روايات شيقة
رواية شظايا قسوته كامله وحصريه بقلم رحمة سيد
رواية شظايا قسوته كامله وحصريه بقلم رحمة سيد
شظايا قسـوته
الفصل الأول :
تحت أضـواء القمـر المنير الذى يسطَع بنوره الزهـي ليغطـي الكرة الأرضية، ليملئ القلـوب بالنور والأمل، ولكن القلوب الحالكة .. طيف نور لا يؤثر بها !! ..
تحديدًا في منزل اشبه للقصـر، كانت تقف هي و قدماهـا ترتعـش، لا تقويـان على حملها فيحملان ما لا طاقة لها به، وخوف حقيقي يسيطـر على خلاياها كليًا !!
دلفت الي المكتب، لتجـده يجلس كالعادة امام الجهاز الخاص به وأوراقـه ..
تنحنحت وهي تقترب منه بالقهـوة خاصتـه، لينظـر لها بعينيه السوداء الحـادة كالصقـر، نظرة داعبـت خوفها المكبوت فانفجر وظهر !!
لتُسقط كوب القهوة من يدها على الأوراق الخاصة به ..
وكأنها اسقطت النيران على فتيل غضبه فصرخ فيها بحدة مفرطة :
_ أنتِ غبية مابتشوفيش ابدًا
هـزت رأسهـا بخوف حقيقي وهي تغمغم متلعثمة :
_ أسفة والله أسفة مش قصدى
بدء يلملم اوراقـه وهو مستمـر في زمجرته بوجهها كأنه لا يستغنى عنها ابدًا !!
ولمَ كأنه ؟!
فهو بالفعل القسوة والغضب جزئـان اساسيان في شخصيتـه ..
قواعده وسلوكه جميعهم يرتكزوا على ذاك الجزء ..
وهما ما يبعثـان الخـوف والرعب في نفوس الاخرين تلقائيًا كنسمات الهواء !!!
واستمر في صراخه بقوله الحاد :
_ اعمل أية انا بأسفك ده، الورق ده مهم جدًا، ده يمكن أهم منك أنتِ شخصيًا
جـرح اخـر بفضل كلماته اللاذعـة التي تقطـر سمًا حقيقيًا يقتلها تلقائيًا !!!
اسبوع واحد اقامته معهم ولكنه كان كالدهـر ..
وكل مرحلة فيه تعلمت أن تتحمل الألم وتصمت عن الأهانات اكثـر ..
ودائمًا ما تستقبل الاهانات منه ومن ” خطيبتـه ” الحمقاء على وتيـرة الصمت !!
نظـرت لأول مرة وهي تلهث من انفعالها مرددة :
_ فعلاً ماكنتش قاصدة والله
نهـض وهو يشيـر لها بعصبية هبت في وجهها فأسارت القشعريرة في جسدها :
_ لأمتى، هتفضلي تغلطـي وتقولي مكنتيش قاصدة لأمتى !!!!؟
نظـرت له ببلاهـة، أى غلـط هذا !!؟
أي غلط أكتنفته فتسببت في غضبه .. هي دائمًا تحاول أن تتلاشـاه نهائيًا !!!!
ولكن لمَ لا يمكن أن يكون الخطأ في حد ذاته هو بعدهـا وخوفها اللانهائي ؟!!!
أطرقـت رأسهـا وهي تتراجـع للخلف ببطئ علها تمنـع أنفاسه أن تلفح صفحة وجهها الأبيض وقالت :
_ أعتبرها أخر مرة، بعد كدة هبعت لك القهوة مع أي حد
ظل يقتـرب منها ببطى …
بطئ متعمـد ليلاعب أوتارهـا الحساسة !!
وهي تعود للخلف أكثر ..
كل خطوة تتراجعها وكأنه يُقسـم أن يتقدم العشـرات مثلها !!!
حاصرهـا بذراعيه كالقيـود الحديديـة…
قيود حقيقية لطالما تحكمـت بها ولكن السبب مجهـول !
وفعليًا لفحت أنفاسه صفحة وجهها الذى زحفت الحمرة له تلقائيًا من ذاك القرب الذى يُخدر حواسهـا ..
مخدر لم ترغبه ولا تريـده !!
ثم همـس بصوته الأجش :
_ أنتِ اللي هتجيبي القهوة وقت ما أطلبها، ماتنسيش إنك هنا مجرد خدامة بس، مش انتِ اللي هتتحكمي فينـا
اومـأت بدموع بدءت تحاول الانهمـار من عينيهـا ولكن أبت النزول ..
وكالعادة إبتلعت تلك الغصة المريرة في حلقها وهمست :
_ صح، أنا هنا مجرد خدامة فـ المطبخ
ابتعـد قليلاً وقد إنقلبت ملامحه تمامًا للضيق لتنطلق هي راكضـة بحزن حقيقي أدمى قلبها !!
وصلت لتلك الغرفـة الصغيرة التي تقيـم فيها بجـوار المطبـخ لتغلق الباب عليها وتبدء بالنحيب كالعادة وهي تتذكـر الذى جلبها لذاك المنزل واول لقاء لها بذاك الصقـر …
فــلاش بــاك ..
ظـلام دامـس، ظلام يحيـط بهـا من كـل مكـان، خيوطه تكاد تغطي من حولها، و عصبـة قطنيـة تحيط بعينيها البنيـة لتمنـع عنها ذاك النـور … !
ولكن أى نـور، هى لم تعرف للنـور معنى منذ وفـاة والدتهـا !!
حياتهـا وتيـرة واحدة لا تتغير، سلسلة تتكرر يوميًا بملل…
ولكن دومًا كان الظلام سيدهـا !!،
حيـاة بائسـة فعليًا واساس ذاك البؤس أب غير مبالى، وأم تركتها في الظلمات وتوفيت دون سابق إنذار …
ولكن يبقي النور الطفيف الذى لم ينطفئ حتى الان … جدهـا الحبيب
قطـع سيـل ذكرياتهـا المتقطـرة صـوت رجلاً أجش يقول بجوارهـا :
_ هنعمل فيها أية ؟
رد صوتًا اخر لم تعرف كلاهما :
_ مش عارف، كان لازمتها أية الورطـة دى
تأفف الاول مجيبـًا :
_ الفلوس، الفلوس هى اللي عملت كدة
طرق الاخر يداه ببعضهما وهو يقول بغضب :
_ طب فكر معايا فــ صرفة بقي يا أستاذ، احنا اخدنـا فلوسنـا خلاص بس هنعمل اية ف المصيبة دى
رد مسرعًا :
_ طب ما نرجعها لأهلها بقي
صاح فيه منزعجًا :
_ نرجعها أزاى وهى شافت وشي يا غبي، كدة احنا هنروح فــ داهية
تقـوس فمها بابتسامة ساخـرة بالرغم من سوءها إلا انها زينت ثغرهـا الأبيض بشفتاها الورديتيـن ..
