Uncategorized
رواية شهادة قيد الفصل الرابع عشر 14 بقلم دودو محمد

رواية شهادة قيد الفصل الرابع عشر 14 بقلم دودو محمد
“شهادة قيد”14
“الفصل الرابع عشر”
خرج الطبيب شريف من المطبخ ليجد مهران جالسًا على الأريكة، تُشرق الابتسامة على وجهه، وعلامات السعادة واضحة عليه. كان الجو في الغرفة دافئًا، حيث كان ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر، ليخلق أجواء مليئة بالراحة والسكينة. اقترب منه وجلس بجانبه، ربت على قدمه في علامة على الألفة وأيضًا لدعمه، وقال:
“ربنا يسعد قلبك يا صاحبي، أنا مبسوط أوي وأنا شايف الضحكة مرسومة على وشك كده طول ما انت قاعد.”
كانت تلك اللحظات تعني الكثير لكليهما، فالصداقة الحقيقية تُشعر المرء بأنه ليس وحده في مواجهة تحديات الحياة.
تنهد بسعادة وهو ينظر إلى غرفة ذات، التي كانت مضاءة بألوان دافئة وتفاصيل تزيد من جمالها. ثم قال لصديقه ببراءة:
“مكنتش متخيل أني هحب حد أوي كده، ذات غيرت كل حياتي. خلتني أشوفها بشكل تاني خالص.”
كان يبدو أنه يتحدث عن اكتشاف جديد، وكأن حب ذات أضاء له جوانب من الحياة كان يجهلها من قبل. نظر له شريف بفرحة غامرة، لكن قلبه كان يشعر بواجب ثقيل، إذ أدرك أنه من المهم أن يُوقظ صديقه من غفلته. فتحدث بوضوح وبكل جدية:
“أنا مش عايز أنكد عليك يا صاحبي، بس من واجبي أوصلك اللي انت داخل عليه مش سهل. أنت داخل على معركة في جميع الاتجاهات؛ ابن عم ذات وأمه وعاصم الدويري، وكمان أبوك لما يعرف اللي حصل. والأهم من ده كله، أنك لازم تعرف ذات الحقيقة، وأنك دلوقتي جوزها. دي لوحدها عايزة الداخلية والخارجية وكل الجهات المختصة علشان ترضى بفكرة الجواز دي.”
كانت كلماته كتحذير، لكنها أيضًا كانت تعبيرًا عن عمق الصداقة التي تجمعهما.
ابتسم مهران على كلمات صديقه وتحدث بغضب مزيف، ليهون على نفسه:
“تصدق إنك عيل رخم، شايفني فرحان ومبسوط وجاي تقولي أبوك ومش عارف إيه، عدو الفرحة.”
ضحك شريف بصوت عالٍ، وتحدث بصعوبة بسبب الضحك:
“شوف مين بيتكلم على أعداء الفرحة، ده انت يا أخي صموايل بؤقك كانت بتصدّي من قلة الضحك، بركاتك يا شيخة ذات.”
في تلك اللحظة، سمعوا صوتها المتسائل وهي تقول بلطف:
“بركاتي على إيه؟”
طريقتها في الحديث تعكس شخصيتها المرحة والمليئة بالحيوية.
نظر مهران إلى شريف بضيق وكأن قلبه كان في صراع بين فرحته وخوفه، ثم نظر إلى ذات بحب، وقال:
“متاخديش عليه، ده واحد أهبل، أنا عارف إزاي أخد شهادة وبقى دكتور أصلاً.”
كتمت ابتسامتها وتحدثت بصعوبة:
“لا، دي مشاكل خاصة مليش دعوه بيها، أنت وصاحبك حرين.”
كان يبدو أن الحديث قد أخرج بعض المشاعر من الأعماق، فشريف تمنى أن يدعمهما بتذكر الأوقات الجميلة. نظر إلي شريف وقال بجديّة مزيفة:
“أتفضل اعمل لينا حاجة نشربها.”
كانت النية هنا هي تخفيف الأجواء وتحويل الحديث إلى أمور أكثر بساطة. كانت تلك اللحظات الصغيرة تمثل جزءًا من حياتهم، ومكانًا لمشاركة أفكارهم وآمالهم.
عقد بين حاجبيه بضيق وتحدث بتذمر:
“نعم يا أخويه، حد قالك إن أنا الشغالة سعدية؟”
أومأ رأسه بابتسامة مازحة وحشرجت ضحكته، مازحًا:
“آه يا سعدية، وقومي اعملي اللي قولتلك عليه بدل ما تبقي هلهولة، طبعًا فاهم.”
ابتلع ريقه بتوتر واستقام بجسده، وكأنه يستعد لمواجهة مازحه قاسية. ثم أضاف بحماسة:
“أوامرك يا سيد الناس، أنت تطلب وأنا أنفذ.”
تملكه شعور مضحك، كأنه يمثّل عرضًا كوميديًا، فبدأ شريف يتحرك حول الغرفة بأسلوب مبالغ فيه، وكلما سمع من مهران تعبيرات ساخرة، ضحك بصوت خافت، وهذا جعله يشعر بأن الأمور تحمل طابعًا غير تقليدي.
“يجيبوا ويحطوا عليك يا مهران يا ابن أم مهران، يعيش هو دور العاشق الولهان وأنا أعيش دور سعدية الشغالة…”
قالها بطريقة تعكس مزاحه، وكأنه يتحدى في اعترافه العلني.
لاحظ الغرفة تنفجر من الضحك، ومع ذلك، كان هناك توتر واضح في الأجواء، إذ أدرك أن هناك الكثير من المشاعر الراقدة تحت السطح، خصوصًا عندما شعر بنظرات ذات الغاضبة. كانت تحاوطهم وكأنها ديكتاتورة غير معترف بها. فكلما تحدث عن دوره المزيف كخادم، كلما ارتفعت وتيرة غيرتها في الصمت.
في تلك اللحظة، دوى جرس الباب. نظر الثلاثة إلى بعض باستغراب، وتحرك شريف نحو الباب. عندما فتحه، اتسعت عيونه في صدمة وقال بتوتر:
“م م مهره ماهر، اتفضلوا.”
دخل الاثنين، وعندما رأت مهره أخاها مهران، ركضت نحوه، وارتمت في أحضانه، تقبله بأشتياق شديد.
أشتعلت نار الغيرة في صدر ذات، لا تدري سببها لكنها شعرت برغبة غريبة في الاقتراب من تلك الفتاة الصفراء، كما أطلقت عليها، لتجعلها صلعاء. انتبهت لواقعها على صوت مهران وهو يضم الفتاة، قائلاً:
“حبيبتي ونور عيوني، وحشتيني يا مهرتي، أهون عليكي كل ده، متسأليش عليا يا واطية؟”
إلى هذا الحد، لم تتمكن ذات من تمالك نفسها، فتحدثت بنبرة غاضبة وقاسية:
“فيه إيه يا ريس، ما أنت حلو أوي اهو، وبتعرف تحضن وتعفص، اشمعنا كنت بتيجي عندي وتقطع ميه ونور.”
اتسعت أعين الجميع على وقاحة كلماتها، ولكن على الرغم من ذلك، شعر مهران بسعادة لا توصف عندما لاحظ غيرتها الواضحة، كأشعة الشمس الساطعة. كان يرغب في الاستمتاع بتلك اللحظة، فتظاهَر بجدية وهو يهز كتفيه:
“حضن عن حضن يفرق يا وحش، إيش جاب لجاب بس.”
هكذا، استمر التوتر في الغرفة، بينما كانت الكلمات تتدفق مثل نهرٍ متلاطم، مما جعل الجميع يدرك أن هذه الدينامية لن تتغير بسهولة.
نظرت إلى أخيها بعدم فهم، وتكلمت بتساؤل تستفسر عن هويتها:
“مين دي؟”
كان ماهر على وشك التحدث وتوضيح كل شيء، لكن في تلك اللحظة، قطع مهران الطريق عليه، وأجاب بسرعة تكشف عن حماسة:
“دي ذات، بشتغل عندها وبحرسها.”
