إلي عينيه بثبات وأدلي بما لديه من علم :-
بوك اتعرض لأزمة جلبية الظاهر زعل والله أعلم بس هو هيكون كويس اعطوا لعجله (عقله) فترة يستريح فيها وهتلاجوه فاج وبجا زين
_ شكره مصطفي ثم حمله بمساعدة عسران وأوصلوه إلي غرفته ، وضعوه أعلي الفراش بحذر ، وقف الجميع منتظرين استعادته لوعيه لكي يطمئنوا عليه ويذهبوا حيثُ كانوا ..
_ انسحبت صفية من بينهم دون أن يلاحظها أحد وذهبت إلي غرفة ورد ، طرقت علي الباب بخفة وولجت للداخل قبل أن يسمحن لها من هن بالداخل ، رمقت صفاء شزراً لفعلتها لكن سرعان ما رق قلبها حين صغت لبكاء ورد المكتوم ..
_ اقتربت منهن وجلست بجانبهن علي الأرض ، ربتت علي يد ورد تأزرها في محنتها وقالت :-
والله ما عارفة أجولك ايه يابتي ، الله يربت علي قلبك ويعدل أحوالك يارب
_ ابتعدت ورد عن حضن صفاء واعتدلت في جلستها وأردفت من بين بكائها :-
اتعودت علي الوجع
_ تقوس ثغرها بإبتسامة موجوعة وتابعت متحسرة علي حالها :-
الظاهر ممكتوباليش الفرحة واصل
_ تأثرت صفاء بحديثها وأعادتها الي حضنها مرة أخرى وأردفت بنبرة حنونة :-
أني معاكي اهاه شاوري بس وأني أنفذ حتي لو جولتي أروح اضربه علي عملته ديي مهتترددش واصل
_ نهرتها والدتها بغضب لقلة حيائها :-
اتحشمي يا صفاء وجومي انزلي تحت الست نادرة لو لجيتنا إهنه هطربج السرايا علي روسنا جومي فزي
_ إلتوي ثغر صفاء بعدم إعجاب وتمتمت بوجه محتقن تفور به الدماء :-
مش حرام عليهم اللي بيعملوه في البنية ديه ، بلا ست نادرة بلا…
_ قاطعتها صفية بإنفعال :-
صفاء..
_ نهضت الأخري متذمرة من عدم حريتها في الحديث ، ضربت الأرض بقدميها بطفولة وأردفت بتجهم :-
اووف الواحدة متعرفش تتحدت علي راحتها واصل في السجن دييه
‘ سجن ‘ تلك الكلمة التي تتردد داخل عقل ورد طيلة الوقت ، شعرت ببعض الراحة لأنها ليست بمفردها من تشعر بأنها حبيسة سجن الجبلاوي ، تنهدت بصوت عالٍ ووجهت حديثها إلي صفاء قائلة :-
اسمعي حديت أمك ومتعذبيهاش أني بجيت زينة لما خدتيني في حضنك هديت شوية
_ ابتسمت لها صفاء ثم انتبهت لحديث والدتها وهي تحذرها :-
اخرجي علي مهلك متعمليش غاغة لانهم كلاتهم في اوضة العمدة عيطمنوا عليه
_ قطبت صفاء جبينها وتسائلت في فضول :-
ماله العمدة عاد كان زين من دجايج
_ أخرجت صفية تنهيدة حزينة وأردفت موضحة وهي تستند علي الجدار تريد النهوض :-
وجع من طوله والداكتور كان إهنه وجال حصله سكته جلبية ربنا لا يعودها واصل
_ نهضت ورد هي الأخري بتوجس من حديث صفية الذي لا يبشر بالخير وسألتها :-
أباه وهو كيفه دلوك ؟
_ ردت عليه بحزن جلي علي تعابيرها :-
لساته مفاجش ربنا يستر
_ وجهت حديثها إلي صفاء مباشرةً باندفاع :-
واه لساتك واجفة مكانك اتحركي يابت جبل ما حد يشوفك وتبجي ليلتنا مطينة بطين
_ تأففت صفاء متذمرة من أوامر والدتها التي لا تنتهي ودلفت للخارج بغضب قد تملك منها بينما أعادت صفية النظر إلي حيث ورد ورددت بهدوء :-
أني همشي لو احتجتي حاجة ناديلي هاجيلك طوالي
_ اكتفت ورد بإيماءة خفيفة من رأسها ممتنة لوجودها هي وابنتها ، فهن من يهونون عليها ما يحدث بينما غادرت صفية الغرفة قبل أن يراها أحد ، ارتدت ورد وشاحها سريعاً ودلفت للخارج لكي تطمئن علي خليل فهي لم تري منه إلا خيراً
_ اقتربت من الغرفة علي استحياء وقد لمحتها السيدة نادرة من داخل الغرفة وهي تعتلي الفراش ، لم تتردد في التوجه نحو الباب بخطي ثابتة حتي وصلت إليها وأغلقت الباب قبل أن تولج هي للداخل
_ تفاجئت ورد بتصرفها الذي أجبرها علي الوقوف لبرهة علها تستوعب حقيقة وقاحتها ، ابتلعت ريقها وهي تحاول هضم خجلها معه ، استدارت وعادت إلي غرفتها تجر قدميها خلفها بثقل من فرط الحرج التي وقعت بين طياته ..