أشفـق عليها القـدر بنعمة جعلتها ترى وجه ذلك الوغد الذى اختطفها لتقاضيه حتمًا عندما يتركونهـا !!
صورته حُفـرت بذاكرتها فعليًا، فأعطتهم كامل الحق للخوف منها ..
نعم ستقاضيهم، من الأساس هذا شغلها الفعلي، محاميـة مجتهدة ..
ولكن هل هي نعمة فعلاً .. أم نقمـة بسببها ستلعن ذاك اليـوم !!!؟
فجـأة صدح صوت احداهم العالي وهو يقول بسعادة :
_ لاقيتهااا
سأله الاخر باستفهام :
_ اية دى ؟
اجابه بتفكير خبيث :
_ لاقيت فكرة جهنمية ياض
هتف الاخر مسرعًا :
_ الحقنى بيها بس تعالى برة
خرجوا سويًا للخارج، تاركين اياها تنعى حظها وتبكِ قهرًا ..
وهنـا جاء حكم القاضي على حياتها البائسة بصوته الخشن :
_ أحنا نوديهـا لبيت الصقر
حك طرف ذقنه محاولاً التذكير :
_ الصقر مين !!؟
تأفف وهو يلكزه بقوة متابعًا :
_ سليم الصقر يا أهبل، كدة كدة احنا بقينـا فـ البلد اهوو واهلها ف القاهـرة مش هيخطر على بالهم إننا مابقيناش فـ القاهرة
سأله مرة اخرى مفكرًا :
_ طب هنوديها ازاى
رفع كتفيه وراح يشرح له بخبث ؛
_ ياض ركز معايا، أنت عارف إن الصقر برغم قسوته إلا انه مابيبخلش على حد وبيمد إيده للمحتـاج
اومـأ الاخر بتركيز :
_ امممم فعلاً، يبقي أحنا نوديها له على أساس إنهـا مجرد بنت فقيرة مش لاقية شغل وهنغير اسمهـا
اومـأ بتأكيد ثم قـال :
_ ايوة وكدة هو عمره ما هيعرف يوصل لأصلها، والبت هتفكر انه هو اللي خاطفها
ضربه على رأسه برفق وهو يقول :
_ ايوة تمام
غمـز له وهو يتجـه للداخل بسرعـة مغمغمًا :
_ طب يلا بسرعة عشان نلحق نغورها ونستمتع بالخمسة مليون
اومـأ الاخر ثم استداروا متجهيـن لها مرة اخرى …
اقتـربوا منها، ونظـر احدهم لجسدهـا المرسـوم وملامحـها الجذابة التي تعطيها نكهة خاصة، بنظـرة امتلأت بالرغبة قبل أن يهمس بهمسة اثارت القشعريرة المريرة في جسدهـا :
_ طب ما نظبط نفسنا بيها الاول
هـز الاخـر رأسه نافيًا قبل أن يهتف بتحسـر علي غنيمـة مثلها :
_ كان نفسي، بس للأسف مفيش وقت، أهلها اكيد مش هيسكتوا، ولا أنت ناسي دى بنت مين
أهل !!!
هل لهـا اهل من الاساس !!؟
مجرد حروف تسمعهـا يوميًا ولكنها لم تعرف معنـاها الحقيقي يومًا !!!
لطالمـا كانت حبـال علاقتهم من حريـر ..
تتهشم بسهولة من مجرد شيئ بسيط !!
ولكنها حروف عليها غمامـة من الهيبـة أمام اى شخص ..
بعد ما يقـرب من ساعة تصاحب فيها الظلام، تشعر به كالصديق يرافقها هو فقط ليس سـواه !!
ظلام اعتادته واعتادها منذ زمـن …
وصـلت .. وصلت إلي منزل ” الصقر ” …
دائمًا ملامحـها وتعابيرهـا تفضحانها، والان الذعـر والخـوف هم المسيطـران على صفحة وجهها الأبيض ..
دلف أحدهم اولاً وبقي الاخر معها، اصبح امامها تمامًا وهو يزجرها بعينـاه قبل أن يقول محذرًا :
_ أسمعي اللي هقولهولك كويس
نظـرت له بتساؤل متوجس ليتابع هو بهمس :
_ أنتِ من اللحظة دى أسمك سيلا ابراهيم، سيلا إبراهيم مش اى اسم تانى وانتِ فاقدة الذاكرة
حدقت به قبل أن تسأله ببلاهة :
_ أنت عايزنى أغير أسم والدى كمان وامثل اني فاقدة الذاكرة
شـقت وجهه أبتسامـة ساخرة ومن ثم غمغم بصوت مسموع :
_ كنت عارف إنك مش هتيجي بالزوق
ثم أخـرج من جيبـه هاتف ومن ثم بعد دقيقة أولى لها الهاتف لتشهق واضعة يدهـا على فاهها ..
جدهـا الحبيب وشخص ملثم يصوب سلاحه تجاهه من على بعد !!!
والدقـات توقفت هنا، لن تخسـره .. هو العامود الرئيسي في حياتها البائسة، سينهدم كل شيئ إن رحل هو بالتأكيد !!
تصاعدت الدماء لوجهها وهي تصرخ به :
_ أنت مجنون، جدو ماله حرام عليكوا
نظـر لها بطرف عينيه وقال ببرود :
_ هاا يا أنسة سيلا، هتتشرفي كتير بإسم العيلة ولا عقلتي ؟!
اومـأت موافقة برعب حقيقي :
_ هعمل اللي أنتم عايزينه بس ملكوش دعوة بجدو
مـط شفتيـه واجابهـا :
_ ده أكيد، بس تأكدى فــ أي وقت لو خلفتي اللي أتفقنـا عليه او قولتى لأى حد أى حاجة يبقي تقرأي الفاتحة على روح جدك !
دمـوع حارة تلقلقت في ساحـة عينيها التي تشبه كوب القهـوة ..
