روايات شيقة
رواية شهادة قيد الفصل السابع 7 بقلم دودو محمد
رواية شهادة قيد الفصل السابع 7 بقلم دودو محمد
“شهادة قيد”7
“الفصل السابع”
قرع مهران جرس الباب وانتظر ذات تفتح له، لكنه واجه برودة تامة عندما لم تفعل. شعوره بالقلق زاد، مقلقاً بحقيقة أنه لم يكن هناك من يشاركه الوقت؛ حتى مجرد شعور الحضور كان مفقوداً. كما تذكر النسخة الأخرى المتواجدة معه، تلك النسخة التي احتفظ بها في مكان سري ولم يخبرها عنها، شعور بالخوف اجتاحه لتجربته الماضية. صعد يركض إلى الأعلى وذهب بسرعة لأخذ النسخة، وكن يحلم بأن تكون هذه اللحظة لحظتها.
هبط مهران مرة أخرى، فتحت يده النسخة التي كان يحملها، بينما قلبه مضطرب بين آمال وقلق، بحث عن ذات في الشقة. ولكنه توقف مشدوهاً مما رآه، كانت ملابسها متناثرة بعشوائية على الأرض، وجوارها زجاجة خمر فارغة. عينه انطلقت بغضب خانق عندما أدرك أين تكون. ركل الحائط بقدمه، ونطق بنفاذ صبر:
“برضه نفذتي اللى فى دماغك يا ذات، ما كنا اتفقنا أن مافيش سهر تاني!”
أنهى حديثه وركض للأعلى، حيث دخل شقته وارتدى ملابسه بسرعة بالغة، أخذ مفاتيح سيارته، وهرع إلى الخارج. صعد فيها ودار بها بسرعة جنونية جعلت الإطارات تحتك بالأرض محدثة أصوات صرير مرتفعة. بعد دقائق، وقف أمام الملهى الليلي الذي اعتادت عليه. نزل من السيارة بسرعة، وركض إلى الداخل، عينيه تبحثان عنها حتى وجدها جالسة، تدخن السيجارة بيد، وتحتوي الكأس بيد أخرى. اندفع نحوها بغضب، وقف أمامها مضموم الذراعين، وشرارتي عينيه تتطايران في كل اتجاه.
عندما رأته في تلك الحالة، انفجرت ضاحكة، نهضت من مقعدها وهي تتأرجح بسبب السكر، واقتربت منه قائلة:
“شكلك تفطس من الضحك وانت متعصب كده، ومنظرك بالهدوم دى بس إيه رأيك غفلتك صح؟”
أمسكها من ذراعها بغضب، وتحدث بصوت مختنق:
“انتي إيه نازلة؟ مش اتفقنا إنك هتبطلي سهر والزفت اللى بتشربيه ده؟”
أومأت برأسها وهي تضحك ضحكة بلهاء قائلة:
“اممم، اتفقنا بس أنا عيله، ومش بحافظ على الاتفاق، وبرجع في كلامي عادي. والدليل قدامك أهو، غفلتك وجيت أسهر”.
اقتربت منه وحركت يدها على صدره، وتحدثت بنبرة سكر شديد:
“لو كنت سيبتني أنام معاك في الشقة وفى أوضك، كان زماني دلوقتي محافظه على اتفاقنا، لكن انت جبان، خوفت على نفسك مني”.
ثم حركت يدها بجرأة أكبر على جسده، وتحدثت بشغف:
“والصراحة عندك حق تخاف على نفسك مني، أصلِك تتاكل أكل”.
أغلق عينه بضيق، مال بجسده وحملها بين ذراعيه، وتكلم بغضب:
“الكلام معاكي دلوقتي ملوش فايدة، انتي سكرانه ومش حاسه بنفسك”.
حاوطته بذراعيها، ثم قبلة عنقه بإثاره، قائلة بأنفاس لاهثه:
“انت عارف أنا عايزة أفضل كده على طول جوه حضنك، أصل أول مرة أحس بالأمان في حضن حد كده”.
كانت كلماتها تخرج من عمق قلبها، مما جعل مهران يشعر بصدق مشاعرها. تنهد بضيق، محاولاً الحفاظ على قلبه من الانجراف خلف العواطف. لكن الآن، تحول الأمر وكأنه يتسرب منه كل الأسباب التي تجعله يحمي نفسه من هذا الهراء كما يسمي الحب. انشغل بأفكارها الناعسة من كثرة الشرب وهي تقول:
“مهران، أنا حاولت أنفذ كلامك بس مقدرتش، صدقني، صعب أبعد عن الطريق ده، صعب”.
تحرك بها للخارج دون أن يجيبها، لكنه شعر بشيء ساخن يتساقط على عنقه. وضع يده عليه، وجدها دموع ذات، ابتعدت عنها ونظر لها باستغراب، قائلا بتساؤل:
“ممكن أفهم بتعيطي ليه دلوقتي؟”.
نظرت له من بين دموعها بضعف، وقالت:
“أنا بتعاطي هيروين يا مهران”.
كانت عينا مهران تتسعان بصدمه، حاول أن يتكلم لكن كلماته تكبّلت في حلقه.
انزلت ذات نفسها من بين ذراعيه، وتحدثت بدموع:
“أنا عارفة أنها صدمة بالنسبالك، ودلوقتي شايفني بنظرة تانية، نظرة احتقار ونفور، لكن صدقني الطريق ده جات فيه رجلي غصب عني. فاجئه ظهرت واحدة في حياتي عملت نفسها صديقة، حطتها لي في القهوة لما كنت بحاول أفوق من شرب الخمرة، وشوية بشوية لاقيتني مصدعة على طول، ومش بيروح الصداع ده غير لما اشرب القهوه دي وبعد كده قالتلى الحقيقى أنها عملت فيا كل ده وادتني الطريقه اللى اجيب منها الزفت ده وعلشان كده مقدرتش انفذ اتفقنا لاقتنى هموت لو مأخدش الجرعه دلوقتى، هتقولي ليه عملت معايا كده؟ هقولك معرفش لأن لحد دلوقتى مش لاقيه جواب لسؤال ده، بس كل اللي اعرفه انا لعبه فى ايد مخفيه هى اللى بتتحكم فيا وتحركنى”.
كان مهران يستمع لكلماتها يتيه، لا يعلم ما عليه فعله. أخيراً، تحدث بصوت مختنق:
“امشي يلا”.
كانت تنوي أن تتحدث، لكنه أوقفها بإشارة من أصابعه قائلاً بحزم:
“مش عايز أسمع حرف واحد، امشي من سكات”.
أومأت رأسها بالموافقة، وتحركت معه إلى السيارة. عندما صعدت بها، نظرت له وهو يجلس بجوارها. تنهدت بألم، ثم نظرت من خلف النافذة.