______________________________________
داخل الغرفة ، استعاد خليل وعيه تدريجياً إلي أن عاد لأرض الواقع بسلام ، هرول جميعهم نحوه فرحين بسلامته
‘ حمدلله علي سلامتك يا أبا الحاج ‘
_ أردف بهم عسران مهللاً بسعادة بالغة فأجابه خليل بنبرة مرهقة :-
الله يسلمك
_ اقتربت منه نادرة وجلست بجواره ، ملست علي رأسه بحنو وعاتبته بحنو :-
خوفتنا عليك يا خليل
_ رفع بصره عليها ورد عليها بنبرة مضطربة مختصراً حديثه :-
الحمد لله كل اللي يجيبه ربنا خير
_ جاء دور مصطفي في الحديث فقال سريعاً لكي يفر هارباً من بينهم :-
حمدالله على سلامتك يا بوي
_ ضاق خليل بعينيه عليه لبرهة ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه لا يريد خلق أي محادثة بينهم فهو لم يرضي عما يفعله مع ورد لذا فلا داعي لأي نقاش سيخلق بينهم
_ انسحب مصطفي من بينهم حين شعر بالاختناق الشديد الذي أطبق علي صدره وسبب له ضيق في التنفس ، لم يريد العودة إلي غرفته وهرب من السرايا بأكلملها ، لحق به عسران بعد أن أطمئن علي صحة خليل وحاول إيقافه بصوته الجهوري :-
وجف يا مصطفي يا ولدي أني مجدرش ألحج خطوتك
_ توقف الآخر عن السير واستدار إليه بملامح جامدة ، توجه عسران إليه بخطي ثابتة وأردف :-
متهملش الدار دلوك إحنا في وجت متأخر تعالي أسهر معايا وانا هعملك كل اللي في نفسك
_ عارضه مصطفي بتهكم :-
سهر ايه اللي عتتحدت عنيه اني من ميتي كنت بسهر والحديت الفارغ ديه؟
_ دني منه عسران في محاولة أخري لأن يبقيه بجواره خوفاً عليه :-
يا سيدي اني رايدك جاري هترفضلي طلب إياك
_ تأفف مصطفي بضجر بائن وحرك رأسه يميناً ويساراً مستنكراً أمره ثم أولاه ظهره وتوجه نحو بوابة السرايا فأوقفه عسران بكلماته التي انفطر قلبه حزناً إثرها :-
خوك خرج كيف دلوك ومعادوش تاني ، بلوم نفسي ليه مأجبرتوش وجتها يجعد حدايا بدل ما اشيلوا علي يدي وهو غرجان في دمه..