دمـوع قهـر وغلب من معانـاة بدت أبديـة، ولكن ستظـل تحوم بداخلها، لأن لن ولم تسمح لها بالهطول مادامت أمام اى شخص فهي القويـة المتينـة .. ظاهريًا !!
وقفـت تنتظـر جكم قاضيها الظالم، وبعد ثوانى تقدم الاخر وهو يشير لهم مسرعًا :
_ يلا تعالوا بسرعة
امسـك بيدهـا وهو يشدهـا مسرعًا للداخـل، ليدلفـوا إلى صالة واسعـة تابعة لذاك المنزل الكبير، أثـاث حديث ملفت للنظـر، والمنزل من طابقيـن .. واللون المسيطـر بجدارة، الأسـود فقط !!!
وكأنه يعبر عن حياة من به !
وهبـط ” سليـم ” …
لتتعجب هي في نفس اللحظات !!!!
شـاب في أواخـر العشرينـات من عمره، يمتلك بشرة قمحيـة وعيون سوداء حادة تناسب اسمه تمامًا ” الصقر ” ..
يرتـدي ” جلباب ” أسمـر، شعيراتـه السوداء تكاد تصل لجبينـه ..
ملامحـه تجذب من يدقق فيها وكأنه يرسمها بسحـر لا ينتهي مفعوله !!!
اقترب منها ثم ظـل يتفحصهـا من اعلاها الى اسفل قدميهـا ..
لم يستطع اخفاء نظرة الاعجاب التي لاحت في عينـاه ..
فمـط شفتـاه وهو يقول باللهجـة الصعيدية :
_ مش بطالة يا ولد عمي
اسرع الرجل في القول :
_ وفقدت الذاكرة يا حبت عيني، ف جولنا محدش هينصرنا غير الصقر اللي بيساعد الغلابـة
اومـأ وهو مازال محدقًا بها ثم أمرهم :
_ طيب خلاص، عشان خاطركم هشغلها مع الحاجة فاطيما في المطبخ، هي بردو محتاجة حد كبرت في السن، والخالة جربت ترجع من السفر وعايز البيت يبجى على سنجة عشرة زى ما بيجولوا
ابتسـم الرجلان بانتصـار، ليقول احدهم بامتنان حقيقي :
_ ربنا يخليك لينـا يا ريس ولا يحرمش الناس منك ابدًا
ابتسـم بغرور ثم تابع :
_ خلاص بجى روحوا انتوا واعتبروها اتعينت اهه
وبالفعـل إنطلقـوا مسرعين مهللين من امامـه، لينظـر هو لـها ثم سألها بنبرة ذات مغزى :
_ أسمك أية بقا ؟
فغرت فاهه بشكل مضحك ثم قالت ببلاهة :
_ أية ده ما أنت بتتكلم زينا أهوو
اومـأ مؤكدًا وهو يجيبها بجدية معتادة منه :
_ ايوة، انا صعيدى اصيل بس درست برة
كادت تهتف بشيئ اخر الا انه قاطعها بصرامة لاذعة وهو يشيـر لها :
_ على المطبخ، ماتتعوديش على الحديت الماسخ ده، الحاجة فاطيما حتفهمك كل حاجة مفروض تعمليها
اومـأت بضيق بدءت يجتاحها ومؤكد سيزداد مع ذاك الصقـر !!!
باك
مسحـت دمعاتهـا الهاربـة، سيظـل بكاؤوها يوميًا وقهرهـا شيئ يُخفـي عن الجميع، حتى يعلن القلب نفاذ طاقتـه نهائيًا !!!
*********
الجـو مشحـون بالتـوتر، وحالة من البؤس والتوتر قد سيطـرت على ذاك المنزل، التوتـر من فقدان ” الغالية ” كما يلقبهـا جدهـا ..
تساؤلات وبحث وقرارات صارمـة من الجد قد صدرت، وسحابة حزينة سوداء قد سيطرت عليه، جلس في منزله الكبير الذى يعيش فيه هو وابنـه ..
على أحدى الكراسي الخشبية المهتزة التي تحركه تزامنًا مع عصبيته المفرطـة، صرخ في ” أبنه ” امامه بحدة مشيرًا له بيده التي ترتعش :
_ يعني أية يا عزت مش لاقينها، أقلبوا البلد عليها
بينما ” عـزت ” … جبـروت وبرود إرتسموا بدقة على تلك الملامح السمراء !!
وقـف يتأفف بين كل حين ومين وكأن من فقدهـا ليست أبنته ابدًا
اشـار لوالده وهو يقول بضيق :
_ يعني أعمل اية يا ابويا، دورت عليها وبدور بقالي اسبوع اهو بس شكل الخاطفين مارجعوهاش ومش هيرجعوها
هـز رأسه نافيًا وهو يستطرد بجزع :
_ لا لا، سيلا مش هتستحمل الخطف والبهدلة
مـط الأخر شفتيه وتابع بحـزن أصطنعه بمهارة :
_ منا عارف والله يابويـا، بس ده قدر ربنا حد يقدر يعترض ؟!
هـز رأسه بعصبيـة ثم سأله :
_ لا طبعًا، بس أنت متأكد إنك عطيت لهم كل الفلوس اللي طلبوهـا
واخيرًا استخدم الجدية لمرة وقال :
_ أيوة يابويا والله عطيناهم الفلوس، بس اخدوها وضربوا الراجل وهربوا ف اخر لحظة ومش عارفين نوصل لهم
هـز رأسه نافيًا ومن ثم هتف بأصرار :
_ مليش دعوة أتصرف يا عزت، وإلا قسمًا بالله أنزل ادور على حفيدتي بنفسي، دي الغالية
امتعض وجهه وهو يجيبه بخشونة :
_ خلاص يا بابا، أنا هدور تاني، ماتنساش الدكتور قالك أية، صحتك ماتستحملش
لوى شفتـاه متمتمًا بحنق :
_ اما نشوف يا عزت
وأنطلـق عـزت من امامه ليدعي البحث مرة اخرى ..
واي بحث هذا .. هو لا يرغبها من الأساس !!
هي مجرد ” عبئ ” يصعب التخلص منه فقط !!!!
**********
كـانـت تجـلس هي في نفس المنـزل بالأعلى في غرفتها الخاصة بها وبزوجهـا، تحديدًا في غرفتهم الواسعـة، بأثاثهـا الحديث الذى يتناسب مع زواجهـا الذي لم يمـر عليه ثلاث سنـوات ..
