روايات شيقة

رواية شهادة قيد الفصل الحادي عشر 11 بقلم دودو محمد

رواية شهادة قيد الفصل الحادي عشر 11 بقلم دودو محمد 

“شهادة قيد”11

“البارت الحادي عشر”

أنهى مهران كلامه وهو يجر ذات خلفه بعنف، وعندما شعرت بالألم من قبضته القاسية على ذراعها، أنحنى بجسده، وحملها بين ذراعيه ونقلها نحو سيارته. وضعها داخل السيارة، وأغلق الباب بقوة مما أحدث صوتاً مدوياً، ثم أتجه نحو الجانب الآخر. قبل أن يصعد، سمع صرخة رصاصته الغامضة والتي كانت عاقبتها التي تركت أثرها على كتفه الأيسر، بينما كان يحاول حماية ذات. عندما رأته ذات في تلك الحالة، أنتفضت في مكانها، وأقتربت منه بدموع تملأ عينيها، قائلة بصوت مرتعش:
“م م مهران، ر ر رد عليا، مهررران.”
تحدث بصوت مؤلم، وكأن كل كلمة تسحب من قلبه:
“أهدي يا ذات، أنا كويس، مافيش حاجة، الرصاصة جات في الكتف، ودكتور شريف هيخرجها مني لما نروح.”
في تلك اللحظة، جاء شريف بقلق شديد، بعدما أُبلغ بما حدث لمهران، وجاء يتساءل بلهفة:
“مهران، أنت كويس؟”
أومأ مهران برأسه بألم واضح، قائلاً:
“أنا كويس، متقلقش، الرصاصة جات في كتفي، تعالى سوق أنت، علشان مش هقدر أسوق العربية ومهره مش في وعيها.”
ثم نظر إلى ذات وأعطاها أمراً:
“أرجعي أنتي وراه.”
أومأت برأسها بالموافقة، وتراجعت إلى المقعد الخلفي، بينما قام شريف بمساعدة مهران في الجلوس، ثم تحركت السيارة متجهةً إلى المنزل الخاص بمهران.

في تلك اللحظة العصيبة، شعرت ذات بتسارع نبض قلبها، وكأن كل شيء حولها قد تجمد للحظة. كانت الأنوار من مصابيح الشوارع تخترق زجاج السيارة، مما أضفى إحساسًا زائفًا بالأمان بينما يفوح منها رائحة الدم. الكلمات التي حاول مهران أن يخفف بها من قلقها لم تكن كافية لتهدئة روعها؛ فكلما عادت برؤية جرحه، زادت أحزانها، وامتلأت عينيها بالدموع التي كانت تتعاون مع الظلام في التخفي. رددت في نفسها:
“لا، يجب أن أكون قوية، يجب أن أساعده”.
لكن صدى الرصاصة كان لا يزال يدوي في أذنيها، كأنه يذكرها بالتهديدات التي كانت تحلق فوق أرواحهم كغيمة مظلمة. جاء صوت شريف كخيط أمل، مستخدمًا نبرة لطيفة، محاولًا إبعاد شبح الخوف:
“الوضع تحت السيطرة، هيكون بخير متقلقيش.”
وبينما كانت السيارة تنطلق في طريقها المتعرجة إلى المنزل، كانت بذاتها تمسك بذراعها الأخرى، تدرك كم كان الوضع حرجًا. كانت تفكر في كيف أن الحياة لم تعد كما كانت، كيف أن لحظة واحدة يمكن أن تغيّر كل شيء. وعندما وصلوا أخيرًا إلى المنزل، أدركت أن هذا المكان الذي من المفترض أن يكون آمنًا، بدا وكأنه مجرد قفص. بينما ساعد شريف مهران في الخروج من السيارة، أرادت ذات أن تخبره الألم الذي يعانيه يشترك معه كل نبضة من قلبها. لكن كلماتها تسللت بعيدًا، تاركةً فقط نظرة من التفهم والأمل بينهما، لتخفي الغدر الذي قد يخبئه القدر.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
في المساء، في الفيلا الخاصة بعائلة الشرنوبي، جلس مراد خلف مكتبه الأنيق، ونظر إلى ماهر بتفكير عميق، قائلاً بلهجة تحمل اهتماماً شديداً:
“أممم، مدام طلب الملف بتاعه يبقى بدأ يربط الخيوط ببعضها، ومسك طرف الخيط الصح، كنت متأكد أن القضيه دي مش هتاخد فى أيده غلوة، وعلى آخر الشهر ده بالكتير أوي هتكون القضيه متقفله وخلصانه.”