_ استدار مصطفي إليه وطالعه بنظرات منكسرة تحمل من القهرة والحزن قدراً ، حمحم عسران وتابع حديثه بنبرة تميل إلي اللين :-
متهملش السرايا يا ولدي صدجني أنا بعتبرك انت وهلال الله يرحمه كيف ما تكونوا ولادي اللي ربنا مكتبليش إني اخلفهم ، إجعد معايا إهنه وطلع خنجتك فيا أني وبلاها الخروج في الوجت المتأخر دييه
_ ازدرد مصطفي ريقه وذكري وفاة أخيه رادوته من جديد ، صوب بصره نحو عسران وتحدث بصوت متحشرج يهدد بالبكاء :-
بس اني اجوي من هلال
_ قاطعه عسران بحكمته :-
وجت الجدر بيتعمي البصر يا ولدي ، اسمع الحديت واجعد جاري علي الاجل تهون عليا شوية الوحدة اللي اني فيها ديي
_ أولاه عسران ظهره واقترب من أريكته القديمة والتي يتكأ ظهرها علي جدار غرفته التي تتوسط حديقة السرايا ، جلس أعلاها وأشار إليه بالجلوس فجائه مصطفي علي مضضٍ فلم يخضع لأحد من قبل فماذا الذي يحدث الأن ؟ قبل قليل يخضع لزواجه من امرأة يرفضها والان يخضع لتوسلات عسران كأنه يخشاهم!!
_ هرب بأنظاره بعيداً عن عسران كنوع من التمرد ، لمح تلك الهالة السوداء التي تقف في شرفة غرفته دون ملامح واضحة ، بالتأكيد عروسه هي من تحملق به ، ظهرت علي شفاه إبتسامة ساخرة لوضعهم ، لها الحق في أن تراه كلنا أرادت بينما هو لا يري سوي الهالة السوداء سواء من بعيد أو من قريب!!
_ أنتبهت أذنيه لتلك الأغنية التي بدأت تطربها سيدة الغناء العربي السيدة ‘ أم كلثوم ‘
ياما أمر الفراق بين الخليل والخليل
شكوى وانين واشتياق قبل الوداع والرحيل
بابعد اخاف من خيالك واصورك في خيالي
مين في الوجود طال مطالك من قلب عاشق وخالي
ترخص الدمع الغالي وتلوع القلب السالي
والحب يظهر مقداره والقلب بتشعلل ناره
لما يغيب عن هالحبيب
غاب الحبيب عن عيوني ومين يداوي أسايا
من اللي يرحم شجوني ومين هواه من هوايا
تطول علي الليالي سهران أناجي النجوم
الدمع فاض بي وملالي في الوحده كاس الهموم
أصور الماضي في بالي واعيش على العهد الخالي
واللي يغيب عنه حبيبه يتقل م الدنيا نصيبه
ويعيش مابين اهله غريب”
_ مسحت عبراتها التي فرت من مقلتيها دون وعي منها وهي تصغي لكلمات الأغنية التي وصفت حالها مع مصطفي ، بينما هو كالجبل المنيع لا يأثر به ريح ، لم تتحرك مشاعره ولو بمقدار ذرة لا يكترث لما يدور من حوله إذا لم يكن هو المتسبب به ، ثم أنه ضحية مثلها تماماً أجبر علي ذلك وتم الزواج أسفل ضغط والده عليه..
_ يذهب بعيداً ويعود إلي نفس النقطة من جديد وهي إجباره علي زواجه منها ، لكن لكل فعل رد فعل وردة فعله ستكون قوية بمثابة حصن يمنع أحدهم من التفكير في إجباره علي شيء بعد الأن ..
_ نهض ولم يكترث لندائات عسران ، عاد بأدراجه حيث غرفته التي يمكث بها ، في تلك الأثناء أرادت ورد مواجهته لكي تعلم حقيقة تركها في أهم ليلة في حياة أي فتاة!!
_ وقفت أمام بابها مترددة فيما تنوي فعله ، وبعد عدت دقائق مروا عليها حسمت أمرها أن تبادر بالمواجهة قبل أن تغير رأيها ، أدارت مقبض الباب مسرعة فلمحت طيفه يغلق باب غرفته ، كزت علي أسنانها بضيق شديد فحتماً لن تذهب إلي غرفته وتبدأ بمواجهته هناك ، تأففت بتزمجر ثم عادت إلي الداخل مستاءة من ترددها الذي أضاع عليها فرصة المواجهة بينهم ..
_ طالعت ذلك الفراش اليتيم التي لم يحظي بعد بنوم أحدهم أعلاه ، لم يكن أمامها سوي السير نحوه وألقت بجسدها عليه فور وصولها إليه ، يجب أن تنعم بقدراً من الراحة اليوم وبالتأكيد يوجد حلول جديدة ستظهر في الوسط غداً ..