أرجعـت خصلاتهـا السوداء خلف أذنهـا لتنظـر لــ ” أبنة خالتها ” التي تجاورهـا ثم هتفت بصـوت قلق بعض الشيئ :
_ اختفاء سيلا كل الوقت ده مش مطمني ابدًا، والجد عمره ما هيسكت
اومـأت الأخرى مؤيـدة ومن ثم تابعت بنبرة عاديـة غير مكترثـة :
_ أه منا عارفة يا رقيـة
ظـلت تدور بعينيها في ارجـاء الغرفة وهي تفـرك أصابعها داعية :
_ ربنا يرجعها بالسلامة يارب
أبتسمـت أمنيـة ثم همسـت بهدوء :
_ حقيقي اللي يشوفك كدة مايقولش إنها اختك من الأب بس
فعليًا هي لا تعـرف ما الذر يربطهـا بــ سيلا لهذه الدرجـة !!؟
تعشقهـا وكأنها توأمها وليست أخت غير شقيقة، يربطهم رابط خفي متين لا يعرفانه حتى الان !!
اومأت وهي تقـول بحب :
_ أنا بحب سيلا جدًا، معرفش السبب لكني بحبها اكتر من أي حاجة، يمكن عشان أحنا ملناش غير بعض
اومأت امنية وهي تلكزها في كتفها متساءلة بتوجس :
_ سيبك من سيلا دلوقتِ وقوليلي أنتِ عاملة أية مع جوزك ؟
جالـت سحابـة حـزن عميقـة في سمـاء عينيها السوداء المكحـلة عند تلك السيـرة …
تلك السيرة التي لم تجلب لها سوى الألم والحـزن الحقيقي في طياتها ..
ثم نظـرت لها وأجابـت بلامبالاة مصطنعة :
_ زي ماهو يا أمنية، دايمًا تهديدات بإنه هيتجـوز، وأنا زي ما تقولي أتعودت بقا
إتسعت حدقتـا عيناها وهي تغمغم بتعجب يشوبه الضيق :
_ أنتِ هبلة يابت ولا أية، هي في واحدة تسيب جوزهـا يتجوز غيرها
وفجأة صرخـت فيها بحدة .. حدة كانت من المفترض أن تنفجر بوجه ذاك الذى يدعى زوجها ولكن أخطأت مسارها :
_ يعني أنا الغلطانة يا أمنية عشان ربنا مش كاتب لي أخلف !!!؟ ، هعترض على حكم ربنا كمان، ولا أنا كان بأيدي أية أعمله وماعملتوش
مـطت الأخرى شفتاهـا وقالت متهكمة :
_ لأ معملتيش اللي عليكِ، أنتِ ناسية إنك روحتي لدكتور واحد بس ومش عايزة تشوفي غيـره ؟!
تـوتـر …
سيطر بجدارة على ملامحها البيضاء الهادئـة ..
ثم نظرت للجهة المقابلة واجابت متلعثمة :
_ بردو آآ هو مـ آآ مش صابر وراح يتجوز
غمـزت لها بطرف عينيها وقـالت بنبرة ذات مغزى :
_ أسمعي كلامي وصدقيني هتتحل
هـزت رقيـة رأسها نافيـة بتصميم :
_ مستحيل ابدًا
وفجأة فُتـح الباب ليدلـف ” زوجها المصون ” .. بجسـده العادي المتهالك وشعره الأسـود ببشرتـه السمراء التي تزداد سوءً بملامحـه السمـراء ليهتف ساخرًا :
_ قطعت قعدتكم الجميلة معلش
نهضت لتجيبـه بحدة :
_ في أية يا مجـدي دي بنت خالتي
أشَارت لها أمنية بهدوء قائلة :
_ خلاص أنا اصلاً ماشية دلوقتِ
كادت تسيـر من جـواره لتجـده يشير لها بيده متابعًا بنبرة جادة :
_ خليكِ، أنا حبيت بس أعرف زوجتي المصونة إني اتجـوزت وخلاص، وأجرت شقة ليا ولمراتي !!!!!!!!
*********
_ يا أهلا وسهلا يا خالة، كيفك ؟
قالها سليـم بصوتـه الرخيـم وهو يتقـدم تجاه خالتـه الحبيبة التي اشتاقهـا، ملامحهـا التي حُفـرت في ذاكرته تحت خانـة الأحبـاء والذين لك يتخطـوا الأربعـة !!!
احتضنهـا بشـوق حقيقي لم يظهـر سوى لها منذ عمـر ..
لتقول هي بحب نابع من غرزيتها الأمويـة التي حُرمت منها :
_ كويسة يا حبيبي، أنت عامل أية وحشتني أوي
أبتسم بهدوء مرددًا :
_ وأنتِ اكتر يا حبيبتي، عملتي أية في السفر إن شاء الله تكوني بجيتي كويسة دلوقتِ
اومـأت بابتسامة لم تـزول منذ أن رأته :
_ أه احسن كتير بفضل الله
جلسـوا على الأريكـة في تلك الصالة الواسعـة ثم اقتربت خالته منه قليلاً وقالت بصوت متوجس :
_ سليم كنت عاوزة أتكلم معاك فــ حاجة
نظـر لها باهتمام ثم سألها :
_ حاجة اية يا خالة أتفضلي جولي
إبتلعـت ريقها بازدراء استعدادًا للرفض الحتمـي الذي ستواجهه الان بذراع من الصبر والأيمان .. والأصـول !!
ثم تشجعت واستطردت :
_ كنت عاوزة أتكلم معاك بخصوص عمك يعني و… آآ
قاطعها وقد ظهر قناعه الجامد القاسي وهو يشير لها :
_ للمرة المليون هجولك يا خالة لو بتحبيني جد ماتفتحيش معاي الموضوع ده تاني
كـادت تعتـرض إلا أنه قاطعهـا بسؤاله الهادئ وكأن شيئً لم يكن :
_ شكلك تعبانة تحبي تشربي جهوة ؟
تلك النبـرة التي أعلن بها بوضوح نهاية ذاك الحوار الذي اصبح يمقته هي من جعلتها ترد باستسلام :
_ أيوة ياريت
فنظر أمامه ونادى بصوت عالي :
_ سيلاااااا
وبعد دقيقـة كانت تتقـدم هي بحاجبهـا الصغير الذي يزيـن وجهها ثم همست قبل أن ترفع وجهها :
_ نعم
كاد يأمرهـا كعادتـه ولكن قاطعته همس خالته المصدوم :
_ مش معقول !!!!!!