رد عليه ماهر بنظرة غير راضية، وصوته مختنق بعدم الاطمئنان:
“بابا مهران تايه، مش زى ما متعودين عليه، من الآخر حب البنت اللى إسمها ذات وده مشتت تفكيره وحضرتك عارف أن الغلطه فى شغلنا ده بموته، وأنا خايف عليه خايف يغلط ويخسر حياته فى مقابل أنه يحمي البنت دي، وفعلا ده المتوقع.”


هز مراد رأسه برفض، وقال بعدم أهتمام:
“مش هيحصل، البنت دي الطعم، ووقت ما نلاقي خطورة على حياة أخوك هندخل وهنرمي ليهم البنت دي يتلهوا بيها.”

أبتسم ماهر بمرارة، حيث أثير في أعماقه شعور ثقل لدلالة على عدم رضاه، وقال بصوت مختنق:
“وتفتكر مهران هيسيبها بالسهوله دي؟ حضرتك مشوفتش لمعة عيونه وهو بيتكلم عنها، مشوفتش خوفه عليها عامل أزاى، ده بيحاول يخلص القضيه دي قبل خروجها علشان متتأذيش، وده مش صح التسرع غلط فى شغلنا.”

طرق مراد بيديه على سطح المكتب بحسم، مظهرًا أنه قد حسم الأمر، وقال:
“ماااهر، اللى قولته يتنفذ بالحرف، مش عايز أي نقاش فيه، أنا عارف بعمل أيه كويس أوي، ومش هتخاف على أبني أكتر مني أنا، بعمل كل ده علشان إسم القناص يرجع تاني زي الأول والكل يعمله ألف حساب، مهران لازم تظهر براءته فاااااهم؟!”

أومأ ماهر برأسه بالطاعة، ورد بصوت مختنق:
“حاضر يا بابا، اللى حضرتك تشوفه بس بعد أذنك أنا هساعده وهبقى معاه لحظه بلحظه علشان أحمية لو حصله حاجه لاقدر الله.”

رد عليه مراد بصوت غليظ، آمراً:
“ماشي، أتفضل بقى روح على أوضك.”

أستأذن ماهر من والده، وخرج وهو يحمل قلبًا ينبض بالقلق، وكأن دقاته ستخترق ضلوعه. لم يعلم سبب هذا القلق، لكنه شعر بشيء يتعلق بأخيه مهران. تنهد بضيق وصعد إلى غرفته، حيث وجد ضوء غرفة مهره لا يزال مشتعلاً. تحرك نحو الباب وطرق عليه، فسمع صوتها يأذن له. فتحه وأبتسم لها بحنان، متسائلاً بصوت هادئ:
“حبيبة أخوها، صاحيه ليه لحد دلوقتي؟”

نظرت له بتوتر، ثم أبتسمت له قائلة بتلعثم:
“هَـا… م م مافيش، بس فيه مشكلة لواحده صحبتي بفكر فيها.”

جلس بجوارها، ربت على يدها بلطف، وسأل متلهفًا:
“مشكلة أيه دي؟! قوليلى يمكن أعرف أساعدك فى حلها.”

نظرت له بتوتر، وأجابت:
“ص ص صحبتي، النهارده كانت فيه عربيه هتخبطها، وجه شاب أنقذها من العربيه دى حاجه كده زى بتاعة الروايات والافلام، المهم يعنى هى حست بحاجه غريبه بتشدها ليه من أول ما وقعت فى حضنه شعور أول مره تحس بي من أول مره تشوفه، هى عارفه أن ده جنان بس الشعور ده هيجننها مش قادره تفهم نفسها ولا عارفه تتصرف أزاى.”