_ سحبت وسادتها الناعمة واحتضنتها برفق وتمتمت بغيظ :-
هو الخسران مش أني بكره يندم
_ تقلبت علي الجانب الآخر في محاولة منها علي النوم سريعاً لكن هيهات لافكارها التي حلت ما أن استلقت علي الفراش وأرادت النوم وكأن بين الأفكار الواهية والنوم عقد متفق عليه من قبلهم بأن لا يتركوها وشأنها تنعم بالقليل من الراحة!
_ رفعت الوسادة بكلتي يديها ووضعتها أعلي رأسها ورددت داخلها ‘ فليحترق الكون ‘ ستحظي بالنوم عافية إن لم يأتيها راضياً بذاته ، وبعد دقائق من المعافرة ارتفعت حشرجة حنجرتها التي دلت علي نعاسها ..
_ في الغرفة الأخري أستلقي مصطفي علي فراشه الذي لم يعتاده بعد ، تقلب يميناً ويساراً علي أملاٍ أن يسيطر عليه النعاس كما في فراشه الآخر لكن دون جدوي ، توسط الفراش ووضع كلتي يديه أسفل رأسه وطالع سقف الغرفة لبرهة لتأتي فتاة أحلامه التي رآها اليوم في مطبخ السرايا ، بدأت تظهر تقاسيمها رويداً رويداً إلي أن تشكلت بالكامل فابتسم هو فور تذكره
_ تذكر توتر يديها التي فركتهم بإرتباك خجل حينما تفاجئت بوجوده ، ناهيك عن عضها علي شفاها السفلي التي أسرت قلبه ، ماذا؟ أهناك من تستطيع أسر قلب مصطفي الجبلاوي عقل الحجر كما تلقبه والدته!
_ انتفض من نومه ونظر أمامه لوقت قبل أن يردد :-
أجيبك منين يا شاغلة عجل مصطفي؟!
_ حرك رأسه يطرد أفكاره اللعينة التي لا تتركه وشأنه ففي النهاية هي حلم جميل قد عاشه للحظاتٍ وقد مضي وركض في سلام ولن يتكرر ثانيةً ..
_ أزفر أنفاسه بضجر بائن فهو لم يفعل سوي ما يخبره به عقله منذ زمن وحين خفق القلب لطلب واحد دون غيره لن يقدر علي تحقيقه ..
_ أخرج تنهيدة مليئة بالهموم المختلط بالارهاق وعاد بجسده لذلك الفراش الذي لا مفر منه وحاول جاهداً أن يغفوا أعلاه لكنه فشل وبجدارة ، التقت زجاجة المياه التي تعتلي الكومود بجانبه وارتشف الكثير منها ثم عاد ليجبر نفسه علي النوم ، مرت دقائق معدودة تلاها ساعاتٍ طويلة دون نوم
_ بدأ نور الصباح في البزوغ فاندمج مع زقزقة العصافير وكأنهم حاملين للنوم معهم ، غفت عينيه تدريجياً ما أن شعر بالنعاس يتملكه حتي بات في ثُبات عميق …
______________________________________
_ في وقت لاحق بمكانٍ آخر ، لم تكف عن التطلع علي نفسها بتفحص ، قاربت علي الساعة لا تفعل شيئاً سوي وقوفها أمام المرآة ، تارة تداعب خصلاتها التي حررتها وتارة تملس بأناملها السمراء علي وجهها وتارة أخري تختلس النظر إلي ملامحها التي تراها أسوء ملامح في الكون
_ فركت عينيها البُنية بعصبية وانحنت علي المرآة لتكون قريبة من صورتها المنعسكة وهتفت من بين أسنانها المتلاحمة ببغض :-
طلعتي سمرا كيف بوكي يا صباح ، حتي خوكي أحلي منيكي ويشبه بت عمك ببياضه! ، مناخيرك كيف الحلة اللي هتطبخي فيها كل يوم وعنيكي مفنجلة ومدورة معرفاش طالعة لمين بشكلها العفش دييه
_ تحسست خصلاتها وابتسمت وهي تطالعهم بتفحص ورددت ساخرة :-
شعرك أحلي من بت عمك بس مداري ورا الحجاب معيشوفوش رجال واصل ، هيشوفوا بس الخلجة العفشة ديي اللي تخليه يهرب منيكي جبل ما يشوف شعرك الزين أحلي ما فيكي
_ فرت دمعة من عينيها فمسحتها بغضب عارم ، كزت علي أسنانها بحقد وكلمات الجميع تلاحقها ولا تريد الإقلاع عن عقلها بسهولة ، لم يرأف بها أحد يوماً ، ومن وضيع الذكر أن تلك الكلمات خرجت من فاه أبويها! اللذان من المفترض أن يكونان أكبر داعمان لابنتهم الوحيدة ، لم تنتهي المقارنات بينها وبين ورد منذ صغرهم حتي الأن ، وبعد أن إلتحقت بالمعهد العالي للحاسب الآلي لكي تكون ذات قيمة رفيعة ومكانه مرموقة بعدما تأكدت من عدم إكمال ورد لدراستها بعد الصف الثالث الثانوي ، فعلت كل ما يمكنها فعله لكي تشعر بالقليل من الثقة التي تفتقر إليها لكن دون جدوي بالأخير تأتي كلمات متدنية تدعس علي كل ما فعلته بحذاء ساقط حقير تنهيها بالكامل..