كانت أفكار مهران مشوشة، لا يعلم ما عليه فعله. أدار السيارة بسرعة جنونية عائداً إلى المنزل، وظل صامتاً طوال الطريق، بعد قليل، كان يقف أمام العقار، وتكلم بأمر قائلاً:
“اتفضلي، انزلي، اطلعي على شقتك، واقفلي بابك عليكي. إياكي تفتحي لحد ولا تفكري تتحركي من البيت، فاهمة؟”.
أومأت برأسها بالطاعة، وترجلت من السيارة، وتحركت سريعًا إلى الداخل.
ظل يتابعها حتى اختفت من أمام نظره، ثم أدار السيارة وغادر المكان بسرعة، مما جعل الغبار ينتشر في الجو أثر اندفاعه.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
في مكان بعيد عن مصرنا الحبيبة…
جلس رجل ذو هيبة واضحة، ممسكًا بيده سيجارًا كوبيًا يعتبر من أفخم الأنواع. كانت ملامحه مشبعة بالغضب عندما تحدث شخص أمامه بنبرة واهنة وحذرة، قائلاً:
“للاسف البنت دلوقتى خرجت من تحت ايد عمها وعايشه فى نفس البيت مع الحارس الشخصي بتاعها، ب ب بس مش دى المشكله”.
بدا الرجل المهيب عابسًا وهو يستمع، حيث أشعلت كلمات المتحدث مشاعر الرعب في دواخله. إذ أخرج المتحدث أنفاسه بصعوبة وتحدث بتلعثم:
“ا يعني الحارس الشخصي بتاعها هو، “مهران الشرنوبي”.
عند سماعه لهذا الاسم، انتفض وكأن صاعقة نزلت عليه. اجتاحت موجة من الغضب وجهه، فصرخ:
“هو لسه فيه نفس بعد اللى عملته فيه زمان تلف الايام ويوقع تانى فى طريقي شكلها المرادي هتبقى بحياته وابقي خلصت منهم هما الاتنين”.
كان صوته يرتجف بفعل مشاعر متناقضة من الخوف والانتقام، حيث أطلق ضحكة قصيرة مملوءة بالسخرية وكأنما يستهزئ بنفسه. تذكر الأيام التي كانوا فيها أصدقاء قبل أن تتعكر صفو حياتهم بسبب تلك الحادثة المؤلمة التي غيرت مجرى كل شيء. كان مهران الشرنوبي في السابق لا يختلف كثيرًا عنه، شاب طموح وذكي، ولكنه اليوم، كما يبدو، أصبح جزءًا من حياة لا يمكن له تحملها. كان يعلم أنه لن يتركه يهرب بسهولة هذه المرة.
أغلق قبضته بإحكام على السيجار المشتعل، محدقًا أمامه بنظرة توعد، في حين كانت الشرارات تتطاير من عينيه كالنيران في قلوب الخصوم. لم يكن مجرد حارس شخصي، بل كان ذراعًا مثيرة للمشاكل، وفي نفس الوقت رجل لديه روابط وعلاقات مع عدو قديم. كان يخطط لخطوة كبيرة، وهنا أدرك أن الوقت قد حان ليحيي إضافة جديدة إلى حياته الحافلة بالدماء والثأر. في عالمه المظلم، انتزعت كل القيم من جذورها، وبدت الأهداف أصغر في ظل الاجتياح القادم.
«««««««««««««»»»»»»»»»»»
كان ماهر يجلس في مكتبه، منغمسًا في عمله بتركيز شديد، عندما اقتحم مهران عليه المكتب بغضب يلمع في عينيه. دفع الباب بقوة، واقفًا أمامه كالجبل، والشرار يتطاير من عينيه، متسائلًا بصوت مختنق:
“ممكن أعرف مين وراه سليم الزويدي، ومين السبب في أذية ذات؟ أنا متأكد إنك عارف كل حاجة.”
ابتسم له ماهر بهدوء متحدثًا بثبات انفعالي، وكأنما يحاول تهدئة العاصفة التي تجلجل حولهم:
“اقعد يا مهران، نورت مكتب أخوك، لك وحشة والله.”
ولكن، ضغط مهران على أسنانه محذرًا، مظهرًا استعداده للقتال:
“بلاش أسلوبك المستفز ده. أنا متأكد أنك انت فاهم أنا أقصد إيه. وان القضية دي انت اللي هتمسكها. اتكلم يا ماهر بدل ما أدور ورا الموضوع بنفسي. وانت عارف لو حطيته في دماغي، إيه اللي هيحصل.”
تحرك ماهر من على مقعده بكل ثبات، اقترب منه وربت على كتفه. تكلم بنبرة هادئة، كمن يحاول تمرير رسالة هامة:
“انت عارف ومتأكد إن أنا مش هتكلم في حاجة تخص شغلي يا مهران. ده اللي اتعلمته منك في شغلنا. لكن كل اللي أقدر أقوله ليك هو أنك تفتح عيونك كويس، لأن ذات في خطر، وأنتم الاتنين في نفس المركب.”
وقف مهران في مكانه، غير مدرك لما قاله أخيه، لأول مرة يشعر بالغباء. كانت أفكاره مشوشة، مجرد شعوره بالخطر الذي يحيط بذات جعله يغيب تمامًا عن كل شيء. جملة واحدة كانت تدور في ذهنه: ذات في خطر. انتبه إلى صوت أخيه وهو يحاول انتشاله من دوامة أفكاره وهو يقول:
“مهران، فوق! ركز. أنا أول مرة أشوفك بالحالة دي. فين “مهران الشرنوبي”، وحش الداخلية اللي كان يمسك القضية، متخدش في إيده غلوة؟”
جلس مهران على مقعده، مستعيدًا تركيزه، موجهًا حديثه لأخيه بتحدٍ:
“أنت عايز تقول إن اللي عايز يأذي ذات هو نفسه اللي كان له يد في اللي حصلي زمان؟!”
أومأ ماهر برأسه مؤكدًا، وابتسم بابتسامة ثقة:
“الله ينور عليك يا قناص.”
عندما سمع مهران هذا اللقب، انتفض قلبه حزنًا. ابتسم له بوجع وقال:
“يااااه، بقالي كتير أوي محدش قالي اللقب ده.”
تحدث أخوه بنبرة حنونة، مشبعًا كلامه بشعور الاشتياق:
“واحشتنا أوي يا قناص. مش كفاية بقى بعد وارجع القصر؟ أمك هتموت عليك. وبعتالك رسالة كنت هكلمك النهاردة أقولها ليك، بس كويس إنك جيت. بتقولك لا عارفة تاكل ولا تنام طول ما أنت بعيد عن حضنها. ارجع وريح قلبها.”