أبتسم على كلام شقيقته، حيث أحس أنها تتحدث عن نفسها. رد عليها بكل هدوء:
“بصي يا حبيبتي، ممكن هى علشان حركة الجدعنه اللى عملها معاها دي، أتشدت ليه وعجبها، ممكن يكون وسيم وعجبها شكله، فده مجرد أعجاب عابر اللي هو شافته مره عجبها والسلام، ومجرد ما هيصبح الصبح هتنسى كل حاجه حصلت، وهو كذالك ممكن يكون أنقذها كحركة جدعنه منه وهي أصلاً مش فى باله وزيها زي أي واحده بيشوفها فى يومه عادي علشان كده عايزك تقوليلها متديش الموقف أهتمام أكبر من حجمه وتكمل حياتها زي ما هي ولو ليها نصيب تقابله تاني ربنا هيجمعهم صدفه تانى ببعض.”

أبتسمت له بحب، وأحتضنته بصوت مليء بالسعادة، قائلة:
“أنا بحبك اوي يا ميهو، أنت أجمل وأعظم أخ فى الدنيا.”

ربت على ظهرها بحنان وسأل:
“حجزتي الرحلة ولا لسه؟”

أومأت برأسها تأكيدًا، قائلة:
“أيوه حجزتها وهتكون يوم الجمعه الجايه أن شاءالله.”

نظر إليها بحب، واستفسر:
“طيب عملتي أيه فى موضوع الكريدت كارت أتحلت المشكله ولا لسه؟”

حركت رأسها رفضاً، وأضافت:
“لسه، قالوا هيحلوها خلال تمانيه وأربعين ساعه.”

أستقام بجسده، وقال بنبرة حنونة:
“شوفي محتاجه كام وقوليلى أحولهم ليكي كاش على البرنامج، تصبحي على خير”.

ثم أنحنى ليقبل رأسها، وخرج من عندها متجهًا إلى غرفته، مثقلًا بأفكار الليل وأحلامه.
««««««««««««««»»»»»»»»»»
جلس عاصم على مقعده خلف مكتبه الفخم، والذي كان يتزين بمقتنيات عابرة للتاريخ، وأبتسامة الشر تلمع في عينيه كالنجوم في سماء حالكة. كان يبدو كالقائد الذي لا يعرف الرحمة، ينظر إلى أحد رجاله وعدد من الملفات المبعثرة حوله، تشير إلى عمليات مشبوهة وخطط مستقبلية مظلمة. نظر إلى الرجل الذي كان يقف أمامه كظل خائف، وقال بلهجة حازمة تغلفها السلطة:
“عينك عليها، مش عايزها تغيب عنك لحظة، فاهم؟”.
كان صوته يحمل نبرة لا تعطي مجالاً للشك أو الاعتراض.

أومأ الرجل برأسه بالطاعة، لكن صوت التلعثم خيم على كلماته، مما جعل عاصم يدرك قلقه:
“طيب، وحضرتك رحلة يوم الجمعة دي هروح وراها ولا أعمل إيه؟”.
كانت العيون التي تحمل الذعر تتجنب النظر إلى عاصم.

حرك عاصم رأسه بالرفض وأبتسم بهدوء، لكن في تلك الابتسامة كان هناك شيء أكثر برودة:
“لا، أنت هتفضل هنا وأنا اللي هروح وراها، مش أنت. أتفضل، يلا روح شوف شغلك”.

تنحنح الرجل بتوتر، وصوته المرتبك يكاد يتلاشى كغصن شجرة في عاصفة:
“ك…كان فيه خبر عايز أبلغه لحضرتك”.
كانت الكلمات تتدفق من فمه مثل السيل، رغم أنه كان يعلم أنها قد تكون لهثا نحو الهلاك.

نظر عاصم له بأهتمام غير مستكين، وأعطاه إشارة حتى يكمل حديثه، بينما أرتعشت يدي الرجل بسبب الضغط المترتب على موقفه الدقيق. بدا وكأنه يعلم أن كل لحظة تمضي قد تكون حاسمة، وأن الفشل هنا يعني العواقب الوخيمة.

بدأ يتحدث بتلعثم، حيث كان صوته يميل للتلاشي:
“ا…الرصاصة مجاتش في البنت دي؛ مهران حماها المرة دي و أخدها هو مكانها”.
كادت الكلمات أن تنفجر من فمه، ولكن وقعها كان كالسهم الذي أخترق الصمت الذي كان يحيط بالرجل في تلك الغرفة.