_ أقسمت بألا تدع الأمور وشأنها دون وضع بصمة واضيعة يتذكرها الجميع ويعلم من تكون صباح إبنة حمدي القاتل!!
_ استمعت إلي صوت بوابتهم التي صدر عنها حكة شديدة أثر فتحها ، توجهت نحو نافذتها لتعلم من الزائر فإذا به طاهر ، تشكلت بسمة خبيثة علي محياها حين روادتها تلك الفكرة الشيطانية التي لن تتردد في فعلها ثانية
٠
_ سحبت غطاء رأسها ودلفت للخارج بخطي مهرولة حتي وصلت إلي أخيها بأنفاس متهدجة إثر ركوضها قبل أن يختفي وتفشل خطتها التي لم تبدأها بعد
_ جلست بجواره علي الأريكة الخشبية التي وضع الزمان عليها بصمته فهي تعود إلي جد والدها ، سكون حل لبضعة دقائق قاطعته هي بنبرة لينة :-
كانك مضايج؟
_ شعر طاهر بإهانتها له فأسرع بالحديث لكي تكف عن ثرثرتها التي ليست في محلها الأن :-
صباح مش وجته اللي ناوية عليه دييه أني علي أخري
_ رمقته بغيظ لكنها لم تبدي له تهكمها منه وأسرتها في نفسها ، سحبت نفس وأردفت بحزن زائف :-
أني حاسة بيك يا خوي مهما مسكنا في خناج بعض في الاخر احنا اخوات ودمنا واحد واكيد عنحس ببعضنا وأني جلبي واجعني علي حالتك ديي والصراحة عندي الحل بس خايفة من ردة فعلك
_ أوصد عينيه بتعب وأخذ زفيراً وشهيقاً لكي يواصل حواره معها بصدر يساع هرائها ، أضافت هي حين لم تتلقي منه الرفض كما توقعت :-
انت بجالك كد إيه عايش علي ذكراها وهي مهتحسش بيك؟ ، كاتير جوي.. يبجي جه الوجت اللي تشوف نفسك فيه وتدور علي واحدة تحبك كيف ما تحبها مش اللي مش شيفاك من أساسه ديي!
_ فتح طاهر عينيه فهو لن يقتنع بما أردفته فكيف له أن ينسي عشق طفولته بتلك السهولة ويبدلها بامرأة أخري؟
_ تقوس ثغره ببمسة متهكمه ساخراً علي تفكيره الساذج ، فهي تزوجت من غيره وبدل الرجل رجلين وإلي الأن هو موضوع أعلي ركن ضئيل لا يسعه التنفس به ، ربما عليه أن يرفرف بجناحيه ويقفز من ذلك الركن الذي لم يعد يسعه مطلقاً ، أخرج تنيهدة مرهقة فعقله مشتت تماماً ولا يعلم ما الطريق الذي عليه أن يسلكه ويلقي جزاء صبره في آخره ..
_ خرج من شروده علي اقتراح صباح بخبث فسره هو حماس أخوي :-
إيه رأيك في البت مروة؟
_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً من ذاك الاسم الذي شعر بترديده علي مسامع أذنيه من قبل ، حرك رأسه لليمين قليلاً ورمقها باستغراب فتابعت هي موضحة :-
مروة أخت ضيف صاحبك!!