ابتسم مهران بحزن، وتحدث بوجع:
“أممم، أرجع علشان أبوك يتسلى عليا كل يوم الصبح وبالليل كأنه علاج بيشفى بي غروره، ولا أرجع علشان يفكرني بفشلي كل شويه، ويقولي إني واحد ضعيف أضحك عليا وبقى زي الخاتم في الإصبع؟ ولا علشان يشوف ضعفي ويمارس سلطته عليا كأني طفل لسه بياخد الإذن منه؟ لا، شكرًا. أنا عايش مرتاح، سلطان زماني لا أوامر ولا قرارات ولا أحكام عرفية. أما أمي، أنا هعرف أتواصل معها بطريقتي.”
حرك ماهر رأسه بعدم رضا، متحدثًا بضيق:
“يا ابني، وإيه الجديد؟ ما أبوك طول عمره كده. إحنا اتعودنا على طريقته، ومش هننكر إنه كان ليه فضل كبير في اللي احنا وصلنا ليه ده. لو مكنش طريقته دي ، كان زمنا دلوقتى شباب خرعه ومش متحملين مسؤولية، ولا كان زمان اسمك القناص وليك اسم وهيبة. متخليش غضبك من اللي حصل يؤثر عليك وينسيك فضله عليك.”
استقام مهران بجسده، يهندم ملابسه الغير مرتبة وقال بعدم اهتمام:
“أنا ماشي، وخلي بالك، موضوع ذات أنا حطيته في دماغي، وهفضل وراه لحد ما أحل اللغز. سلام.”
أنهى كلامه مغادرًا المكان بإصرار، وعزيمة لحماية ذات ولو بعمره. وقد كان صموده في وجه تلك العواصف جزءًا من شخصيته، تلك التي ميزته عن الآخرين، فهو لم يكن يرغب في العودة إلى وضع كان يسلبه حريته، بل كان يسعى لإيجاد حقيقته الخاصة في عالم مليء بالفوضى.
نظر ماهر إلى أثر مغادرته، محركًا رأسه بعدم رضا. كان يعلم تمامًا ما يدور في رأس أخيه، وكان متيقنًا من أن ما سيأتي ليس مبشرًا بخير أبدًا، كما كان يعلم أن شدة غضب مهران قد تعميه عن الرؤية الواضحة. عاد إلى مقعده خلف المكتب الخشبي، ممسكًا الملف الخاص بقضية عائلة الزويدي، نظر إليه بقلق وبدأ يتابعه باهتمام شديد. كل ورقة كانت تحمل بين طياتها معلومات قد تكون سببا في إنقاذ ذات، لكنه كان يدرك أن العواصف القادمة قد تكون أكثر تدميراً مما يتوقعه.
«««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
جلست “ذات” على الأريكة، تنظر أمامها بضعف شديد، وكأنها تعيش أول لحظة تكشف فيها دموعها أمام أحد. لم تشعر بضيق؛ بل أحبت هذا الضعف، وكأن خيوط سحرية تربطها بـ “مهران”، رجل نادر وصادق في هذا الزمن الملوث بالمظاهر والزيف. في تلك اللحظة، أدركت أنها لم تشعر بهذه الخفة منذ زمن طويل، كأنها خلعت عن كاهلها عباءة العزلة التي كانت تحيط بها. لكن، قطع هذا اللحظة هاتفها ليعلن عن وجود اتصال، مما جعلها تنتفض وتعود سريعًا إلى واقعها القاسي. نهضت بجسد ما زال يتدفق فيه المشروب الحارق، ووضعت يدها على قلبها الذي يدق بسرعة غير منتظمة، بينما نظرت إلى شاشة الهاتف ووجدت رقمًا غير معروف، ما أثار الفضول في أعماقها. فأجابت باستغراب، قائلة:
“ألو، مين معايا؟”.
رد عليها صوت “يزيد” الغاضب، قائلاً:
“عجبك حضنه أوي؟! ولما انتي كده زعلتي ليه من اللي كنت بعمله معاكي؟ على الأقل، أنا مش غريب، أنا ابن عمك، إنما هو يبقى ليكي إيه؟”.
كلماته كانت مثل السهام، تجرح مشاعرها وتدمي روحها. في تلك اللحظة، شريط الذكريات يجمع تفاصيل مؤلمة عن ماضيها، وعما كانت عليه من قبل. أخذت “ذات” نفسًا عميقًا، محاولة استرجاع سطوة الهدوء وكأنها تتسلح بسلاحها المعتاد، ثم تكلمت بغضب:
“تصدق أنك واحد خَ** يعني إنك تكون ندل ومعندكش نخوة دي معروفة. إنما كمان، يبقى عندك قرون ومركبهم، دي جديدة عليّا الصراحة! وأنا أهه، عجبني حضنه أوي، وعجبني حاجات تانية كتير لكن مش هقولها علشان الحسد. روح يا بابا، روح يا حلو طبطب على السنيورة اللي جنبك، وابقى ادفعلها قرشين حلوين علشان الفضيحة، يا سيد الرجال!”.
انهت كلامها بغضب، وأغلقت الخط بقوة، وكأنها اغتسلت من أكوام الأذى الذي لحق بها. هللت دموعها بغزارة مع كل تذكر لأفعال “يزيد” المقززة، والمعاناة التي بعثتها كلمات ذلك الرجل السخيف. ظلت على هذه الحالة من البكاء حتى سمعت صوت خطوات خارج الغرفة، فتعرفت على صاحبها وتظاهرت بالاستقرار، محتفظة بوضعها المأساوي.انفتح الباب ليظهر “مهران” أمامها، لكنه لم يسألها شيئًا ولم تلتفت إليه، بل استمرت في النظر إلى الفضاء من حولها وكأنها تبحث عن مخرج أو حل لمأساتها. وبصوت مملوء بالإحباط والقلق، قالت:
“اخدت قرارك، خلاص قررت انك هتبعد صح؟ أنا مش هزعل حقك. إيه هيغصبك تحمي واحدة ضايعة زي أنا؟ كده كده مليش لازمة في الحياة. مش هفرق مع حد لو موت ولا حصلي حاجة…”.
كانت تلك الكلمات تجسد شعورًا عميقًا بالانكسار، وكأنها قد رُحِلت عن عالمها مرة أخرى.قاطعها “مهران” بسرعة، وكأنه يحاول انتشالها من براثن اليأس:
“لما أهلك اتقتلوا زمان، كان عندك كام سنة؟”.
نظرت له باستغراب، وتكلمت بتساؤل:
“وده إيه دخله باللي حصل؟”.