صرخة غاضبة دوت في المكان كعاصفةٍ كاسحة، وأصدر عاصم تهديداً مخيفاً كالرعد:
“يا أبن الكلب يا مهران، لسه زي ما أنت واقفلي زي الشوكة في الزور، ماشي، وريني هتعرف تحميها مني أزاي؟ لما أختك تبقى تحت إيدي، وهشوف أختيارك هيكون وقتها لمين فيهم”.
كانت نبرته تجسد غضبه، وكأن العالم بأسره سيقف ضده إذا ما حاول أي شخص إعاقته.

ثم أشار بيده للرجل ليخرج، بينما أنشغل عاصم بنظراته الحادة وكأنها سكين حاد ينتظر اللحظة المناسبة للضرب. بحالة من الوعيد، قال بصوت يملؤه الغضب والكراهية التي تتصاعد في صدره:
“مبقاش أنا عاصم الدويري لو مكنتش دفعتك التمن غالي أوي يا أبن الشرنوبي”.
ثم يعاود تركيزه على أفكاره المنحرفة، وكأنما كان في سباقٍ مع الزمن.

وفي تلك اللحظة، دخلت زوجته بأبتسامة هادئة، وعلت ملامحها بفرح:
“أنا فرحانة أوي يا حبيبي، مصر بقت أحلى من الأول بكتير، أنا مكنتش عايزة ارجع دلوقتي خالص”.

تبدلت ملامح عاصم ولانت له الابتسامة، رداً:
“المهم أنك أتبسطي يا قلبي”.

جلست على قدمه ووجهها يفيض بالسعادة:
“أوي يا حبيبي، اليوم كان تحفة ومكنتش عايزاه يخلص من جماله”.

وضع قبلة صغيرة على ثغرها، ونبرته عاشقة:
“عندك الأيام كلها، أخرجي براحتك وزوري كل الأماكن اللي نفسك فيها، بس أهم حاجة الحرس يكون معاكي”.

أحتضنته بينما السعادة تغمرها، وقالت بحب:
“أنا بحبك أوي يا عاصم، بعشق حنيتك عليا، أنت أجمل وأطيب راجل في الدنيا دي كلها”.
كانت عيناها تتلألأ كنجوم الليل، وقد أحاطتها مشاعر الدفء والأمان بين ذراعيه. شعرت بأن العالم من حولهم قد اختفى، وأنها تعيش في فقاعة من الحب لا يمكن لأحد أن يقتحمها. اندمجت كلماتها مع أنفاسه، وكأنهما يؤلفان لحنًا خاصًا يرقص على نغماته قلبيهما.

ربت على ظهرها برقة، وقال بنبرة عاشقة:
“وأنتي أجمل ست في الدنيا دي كلها. يلا يا روحي، اطلعي غيري هدومك وأنا جاي وراكي على طول”.

أومأت رأسها بالموافقة، وقالت:
“حاضر يا قلبي، متتأخرش عليا”.
ومع تلك الكلمات، شعرت بالإثارة تتسابق في عروقها. لم تستطع الانتظار لاستكشاف المدينة المتجددة، والمغامرات التي تنتظرها مع عاصم. تركت له خلفها ابتسامة لا تُنسى، وشعورًا بالتآزر الدافئ الذي رافقها في كل خطوة.
وركضت سريعاً إلى الأعلى، بينما تابعها عاصم حتى اختفت تماماً من أمامه. ثم عاد إلى ملامحه القاسية، يتوعد لمهران بما ستحمله الأيام القادمة.
«««««««««««««««»»»»»»»»»»»»
بعد أن أخرج شريف الرصاصة من كتف مهران، أخذ يتعامل مع الجرح بعناية؛ حيث قام بتضميده بدهاء، مستخدمًا التقنيات التي تعلمها خلال سنوات من الخدمة في المستشفى، حاول أن يجمع بين السرعة والدقة لتجنب أي مضاعفات. قام بتعقيم الجرح جيدًا وأعطاه بعض المسكنات القوية ليتحمل الألم الناتج عن تلك الإصابة القاسية. كان واضحًا أن الألم كان يسيطر على مهران، ساعد شريف مهران على التمدد على فراشه، وهو يشعر بالضعف يتسلل إلى جسده، في حين كان جسده المثقل بالآلام يثقل على روحه المثقلة بمشاعر الخوف والتشتت.