بينما كانت عيون ذات تتقد بالغيظ، أغلقت عينيها بغضب واضح، وتحدثت بنفاد صبر يفضح مشاعرها:
“وعايشة معاه هنا في نفس الأوضة! ما تكمل كلامك يا ريس، ولا أنت من النوع اللي بيخاف ياخد على دماغه.”
كان هناك توتر واضح في الجو، وضغط على شفتيه بغضب متزايد، رافضًا أن يُظهر الضعف:
“مش مهران الشرنوبي اللي يخاف يا قطة، وأعتقد يعني أنك أكتر واحدة عارفة كده. وعموماً، أحب أعرفك، دي أختي مهره وده أخويا ماهر.”
بينما كان يقدّم عائلته، كان هناك شعور بالاستحقاق والكرامة يتسلل إلى كلماته، كما لو كانت هذه مجرد البداية لنقاش أكثر تعقيدًا.
شعرت بالحرج الشديد من اندفاعها، تنحنحت بتوتر وقالت:
“أحم، أ أسفه يا جماعة، على الطريقة اللي اتكلمت بيها، أنا بحب أهزر، مش أكتر.”
ابتسمت لها بإجهاد وقالت:
“آه، لا عادي ولا يهمك… ثم نظرت إلى مهران وقالت:
“وحشتني أوي يا أبيه، غصب عني والله، أنت عارف بابا، الخطوة عنده بحساب، ولو عرف إن جيت هنا…”
أكمل مهران بغضب:
“مش محتاجة تكملي يا مهره، أبوكي هيفضل كده طول عمره متعجرف وعنده مرض فرض السيطرة والتحكم في الكل، سيبك أنت من كل ده، عاملة أيه في الجامعة بتاعتك؟”
أومأت رأسها بابتسامة هادئة، وقالت:
“الحمد لله يا أبيه، كل حاجة تمام وزي الفل.”
تحدث ماهر بمزاح:
“أهو شوف يا أخي، طلّة الحريم ليها هيبة تنسيك الرجالة في ثانية، من ساعة ما دخلت، وهي مكلبشة في حضنك ونسيتك أخوك.”
تعالت ضحكات الجميع، واقترب مهران من ماهر واحتضنه بحب، قائلاً بمزاح:
“ما أنا على طول بشوفك ووشي في وشك، إنما المسكينة دي بقالها كتير أوي مشوفتهاش.”
قال شريف بابتسامة:
“يا أخي، مافيش أحسن من لمّة الحبايب… ثم نظر إلى مهره بحب، مضيفًا:
“وبالذات لما يكونوا وحشينك…”
انتبه إلى حاله سريعًا، ثم أكمل حديثه: “ومهران بقاله كتير أوي مشافش أخته وكانت وحشه.”
تكلم ماهر بتوضيح، وقد طغى على صوته نبرة من الجدية:
“أنا قولت فرصة إني هوصل مهره عند باص الرحلة بتاعها، أجيبها ليك تشوفها وتشوفك قبل ما تسافر.”
نظر له مهران باستغراب، فقال بتساؤل:
“رحلة!! رحلة إيه دي؟”
أجابته مهره بابتسامة هادئة، أضاءت المكان بجاذبيتها، خطفت قلوب من حولها، وبالأخص شريف العاشق السري الولهان لها من الصغر:
“دي رحلة تبع الجامعة بتاعتي يا أبيه، وبابا كان رافض الموضوع ده نهائي، لولا ماهر، ربنا يخليه ليّا، أقنع بابا بالعافية، مكنتش هروحها.”
كان يبدو أن كلماتها تفيض بالحماسة وهي تتحدث عن مغامراتها المتوقعة، مما جعل القلوب تتوق لتحقيق أحلام شابة قد تكون لها وقع خاص.
عبث مهران بشعرها برفق، في إيماءة تُظهر حنانه، وقال بمرح:
“خلي بالك من نفسك يا مهرتي.”
كانت التجاعيد الصغيرة التي كانت تتشكل على جبينها تختفي في لحظة فرح، حيث أومأت رأسها بالموافقة، مع ابتسامة عريضة:
“حاضر، أحلي وأجمل مهران في الدنيا.”
نظر مهران إلى شريف، لتزول الأجواء بعد تلك المكالمة العائلية الدافئة، وقال بمزاح بدافع من روح الدعابة:
“إيه يا سعدية، فين اللي قولتلك عليه؟”
تنحنح بإحراج، لكن مشاعره لم تسمح له بالاعتذار، قال:
“يا عم سعدية، مين بس؟ أنا راجل أوي على فكرة.”
ثم نظر إلى مهره بابتسامة عريضة، وقال بتساؤل غير مُتوقَع:
“تشربي إيه يا مهره؟”
حركت رأسها بالرفض، وقالت بتواضع:
“لا، ميرسي، مش عايزة، إحنا كده كده هنمشي علشان منتأخرش على الباص.”
رد ماهر مؤكدًا على كلامها، مع إضافة لمسة من الحماس:
“أيوه، يا دوب نلحق الباص، أنا بس جبتها تشوفك قبل ما تمشي.”
كوب مهران وجه مهره بحنو، كأنهم في ختام حديث يحمل معاني لا تُظهر إلا في اللحظات الخاصة، ونظر لها بعينيها اللتين كانتا تملؤها الثقة، وقال:
“مهرتي، علشان خاطري، خلي بالك على نفسك ومتسهريش برة لوقت متأخر، وإياكي تأمني لأي حد مهما كان. خليكي على طول في أماكن فيها ناس كتير، ولو حصل أي حاجة أو حسيتي بأي حاجة مش طبيعية، ابعتي رسالة مختصرة عندي، زي ما علمتك، فاهمة؟”
كان صوته يحمل قلق الأب الحنون، مما جعلها تبتسم بسعادة، أومأت رأسها بالطاعة، وقالت بمزاح يمازج كلمة تُخذل العواطف:
“يا أبيه، أنا كبرت والله، أنت وماهر محسسني أن أنا لسه في أعدادي، كل شوية نصايح وإرشادات، والله العظيم حفظت.”
تعالت ضحكاته، وقال بمزاح:
“مهما كبرتي، هتفضلي برضه مهره أم شخة اللي لسه كانت في اللفة امبارح.”
كان صوته مليئاً بالحنان والمشاغبة، مما جعل الابتسامة ترتسم على وجهها رغم توترها. ابتسمت بتوتر، وقالت:
“متشكرين يا أبيه على الوصلة، أم ريحة دي، يلا يا ماهر، أحسن شكلي بقى وحش أوي.”
كانت كلماتها تفيض بالخجل، لكن في داخلهما كانت هناك رغبة شديدة لتعزيز العلاقة بين الأخوة. ثم قبلت وجنته بسعادة، وركضت نحو الباب بخفة، وقلوبهم مملوءة بالحب والذكريات الطفولية.
ابتسموا جميعًا على كلمات مهره، اقترب ماهر إلى أخيه وتحدث بصوت هامس:
“عايز أقابلك بس بعيد عن هنا.”
كان هناك أمر ما يشغله، شيء أشعره بضرورة الحديث بعيدًا عن أعين الآخرين. أومأ رأسه بالموافقة، وقال:
“ماشي، وصل أختك وبعد كده رن عليا انزلّك.”
تحرك ماهر إلى الخارج وغادر المكان بسرعة، بينما تحرك شريف إلى المطبخ، مرّ بتفكير عميق حول ما يجمعهم جميعًا.
نظر مهران إلى ذات، فوجدها جالسة على الأريكة في صمت، عابسة الوجه كما لو كانت تفكر في شيء محفز للقلق بداخله. اقترب منها وجلس بجوارها، وبدون تردد قال بمزاح:
“ساكته ليه يا أم لسان طويل.”
تنحنحت بإحراج، وكان واضحًا أنها لم تكن تتوقع ذلك، مما جعلها تبدو أكثر توترًا. قالت بتوتر: “ها… أ أنا آسفة، مقصدش أقول الكلام ده وأخلي شكلك وحش قصاد إخواتك.”
اقترب منها، وابتسم لها، ثم قال بمزاح:
“مش دي المشكلة، أنا ليه كنت شامم ريحة غيرة في الموضوع؟”
صاغت بنظرها بعيد عنه، لينسحب التوتر من جسدها، وتحدثت بتلعثم:
“ها… و و و أنا هغير ليه؟ عادي يعني.”