**********
يتبــع
الفصل الأول :
تحت أضـواء القمـر المنير الذى يسطَع بنوره الزهـي ليغطـي الكرة الأرضية، ليملئ القلـوب بالنور والأمل، ولكن القلوب الحالكة .. طيف نور لا يؤثر بها !! ..
تحديدًا في منزل اشبه للقصـر، كانت تقف هي و قدماهـا ترتعـش، لا تقويـان على حملها فيحملان ما لا طاقة لها به، وخوف حقيقي يسيطـر على خلاياها كليًا !!
دلفت الي المكتب، لتجـده يجلس كالعادة امام الجهاز الخاص به وأوراقـه ..
تنحنحت وهي تقترب منه بالقهـوة خاصتـه، لينظـر لها بعينيه السوداء الحـادة كالصقـر، نظرة داعبـت خوفها المكبوت فانفجر وظهر !!
لتُسقط كوب القهوة من يدها على الأوراق الخاصة به ..
وكأنها اسقطت النيران على فتيل غضبه فصرخ فيها بحدة مفرطة :
_ أنتِ غبية مابتشوفيش ابدًا
هـزت رأسهـا بخوف حقيقي وهي تغمغم متلعثمة :
_ أسفة والله أسفة مش قصدى
بدء يلملم اوراقـه وهو مستمـر في زمجرته بوجهها كأنه لا يستغنى عنها ابدًا !!
ولمَ كأنه ؟!
فهو بالفعل القسوة والغضب جزئـان اساسيان في شخصيتـه ..
قواعده وسلوكه جميعهم يرتكزوا على ذاك الجزء ..
وهما ما يبعثـان الخـوف والرعب في نفوس الاخرين تلقائيًا كنسمات الهواء !!!
واستمر في صراخه بقوله الحاد :
_ اعمل أية انا بأسفك ده، الورق ده مهم جدًا، ده يمكن أهم منك أنتِ شخصيًا
جـرح اخـر بفضل كلماته اللاذعـة التي تقطـر سمًا حقيقيًا يقتلها تلقائيًا !!!
اسبوع واحد اقامته معهم ولكنه كان كالدهـر ..
وكل مرحلة فيه تعلمت أن تتحمل الألم وتصمت عن الأهانات اكثـر ..
ودائمًا ما تستقبل الاهانات منه ومن ” خطيبتـه ” الحمقاء على وتيـرة الصمت !!
نظـرت لأول مرة وهي تلهث من انفعالها مرددة :
_ فعلاً ماكنتش قاصدة والله
نهـض وهو يشيـر لها بعصبية هبت في وجهها فأسارت القشعريرة في جسدها :
_ لأمتى، هتفضلي تغلطـي وتقولي مكنتيش قاصدة لأمتى !!!!؟
نظـرت له ببلاهـة، أى غلـط هذا !!؟
أي غلط أكتنفته فتسببت في غضبه .. هي دائمًا تحاول أن تتلاشـاه نهائيًا !!!!
ولكن لمَ لا يمكن أن يكون الخطأ في حد ذاته هو بعدهـا وخوفها اللانهائي ؟!!!
أطرقـت رأسهـا وهي تتراجـع للخلف ببطئ علها تمنـع أنفاسه أن تلفح صفحة وجهها الأبيض وقالت :
_ أعتبرها أخر مرة، بعد كدة هبعت لك القهوة مع أي حد
ظل يقتـرب منها ببطى …
بطئ متعمـد ليلاعب أوتارهـا الحساسة !!
وهي تعود للخلف أكثر ..
كل خطوة تتراجعها وكأنه يُقسـم أن يتقدم العشـرات مثلها !!!
حاصرهـا بذراعيه كالقيـود الحديديـة…
قيود حقيقية لطالما تحكمـت بها ولكن السبب مجهـول !
وفعليًا لفحت أنفاسه صفحة وجهها الذى زحفت الحمرة له تلقائيًا من ذاك القرب الذى يُخدر حواسهـا ..
مخدر لم ترغبه ولا تريـده !!
ثم همـس بصوته الأجش :
_ أنتِ اللي هتجيبي القهوة وقت ما أطلبها، ماتنسيش إنك هنا مجرد خدامة بس، مش انتِ اللي هتتحكمي فينـا
اومـأت بدموع بدءت تحاول الانهمـار من عينيهـا ولكن أبت النزول ..
وكالعادة إبتلعت تلك الغصة المريرة في حلقها وهمست :
_ صح، أنا هنا مجرد خدامة فـ المطبخ
ابتعـد قليلاً وقد إنقلبت ملامحه تمامًا للضيق لتنطلق هي راكضـة بحزن حقيقي أدمى قلبها !!
وصلت لتلك الغرفـة الصغيرة التي تقيـم فيها بجـوار المطبـخ لتغلق الباب عليها وتبدء بالنحيب كالعادة وهي تتذكـر الذى جلبها لذاك المنزل واول لقاء لها بذاك الصقـر …
فــلاش بــاك ..
ظـلام دامـس، ظلام يحيـط بهـا من كـل مكـان، خيوطه تكاد تغطي من حولها، و عصبـة قطنيـة تحيط بعينيها البنيـة لتمنـع عنها ذاك النـور … !
ولكن أى نـور، هى لم تعرف للنـور معنى منذ وفـاة والدتهـا !!
حياتهـا وتيـرة واحدة لا تتغير، سلسلة تتكرر يوميًا بملل…
ولكن دومًا كان الظلام سيدهـا !!،
حيـاة بائسـة فعليًا واساس ذاك البؤس أب غير مبالى، وأم تركتها في الظلمات وتوفيت دون سابق إنذار …
ولكن يبقي النور الطفيف الذى لم ينطفئ حتى الان … جدهـا الحبيب
قطـع سيـل ذكرياتهـا المتقطـرة صـوت رجلاً أجش يقول بجوارهـا :
_ هنعمل فيها أية ؟
رد صوتًا اخر لم تعرف كلاهما :
_ مش عارف، كان لازمتها أية الورطـة دى
تأفف الاول مجيبـًا :
_ الفلوس، الفلوس هى اللي عملت كدة
طرق الاخر يداه ببعضهما وهو يقول بغضب :
_ طب فكر معايا فــ صرفة بقي يا أستاذ، احنا اخدنـا فلوسنـا خلاص بس هنعمل اية ف المصيبة دى
رد مسرعًا :
_ طب ما نرجعها لأهلها بقي
صاح فيه منزعجًا :
_ نرجعها أزاى وهى شافت وشي يا غبي، كدة احنا هنروح فــ داهية
تقـوس فمها بابتسامة ساخـرة بالرغم من سوءها إلا انها زينت ثغرهـا الأبيض بشفتاها الورديتيـن ..