تأمل مهران ذات بقلق، حيث بدأ القلق يظهر على وجهها المتوتر وكأنها تتأرجح على حافة الهاوية. كانت تحك جسدها بطريقة هستيرية، مما زاد من مخاوفه، فكل حركة منها كانت تذكره بأن هناك شيئًا عميقًا يؤلمها. كانت عيناها تعكسان حالة من الاضطراب الداخلي، تضاعف قلقه عندما زاد سلوكها الغريب، مما أدى إلى احتدام الأفكار في ذهنه حول مدى تأثير الأحداث الأخيرة على نفسيتها وضغوطها المتزايدة. فجأة، وقفت ذات بسرعة كأنما كانت قد قررت شيئًا حاسمًا، وانفجرت بتوتر:
“ا ا أنا هنزل أنام بقى تصبحوا على خير”، كانت الكلمات تتدفق منها كأنها محاولة للهرب من واقع مرير.

جاوب مهران بنبرة مؤلمة، مليئة بالتعب والإرهاق النفسي:
“أستني يا ذات أنتي هتقعدي معايا هنا”
كان بحاجة لها كما كانت بحاجة له. بينما كانت تحاول إخفاء أعراض التوتر عن أعينهم، قالت:
“ها…ط ط طيب هنزل اخد شاور وأغير الهدوم اللي عليا دي وجايه تاني.”
كانت كلماتها تنم عن حيرة تتخبط فيها، وكأنها تبحث عن حل سريع لإنقاذ نفسها من اللحظة الحالية.

تحدث شريف بنبرة هادئة، وعيناه تراقبان صديقه مهران بفهم، بحيث كان عارفًا أن الوضع يحتاج إلى عناية خاصة:
“مافيش نزول يا ذات، والجرعة اللي تحت، أنا هنزل أرميها.”
لكن عندما تأكدت ذات من كشف أمرها، أنطلقت في ثورة من الغضب والاستياء، قائلة بصوت مرتفع:
“محدش ليه دعوه بيا، أنا حرة، دي حياتي أنا ومش من حق أي حد يدخل فيها، فاااهمين!”
كانت كلماتها كالسكاكين، تخترق كل من حولها، مبرزة شعور الرفض الذي تشعر به تجاه كل القيود التي تحاول فرضها الحياة عليها.

أنهت كلامها، وقبل أن تتحرك، تفاجأت بذراع مهران السليم يلتف حول خصرها، يحملها برفق عن الأرض، ساعيًا ليُظهر لها أنه لا يزال هناك من يهتم بها. صرخت بغضب، والدموع تتلألأ في عينيها كأحجار كريمة تتناثر في وضح النهار:
“سيبني بقولك، أنا بكرهك، بكرهكم كلكم، سيبني يا حيوان.”
الكلمات كانت مؤلمة، لكنها كانت تعبر عن ألم أعمق من مجرد الغضب، كانت تعكس صراعها الداخلي وفقدان الأمل.

نظر مهران إلى شريف بألم، متحدثاً بصوت ضعيف ومتعب إلى حد كبير وكأنه ينقل ثقل العالم على كاهله:
“اديها مهدئ بسرعة يا شريف، مش عايز نرجع لنقطة الصفر من تاني.”
كان يدرك أن تصرفها كان مجرد عاصفة تهب في لحظة ضعف، وأن أستعادة السلام في تلك الغرفة أمر بالغ الأهمية لأجل صحتهم جميعًا وتجنب الفوضى التي كانت تقترب.

أستجاب شريف بسرعة وبدون تردد، فقد أعتاد على التأقلم مع مواقف الأزمات. أخرج حقنة مهدئة من الحقيبة الطبية الخاصة به، مرسلاً نظرة سريعة إلى مهران ليطمئن على حاله، قبل أن يدفعها بدقة إلى ذراع ذات التي كانت مضطربة بين ذراعي مهران، الذي حاول بقدر الإمكان السيطرة على الوضع. ومع مرور ثوانٍ معدودة، بدأت ذات تفقد القدرة على الحركة، فقد كان التأثير سريعاً وقوياً. نظرت إلى مهران بعيون مليئة بالدموع وعلامات الضعف، وفي لحظة مسكنة استكانت داخل أحضانه، وكأنها كانت تبحث عن الحماية في عالمٍ يعج بالتهديدات.