ولكن في عينيها كان هناك بريق لم تستطع إخفاءه.
اقترب أكثر، حتى التصق بها، وأحاط خصرها بذراعه بطريقة مريحة، نظر إلى عينيها بعمق وكأنه يريد أن يقرأ أفكارها:
“بس أنا بقى شكلي وحش قصاد الكل إن مبعرفش أحضن ولا أعفص، يرضيكي كده؟”
كانت اللحظة في غاية الحميمية، كما لو كانت تدور في فقاعة بعيدة عن كل شيء. اقترب إلى شفتيها حتى يقبلها، لكن في تلك اللحظة جاء شريف، مما أجبره على إبعاد وجه قليلاً. أدار وجه الاتجاه الآخر، وقال بنفاذ صبر:
“الله يحرقك يا شيخ، ما تلم نفسك وارحم ميتين أم السناجل، مش كده يا أخي.”
احمرت وجينتها بخجل شديد، وكأن درجات الحرارة في الغرفة قد ارتفعت فجأة. نهضت بسرعة، كأنها أرادت الهروب من موقف محرج تغلفه الأعين الحائرة، وتوجهت نحو غرفتها، حيث كانت ستشعر بالأمان والراحة بعيداً عن نظراتهم. أغلقت الباب خلفها بقوة، محجوبة عما حدث، لكن صدى كلمات مهران وشريف ظل يتردد في أذنيها. نظر مهران إلى أثرها وهي تبتعد، ثم نظر إلى شريف بضيق، وغضب متزايد يعبر عن مشاعره الداخلية:
“تصدق أنك عيل رخم، أنا مش عارف مستحملك على إيه بس.”
كلما تذكر تلك اللحظة، زاد شعوره بالإحباط، وكأن كل ما قام به كان في سبيل لا شيء. انتهى من حديثه، وتحرك باتجاه غرفة أخرى، فهو بحاجة ملحة لتغيير ملابسه والتخلص من آثار هذا الموقف المحرج، استعدادًا للذهاب مع أخيه ماهر.
أثناء ذلك، نظر إلى ما يحمله بيده، وقال بضيق:
“نعم يا أخويا، منك ليها بعد ما عملته، محدش هيشربه.”
ابتسم بسخرية، مما جعله يشعر بأنه يستحق بعض الكبرياء حتى لو على حساب الموقف غير المريح.
“والله ده ظلم، كنت بتزحلق، وأنا ولا فاهم حاجة، ربنا على المفتري.”
ثم عاد مرة أخرى إلى المطبخ، حيث كان لديه بعض الأشياء ليشغل بها تفكيره.
«««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
انتهى عاصم من تجهيز حاله لذهاب خلف مهره. هبط إلى الأسفل وجد زوجته تجلس على الأريكة، تتناول قدح القهوة الخاص بها برفق، وعندما رآها، ابتسمت له بجلاء وهدوء، قالت بتساءل:
“خلاص مسافر دلوقتي يا حبيبي؟”
جلس بجوارها، محتضنًا إياها بحب عميق، وقال بنبرة تحمل كل معاني العشق:
“آه يا عمر حبيبك ودنيته، لكن متخافيش، مش هتأخر، هما يومين بالكتير، أخلص الشغل اللي ورايا وراجعلك على طول.”
أومأت برأسها بتفهم وقالت:
“ماشي يا قلبي، بس خلى بالك على نفسك، وتقل الهدوم عليك لأن الجو في باريس وحش أوي.”
قبل يديها بحب، وكأنه يرسل لها رسالة طمأنينة، فقال:
“متخافيش يا عمري، عامل حسابي في هدوم زيادة. المهم إنك متخرجيش من هنا لوحدك، اياكي يا نور، لو حابة تخرجي بلغي الحرس يجهزوا علشان يروحوا معاكي.”
أومأت برأسها موافقة، وقالت:
“حاضر يا حبيبي، متقلقش.”
اقترب من ثغرها، والتهم شفتيها في قبلة ساحقة، يبث من خلالها شوقه الشديد. بعد فترة، فصل هذه القبلة بأنفاس متسارعة، قائلاً:
“بعشقك يا نور وسط ضلمتي.”
احتضنته بشدة، وعلامات السعادة تنبع من عينيها، وقالت:
“وانا بعشقك يا أجمل ما في حياتي.”
استقام بجسده مبتسمًا لها بعشق خالص، تاركًا إياها، ثم اتجه إلى سيارته. لكن في تلك اللحظة، عادت إلى ذهنه ذكريات مشتركة، تلك الرحلات التي قاما بها معًا، اللحظات السعيدة التي لا تُنسى. نظر إليها للمرة الأخيرة، مشتاقة لعينيها وهما يضيئان عالمه، رغم أن قلبه كان يشتعل بلهيب عاطفي لم يعرف له مثيل. تغيرت ملامح وجهه لتبدو أكثر حدة، منتويًا على أعماله الشيطانية. كان يعتقد أن هذه الرحلة ستكون بمثابة انفصال مؤقت عن حبيبته، لكنه لم يكن يعلم أن الخيارات التي سيتخذها في الأيام القليلة القادمة ستحدد مصيرهما إلى الأبد. غير مبالي بعواقب أفعاله المستقبلية، مضى، مرددًا في قلبه:
“لا يمكن أن أعود دون تحقيق ما أريده، حتى ولو كلفني ذلك كل شيء.”
«««««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
وصل ماهر إلى أسفل عقار أخيه، حيث وقف ينتظره بعد أن هاتفيًا طلب منه الحضور. دقائق معدودة تمرّ، وكان الظلام يلف الأجواء حولهما مثل غلاف ثقيل، حتى سمع صوت باب السيارة يُفتح. جلس مهران بجواره، وعيناه تعكسان تساؤلات عديدة، يتطلّع إليه باستفهام قائلاً:
“فيه أيه يا ابني؟ قلقتني.”
تقلصت ملامح وجه ماهر بتوتر وفوضى عاطفية، وكلماتُه تتلعثم في حلقه كما لو كانت تتصارع للخروج:
“عاصم الدويري رجع لمصر يا مهران.”
لم يكن الأمر مجرد خبر، بل كان كجرس إنذار دقّ في أعماق قلبه، ناشطًا ذكرياته التي عانى منها في الماضي.
ابتسم مهران بهدوءٍ، وكانت ابتسامته تحمل ثباتًا يحسد عليه، وهو الذي لم يكن يتوقع هذه الأزمة. ثم قال بلا مبالاة:
“وأيه المشكلة؟ مصر ضلمة برجوعه.”
بدا وكأنه لم يدرك حجم الخطر الذي قد ينجم عن هذه العودة، أو ربما كان يريد تجنب التفكير في ذلك.
نظر له ماهر بعدم فهم، ثم سأل بتساؤل:
“افهم ايه من هدوئك ده؟”
كان وكأن مهران يمتلك سلاحًا سريًا لم يكشف عنه بعد، بينما كان ماهر يشعر بأن القلق يبتلع كل ما بقي لديه من رباطة جأش.
أرجع مهران ظهره إلى الوراء بأريحية، موضحًا:
“ولا أي حاجة، ذات ومعايا دلوقتي، ولا هيقدر يوصلها مهما عمل، يعني تعب نفسه برجوعه دلوقتي.”
كان يتحدث بثقة، لكنه لم يكن يدرك أن هناك عواصف قد تندلع من عودته، وأن بتجاهله لذلك، قد يضع نفسه ومن حوله في خطر.
تكلم ماهر بنفاذ صبر، وكأن كل كلمة تنفجر من عواطفه:
“وانت كل اللى يهمك ذات بس؟ طيب وحقك فين، وحق البلد فين، وحق الناس اللي اتأذت بسببه زمان ودلوقتي فين؟ ذات كانت جزء بسيط في الحكاية إنما فيه أجزاء تانية في الحكاية يا مهران.”
كانت كلماته تتردّد في الهواء، وكأنها صرخات من روحٍ جريح، تسعى لإثارة الوعي في قلب أخيه.