كانت مشاعر الغضب والارتباك تتصارع داخلها، لكن كان هناك شيء آخر يدفعها للتركيز على ما قاله.تحدث بنفاذ صبر قائلاً:
“مترديش على سؤالي بسؤال. جاوبي عليا يا ذات”.
استقامت بجسدها وحركت خطواتها تجاهه بحذر، ونظرت له بحزن عميق، وقالت بصوت مثقل بالألم:
“كان عندي عشر سنين، شوفتهم مقتولين ومرميين على الأرض غرقانين في دمهم، مشهد مش هنسى عمري. أنا لحد دلوقتي بصحي مفزوعة بسبب الكوابيس اللي بشوفها بسبب المنظر ده. يومها قالوا إن الجريمة كانت بدافع السرقة، بس برضه مفهمتش إيه دخل السرقة في قتلهم، ولحد دلوقتي مش قادرة أصدق الأسباب دي، بس برضه مش عارفة أوصل لأي حاجة”.
كأن الكلمات كانت تخرج من أعماق جروحها، تكشف عن الألم الذي عانت منه لعقود.تقطع قلبه عندما رأى هيئتها بهذا الشكل. أغلق عينيه حتى يكبح رغبته في احتضانها، وتسأل بتردد:
“طيب ممكن أفهم طبيعة شغلكم في الشركة إيه؟”.
كان لديه شعور بأنه المطلوب منه أكثر من مجرد الحماية، بل أن يكون ملاذًا لها.أومأت برأسها مؤكدة، وأجابت بصوت مختنق:
“احنا شركة شحن دولي ومحلي، خارج وداخل مصر من جميع الدول”.
كان صوتها يأخذ شكل الحكايات المحروقة من الماضي، لكنها أدركت أنها بحاجة للتصالح مع الذات.بدأت الصورة تتضح أمام “مهران”، فأومأ برأسه تفهمًا وقال:
“تمام، من هنا ورايح، تسمعي كلامي وتنفذي بالحرف. هتروحي المصحة تتعالجي من الزفت اللي بتخدي دلوقتي. حياتك القديمة هتنسيها خالص، فاهمة؟”.
عقدت حاجبيها باستغراب، وتحدثت بعدم فهم:
“أنت بتقول إيه؟ وإيه دخل موضوع قتل بابا وماما بموضوع التعاطي؟ وبعدين، أنا مستحيل أدخل مصحة، أنا مقدرش أسيب الشركة يوم واحد. صدقني، ما هيصدقوا ويخدوا فرصتهم فيها”.
اقترب منها أكثر، وكوب وجهها بين يديه ببطء، ونظر بعينيها قائلاً بنبرة هادئة لكن قوية:
“أولاً، موضوع موت أهلك ملوش دعوة بموضوعنا. أنا بس كنت بسأل عليه صدفة علشان أعرف أهلك سابوكي وإنتي عندك كام سنة علشان توصلي للحالة اللي أنتي فيها دي. ثانيًا، بقى موضوع الشركة، إنتي لازم تتعالجِي علشان تكوني مصحصحة ليهم كويس. إنما طول ما إنتي بتخدي القرف ده هتكوني تايهة، وهيقدروا يخدوها منك بسهولة. ولما ترجعِي، هكون معاكي وفِي ضهرك، وهرجعلك شركتك، متخافيش”.
كان صوته مليئًا بالعزم، وكأن تصرفاته تعني أكثر مما ينطق به.ظلت معلقه نظرها على عينيه، وشعرت بحاجتها لاحتضانه، كأنها تبحث عن الأمان في خضم العواصف. بدون سابق إنذار، ارتمت في أحضانه، وقالت بصوت هامس:
“أنا عارفة أن اللي هقوله ليك جنان، بس ممكن تخليني في حضنك شوية، أرجوك، محتاجة أحس بالأمان شوية”.
ظلت يداه معلقه في الهواء، لا يعرف ما عليه فعله. أصبح حمايته لها سلاح ذو حدين، لا يريد الانجراف وراء مشاعره التي بدأت تنبت داخله، ولا يريد إعطاء ظهره لها فتصبح حياتها على حافة الموت مستسلمة لشيطانها. لكنه، شعر “بذات” تتمسك به بقوة، وكأنها تطلب منه حمايتها بشكل غير مباشر من المعاناة. في تلك اللحظة، أعلن قلبه عن دفاعه المستميت. أبعدها عنه سريعًا وتحدث بتلعثم:
“ا أ أنا لازم أطلع شقتي دلوقتي علشان أنام. تصبحِي على خير”.
كانت كلماته مثل السيف الذي قطع اللحظة الحميمية التي كان يتمنى أن تستمر، محملًا بالعذاب والاحتراب الداخلي.
أنهى كلامه تاركًا إياها في مرحلة أغرب من الخيال، كأنها قد انتقلت إلى عالم آخر حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والوهم. نظرت إلى الأثر الذي خلفه وراءه، مستغرَبة من تقلبات المشاعر التي اجتاحت قلبها، كأنها كانت تعيش في حالة من الفوضى الدائمة. شعرت بحاجتها الملحة إلى أخذ جرعة مرة أخرى، وكأن ذلك هو السبيل الوحيد لتهدئة العاصفة التي كانت تعصف بعقلها. تحركت بسرعة تجاه حقيبة يدها، وأخرجت منها المسحوق الأبيض الذي كان يمثّل لها مخرجًا مؤقتًا من عذاباتها.
وضعت الكمية بعناية على سطح مسطح، ودون تردد، بدأت تستنشق هذه السموم التي كانت تخدر وعيها وتفرغها من كل شعور. ثوانٍ قليلة فقط، بدأت أعضاء جسدها تتخدر، وكأنها أصبحت قيدًا هائلًا يحبسها في زوايا عقلها المظلمة. بينما كانت تشعر بوعود السكون تنساب داخلها، أخذت زجاجة الخمر التي كانت بجوارها، وما لبثت أن بدأت ترتشف منها بشراهة، وكأنها تحاول أن تملأ الفراغ الهائل الذي تركه ذلك الرجل.
تدفق السائل الأحمر من بين شفتيها بطريقة مقززة، لكن في تلك اللحظة لم تكن تُعير أي اهتمام لذلك، كل ما كان يهمها هو أن تتسرب هذه المخدرات إلى عروقها، لتشعر بنشوة مؤقتة تنقذها من واقعها المظلم. ومع كل رشفة وإصرار متزايد، استسلمت لنوم عميق، مغمضَة العينين، وهي تمسك الزجاجة الفارغة بيدها كأنها تعانق آخر ذكرياتها الهلامية، تاركة كل شيء وراءها عدا شعور الفقدان الذي بدأ يتلاشى ببطء.