تحرك مهران بها برفق إلى الفراش، وهو يحرص على جعلها تشعر بالراحة القصوى في هذا الوضع العصيب. وضعها عليه بلطف، ثم نظر إلى شريف بصوت مليء بالألم والقلق، قائلاً:
“ذات هتفضل معايا هنا في الأوضة علشان عيني تبقى عليها. كل حاجه لازم تكون تحت السيطرة، وأنت يا شريف، معلش هحتاجك معايا الفترة دي، الأمور ممكن تكون أكتر صعوبة مما نتخيل.”

أومأ شريف برأسه، محاولاً تهدئة مخاوف مهران، قائلاً بنبرة هادئة:
“أنا معنديش مشكلة يا مهران، هفضل معاك لحد ما الزفت ده يخرج من جسمها، بس أنت كده تعب عليك. متنساش أنك لسه خارج من دراعك رصاصة، وجرحك عميق ومحتاج راحة، واللي عملته ده مجهود عليك. مش عايزك تأذي نفسك فى سبيل إنقاذها.”

نظر مهران إلى ذات بعينين مليئتين بالعشق، تتخللهما مشاعر الحيرة والخوف، وأكمل بكل تصميم:
“مش مهم أنا يا شريف، المهم أن ذات تبقى كويسة وتتعالج من القرف اللي بتخده ده. أنا لازم أعرف مين عايز يأذيها بالشكل ده، ومين وراه كل اللي بيحصلها ده؟”

شعر شريف بقلق صديقه، وهو يحاول أحتواء مشاعره، نظر له بابتسامة هادئة تفيض بالتفهم، قائلاً:
“متقلقش يا مهران، أنا مش همشي من هنا إلا لما ذات تتعالج خالص من المادة دي. لكن أحنا هنحتاج اتنين من الممرضين يساعدوني لما تيجي ليها أعراض الانسحاب، لأنك أنت كمان تعبان ومش هتقدر عليها ساعة الأعراض دي ما تجي ليها.”

حرك مهران رأسه بالرفض، متحدثاً بصوت مختنق تحمل معه الكثير من الاستياء:
“لا يا شريف، محدش هيدخل هنا غيري أنا وأنت وبس. كفاية إنهم عرفوا يوصلوا ليها هناك.”

تنهد شريف بقلق، فهو يعلم جيداً أن مهران معه كل الحق، ولكن في قلبه كان يعتمل شعور من الخوف والقلق. أومأ برأسه بالموافقة، قائلاً:
“تمام، اللي تشوفه، بس الموضوع هيكون متعب ومرهق في الأول، لأن أعراض الانسحاب هترجع أقوى من الأول بعد ما وصلت لها الجرعة وأخدتها تاني.”
كان يتذكر كيف تألمت ذات في المرات السابقة، وكيف كانت تمر بأقسى اللحظات بينما يحاول الجميع إنقاذها. لذا، كان يتخيل كم سيكون صعباً عليها، وكم سيكون من الضروري أن يكونوا بجانبها عندما تبدأ تلك الأعراض في الظهور.

أستلقى مهران على الأريكة، وقال بصوت ضعيف:
“هتعدي إن شاء الله، وذات هترجع أقوى من الأول. وأنا هاخد مسكنات علشان أقدر أساعدها تخرج من اللي هي فيه ده، يلا روح الأوضة التانية، ريح جسمك فيها شوية.”
كان صوت مهران يفتقر إلى طاقته المعتادة، وقد أرتسمت على وجهه علامات التعب والإرهاق.

حرك شريف رأسه بالرفض، قائلاً:
“لا، أريح إيه؟ أنا هروح المصحة أطمن على المرضى هناك، وبعد كده هروح أجيب هدوم لي وأخد حمام سريع أفك بي جسمي، وأجيب أكل وأنا جاي. ومتقلقش، هي هتنام لصبح، ريح أنت كمان علشان الجرح اللي في كتفك ده.”
كانت كلماته تعبر عن تصميمه على المساعدة، وهو يعلم أن كل دقيقة تعتبر مهمة. وفي عقله، كان ينوي تخصيص الوقت الكامل لتسهيل مرور ذاك اليوم الصعب على ذات، حتى لو كلفه الأمر كل طاقته.