أومأ مهران برأسه بهدوء، وكأنما استوعب كل ما قيل، رغم أن نظرة عينيه كانت تشير إلى أنه غير مقتنع تمامًا:
“ذات الجزء الأهم في الحكاية يا ماهر، ومدام هي بخير وفي أمان، مش مهم أي حاجة تانية.”
تركت كلماته أثرًا في قلب ماهر، لكن كانت هناك دوائر من القلق تدور في ذاكرته، تحثه على عدم الاستسلام.
زفر ماهر بضيق من حالة مهران التي وصل لها، وجعل صدقه يملأ صوته المختنق:
“فوق يا مهران، انت كده بتقصر في حقوق ناس كتير، وأولهم انت، إسم القناص لازم يرجع.”
كانت كلماتُه تعكس تجربة مؤلمة، وحماسة تجعله يشعر بأنه يحارب معركة لا نهاية لها.
ابتسامة هادئة تلاعبت بوجه مهران، بينما كانت تحمل خلفها الكثير من المشاعر المكبوتة، ثم وضع يده على مقبض الباب قائلاً قبل أن يغادر:
“اسم القناص هيعلم على الكل، اتقل انت بس واصبر.”
كانت تلك الكلمات سلاحه الأخير، علامة على عدم استسلامه، لكن ماهر لم يدرِ أثناء مغادرته، أن هذه المعركة ستترك آثارًا أعمق مما يتخيلان على علاقتهما وعلى مستقبلهم جميعًا.
أمسك ماهر ذراع أخيه سريعًا، عينيه تعكسان قلقًا عميقًا يدور في داخله:
“ناوي على ايه يا مهران؟ رسيني علشان أكون معاك على الخط. الأمور مش سهلة، والأحداث الأخيرة خلت الوضع أكتر خطورة.”
كانت الكلمات تتدفق من فمه بسرعة كما لو كان الوقت ينفد، ورغبة عارمة للحماية تملأ قلبه.
نظر مهران إلى أخيه بابتسامة فقط، لكنها كانت ابتسامة تحمل في طياتها غموضًا لا يمكن تجاهله. ثم هبط من السيارة ببطء، تاركًا خلفه أسئلة كثيرة تدور في رأس ماهر، حيث كان بالكاد يستوعب ما يجري. كان هناك شعور متزايد بالعزلة، والخيوط المتشابكة من القلق والتوتر تخيم فوقهما، وكأن عالمهما أصبح مسرحًا لدراما تتجلى في كل لحظة.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
مر الوقت ببطء، وجاءت لحظة وصول مهره مع أصدقائها، حيث نزلوا من الباص وسط زحمة المكان وضجيج الآخرين. كانت تتحدث بصوت يملأه الإرهاق الشديد، وأخذت نفسها عميقاً قبل أن تقول:
“ااااه، مش قادرة خلاص، تعبت. هطلع أوضى أنام كتيررر وأبدأ يومي بكل نشاط!”
لكن فرحتها بالتخلص من نهار طويل سرعان ما تلاشت، حين تفاجأت بصوت شهد الذي يهتف باسمها بشغف، وكأنه اكتشف كنزاً مخفياً، يدعوها للقدوم إليها. نظرت مهره إلى صديقتها بوجه متجهم، وكأنها تحمل عبء يومها بأكمله، وقالت بنبرة متعكرة:
“دي عايزة إيه؟ مش عارفة مالها بيا اليومين دول، مهتمية بيا أوي؟”
ردت عليها صديقتها بضيق، حيث بدت ملامحها تعكس القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلوب الجميع:
“مهره، البنت دي سمعتها وحشة وكلنا عارفين كده، ومش حابين تقربها منك بالشكل ده. وبعدين، انتي مش عبيطة، فاهمة هي بتعمل كده ليه.”
شعرت مهره بالحرج، وصاغت نظرها بعيداً لتفكر في كلمات صديقتها، وتحدثت بتلعثم:
“ها و و وانا هفهم إزاي يعني هي ليه بتعمل كده؟”.
أجابت صديقتها بنفاذ صبر، وكأنها تحاول أن تكسر الجليد الذي بدأ يتكون بينهما:
“لا، انتي عارفة كويس أوي. بس ماشي، هقولها ليكي قدام الكل، بتعمل كده علشان تقربك من ابن خالتها، واللي كلنا حاسين إنك معجبة بيه. وده غلط يا مهره، انتي أخلاقك مش كده.”
تجمعت المشاعر داخل مهره، وتدحرجت موجة من الانزعاج والغضب، فأجابت بحدة:
“خلاص، بسرعة حكمتوا عليا، وشايفين إن أنا واحدة سهلة أوي! عموماً يا ستي، منك ليها، حتى لو عجبني. مش أنا البنت اللي تصغر بأبوها وأخواتها الرجالة وتعمل حاجة غلط. أنا مش صغيرة، وأقدر أتحكم في مشاعري كويس أوي، عن إذنكم.”
بعد أن أنهت كلامها، اتجهت مباشرة إلى شهد، وكأنها تبحث عن إجابة تنير لها الطريق:
“ايوه يا شهد، خير؟!”
ردت شهد بابتسامة، لكنها كانت تفيض بالحماس:
“تعالي معايا، فيه مفاجأة هتفرحك أوي.”
كان هناك شيء غامض في نبرة صوت شهد، مما زاد من فضول مهره، فاجتاحت مشاعر الترقب قلبها.
نظرت لها مهره باستغراب، وسألت بتساؤل:
“أروح معاكي فين؟ وإيه هي الحاجة اللي هتفرحني؟”
أمسكتها شهد بذراعها برفق، وكأنها تحاول أن تشدها بعيداً عن مشاعر القلق التي كانت تسيطر عليها، وأرغمتها على الحركة معها قائلة بابتسامة مشرقة:
“تعالي بس، وانتي هتعرفي دلوقتي.”
دق قلب مهره بسرعة، وبدأ فضولها ينمو، مما جعلها تترك همومها خلفها وتستعد لخوض مغامرة جديدة.
اتسعت عيني مهره في صدمة عندما رأت عاصم يقف أمامها، مشعاً بطلته الرجولية، وكأنما هو بطل من أحد أفلام الرومانسية، مما زاد من حيرة مشاعرها. كانت قد مرت أيام منذ آخر لقاء لهما، لكن آثار نظراته وابتساماته لم تختفي من ذاكرتها، بل كانت كالأصداء تتردد في أركان قلبها. ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بخفوت:
“ا ا انت!؟ بتعمل ايه هنا؟”.
اقترب منها عاصم، وقد ارتسمت على وجهه تعابير الارتياح والألفة، وأمسك يدها بحذر وكأنه يحمل شيئاً ثميناً؛ بصوت هادئ، قال:
“جيت هنا علشانك، لما عرفت من شهد بخصوص الرحلة؛ أجلت كل حاجة وجيت جري.”
ابتسمت بصعوبة، قائلة بتوتر وهي تكاد تسمع دقات قلبها تعلو:
“ج ج جيت علشاني أنا؟!”
وكان صوتها متهدجاً، يعكس مزيجاً من الفرح والخوف. اقترب منها عاصم أكثر، وقد غادرت شهد تاركة إياهم بمفردهم في هذا الموقف الشديد الرومانسية. وقبل أن تتاح لها الفرصة للتفكير في ردها، قال عاصم:
“ايوه، جيت علشانك انتي. مقدرش أفوت على نفسي لحظة أقدر أشوفك فيها؛ أنتي شاغلة تفكيري طول الوقت يا مهره.”
كان صوته عميقاً، مما جعل قلبها يتراقص بين السعادة والقلق.