«««««««««««««»»»»»»»»»»»
“الفصل السابع”
قرع مهران جرس الباب وانتظر ذات تفتح له، لكنه واجه برودة تامة عندما لم تفعل. شعوره بالقلق زاد، مقلقاً بحقيقة أنه لم يكن هناك من يشاركه الوقت؛ حتى مجرد شعور الحضور كان مفقوداً. كما تذكر النسخة الأخرى المتواجدة معه، تلك النسخة التي احتفظ بها في مكان سري ولم يخبرها عنها، شعور بالخوف اجتاحه لتجربته الماضية. صعد يركض إلى الأعلى وذهب بسرعة لأخذ النسخة، وكن يحلم بأن تكون هذه اللحظة لحظتها.
هبط مهران مرة أخرى، فتحت يده النسخة التي كان يحملها، بينما قلبه مضطرب بين آمال وقلق، بحث عن ذات في الشقة. ولكنه توقف مشدوهاً مما رآه، كانت ملابسها متناثرة بعشوائية على الأرض، وجوارها زجاجة خمر فارغة. عينه انطلقت بغضب خانق عندما أدرك أين تكون. ركل الحائط بقدمه، ونطق بنفاذ صبر:
“برضه نفذتي اللى فى دماغك يا ذات، ما كنا اتفقنا أن مافيش سهر تاني!”
أنهى حديثه وركض للأعلى، حيث دخل شقته وارتدى ملابسه بسرعة بالغة، أخذ مفاتيح سيارته، وهرع إلى الخارج. صعد فيها ودار بها بسرعة جنونية جعلت الإطارات تحتك بالأرض محدثة أصوات صرير مرتفعة. بعد دقائق، وقف أمام الملهى الليلي الذي اعتادت عليه. نزل من السيارة بسرعة، وركض إلى الداخل، عينيه تبحثان عنها حتى وجدها جالسة، تدخن السيجارة بيد، وتحتوي الكأس بيد أخرى. اندفع نحوها بغضب، وقف أمامها مضموم الذراعين، وشرارتي عينيه تتطايران في كل اتجاه.
عندما رأته في تلك الحالة، انفجرت ضاحكة، نهضت من مقعدها وهي تتأرجح بسبب السكر، واقتربت منه قائلة:
“شكلك تفطس من الضحك وانت متعصب كده، ومنظرك بالهدوم دى بس إيه رأيك غفلتك صح؟”
أمسكها من ذراعها بغضب، وتحدث بصوت مختنق:
“انتي إيه نازلة؟ مش اتفقنا إنك هتبطلي سهر والزفت اللى بتشربيه ده؟”
أومأت برأسها وهي تضحك ضحكة بلهاء قائلة:
“اممم، اتفقنا بس أنا عيله، ومش بحافظ على الاتفاق، وبرجع في كلامي عادي. والدليل قدامك أهو، غفلتك وجيت أسهر”.
اقتربت منه وحركت يدها على صدره، وتحدثت بنبرة سكر شديد:
“لو كنت سيبتني أنام معاك في الشقة وفى أوضك، كان زماني دلوقتي محافظه على اتفاقنا، لكن انت جبان، خوفت على نفسك مني”.
ثم حركت يدها بجرأة أكبر على جسده، وتحدثت بشغف:
“والصراحة عندك حق تخاف على نفسك مني، أصلِك تتاكل أكل”.
أغلق عينه بضيق، مال بجسده وحملها بين ذراعيه، وتكلم بغضب:
“الكلام معاكي دلوقتي ملوش فايدة، انتي سكرانه ومش حاسه بنفسك”.
حاوطته بذراعيها، ثم قبلة عنقه بإثاره، قائلة بأنفاس لاهثه:
“انت عارف أنا عايزة أفضل كده على طول جوه حضنك، أصل أول مرة أحس بالأمان في حضن حد كده”.
كانت كلماتها تخرج من عمق قلبها، مما جعل مهران يشعر بصدق مشاعرها. تنهد بضيق، محاولاً الحفاظ على قلبه من الانجراف خلف العواطف. لكن الآن، تحول الأمر وكأنه يتسرب منه كل الأسباب التي تجعله يحمي نفسه من هذا الهراء كما يسمي الحب. انشغل بأفكارها الناعسة من كثرة الشرب وهي تقول:
“مهران، أنا حاولت أنفذ كلامك بس مقدرتش، صدقني، صعب أبعد عن الطريق ده، صعب”.
تحرك بها للخارج دون أن يجيبها، لكنه شعر بشيء ساخن يتساقط على عنقه. وضع يده عليه، وجدها دموع ذات، ابتعدت عنها ونظر لها باستغراب، قائلا بتساؤل:
“ممكن أفهم بتعيطي ليه دلوقتي؟”.
نظرت له من بين دموعها بضعف، وقالت:
“أنا بتعاطي هيروين يا مهران”.
كانت عينا مهران تتسعان بصدمه، حاول أن يتكلم لكن كلماته تكبّلت في حلقه.
انزلت ذات نفسها من بين ذراعيه، وتحدثت بدموع:
“أنا عارفة أنها صدمة بالنسبالك، ودلوقتي شايفني بنظرة تانية، نظرة احتقار ونفور، لكن صدقني الطريق ده جات فيه رجلي غصب عني. فاجئه ظهرت واحدة في حياتي عملت نفسها صديقة، حطتها لي في القهوة لما كنت بحاول أفوق من شرب الخمرة، وشوية بشوية لاقيتني مصدعة على طول، ومش بيروح الصداع ده غير لما اشرب القهوه دي وبعد كده قالتلى الحقيقى أنها عملت فيا كل ده وادتني الطريقه اللى اجيب منها الزفت ده وعلشان كده مقدرتش انفذ اتفقنا لاقتنى هموت لو مأخدش الجرعه دلوقتى، هتقولي ليه عملت معايا كده؟ هقولك معرفش لأن لحد دلوقتى مش لاقيه جواب لسؤال ده، بس كل اللي اعرفه انا لعبه فى ايد مخفيه هى اللى بتتحكم فيا وتحركنى”.
كان مهران يستمع لكلماتها يتيه، لا يعلم ما عليه فعله. أخيراً، تحدث بصوت مختنق:
“امشي يلا”.
كانت تنوي أن تتحدث، لكنه أوقفها بإشارة من أصابعه قائلاً بحزم:
“مش عايز أسمع حرف واحد، امشي من سكات”.
أومأت رأسها بالموافقة، وتحركت معه إلى السيارة. عندما صعدت بها، نظرت له وهو يجلس بجوارها. تنهدت بألم، ثم نظرت من خلف النافذة.