أشفـق عليها القـدر بنعمة جعلتها ترى وجه ذلك الوغد الذى اختطفها لتقاضيه حتمًا عندما يتركونهـا !!
صورته حُفـرت بذاكرتها فعليًا، فأعطتهم كامل الحق للخوف منها ..
نعم ستقاضيهم، من الأساس هذا شغلها الفعلي، محاميـة مجتهدة ..
ولكن هل هي نعمة فعلاً .. أم نقمـة بسببها ستلعن ذاك اليـوم !!!؟
فجـأة صدح صوت احداهم العالي وهو يقول بسعادة :
_ لاقيتهااا
سأله الاخر باستفهام :
_ اية دى ؟
اجابه بتفكير خبيث :
_ لاقيت فكرة جهنمية ياض
هتف الاخر مسرعًا :
_ الحقنى بيها بس تعالى برة
خرجوا سويًا للخارج، تاركين اياها تنعى حظها وتبكِ قهرًا ..
وهنـا جاء حكم القاضي على حياتها البائسة بصوته الخشن :
_ أحنا نوديهـا لبيت الصقر
حك طرف ذقنه محاولاً التذكير :
_ الصقر مين !!؟
تأفف وهو يلكزه بقوة متابعًا :
_ سليم الصقر يا أهبل، كدة كدة احنا بقينـا فـ البلد اهوو واهلها ف القاهـرة مش هيخطر على بالهم إننا مابقيناش فـ القاهرة
سأله مرة اخرى مفكرًا :
_ طب هنوديها ازاى
رفع كتفيه وراح يشرح له بخبث ؛
_ ياض ركز معايا، أنت عارف إن الصقر برغم قسوته إلا انه مابيبخلش على حد وبيمد إيده للمحتـاج
اومـأ الاخر بتركيز :
_ امممم فعلاً، يبقي أحنا نوديها له على أساس إنهـا مجرد بنت فقيرة مش لاقية شغل وهنغير اسمهـا
اومـأ بتأكيد ثم قـال :
_ ايوة وكدة هو عمره ما هيعرف يوصل لأصلها، والبت هتفكر انه هو اللي خاطفها
ضربه على رأسه برفق وهو يقول :
_ ايوة تمام
غمـز له وهو يتجـه للداخل بسرعـة مغمغمًا :
_ طب يلا بسرعة عشان نلحق نغورها ونستمتع بالخمسة مليون
اومـأ الاخر ثم استداروا متجهيـن لها مرة اخرى …
اقتـربوا منها، ونظـر احدهم لجسدهـا المرسـوم وملامحـها الجذابة التي تعطيها نكهة خاصة، بنظـرة امتلأت بالرغبة قبل أن يهمس بهمسة اثارت القشعريرة المريرة في جسدهـا :
_ طب ما نظبط نفسنا بيها الاول
هـز الاخـر رأسه نافيًا قبل أن يهتف بتحسـر علي غنيمـة مثلها :
_ كان نفسي، بس للأسف مفيش وقت، أهلها اكيد مش هيسكتوا، ولا أنت ناسي دى بنت مين
أهل !!!
هل لهـا اهل من الاساس !!؟
مجرد حروف تسمعهـا يوميًا ولكنها لم تعرف معنـاها الحقيقي يومًا !!!
لطالمـا كانت حبـال علاقتهم من حريـر ..
تتهشم بسهولة من مجرد شيئ بسيط !!
ولكنها حروف عليها غمامـة من الهيبـة أمام اى شخص ..
بعد ما يقـرب من ساعة تصاحب فيها الظلام، تشعر به كالصديق يرافقها هو فقط ليس سـواه !!
ظلام اعتادته واعتادها منذ زمـن …
وصـلت .. وصلت إلي منزل ” الصقر ” …
دائمًا ملامحـها وتعابيرهـا تفضحانها، والان الذعـر والخـوف هم المسيطـران على صفحة وجهها الأبيض ..
دلف أحدهم اولاً وبقي الاخر معها، اصبح امامها تمامًا وهو يزجرها بعينـاه قبل أن يقول محذرًا :
_ أسمعي اللي هقولهولك كويس
نظـرت له بتساؤل متوجس ليتابع هو بهمس :
_ أنتِ من اللحظة دى أسمك سيلا ابراهيم، سيلا إبراهيم مش اى اسم تانى وانتِ فاقدة الذاكرة
حدقت به قبل أن تسأله ببلاهة :
_ أنت عايزنى أغير أسم والدى كمان وامثل اني فاقدة الذاكرة
شـقت وجهه أبتسامـة ساخرة ومن ثم غمغم بصوت مسموع :
_ كنت عارف إنك مش هتيجي بالزوق
ثم أخـرج من جيبـه هاتف ومن ثم بعد دقيقة أولى لها الهاتف لتشهق واضعة يدهـا على فاهها ..
جدهـا الحبيب وشخص ملثم يصوب سلاحه تجاهه من على بعد !!!
والدقـات توقفت هنا، لن تخسـره .. هو العامود الرئيسي في حياتها البائسة، سينهدم كل شيئ إن رحل هو بالتأكيد !!
تصاعدت الدماء لوجهها وهي تصرخ به :
_ أنت مجنون، جدو ماله حرام عليكوا
نظـر لها بطرف عينيه وقال ببرود :
_ هاا يا أنسة سيلا، هتتشرفي كتير بإسم العيلة ولا عقلتي ؟!
اومـأت موافقة برعب حقيقي :
_ هعمل اللي أنتم عايزينه بس ملكوش دعوة بجدو
مـط شفتيـه واجابهـا :
_ ده أكيد، بس تأكدى فــ أي وقت لو خلفتي اللي أتفقنـا عليه او قولتى لأى حد أى حاجة يبقي تقرأي الفاتحة على روح جدك !
دمـوع حارة تلقلقت في ساحـة عينيها التي تشبه كوب القهـوة ..
دمـوع قهـر وغلب من معانـاة بدت أبديـة، ولكن ستظـل تحوم بداخلها، لأن لن ولم تسمح لها بالهطول مادامت أمام اى شخص فهي القويـة المتينـة .. ظاهريًا !!