تعالت دقات قلبها بتوتر، وشعرت بأنفاسها تتسارع وكأن الزمن توقف، وكأن العالم من حولهم تلاشى. تراجعت سريعاً إلى الخلف وكادت أن تقع، ولكن يد عاصم كانت الأسرع، حيث التقطها بذراعه، ويبدو وكأنه سيحميها من سقطتها كالفارس الشجاع في قلاع أحلامها. سقطت داخل أحضانه، حالما تماسكت أنفاسها، ناظراً إلى عينيها، حيث كانت هناك تلك اللحظة السحرية التي شعرت فيها بأن كل شيء في الكون قد تلاشى، تاركاً فقط عاصم ومهره، وحب مكبوت قد بدأ في الفتيل بالمشاعر التي تجمع بينهما و…
“الفصل الرابع عشر”
خرج الطبيب شريف من المطبخ ليجد مهران جالسًا على الأريكة، تُشرق الابتسامة على وجهه، وعلامات السعادة واضحة عليه. كان الجو في الغرفة دافئًا، حيث كان ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر، ليخلق أجواء مليئة بالراحة والسكينة. اقترب منه وجلس بجانبه، ربت على قدمه في علامة على الألفة وأيضًا لدعمه، وقال:
“ربنا يسعد قلبك يا صاحبي، أنا مبسوط أوي وأنا شايف الضحكة مرسومة على وشك كده طول ما انت قاعد.”
كانت تلك اللحظات تعني الكثير لكليهما، فالصداقة الحقيقية تُشعر المرء بأنه ليس وحده في مواجهة تحديات الحياة.
تنهد بسعادة وهو ينظر إلى غرفة ذات، التي كانت مضاءة بألوان دافئة وتفاصيل تزيد من جمالها. ثم قال لصديقه ببراءة:
“مكنتش متخيل أني هحب حد أوي كده، ذات غيرت كل حياتي. خلتني أشوفها بشكل تاني خالص.”
كان يبدو أنه يتحدث عن اكتشاف جديد، وكأن حب ذات أضاء له جوانب من الحياة كان يجهلها من قبل. نظر له شريف بفرحة غامرة، لكن قلبه كان يشعر بواجب ثقيل، إذ أدرك أنه من المهم أن يُوقظ صديقه من غفلته. فتحدث بوضوح وبكل جدية:
“أنا مش عايز أنكد عليك يا صاحبي، بس من واجبي أوصلك اللي انت داخل عليه مش سهل. أنت داخل على معركة في جميع الاتجاهات؛ ابن عم ذات وأمه وعاصم الدويري، وكمان أبوك لما يعرف اللي حصل. والأهم من ده كله، أنك لازم تعرف ذات الحقيقة، وأنك دلوقتي جوزها. دي لوحدها عايزة الداخلية والخارجية وكل الجهات المختصة علشان ترضى بفكرة الجواز دي.”
كانت كلماته كتحذير، لكنها أيضًا كانت تعبيرًا عن عمق الصداقة التي تجمعهما.
ابتسم مهران على كلمات صديقه وتحدث بغضب مزيف، ليهون على نفسه:
“تصدق إنك عيل رخم، شايفني فرحان ومبسوط وجاي تقولي أبوك ومش عارف إيه، عدو الفرحة.”
ضحك شريف بصوت عالٍ، وتحدث بصعوبة بسبب الضحك:
“شوف مين بيتكلم على أعداء الفرحة، ده انت يا أخي صموايل بؤقك كانت بتصدّي من قلة الضحك، بركاتك يا شيخة ذات.”
في تلك اللحظة، سمعوا صوتها المتسائل وهي تقول بلطف:
“بركاتي على إيه؟”
طريقتها في الحديث تعكس شخصيتها المرحة والمليئة بالحيوية.
نظر مهران إلى شريف بضيق وكأن قلبه كان في صراع بين فرحته وخوفه، ثم نظر إلى ذات بحب، وقال:
“متاخديش عليه، ده واحد أهبل، أنا عارف إزاي أخد شهادة وبقى دكتور أصلاً.”
كتمت ابتسامتها وتحدثت بصعوبة:
“لا، دي مشاكل خاصة مليش دعوه بيها، أنت وصاحبك حرين.”
كان يبدو أن الحديث قد أخرج بعض المشاعر من الأعماق، فشريف تمنى أن يدعمهما بتذكر الأوقات الجميلة. نظر إلي شريف وقال بجديّة مزيفة:
“أتفضل اعمل لينا حاجة نشربها.”
كانت النية هنا هي تخفيف الأجواء وتحويل الحديث إلى أمور أكثر بساطة. كانت تلك اللحظات الصغيرة تمثل جزءًا من حياتهم، ومكانًا لمشاركة أفكارهم وآمالهم.
عقد بين حاجبيه بضيق وتحدث بتذمر:
“نعم يا أخويه، حد قالك إن أنا الشغالة سعدية؟”
أومأ رأسه بابتسامة مازحة وحشرجت ضحكته، مازحًا:
“آه يا سعدية، وقومي اعملي اللي قولتلك عليه بدل ما تبقي هلهولة، طبعًا فاهم.”
ابتلع ريقه بتوتر واستقام بجسده، وكأنه يستعد لمواجهة مازحه قاسية. ثم أضاف بحماسة:
“أوامرك يا سيد الناس، أنت تطلب وأنا أنفذ.”
تملكه شعور مضحك، كأنه يمثّل عرضًا كوميديًا، فبدأ شريف يتحرك حول الغرفة بأسلوب مبالغ فيه، وكلما سمع من مهران تعبيرات ساخرة، ضحك بصوت خافت، وهذا جعله يشعر بأن الأمور تحمل طابعًا غير تقليدي.
“يجيبوا ويحطوا عليك يا مهران يا ابن أم مهران، يعيش هو دور العاشق الولهان وأنا أعيش دور سعدية الشغالة…”
قالها بطريقة تعكس مزاحه، وكأنه يتحدى في اعترافه العلني.
لاحظ الغرفة تنفجر من الضحك، ومع ذلك، كان هناك توتر واضح في الأجواء، إذ أدرك أن هناك الكثير من المشاعر الراقدة تحت السطح، خصوصًا عندما شعر بنظرات ذات الغاضبة. كانت تحاوطهم وكأنها ديكتاتورة غير معترف بها. فكلما تحدث عن دوره المزيف كخادم، كلما ارتفعت وتيرة غيرتها في الصمت.
في تلك اللحظة، دوى جرس الباب. نظر الثلاثة إلى بعض باستغراب، وتحرك شريف نحو الباب. عندما فتحه، اتسعت عيونه في صدمة وقال بتوتر:
“م م مهره ماهر، اتفضلوا.”
دخل الاثنين، وعندما رأت مهره أخاها مهران، ركضت نحوه، وارتمت في أحضانه، تقبله بأشتياق شديد.
أشتعلت نار الغيرة في صدر ذات، لا تدري سببها لكنها شعرت برغبة غريبة في الاقتراب من تلك الفتاة الصفراء، كما أطلقت عليها، لتجعلها صلعاء. انتبهت لواقعها على صوت مهران وهو يضم الفتاة، قائلاً:
“حبيبتي ونور عيوني، وحشتيني يا مهرتي، أهون عليكي كل ده، متسأليش عليا يا واطية؟”
إلى هذا الحد، لم تتمكن ذات من تمالك نفسها، فتحدثت بنبرة غاضبة وقاسية:
“فيه إيه يا ريس، ما أنت حلو أوي اهو، وبتعرف تحضن وتعفص، اشمعنا كنت بتيجي عندي وتقطع ميه ونور.”
اتسعت أعين الجميع على وقاحة كلماتها، ولكن على الرغم من ذلك، شعر مهران بسعادة لا توصف عندما لاحظ غيرتها الواضحة، كأشعة الشمس الساطعة. كان يرغب في الاستمتاع بتلك اللحظة، فتظاهَر بجدية وهو يهز كتفيه:
“حضن عن حضن يفرق يا وحش، إيش جاب لجاب بس.”
هكذا، استمر التوتر في الغرفة، بينما كانت الكلمات تتدفق مثل نهرٍ متلاطم، مما جعل الجميع يدرك أن هذه الدينامية لن تتغير بسهولة.
نظرت إلى أخيها بعدم فهم، وتكلمت بتساؤل تستفسر عن هويتها:
“مين دي؟”
كان ماهر على وشك التحدث وتوضيح كل شيء، لكن في تلك اللحظة، قطع مهران الطريق عليه، وأجاب بسرعة تكشف عن حماسة:
“دي ذات، بشتغل عندها وبحرسها.”
بينما كانت عيون ذات تتقد بالغيظ، أغلقت عينيها بغضب واضح، وتحدثت بنفاد صبر يفضح مشاعرها:
“وعايشة معاه هنا في نفس الأوضة! ما تكمل كلامك يا ريس، ولا أنت من النوع اللي بيخاف ياخد على دماغه.”