كانت أفكار مهران مشوشة، لا يعلم ما عليه فعله. أدار السيارة بسرعة جنونية عائداً إلى المنزل، وظل صامتاً طوال الطريق، بعد قليل، كان يقف أمام العقار، وتكلم بأمر قائلاً:
“اتفضلي، انزلي، اطلعي على شقتك، واقفلي بابك عليكي. إياكي تفتحي لحد ولا تفكري تتحركي من البيت، فاهمة؟”.
أومأت برأسها بالطاعة، وترجلت من السيارة، وتحركت سريعًا إلى الداخل.
ظل يتابعها حتى اختفت من أمام نظره، ثم أدار السيارة وغادر المكان بسرعة، مما جعل الغبار ينتشر في الجو أثر اندفاعه.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
في مكان بعيد عن مصرنا الحبيبة…
جلس رجل ذو هيبة واضحة، ممسكًا بيده سيجارًا كوبيًا يعتبر من أفخم الأنواع. كانت ملامحه مشبعة بالغضب عندما تحدث شخص أمامه بنبرة واهنة وحذرة، قائلاً:
“للاسف البنت دلوقتى خرجت من تحت ايد عمها وعايشه فى نفس البيت مع الحارس الشخصي بتاعها، ب ب بس مش دى المشكله”.
بدا الرجل المهيب عابسًا وهو يستمع، حيث أشعلت كلمات المتحدث مشاعر الرعب في دواخله. إذ أخرج المتحدث أنفاسه بصعوبة وتحدث بتلعثم:
“ا يعني الحارس الشخصي بتاعها هو، “مهران الشرنوبي”.
عند سماعه لهذا الاسم، انتفض وكأن صاعقة نزلت عليه. اجتاحت موجة من الغضب وجهه، فصرخ:
“هو لسه فيه نفس بعد اللى عملته فيه زمان تلف الايام ويوقع تانى فى طريقي شكلها المرادي هتبقى بحياته وابقي خلصت منهم هما الاتنين”.
كان صوته يرتجف بفعل مشاعر متناقضة من الخوف والانتقام، حيث أطلق ضحكة قصيرة مملوءة بالسخرية وكأنما يستهزئ بنفسه. تذكر الأيام التي كانوا فيها أصدقاء قبل أن تتعكر صفو حياتهم بسبب تلك الحادثة المؤلمة التي غيرت مجرى كل شيء. كان مهران الشرنوبي في السابق لا يختلف كثيرًا عنه، شاب طموح وذكي، ولكنه اليوم، كما يبدو، أصبح جزءًا من حياة لا يمكن له تحملها. كان يعلم أنه لن يتركه يهرب بسهولة هذه المرة.
أغلق قبضته بإحكام على السيجار المشتعل، محدقًا أمامه بنظرة توعد، في حين كانت الشرارات تتطاير من عينيه كالنيران في قلوب الخصوم. لم يكن مجرد حارس شخصي، بل كان ذراعًا مثيرة للمشاكل، وفي نفس الوقت رجل لديه روابط وعلاقات مع عدو قديم. كان يخطط لخطوة كبيرة، وهنا أدرك أن الوقت قد حان ليحيي إضافة جديدة إلى حياته الحافلة بالدماء والثأر. في عالمه المظلم، انتزعت كل القيم من جذورها، وبدت الأهداف أصغر في ظل الاجتياح القادم.
«««««««««««««»»»»»»»»»»»
كان ماهر يجلس في مكتبه، منغمسًا في عمله بتركيز شديد، عندما اقتحم مهران عليه المكتب بغضب يلمع في عينيه. دفع الباب بقوة، واقفًا أمامه كالجبل، والشرار يتطاير من عينيه، متسائلًا بصوت مختنق:
“ممكن أعرف مين وراه سليم الزويدي، ومين السبب في أذية ذات؟ أنا متأكد إنك عارف كل حاجة.”
ابتسم له ماهر بهدوء متحدثًا بثبات انفعالي، وكأنما يحاول تهدئة العاصفة التي تجلجل حولهم:
“اقعد يا مهران، نورت مكتب أخوك، لك وحشة والله.”
ولكن، ضغط مهران على أسنانه محذرًا، مظهرًا استعداده للقتال:
“بلاش أسلوبك المستفز ده. أنا متأكد أنك انت فاهم أنا أقصد إيه. وان القضية دي انت اللي هتمسكها. اتكلم يا ماهر بدل ما أدور ورا الموضوع بنفسي. وانت عارف لو حطيته في دماغي، إيه اللي هيحصل.”
تحرك ماهر من على مقعده بكل ثبات، اقترب منه وربت على كتفه. تكلم بنبرة هادئة، كمن يحاول تمرير رسالة هامة:
“انت عارف ومتأكد إن أنا مش هتكلم في حاجة تخص شغلي يا مهران. ده اللي اتعلمته منك في شغلنا. لكن كل اللي أقدر أقوله ليك هو أنك تفتح عيونك كويس، لأن ذات في خطر، وأنتم الاتنين في نفس المركب.”
وقف مهران في مكانه، غير مدرك لما قاله أخيه، لأول مرة يشعر بالغباء. كانت أفكاره مشوشة، مجرد شعوره بالخطر الذي يحيط بذات جعله يغيب تمامًا عن كل شيء. جملة واحدة كانت تدور في ذهنه: ذات في خطر. انتبه إلى صوت أخيه وهو يحاول انتشاله من دوامة أفكاره وهو يقول:
“مهران، فوق! ركز. أنا أول مرة أشوفك بالحالة دي. فين “مهران الشرنوبي”، وحش الداخلية اللي كان يمسك القضية، متخدش في إيده غلوة؟”
جلس مهران على مقعده، مستعيدًا تركيزه، موجهًا حديثه لأخيه بتحدٍ:
“أنت عايز تقول إن اللي عايز يأذي ذات هو نفسه اللي كان له يد في اللي حصلي زمان؟!”
أومأ ماهر برأسه مؤكدًا، وابتسم بابتسامة ثقة:
“الله ينور عليك يا قناص.”
عندما سمع مهران هذا اللقب، انتفض قلبه حزنًا. ابتسم له بوجع وقال:
“يااااه، بقالي كتير أوي محدش قالي اللقب ده.”
تحدث أخوه بنبرة حنونة، مشبعًا كلامه بشعور الاشتياق:
“واحشتنا أوي يا قناص. مش كفاية بقى بعد وارجع القصر؟ أمك هتموت عليك. وبعتالك رسالة كنت هكلمك النهاردة أقولها ليك، بس كويس إنك جيت. بتقولك لا عارفة تاكل ولا تنام طول ما أنت بعيد عن حضنها. ارجع وريح قلبها.”