أومأ مهران برأسه بالموافقة، وقال بصوت ناعس:
“ماشي، روح، وأنا هنام لأن محتاج ده بجد.”
بدا أن إرادته في الاستمرار بدأت تتلاشى، لكن وفي أعماق قلبه، كان يعرف أنه يجب أن يكون قوياً من أجلها. كان يستشعر وجودها حتى في خياله، وقد جعلته تلك الأفكار يشعر بالراحة على الرغم من الألم.

تحرك شريف إلى الخارج، تاركاً مهران مع ذات في الغرفة، وأغلق الباب خلفه بحذر، مغادراً البيت نهائياً. جلس مهران على الأريكة، ونظر إلى ذات بنظرات مطولة، تملأه المشاعر المتضاربة. كان يشعر كما لو أن شيئاً ما بداخله يريد الصراخ:
“أعشقك يا من لكِ الفؤاد.”
هذا الحب الذي تجسد في كل لحظة كان يمر بها، خاصة حين تضعف أو تمر بأوقات عصيبة. شعور لا يمكن تجاهله، على الرغم من أنه كان يحاول نكرانه.

فجأة انتبه لما يفكر فيه، وحرك رأسه رافضاً ما اعترف به قلبه للتو. أستلقى مرة أخرى على الأريكة، وأشاح بنظره بعيداً عن ذات، محاولاً الهروب من مشاعر يأبى الاعتراف بها. كان عقله يسير في دوامة من الإحباط والرجاء، بينما كان قلبه ينادي في صمت، يشعر بحاجة للعمل، لمساعدة تلك الفتاة التي غيرت حياته.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
فى صباح اليوم التالي، وصلت مهره مع أخيها إلى الجامعة الخاصة بها. ترجلت من السيارة، حيث كانت نسمات الصباح الباردة تتعانق مع خصلات شعرها، وتحركت باتجاه البوابة. كان قلبها ينبض بانتظار أن يلتقي عينيها بالشخص المجهول، الذي كانت تأمل أن يراها كما تريد. لكنها شعرت، في عمقها، بأن هناك شيئًا ما قد تغير. فقد تصاعد الشغف والأمل في صدريها، فقط ليطفو الحزن على سطح ملامحها عندما تأكدت من أنه لن يظهر مجددًا. زفرت بضيق، كأن آلام الانتظار قد شلت حركتها، وواصلت طريقها إلى الداخل. وفي تلك اللحظة، قابلتها فتاة لا يجمعهما الكثير من الحديث، لكنها تعرفها منذ أن التحقت بهذه الجامعة، أبتسمت لها بود، قائلة:
“صباح الخير يا مهره.”

تحدثت مهره باستغراب، وردت:
“صباح النور يا شهد، عاملة إيه؟”

أومأت شهد برأسها مبتسمة بهدوء، وقالت: “الحمد لله، أيه هتطلعي معانا الرحله يوم الجمعه؟”

أجابت مهره بعدم فهم:
“ايوه إن شاءالله، بس بتسألي ليه؟”

ردت شهد بابتسامة توضح قضيتها:
“بسأل علشان النهارده الجروب كله اللى رايح الرحله دي عامله ليه بارتي عندي فى الفيلا علشان كلنا نتعرف على بعض وتبقي رحله سعيده.”

هزت مهره رأسها برفق، قائلة بتأسف:
“سوري، مش هقدر أجي صعب بابا يوافق على حاجه زى كده، وبعدين أنا كده كده مليش دعوه باللى جاين الرحله، أنا رايحه مع الشله بتاعتى كأصحاب مع بعض.”

عاجلتها شهد بالقول:
“ما هو حتى أصحابك جاين بليل البارتي حتى أسأليهم، عمومًا حاولي تيجي اليوم هيكون حلو أوي، باي.”