كان هناك توتر واضح في الجو، وضغط على شفتيه بغضب متزايد، رافضًا أن يُظهر الضعف:
“مش مهران الشرنوبي اللي يخاف يا قطة، وأعتقد يعني أنك أكتر واحدة عارفة كده. وعموماً، أحب أعرفك، دي أختي مهره وده أخويا ماهر.”
بينما كان يقدّم عائلته، كان هناك شعور بالاستحقاق والكرامة يتسلل إلى كلماته، كما لو كانت هذه مجرد البداية لنقاش أكثر تعقيدًا.
شعرت بالحرج الشديد من اندفاعها، تنحنحت بتوتر وقالت:
“أحم، أ أسفه يا جماعة، على الطريقة اللي اتكلمت بيها، أنا بحب أهزر، مش أكتر.”
ابتسمت لها بإجهاد وقالت:
“آه، لا عادي ولا يهمك… ثم نظرت إلى مهران وقالت:
“وحشتني أوي يا أبيه، غصب عني والله، أنت عارف بابا، الخطوة عنده بحساب، ولو عرف إن جيت هنا…”
أكمل مهران بغضب:
“مش محتاجة تكملي يا مهره، أبوكي هيفضل كده طول عمره متعجرف وعنده مرض فرض السيطرة والتحكم في الكل، سيبك أنت من كل ده، عاملة أيه في الجامعة بتاعتك؟”
أومأت رأسها بابتسامة هادئة، وقالت:
“الحمد لله يا أبيه، كل حاجة تمام وزي الفل.”
تحدث ماهر بمزاح:
“أهو شوف يا أخي، طلّة الحريم ليها هيبة تنسيك الرجالة في ثانية، من ساعة ما دخلت، وهي مكلبشة في حضنك ونسيتك أخوك.”
تعالت ضحكات الجميع، واقترب مهران من ماهر واحتضنه بحب، قائلاً بمزاح:
“ما أنا على طول بشوفك ووشي في وشك، إنما المسكينة دي بقالها كتير أوي مشوفتهاش.”
قال شريف بابتسامة:
“يا أخي، مافيش أحسن من لمّة الحبايب… ثم نظر إلى مهره بحب، مضيفًا:
“وبالذات لما يكونوا وحشينك…”
انتبه إلى حاله سريعًا، ثم أكمل حديثه: “ومهران بقاله كتير أوي مشافش أخته وكانت وحشه.”
تكلم ماهر بتوضيح، وقد طغى على صوته نبرة من الجدية:
“أنا قولت فرصة إني هوصل مهره عند باص الرحلة بتاعها، أجيبها ليك تشوفها وتشوفك قبل ما تسافر.”
نظر له مهران باستغراب، فقال بتساؤل:
“رحلة!! رحلة إيه دي؟”
أجابته مهره بابتسامة هادئة، أضاءت المكان بجاذبيتها، خطفت قلوب من حولها، وبالأخص شريف العاشق السري الولهان لها من الصغر:
“دي رحلة تبع الجامعة بتاعتي يا أبيه، وبابا كان رافض الموضوع ده نهائي، لولا ماهر، ربنا يخليه ليّا، أقنع بابا بالعافية، مكنتش هروحها.”
كان يبدو أن كلماتها تفيض بالحماسة وهي تتحدث عن مغامراتها المتوقعة، مما جعل القلوب تتوق لتحقيق أحلام شابة قد تكون لها وقع خاص.
عبث مهران بشعرها برفق، في إيماءة تُظهر حنانه، وقال بمرح:
“خلي بالك من نفسك يا مهرتي.”
كانت التجاعيد الصغيرة التي كانت تتشكل على جبينها تختفي في لحظة فرح، حيث أومأت رأسها بالموافقة، مع ابتسامة عريضة:
“حاضر، أحلي وأجمل مهران في الدنيا.”
نظر مهران إلى شريف، لتزول الأجواء بعد تلك المكالمة العائلية الدافئة، وقال بمزاح بدافع من روح الدعابة:
“إيه يا سعدية، فين اللي قولتلك عليه؟”
تنحنح بإحراج، لكن مشاعره لم تسمح له بالاعتذار، قال:
“يا عم سعدية، مين بس؟ أنا راجل أوي على فكرة.”
ثم نظر إلى مهره بابتسامة عريضة، وقال بتساؤل غير مُتوقَع:
“تشربي إيه يا مهره؟”
حركت رأسها بالرفض، وقالت بتواضع:
“لا، ميرسي، مش عايزة، إحنا كده كده هنمشي علشان منتأخرش على الباص.”
رد ماهر مؤكدًا على كلامها، مع إضافة لمسة من الحماس:
“أيوه، يا دوب نلحق الباص، أنا بس جبتها تشوفك قبل ما تمشي.”
كوب مهران وجه مهره بحنو، كأنهم في ختام حديث يحمل معاني لا تُظهر إلا في اللحظات الخاصة، ونظر لها بعينيها اللتين كانتا تملؤها الثقة، وقال:
“مهرتي، علشان خاطري، خلي بالك على نفسك ومتسهريش برة لوقت متأخر، وإياكي تأمني لأي حد مهما كان. خليكي على طول في أماكن فيها ناس كتير، ولو حصل أي حاجة أو حسيتي بأي حاجة مش طبيعية، ابعتي رسالة مختصرة عندي، زي ما علمتك، فاهمة؟”
كان صوته يحمل قلق الأب الحنون، مما جعلها تبتسم بسعادة، أومأت رأسها بالطاعة، وقالت بمزاح يمازج كلمة تُخذل العواطف:
“يا أبيه، أنا كبرت والله، أنت وماهر محسسني أن أنا لسه في أعدادي، كل شوية نصايح وإرشادات، والله العظيم حفظت.”
تعالت ضحكاته، وقال بمزاح:
“مهما كبرتي، هتفضلي برضه مهره أم شخة اللي لسه كانت في اللفة امبارح.”
كان صوته مليئاً بالحنان والمشاغبة، مما جعل الابتسامة ترتسم على وجهها رغم توترها. ابتسمت بتوتر، وقالت:
“متشكرين يا أبيه على الوصلة، أم ريحة دي، يلا يا ماهر، أحسن شكلي بقى وحش أوي.”
كانت كلماتها تفيض بالخجل، لكن في داخلهما كانت هناك رغبة شديدة لتعزيز العلاقة بين الأخوة. ثم قبلت وجنته بسعادة، وركضت نحو الباب بخفة، وقلوبهم مملوءة بالحب والذكريات الطفولية.
ابتسموا جميعًا على كلمات مهره، اقترب ماهر إلى أخيه وتحدث بصوت هامس:
“عايز أقابلك بس بعيد عن هنا.”
كان هناك أمر ما يشغله، شيء أشعره بضرورة الحديث بعيدًا عن أعين الآخرين. أومأ رأسه بالموافقة، وقال:
“ماشي، وصل أختك وبعد كده رن عليا انزلّك.”
تحرك ماهر إلى الخارج وغادر المكان بسرعة، بينما تحرك شريف إلى المطبخ، مرّ بتفكير عميق حول ما يجمعهم جميعًا.
نظر مهران إلى ذات، فوجدها جالسة على الأريكة في صمت، عابسة الوجه كما لو كانت تفكر في شيء محفز للقلق بداخله. اقترب منها وجلس بجوارها، وبدون تردد قال بمزاح:
“ساكته ليه يا أم لسان طويل.”
تنحنحت بإحراج، وكان واضحًا أنها لم تكن تتوقع ذلك، مما جعلها تبدو أكثر توترًا. قالت بتوتر: “ها… أ أنا آسفة، مقصدش أقول الكلام ده وأخلي شكلك وحش قصاد إخواتك.”
اقترب منها، وابتسم لها، ثم قال بمزاح:
“مش دي المشكلة، أنا ليه كنت شامم ريحة غيرة في الموضوع؟”
صاغت بنظرها بعيد عنه، لينسحب التوتر من جسدها، وتحدثت بتلعثم:
“ها… و و و أنا هغير ليه؟ عادي يعني.”