ابتسم مهران بحزن، وتحدث بوجع:
“أممم، أرجع علشان أبوك يتسلى عليا كل يوم الصبح وبالليل كأنه علاج بيشفى بي غروره، ولا أرجع علشان يفكرني بفشلي كل شويه، ويقولي إني واحد ضعيف أضحك عليا وبقى زي الخاتم في الإصبع؟ ولا علشان يشوف ضعفي ويمارس سلطته عليا كأني طفل لسه بياخد الإذن منه؟ لا، شكرًا. أنا عايش مرتاح، سلطان زماني لا أوامر ولا قرارات ولا أحكام عرفية. أما أمي، أنا هعرف أتواصل معها بطريقتي.”
حرك ماهر رأسه بعدم رضا، متحدثًا بضيق:
“يا ابني، وإيه الجديد؟ ما أبوك طول عمره كده. إحنا اتعودنا على طريقته، ومش هننكر إنه كان ليه فضل كبير في اللي احنا وصلنا ليه ده. لو مكنش طريقته دي ، كان زمنا دلوقتى شباب خرعه ومش متحملين مسؤولية، ولا كان زمان اسمك القناص وليك اسم وهيبة. متخليش غضبك من اللي حصل يؤثر عليك وينسيك فضله عليك.”
استقام مهران بجسده، يهندم ملابسه الغير مرتبة وقال بعدم اهتمام:
“أنا ماشي، وخلي بالك، موضوع ذات أنا حطيته في دماغي، وهفضل وراه لحد ما أحل اللغز. سلام.”
أنهى كلامه مغادرًا المكان بإصرار، وعزيمة لحماية ذات ولو بعمره. وقد كان صموده في وجه تلك العواصف جزءًا من شخصيته، تلك التي ميزته عن الآخرين، فهو لم يكن يرغب في العودة إلى وضع كان يسلبه حريته، بل كان يسعى لإيجاد حقيقته الخاصة في عالم مليء بالفوضى.
نظر ماهر إلى أثر مغادرته، محركًا رأسه بعدم رضا. كان يعلم تمامًا ما يدور في رأس أخيه، وكان متيقنًا من أن ما سيأتي ليس مبشرًا بخير أبدًا، كما كان يعلم أن شدة غضب مهران قد تعميه عن الرؤية الواضحة. عاد إلى مقعده خلف المكتب الخشبي، ممسكًا الملف الخاص بقضية عائلة الزويدي، نظر إليه بقلق وبدأ يتابعه باهتمام شديد. كل ورقة كانت تحمل بين طياتها معلومات قد تكون سببا في إنقاذ ذات، لكنه كان يدرك أن العواصف القادمة قد تكون أكثر تدميراً مما يتوقعه.
«««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
جلست “ذات” على الأريكة، تنظر أمامها بضعف شديد، وكأنها تعيش أول لحظة تكشف فيها دموعها أمام أحد. لم تشعر بضيق؛ بل أحبت هذا الضعف، وكأن خيوط سحرية تربطها بـ “مهران”، رجل نادر وصادق في هذا الزمن الملوث بالمظاهر والزيف. في تلك اللحظة، أدركت أنها لم تشعر بهذه الخفة منذ زمن طويل، كأنها خلعت عن كاهلها عباءة العزلة التي كانت تحيط بها. لكن، قطع هذا اللحظة هاتفها ليعلن عن وجود اتصال، مما جعلها تنتفض وتعود سريعًا إلى واقعها القاسي. نهضت بجسد ما زال يتدفق فيه المشروب الحارق، ووضعت يدها على قلبها الذي يدق بسرعة غير منتظمة، بينما نظرت إلى شاشة الهاتف ووجدت رقمًا غير معروف، ما أثار الفضول في أعماقها. فأجابت باستغراب، قائلة:
“ألو، مين معايا؟”.
رد عليها صوت “يزيد” الغاضب، قائلاً:
“عجبك حضنه أوي؟! ولما انتي كده زعلتي ليه من اللي كنت بعمله معاكي؟ على الأقل، أنا مش غريب، أنا ابن عمك، إنما هو يبقى ليكي إيه؟”.
كلماته كانت مثل السهام، تجرح مشاعرها وتدمي روحها. في تلك اللحظة، شريط الذكريات يجمع تفاصيل مؤلمة عن ماضيها، وعما كانت عليه من قبل. أخذت “ذات” نفسًا عميقًا، محاولة استرجاع سطوة الهدوء وكأنها تتسلح بسلاحها المعتاد، ثم تكلمت بغضب:
“تصدق أنك واحد خَ** يعني إنك تكون ندل ومعندكش نخوة دي معروفة. إنما كمان، يبقى عندك قرون ومركبهم، دي جديدة عليّا الصراحة! وأنا أهه، عجبني حضنه أوي، وعجبني حاجات تانية كتير لكن مش هقولها علشان الحسد. روح يا بابا، روح يا حلو طبطب على السنيورة اللي جنبك، وابقى ادفعلها قرشين حلوين علشان الفضيحة، يا سيد الرجال!”.
انهت كلامها بغضب، وأغلقت الخط بقوة، وكأنها اغتسلت من أكوام الأذى الذي لحق بها. هللت دموعها بغزارة مع كل تذكر لأفعال “يزيد” المقززة، والمعاناة التي بعثتها كلمات ذلك الرجل السخيف. ظلت على هذه الحالة من البكاء حتى سمعت صوت خطوات خارج الغرفة، فتعرفت على صاحبها وتظاهرت بالاستقرار، محتفظة بوضعها المأساوي.انفتح الباب ليظهر “مهران” أمامها، لكنه لم يسألها شيئًا ولم تلتفت إليه، بل استمرت في النظر إلى الفضاء من حولها وكأنها تبحث عن مخرج أو حل لمأساتها. وبصوت مملوء بالإحباط والقلق، قالت:
“اخدت قرارك، خلاص قررت انك هتبعد صح؟ أنا مش هزعل حقك. إيه هيغصبك تحمي واحدة ضايعة زي أنا؟ كده كده مليش لازمة في الحياة. مش هفرق مع حد لو موت ولا حصلي حاجة…”.
كانت تلك الكلمات تجسد شعورًا عميقًا بالانكسار، وكأنها قد رُحِلت عن عالمها مرة أخرى.قاطعها “مهران” بسرعة، وكأنه يحاول انتشالها من براثن اليأس:
“لما أهلك اتقتلوا زمان، كان عندك كام سنة؟”.
نظرت له باستغراب، وتكلمت بتساؤل:
“وده إيه دخله باللي حصل؟”.