أنهت شهد كلامها وتركت مهره غارقة في حيرة من أمرها. جلست ملامحها بين عواصف المشاعر المتضاربة؛ فقد شعرت بشيء من النفور تجاهها، لكنها حاولت تفسير ذلك بأنه مجرد استجابة لخوفها من الخروج من منطقتها المعتادة. مع ضباب الصباح في ذهنها، اتجهت إلى الكافيه الخاص بالجامعة يملؤها التفكير، وراعها التجاذب بين رغبتها في الانفتاح وقلقها من الفشل في التكيف. كانت تلك اللحظات من الحيرة بمثابة صراع داخلي، حيث تمنت أن تكون جزءًا من تلك الحياة الاجتماعية إلا أنها أحست بأن عواطفها كانت مكبلة بالأسرار والهموم.
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
بدأت ذات تحرك رأسها ببطء شديد وهي تشعر بألم حاد في رأسها. بصعوبة، فتحت عينيها ونظرت حولها، لتجد مهران نائمًا على الأريكة أمامها. تأملت في الباب ثم أعادت النظر إلى مهران مرة أخرى، قبل أن تنهض بسرعة نحو الباب. حاولت فتحه، ولكنها اكتشفت أنه مغلق من الداخل. طرقت على الباب بغضب، وصاحت بكل قوتها:
“أفتح الباب ده، خرجني من هنا، أفتحوا الباب هموت!”

أنتفض مهران من نومه، مفتوحًا عينيه على مصراعيهما، ونظر باهتمام نحو الصوت. ورغم شدة الألم الذي يعاني منه، نهض بصعوبة واتجه إليها، محاولًا تهدئتها بكلمات مطمئنة:
“أهدي يا ذات، انتي هنا في أمان، محدش هيقدر يقربلك طول ما أنا جنبك. لازم تقوي علشان ترجعي أحسن من الأول.”

لكنها حركت رأسها بالرفض، وانطلقت من حنجرتها صرخات مضطربة:
“أفتح الباب حالًا يا مهران، أنا عايزه أخرج من هنا! مش عايزه حاجة منك، سيبوني في حالي، خرجني من هنا بقولك!”

اقترب منها مهران بهدوء حذر، محاولًا ضبط أعصابه، وقال بنبرة هادئة:
“ذات، اسمعي الكلام واهدي، علشان انتي مش هتخرجي من هنا غير وانتي سليمة.”

ولكن صوتها دوى في المكان، مليئًا بالغضب:
“انت مالك بيا! أنا حرة! دي حياتي أنا، بتتحكم فيها بصفتك إيه؟ ابعد عني، سيبني في حالي! كنت عايشة حياتي مرتاحة، ياريت ما كنت قابلتك! افتح الباب بقولك!”

في تلك اللحظة، سمع شريف صوت ذات ركض نحو الباب وطرق عليه:
“افتح يا مهران، ذات محتاجة حقنة مهدئة حالًا!”

اقترب مهران منها محاولًا فتح الباب، لكنها انطلقت نحوها صرخة أخرى من الغضب: “ابعد عني، اياك تقرب! فاهم؟”

قال مهران بنبرة هادئة محاولًا احتواء الموقف:
“اهدي يا ذات، أنا هفتح الباب لدكتور شريف.”
ثم اقترب منها مرة أخرى بهدوء، لكن عندما تقلصت المسافات بينهما، ضربته ذات بقوة على جرحه، مما تسبب في نزول الدماء منه، متألمًا بشدة.

رأت ذات الدماء تتساقط، فتدفق لحن الدموع من عينيها؛ اقتربت منه بقلق وتحدثت بصعوبة:
“مهران أنا آسفة، أنت كويس؟”

انقبض قلبه عند رؤية دموعها، فتحدث بنبرة مؤلمة:
“أنا كويس يا ذات، متخافيش، اهدي يا حبيبتي…”

تلك الكلمة أوقفت الزمن بينهما لثوانٍ، متسائلة عن كيفية خروجها من شفتيه. نظرت إليه بدهشة وسألته: “حبيبتي!!”

تنحنح مهران بتوتر، ثم تحرك نحو الباب وفتحه لشريف. لكن عند رؤيته لحالة مهران، عبّر عن قلقه:
“مهران، الجرح بينزف! انت اتخبط فيه؟”

حرك مهران رأسه بالنفي، ولكن قبل أن يتحدث، رأى ذات تركض بسرعة نحو باب الشقة، مما جعله يركض خلفها ويحملها بذراعه السليم، قائلاً بصوت هامس خلف أذنيها…


زر الذهاب إلى الأعلى