وقفـت تنتظـر جكم قاضيها الظالم، وبعد ثوانى تقدم الاخر وهو يشير لهم مسرعًا :
_ يلا تعالوا بسرعة
امسـك بيدهـا وهو يشدهـا مسرعًا للداخـل، ليدلفـوا إلى صالة واسعـة تابعة لذاك المنزل الكبير، أثـاث حديث ملفت للنظـر، والمنزل من طابقيـن .. واللون المسيطـر بجدارة، الأسـود فقط !!!
وكأنه يعبر عن حياة من به !
وهبـط ” سليـم ” …
لتتعجب هي في نفس اللحظات !!!!
شـاب في أواخـر العشرينـات من عمره، يمتلك بشرة قمحيـة وعيون سوداء حادة تناسب اسمه تمامًا ” الصقر ” ..
يرتـدي ” جلباب ” أسمـر، شعيراتـه السوداء تكاد تصل لجبينـه ..
ملامحـه تجذب من يدقق فيها وكأنه يرسمها بسحـر لا ينتهي مفعوله !!!
اقترب منها ثم ظـل يتفحصهـا من اعلاها الى اسفل قدميهـا ..
لم يستطع اخفاء نظرة الاعجاب التي لاحت في عينـاه ..
فمـط شفتـاه وهو يقول باللهجـة الصعيدية :
_ مش بطالة يا ولد عمي
اسرع الرجل في القول :
_ وفقدت الذاكرة يا حبت عيني، ف جولنا محدش هينصرنا غير الصقر اللي بيساعد الغلابـة
اومـأ وهو مازال محدقًا بها ثم أمرهم :
_ طيب خلاص، عشان خاطركم هشغلها مع الحاجة فاطيما في المطبخ، هي بردو محتاجة حد كبرت في السن، والخالة جربت ترجع من السفر وعايز البيت يبجى على سنجة عشرة زى ما بيجولوا
ابتسـم الرجلان بانتصـار، ليقول احدهم بامتنان حقيقي :
_ ربنا يخليك لينـا يا ريس ولا يحرمش الناس منك ابدًا
ابتسـم بغرور ثم تابع :
_ خلاص بجى روحوا انتوا واعتبروها اتعينت اهه
وبالفعـل إنطلقـوا مسرعين مهللين من امامـه، لينظـر هو لـها ثم سألها بنبرة ذات مغزى :
_ أسمك أية بقا ؟
فغرت فاهه بشكل مضحك ثم قالت ببلاهة :
_ أية ده ما أنت بتتكلم زينا أهوو
اومـأ مؤكدًا وهو يجيبها بجدية معتادة منه :
_ ايوة، انا صعيدى اصيل بس درست برة
كادت تهتف بشيئ اخر الا انه قاطعها بصرامة لاذعة وهو يشيـر لها :
_ على المطبخ، ماتتعوديش على الحديت الماسخ ده، الحاجة فاطيما حتفهمك كل حاجة مفروض تعمليها
اومـأت بضيق بدءت يجتاحها ومؤكد سيزداد مع ذاك الصقـر !!!
باك
مسحـت دمعاتهـا الهاربـة، سيظـل بكاؤوها يوميًا وقهرهـا شيئ يُخفـي عن الجميع، حتى يعلن القلب نفاذ طاقتـه نهائيًا !!!
*********
الجـو مشحـون بالتـوتر، وحالة من البؤس والتوتر قد سيطـرت على ذاك المنزل، التوتـر من فقدان ” الغالية ” كما يلقبهـا جدهـا ..
تساؤلات وبحث وقرارات صارمـة من الجد قد صدرت، وسحابة حزينة سوداء قد سيطرت عليه، جلس في منزله الكبير الذى يعيش فيه هو وابنـه ..
على أحدى الكراسي الخشبية المهتزة التي تحركه تزامنًا مع عصبيته المفرطـة، صرخ في ” أبنه ” امامه بحدة مشيرًا له بيده التي ترتعش :
_ يعني أية يا عزت مش لاقينها، أقلبوا البلد عليها
بينما ” عـزت ” … جبـروت وبرود إرتسموا بدقة على تلك الملامح السمراء !!
وقـف يتأفف بين كل حين ومين وكأن من فقدهـا ليست أبنته ابدًا
اشـار لوالده وهو يقول بضيق :
_ يعني أعمل اية يا ابويا، دورت عليها وبدور بقالي اسبوع اهو بس شكل الخاطفين مارجعوهاش ومش هيرجعوها
هـز رأسه نافيًا وهو يستطرد بجزع :
_ لا لا، سيلا مش هتستحمل الخطف والبهدلة
مـط الأخر شفتيه وتابع بحـزن أصطنعه بمهارة :
_ منا عارف والله يابويـا، بس ده قدر ربنا حد يقدر يعترض ؟!
هـز رأسه بعصبيـة ثم سأله :
_ لا طبعًا، بس أنت متأكد إنك عطيت لهم كل الفلوس اللي طلبوهـا
واخيرًا استخدم الجدية لمرة وقال :
_ أيوة يابويا والله عطيناهم الفلوس، بس اخدوها وضربوا الراجل وهربوا ف اخر لحظة ومش عارفين نوصل لهم
هـز رأسه نافيًا ومن ثم هتف بأصرار :
_ مليش دعوة أتصرف يا عزت، وإلا قسمًا بالله أنزل ادور على حفيدتي بنفسي، دي الغالية
امتعض وجهه وهو يجيبه بخشونة :
_ خلاص يا بابا، أنا هدور تاني، ماتنساش الدكتور قالك أية، صحتك ماتستحملش
لوى شفتـاه متمتمًا بحنق :
_ اما نشوف يا عزت
وأنطلـق عـزت من امامه ليدعي البحث مرة اخرى ..
واي بحث هذا .. هو لا يرغبها من الأساس !!
هي مجرد ” عبئ ” يصعب التخلص منه فقط !!!!
**********
كـانـت تجـلس هي في نفس المنـزل بالأعلى في غرفتها الخاصة بها وبزوجهـا، تحديدًا في غرفتهم الواسعـة، بأثاثهـا الحديث الذى يتناسب مع زواجهـا الذي لم يمـر عليه ثلاث سنـوات ..