كانت مشاعر الغضب والارتباك تتصارع داخلها، لكن كان هناك شيء آخر يدفعها للتركيز على ما قاله.تحدث بنفاذ صبر قائلاً:
“مترديش على سؤالي بسؤال. جاوبي عليا يا ذات”.
استقامت بجسدها وحركت خطواتها تجاهه بحذر، ونظرت له بحزن عميق، وقالت بصوت مثقل بالألم:
“كان عندي عشر سنين، شوفتهم مقتولين ومرميين على الأرض غرقانين في دمهم، مشهد مش هنسى عمري. أنا لحد دلوقتي بصحي مفزوعة بسبب الكوابيس اللي بشوفها بسبب المنظر ده. يومها قالوا إن الجريمة كانت بدافع السرقة، بس برضه مفهمتش إيه دخل السرقة في قتلهم، ولحد دلوقتي مش قادرة أصدق الأسباب دي، بس برضه مش عارفة أوصل لأي حاجة”.
كأن الكلمات كانت تخرج من أعماق جروحها، تكشف عن الألم الذي عانت منه لعقود.تقطع قلبه عندما رأى هيئتها بهذا الشكل. أغلق عينيه حتى يكبح رغبته في احتضانها، وتسأل بتردد:
“طيب ممكن أفهم طبيعة شغلكم في الشركة إيه؟”.
كان لديه شعور بأنه المطلوب منه أكثر من مجرد الحماية، بل أن يكون ملاذًا لها.أومأت برأسها مؤكدة، وأجابت بصوت مختنق:
“احنا شركة شحن دولي ومحلي، خارج وداخل مصر من جميع الدول”.
كان صوتها يأخذ شكل الحكايات المحروقة من الماضي، لكنها أدركت أنها بحاجة للتصالح مع الذات.بدأت الصورة تتضح أمام “مهران”، فأومأ برأسه تفهمًا وقال:
“تمام، من هنا ورايح، تسمعي كلامي وتنفذي بالحرف. هتروحي المصحة تتعالجي من الزفت اللي بتخدي دلوقتي. حياتك القديمة هتنسيها خالص، فاهمة؟”.
عقدت حاجبيها باستغراب، وتحدثت بعدم فهم:
“أنت بتقول إيه؟ وإيه دخل موضوع قتل بابا وماما بموضوع التعاطي؟ وبعدين، أنا مستحيل أدخل مصحة، أنا مقدرش أسيب الشركة يوم واحد. صدقني، ما هيصدقوا ويخدوا فرصتهم فيها”.
اقترب منها أكثر، وكوب وجهها بين يديه ببطء، ونظر بعينيها قائلاً بنبرة هادئة لكن قوية:
“أولاً، موضوع موت أهلك ملوش دعوة بموضوعنا. أنا بس كنت بسأل عليه صدفة علشان أعرف أهلك سابوكي وإنتي عندك كام سنة علشان توصلي للحالة اللي أنتي فيها دي. ثانيًا، بقى موضوع الشركة، إنتي لازم تتعالجِي علشان تكوني مصحصحة ليهم كويس. إنما طول ما إنتي بتخدي القرف ده هتكوني تايهة، وهيقدروا يخدوها منك بسهولة. ولما ترجعِي، هكون معاكي وفِي ضهرك، وهرجعلك شركتك، متخافيش”.
كان صوته مليئًا بالعزم، وكأن تصرفاته تعني أكثر مما ينطق به.ظلت معلقه نظرها على عينيه، وشعرت بحاجتها لاحتضانه، كأنها تبحث عن الأمان في خضم العواصف. بدون سابق إنذار، ارتمت في أحضانه، وقالت بصوت هامس:
“أنا عارفة أن اللي هقوله ليك جنان، بس ممكن تخليني في حضنك شوية، أرجوك، محتاجة أحس بالأمان شوية”.
ظلت يداه معلقه في الهواء، لا يعرف ما عليه فعله. أصبح حمايته لها سلاح ذو حدين، لا يريد الانجراف وراء مشاعره التي بدأت تنبت داخله، ولا يريد إعطاء ظهره لها فتصبح حياتها على حافة الموت مستسلمة لشيطانها. لكنه، شعر “بذات” تتمسك به بقوة، وكأنها تطلب منه حمايتها بشكل غير مباشر من المعاناة. في تلك اللحظة، أعلن قلبه عن دفاعه المستميت. أبعدها عنه سريعًا وتحدث بتلعثم:
“ا أ أنا لازم أطلع شقتي دلوقتي علشان أنام. تصبحِي على خير”.
كانت كلماته مثل السيف الذي قطع اللحظة الحميمية التي كان يتمنى أن تستمر، محملًا بالعذاب والاحتراب الداخلي.
أنهى كلامه تاركًا إياها في مرحلة أغرب من الخيال، كأنها قد انتقلت إلى عالم آخر حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والوهم. نظرت إلى الأثر الذي خلفه وراءه، مستغرَبة من تقلبات المشاعر التي اجتاحت قلبها، كأنها كانت تعيش في حالة من الفوضى الدائمة. شعرت بحاجتها الملحة إلى أخذ جرعة مرة أخرى، وكأن ذلك هو السبيل الوحيد لتهدئة العاصفة التي كانت تعصف بعقلها. تحركت بسرعة تجاه حقيبة يدها، وأخرجت منها المسحوق الأبيض الذي كان يمثّل لها مخرجًا مؤقتًا من عذاباتها.
وضعت الكمية بعناية على سطح مسطح، ودون تردد، بدأت تستنشق هذه السموم التي كانت تخدر وعيها وتفرغها من كل شعور. ثوانٍ قليلة فقط، بدأت أعضاء جسدها تتخدر، وكأنها أصبحت قيدًا هائلًا يحبسها في زوايا عقلها المظلمة. بينما كانت تشعر بوعود السكون تنساب داخلها، أخذت زجاجة الخمر التي كانت بجوارها، وما لبثت أن بدأت ترتشف منها بشراهة، وكأنها تحاول أن تملأ الفراغ الهائل الذي تركه ذلك الرجل.
تدفق السائل الأحمر من بين شفتيها بطريقة مقززة، لكن في تلك اللحظة لم تكن تُعير أي اهتمام لذلك، كل ما كان يهمها هو أن تتسرب هذه المخدرات إلى عروقها، لتشعر بنشوة مؤقتة تنقذها من واقعها المظلم. ومع كل رشفة وإصرار متزايد، استسلمت لنوم عميق، مغمضَة العينين، وهي تمسك الزجاجة الفارغة بيدها كأنها تعانق آخر ذكرياتها الهلامية، تاركة كل شيء وراءها عدا شعور الفقدان الذي بدأ يتلاشى ببطء.
«««««««««««««»»»»»»»»»»»