ولكن في عينيها كان هناك بريق لم تستطع إخفاءه.
اقترب أكثر، حتى التصق بها، وأحاط خصرها بذراعه بطريقة مريحة، نظر إلى عينيها بعمق وكأنه يريد أن يقرأ أفكارها:
“بس أنا بقى شكلي وحش قصاد الكل إن مبعرفش أحضن ولا أعفص، يرضيكي كده؟”
كانت اللحظة في غاية الحميمية، كما لو كانت تدور في فقاعة بعيدة عن كل شيء. اقترب إلى شفتيها حتى يقبلها، لكن في تلك اللحظة جاء شريف، مما أجبره على إبعاد وجه قليلاً. أدار وجه الاتجاه الآخر، وقال بنفاذ صبر:
“الله يحرقك يا شيخ، ما تلم نفسك وارحم ميتين أم السناجل، مش كده يا أخي.”
احمرت وجينتها بخجل شديد، وكأن درجات الحرارة في الغرفة قد ارتفعت فجأة. نهضت بسرعة، كأنها أرادت الهروب من موقف محرج تغلفه الأعين الحائرة، وتوجهت نحو غرفتها، حيث كانت ستشعر بالأمان والراحة بعيداً عن نظراتهم. أغلقت الباب خلفها بقوة، محجوبة عما حدث، لكن صدى كلمات مهران وشريف ظل يتردد في أذنيها. نظر مهران إلى أثرها وهي تبتعد، ثم نظر إلى شريف بضيق، وغضب متزايد يعبر عن مشاعره الداخلية:
“تصدق أنك عيل رخم، أنا مش عارف مستحملك على إيه بس.”
كلما تذكر تلك اللحظة، زاد شعوره بالإحباط، وكأن كل ما قام به كان في سبيل لا شيء. انتهى من حديثه، وتحرك باتجاه غرفة أخرى، فهو بحاجة ملحة لتغيير ملابسه والتخلص من آثار هذا الموقف المحرج، استعدادًا للذهاب مع أخيه ماهر.
أثناء ذلك، نظر إلى ما يحمله بيده، وقال بضيق:
“نعم يا أخويا، منك ليها بعد ما عملته، محدش هيشربه.”
ابتسم بسخرية، مما جعله يشعر بأنه يستحق بعض الكبرياء حتى لو على حساب الموقف غير المريح.
“والله ده ظلم، كنت بتزحلق، وأنا ولا فاهم حاجة، ربنا على المفتري.”
ثم عاد مرة أخرى إلى المطبخ، حيث كان لديه بعض الأشياء ليشغل بها تفكيره.
«««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
انتهى عاصم من تجهيز حاله لذهاب خلف مهره. هبط إلى الأسفل وجد زوجته تجلس على الأريكة، تتناول قدح القهوة الخاص بها برفق، وعندما رآها، ابتسمت له بجلاء وهدوء، قالت بتساءل:
“خلاص مسافر دلوقتي يا حبيبي؟”
جلس بجوارها، محتضنًا إياها بحب عميق، وقال بنبرة تحمل كل معاني العشق:
“آه يا عمر حبيبك ودنيته، لكن متخافيش، مش هتأخر، هما يومين بالكتير، أخلص الشغل اللي ورايا وراجعلك على طول.”
أومأت برأسها بتفهم وقالت:
“ماشي يا قلبي، بس خلى بالك على نفسك، وتقل الهدوم عليك لأن الجو في باريس وحش أوي.”
قبل يديها بحب، وكأنه يرسل لها رسالة طمأنينة، فقال:
“متخافيش يا عمري، عامل حسابي في هدوم زيادة. المهم إنك متخرجيش من هنا لوحدك، اياكي يا نور، لو حابة تخرجي بلغي الحرس يجهزوا علشان يروحوا معاكي.”
أومأت برأسها موافقة، وقالت:
“حاضر يا حبيبي، متقلقش.”
اقترب من ثغرها، والتهم شفتيها في قبلة ساحقة، يبث من خلالها شوقه الشديد. بعد فترة، فصل هذه القبلة بأنفاس متسارعة، قائلاً:
“بعشقك يا نور وسط ضلمتي.”
احتضنته بشدة، وعلامات السعادة تنبع من عينيها، وقالت:
“وانا بعشقك يا أجمل ما في حياتي.”
استقام بجسده مبتسمًا لها بعشق خالص، تاركًا إياها، ثم اتجه إلى سيارته. لكن في تلك اللحظة، عادت إلى ذهنه ذكريات مشتركة، تلك الرحلات التي قاما بها معًا، اللحظات السعيدة التي لا تُنسى. نظر إليها للمرة الأخيرة، مشتاقة لعينيها وهما يضيئان عالمه، رغم أن قلبه كان يشتعل بلهيب عاطفي لم يعرف له مثيل. تغيرت ملامح وجهه لتبدو أكثر حدة، منتويًا على أعماله الشيطانية. كان يعتقد أن هذه الرحلة ستكون بمثابة انفصال مؤقت عن حبيبته، لكنه لم يكن يعلم أن الخيارات التي سيتخذها في الأيام القليلة القادمة ستحدد مصيرهما إلى الأبد. غير مبالي بعواقب أفعاله المستقبلية، مضى، مرددًا في قلبه:
“لا يمكن أن أعود دون تحقيق ما أريده، حتى ولو كلفني ذلك كل شيء.”
«««««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
وصل ماهر إلى أسفل عقار أخيه، حيث وقف ينتظره بعد أن هاتفيًا طلب منه الحضور. دقائق معدودة تمرّ، وكان الظلام يلف الأجواء حولهما مثل غلاف ثقيل، حتى سمع صوت باب السيارة يُفتح. جلس مهران بجواره، وعيناه تعكسان تساؤلات عديدة، يتطلّع إليه باستفهام قائلاً:
“فيه أيه يا ابني؟ قلقتني.”
تقلصت ملامح وجه ماهر بتوتر وفوضى عاطفية، وكلماتُه تتلعثم في حلقه كما لو كانت تتصارع للخروج:
“عاصم الدويري رجع لمصر يا مهران.”
لم يكن الأمر مجرد خبر، بل كان كجرس إنذار دقّ في أعماق قلبه، ناشطًا ذكرياته التي عانى منها في الماضي.
ابتسم مهران بهدوءٍ، وكانت ابتسامته تحمل ثباتًا يحسد عليه، وهو الذي لم يكن يتوقع هذه الأزمة. ثم قال بلا مبالاة:
“وأيه المشكلة؟ مصر ضلمة برجوعه.”
بدا وكأنه لم يدرك حجم الخطر الذي قد ينجم عن هذه العودة، أو ربما كان يريد تجنب التفكير في ذلك.
نظر له ماهر بعدم فهم، ثم سأل بتساؤل:
“افهم ايه من هدوئك ده؟”
كان وكأن مهران يمتلك سلاحًا سريًا لم يكشف عنه بعد، بينما كان ماهر يشعر بأن القلق يبتلع كل ما بقي لديه من رباطة جأش.
أرجع مهران ظهره إلى الوراء بأريحية، موضحًا:
“ولا أي حاجة، ذات ومعايا دلوقتي، ولا هيقدر يوصلها مهما عمل، يعني تعب نفسه برجوعه دلوقتي.”
كان يتحدث بثقة، لكنه لم يكن يدرك أن هناك عواصف قد تندلع من عودته، وأن بتجاهله لذلك، قد يضع نفسه ومن حوله في خطر.
تكلم ماهر بنفاذ صبر، وكأن كل كلمة تنفجر من عواطفه:
“وانت كل اللى يهمك ذات بس؟ طيب وحقك فين، وحق البلد فين، وحق الناس اللي اتأذت بسببه زمان ودلوقتي فين؟ ذات كانت جزء بسيط في الحكاية إنما فيه أجزاء تانية في الحكاية يا مهران.”
كانت كلماته تتردّد في الهواء، وكأنها صرخات من روحٍ جريح، تسعى لإثارة الوعي في قلب أخيه.
أومأ مهران برأسه بهدوء، وكأنما استوعب كل ما قيل، رغم أن نظرة عينيه كانت تشير إلى أنه غير مقتنع تمامًا:
“ذات الجزء الأهم في الحكاية يا ماهر، ومدام هي بخير وفي أمان، مش مهم أي حاجة تانية.”