أرجعـت خصلاتهـا السوداء خلف أذنهـا لتنظـر لــ ” أبنة خالتها ” التي تجاورهـا ثم هتفت بصـوت قلق بعض الشيئ :
_ اختفاء سيلا كل الوقت ده مش مطمني ابدًا، والجد عمره ما هيسكت
اومـأت الأخرى مؤيـدة ومن ثم تابعت بنبرة عاديـة غير مكترثـة :
_ أه منا عارفة يا رقيـة
ظـلت تدور بعينيها في ارجـاء الغرفة وهي تفـرك أصابعها داعية :
_ ربنا يرجعها بالسلامة يارب
أبتسمـت أمنيـة ثم همسـت بهدوء :
_ حقيقي اللي يشوفك كدة مايقولش إنها اختك من الأب بس
فعليًا هي لا تعـرف ما الذر يربطهـا بــ سيلا لهذه الدرجـة !!؟
تعشقهـا وكأنها توأمها وليست أخت غير شقيقة، يربطهم رابط خفي متين لا يعرفانه حتى الان !!
اومأت وهي تقـول بحب :
_ أنا بحب سيلا جدًا، معرفش السبب لكني بحبها اكتر من أي حاجة، يمكن عشان أحنا ملناش غير بعض
اومأت امنية وهي تلكزها في كتفها متساءلة بتوجس :
_ سيبك من سيلا دلوقتِ وقوليلي أنتِ عاملة أية مع جوزك ؟
جالـت سحابـة حـزن عميقـة في سمـاء عينيها السوداء المكحـلة عند تلك السيـرة …
تلك السيرة التي لم تجلب لها سوى الألم والحـزن الحقيقي في طياتها ..
ثم نظـرت لها وأجابـت بلامبالاة مصطنعة :
_ زي ماهو يا أمنية، دايمًا تهديدات بإنه هيتجـوز، وأنا زي ما تقولي أتعودت بقا
إتسعت حدقتـا عيناها وهي تغمغم بتعجب يشوبه الضيق :
_ أنتِ هبلة يابت ولا أية، هي في واحدة تسيب جوزهـا يتجوز غيرها
وفجأة صرخـت فيها بحدة .. حدة كانت من المفترض أن تنفجر بوجه ذاك الذى يدعى زوجها ولكن أخطأت مسارها :
_ يعني أنا الغلطانة يا أمنية عشان ربنا مش كاتب لي أخلف !!!؟ ، هعترض على حكم ربنا كمان، ولا أنا كان بأيدي أية أعمله وماعملتوش
مـطت الأخرى شفتاهـا وقالت متهكمة :
_ لأ معملتيش اللي عليكِ، أنتِ ناسية إنك روحتي لدكتور واحد بس ومش عايزة تشوفي غيـره ؟!
تـوتـر …
سيطر بجدارة على ملامحها البيضاء الهادئـة ..
ثم نظرت للجهة المقابلة واجابت متلعثمة :
_ بردو آآ هو مـ آآ مش صابر وراح يتجوز
غمـزت لها بطرف عينيها وقـالت بنبرة ذات مغزى :
_ أسمعي كلامي وصدقيني هتتحل
هـزت رقيـة رأسها نافيـة بتصميم :
_ مستحيل ابدًا
وفجأة فُتـح الباب ليدلـف ” زوجها المصون ” .. بجسـده العادي المتهالك وشعره الأسـود ببشرتـه السمراء التي تزداد سوءً بملامحـه السمـراء ليهتف ساخرًا :
_ قطعت قعدتكم الجميلة معلش
نهضت لتجيبـه بحدة :
_ في أية يا مجـدي دي بنت خالتي
أشَارت لها أمنية بهدوء قائلة :
_ خلاص أنا اصلاً ماشية دلوقتِ
كادت تسيـر من جـواره لتجـده يشير لها بيده متابعًا بنبرة جادة :
_ خليكِ، أنا حبيت بس أعرف زوجتي المصونة إني اتجـوزت وخلاص، وأجرت شقة ليا ولمراتي !!!!!!!!
*********
_ يا أهلا وسهلا يا خالة، كيفك ؟
قالها سليـم بصوتـه الرخيـم وهو يتقـدم تجاه خالتـه الحبيبة التي اشتاقهـا، ملامحهـا التي حُفـرت في ذاكرته تحت خانـة الأحبـاء والذين لك يتخطـوا الأربعـة !!!
احتضنهـا بشـوق حقيقي لم يظهـر سوى لها منذ عمـر ..
لتقول هي بحب نابع من غرزيتها الأمويـة التي حُرمت منها :
_ كويسة يا حبيبي، أنت عامل أية وحشتني أوي
أبتسم بهدوء مرددًا :
_ وأنتِ اكتر يا حبيبتي، عملتي أية في السفر إن شاء الله تكوني بجيتي كويسة دلوقتِ
اومـأت بابتسامة لم تـزول منذ أن رأته :
_ أه احسن كتير بفضل الله
جلسـوا على الأريكـة في تلك الصالة الواسعـة ثم اقتربت خالته منه قليلاً وقالت بصوت متوجس :
_ سليم كنت عاوزة أتكلم معاك فــ حاجة
نظـر لها باهتمام ثم سألها :
_ حاجة اية يا خالة أتفضلي جولي
إبتلعـت ريقها بازدراء استعدادًا للرفض الحتمـي الذي ستواجهه الان بذراع من الصبر والأيمان .. والأصـول !!
ثم تشجعت واستطردت :
_ كنت عاوزة أتكلم معاك بخصوص عمك يعني و… آآ
قاطعها وقد ظهر قناعه الجامد القاسي وهو يشير لها :
_ للمرة المليون هجولك يا خالة لو بتحبيني جد ماتفتحيش معاي الموضوع ده تاني
كـادت تعتـرض إلا أنه قاطعهـا بسؤاله الهادئ وكأن شيئً لم يكن :
_ شكلك تعبانة تحبي تشربي جهوة ؟
تلك النبـرة التي أعلن بها بوضوح نهاية ذاك الحوار الذي اصبح يمقته هي من جعلتها ترد باستسلام :
_ أيوة ياريت
فنظر أمامه ونادى بصوت عالي :
_ سيلاااااا
وبعد دقيقـة كانت تتقـدم هي بحاجبهـا الصغير الذي يزيـن وجهها ثم همست قبل أن ترفع وجهها :
_ نعم
كاد يأمرهـا كعادتـه ولكن قاطعته همس خالته المصدوم :
_ مش معقول !!!!!!
**********
يتبــع