تركت كلماته أثرًا في قلب ماهر، لكن كانت هناك دوائر من القلق تدور في ذاكرته، تحثه على عدم الاستسلام.
زفر ماهر بضيق من حالة مهران التي وصل لها، وجعل صدقه يملأ صوته المختنق:
“فوق يا مهران، انت كده بتقصر في حقوق ناس كتير، وأولهم انت، إسم القناص لازم يرجع.”
كانت كلماتُه تعكس تجربة مؤلمة، وحماسة تجعله يشعر بأنه يحارب معركة لا نهاية لها.
ابتسامة هادئة تلاعبت بوجه مهران، بينما كانت تحمل خلفها الكثير من المشاعر المكبوتة، ثم وضع يده على مقبض الباب قائلاً قبل أن يغادر:
“اسم القناص هيعلم على الكل، اتقل انت بس واصبر.”
كانت تلك الكلمات سلاحه الأخير، علامة على عدم استسلامه، لكن ماهر لم يدرِ أثناء مغادرته، أن هذه المعركة ستترك آثارًا أعمق مما يتخيلان على علاقتهما وعلى مستقبلهم جميعًا.
أمسك ماهر ذراع أخيه سريعًا، عينيه تعكسان قلقًا عميقًا يدور في داخله:
“ناوي على ايه يا مهران؟ رسيني علشان أكون معاك على الخط. الأمور مش سهلة، والأحداث الأخيرة خلت الوضع أكتر خطورة.”
كانت الكلمات تتدفق من فمه بسرعة كما لو كان الوقت ينفد، ورغبة عارمة للحماية تملأ قلبه.
نظر مهران إلى أخيه بابتسامة فقط، لكنها كانت ابتسامة تحمل في طياتها غموضًا لا يمكن تجاهله. ثم هبط من السيارة ببطء، تاركًا خلفه أسئلة كثيرة تدور في رأس ماهر، حيث كان بالكاد يستوعب ما يجري. كان هناك شعور متزايد بالعزلة، والخيوط المتشابكة من القلق والتوتر تخيم فوقهما، وكأن عالمهما أصبح مسرحًا لدراما تتجلى في كل لحظة.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
مر الوقت ببطء، وجاءت لحظة وصول مهره مع أصدقائها، حيث نزلوا من الباص وسط زحمة المكان وضجيج الآخرين. كانت تتحدث بصوت يملأه الإرهاق الشديد، وأخذت نفسها عميقاً قبل أن تقول:
“ااااه، مش قادرة خلاص، تعبت. هطلع أوضى أنام كتيررر وأبدأ يومي بكل نشاط!”
لكن فرحتها بالتخلص من نهار طويل سرعان ما تلاشت، حين تفاجأت بصوت شهد الذي يهتف باسمها بشغف، وكأنه اكتشف كنزاً مخفياً، يدعوها للقدوم إليها. نظرت مهره إلى صديقتها بوجه متجهم، وكأنها تحمل عبء يومها بأكمله، وقالت بنبرة متعكرة:
“دي عايزة إيه؟ مش عارفة مالها بيا اليومين دول، مهتمية بيا أوي؟”
ردت عليها صديقتها بضيق، حيث بدت ملامحها تعكس القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلوب الجميع:
“مهره، البنت دي سمعتها وحشة وكلنا عارفين كده، ومش حابين تقربها منك بالشكل ده. وبعدين، انتي مش عبيطة، فاهمة هي بتعمل كده ليه.”
شعرت مهره بالحرج، وصاغت نظرها بعيداً لتفكر في كلمات صديقتها، وتحدثت بتلعثم:
“ها و و وانا هفهم إزاي يعني هي ليه بتعمل كده؟”.
أجابت صديقتها بنفاذ صبر، وكأنها تحاول أن تكسر الجليد الذي بدأ يتكون بينهما:
“لا، انتي عارفة كويس أوي. بس ماشي، هقولها ليكي قدام الكل، بتعمل كده علشان تقربك من ابن خالتها، واللي كلنا حاسين إنك معجبة بيه. وده غلط يا مهره، انتي أخلاقك مش كده.”
تجمعت المشاعر داخل مهره، وتدحرجت موجة من الانزعاج والغضب، فأجابت بحدة:
“خلاص، بسرعة حكمتوا عليا، وشايفين إن أنا واحدة سهلة أوي! عموماً يا ستي، منك ليها، حتى لو عجبني. مش أنا البنت اللي تصغر بأبوها وأخواتها الرجالة وتعمل حاجة غلط. أنا مش صغيرة، وأقدر أتحكم في مشاعري كويس أوي، عن إذنكم.”
بعد أن أنهت كلامها، اتجهت مباشرة إلى شهد، وكأنها تبحث عن إجابة تنير لها الطريق:
“ايوه يا شهد، خير؟!”
ردت شهد بابتسامة، لكنها كانت تفيض بالحماس:
“تعالي معايا، فيه مفاجأة هتفرحك أوي.”
كان هناك شيء غامض في نبرة صوت شهد، مما زاد من فضول مهره، فاجتاحت مشاعر الترقب قلبها.
نظرت لها مهره باستغراب، وسألت بتساؤل:
“أروح معاكي فين؟ وإيه هي الحاجة اللي هتفرحني؟”
أمسكتها شهد بذراعها برفق، وكأنها تحاول أن تشدها بعيداً عن مشاعر القلق التي كانت تسيطر عليها، وأرغمتها على الحركة معها قائلة بابتسامة مشرقة:
“تعالي بس، وانتي هتعرفي دلوقتي.”
دق قلب مهره بسرعة، وبدأ فضولها ينمو، مما جعلها تترك همومها خلفها وتستعد لخوض مغامرة جديدة.
اتسعت عيني مهره في صدمة عندما رأت عاصم يقف أمامها، مشعاً بطلته الرجولية، وكأنما هو بطل من أحد أفلام الرومانسية، مما زاد من حيرة مشاعرها. كانت قد مرت أيام منذ آخر لقاء لهما، لكن آثار نظراته وابتساماته لم تختفي من ذاكرتها، بل كانت كالأصداء تتردد في أركان قلبها. ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بخفوت:
“ا ا انت!؟ بتعمل ايه هنا؟”.
اقترب منها عاصم، وقد ارتسمت على وجهه تعابير الارتياح والألفة، وأمسك يدها بحذر وكأنه يحمل شيئاً ثميناً؛ بصوت هادئ، قال:
“جيت هنا علشانك، لما عرفت من شهد بخصوص الرحلة؛ أجلت كل حاجة وجيت جري.”
ابتسمت بصعوبة، قائلة بتوتر وهي تكاد تسمع دقات قلبها تعلو:
“ج ج جيت علشاني أنا؟!”
وكان صوتها متهدجاً، يعكس مزيجاً من الفرح والخوف. اقترب منها عاصم أكثر، وقد غادرت شهد تاركة إياهم بمفردهم في هذا الموقف الشديد الرومانسية. وقبل أن تتاح لها الفرصة للتفكير في ردها، قال عاصم:
“ايوه، جيت علشانك انتي. مقدرش أفوت على نفسي لحظة أقدر أشوفك فيها؛ أنتي شاغلة تفكيري طول الوقت يا مهره.”
كان صوته عميقاً، مما جعل قلبها يتراقص بين السعادة والقلق.
تعالت دقات قلبها بتوتر، وشعرت بأنفاسها تتسارع وكأن الزمن توقف، وكأن العالم من حولهم تلاشى. تراجعت سريعاً إلى الخلف وكادت أن تقع، ولكن يد عاصم كانت الأسرع، حيث التقطها بذراعه، ويبدو وكأنه سيحميها من سقطتها كالفارس الشجاع في قلاع أحلامها. سقطت داخل أحضانه، حالما تماسكت أنفاسها، ناظراً إلى عينيها، حيث كانت هناك تلك اللحظة السحرية التي شعرت فيها بأن كل شيء في الكون قد تلاشى، تاركاً فقط عاصم ومهره، وحب مكبوت قد بدأ في الفتيل بالمشاعر التي تجمع بينهما و…





