روايات شيقة
رواية شظايا قسوته الفصل الثامن عشر 18 بقلم رحمة سيد
رواية شظايا قسوته الفصل الثامن عشر 18 بقلم رحمة سيد
شظايا قسوتـه
الفصل الثـامـن عـشـر :
” وهل رأيـت من أحب الكـذب يومًا ” ؟!
بالطـبع لا، ولكن هي أحبته .. لا بل هللت ورحبـت بكذبـة جعلت قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعهـا من إضطراب دقاته العاشقـة !!!
دقاتـه التي لم يُعتـرف بها حتى الان !؟
وشم وشمًا لا يزول حتى بالنيـران !!!!
وشمًا كان أساسـه نيران – متملكـة – !!
أقتـربت منهم لتضـع الأكواب امام ياسين الذي قـال بابتسامة :
_ تسلم إيدك يا مدام
وردت بتلقائية ادهشتـه :
_ أنا أنسة مش مدام
رفـع حاجبه الأيسر وهو يسألها متعجبًا :
_ هو مش حضرتك مدام سليم ؟
والأجابة لم تكـن من حقهـا تلك المـرة، تكفلت ” دارين ” بأجابة مخصبة بالإهانة كعادتها :
_ لأ طبعًا، أنا مدام سليم، دي الخدامة، مش معقول مش باين على لبسها ؟!!!
هـزة رأس بسيطة مع ردًا أكثر احراجًا لها :
_ بصراحة اه مش باين، الأنسة ماشاء الله شيـك جدًا واللي يشوفها يقول ست بيت، مش بتشتغل هنا خالص يعني
وتعمـد إزالـة كلمة ” خدامـة ” التي وضعتها هي مسبقًا من كلامه ..
ربمـا شفقةً على تلك المسكينة التي تلـون وجهها بألف لونًا ولون !!
الأحمـر .. لون الخجل والغضب معًا
والأصفر .. من إهانـة باتت دورية تعاد عليها مرارًا وتكرارًا !!!!!
وهنا نطـق سليم بجديـة :
_ خلاص روحي إنتِ يا سيلا
همس ياسيـن بابتسامة ودودة :
_ كمان سيلا، أسم جميل أوي
وأشتعلت نارًا بصـدره من مغازلـة صريحة لا يستطـيع التغاضي عنها !!!
تؤرق دقات قلبه الذي جهر بالأعتـراض، وتكسح أي هدوء او راحة تقابلها !!!!
فصاح فيه بحدة :
_ خلاص يا دكتـور ياريت تحترم البيت والراجل اللي أنت قاعد معاه
غمغم معتذرًا بصدق :
_ معلش يا أستاذ سليم، أنا بس بديت إعجابي بالأنسة لكن مش قصدي أي حاجة تاني يعني
نظـر سليم لسيلا يزمجـر فيها غاضبًا من إستقبالها لتلك المغازلة على وتيرة الصمت :
_ ما خلاااص مش قولت إمشي مستنية إية، امشييي
وهمست بصوت شبه باكٍ :
_ عن اذنكـم
ثم أستـدارت لتذهـب وهي تكبح دموعها بصعوبة كعادتها ..
أصبحت متيقنة أنها لن تكـون في صراع مع تلك ” العقربة ” أو صقرهـا إلا وتخرج منهزمة مُهانـة منه !!!!!
هي لم تكـن ضعيفة يومًا هكذا ..
لم تكن تصمت عن الإهانـة ابدًا، ولكن تلك الرهبة هي من تمنعها من الدفاع عن نفسها دومًا !!!!!!
نظـر سليم لدارين يقول ببرود :
_ يلا يا دارين روحي شوفي وراكِ إية، أنا ودكتور ياسين هنتكلم في حاجة خاصة
اومـأت موافقة بامتعاض لتنهض :
_ أوكيه، هستناك في أوضتك يا سليم، عن اذنك، عن اذنك يا دكتور
همس ياسين ببلاهـه :
_ أتفضلي اتفضلي
أستفـاق من الحـوار الذي حدث امامه وكان أشبـه لــ – مسلسل مصري ساخر – على صوت سليم الأجش :
_ أتفضل يا دكتور قول حضرتك كنت عايز إية ؟
منذ ثواني كان المشاهد .. الان سيصبح الضحية التي يشاهدها المشاهدون بالتأكيد !!
قال لنفسه هكذا قبل أن يرمق سليم بنظرة جادة قائلاً :
_ بما إنك تعتبر أخو نادين، وأهلها وكل حاجة ليها، فـ أنا كنت عايز أتكلم معاك في حاجة بخصوصها
سأله سليم متوجسًا :
_ إية هي، ادخل في الموضوع على طول من غير مقدمات يا دكتور
اومـأ ياسين متابعًا وقد تحلى ببعضًا من الشجاعة :
_ أنا كنت عاوز أطلب ايديها منك
رمقـه سليم بنظرات متعجبـة .. أي زواج يريد حدوثه هذا ؟!
أي رابطًا يجبـره على الزواج ممن قد لا تُشفى لاحقًا !!!!
زواج ممن لا تـدرك ما يحدث حولها حتى الان !!!!!؟
وهمس بسذاجة :
_ إزاي يعني ؟
رفـع ياسين كتفيه مجيبًا ببساطة :
_ جواز على سنة الله ورسوله يا سليم
أستعـاد سليم رباطة جأشـه وهو يسأله بجدية :
_ لية يعني ؟ إستحالة تكون دايب في نظراتها، أو تكون شايف فيها زوجة مناسبة وهي أصلا مابتعملش حاجة
شـرد في اللحظـات القليلة التي جمعته بهـا، في لحظـات خلدت بين جدران ذاكرته بحـروف لامعـة بعشقًا – غريب – إلى حدًا ما !!!
ليتنهـد مردفًا :
_ اه، تقدر تقول دايب في نظراتها، أنا نفسي مستغرب نفسي إزاي ويعتبر الحوار ما بينا من طرفي أنا بس، لكن أساسًا انا كنت بشوف نادين من بدري، من ساعة ما أنت جيبتها الـدار معاك
اومـأ سليم وهو ينظـر له متفحصًا هيئته الشاردة فيما هو متأكد منه، ليهتف بابتسامة عادية :
_ تمام، إن شاء الله هرد عليك قريبًا، وتكون قولت لأهلك عشان يجوا معاك لو في نصيب بأمر الله
اومـأ ياسين مهللاً بفرحـة زالت نصفها من بروده كلماته الثقيلة :
_ بأذن الله، أكيد
ثم همـس بخلده في حيرة تملكت منه :
_ وأنا هقـنع أبويا إزاي بس ياربي !!!!!
عاد على صـوت سليم المازح :
_ طب يلا مش هتطـلع تشـوف شغلك ولا إية يا دوك، هنقضيها سرحـان ؟
ومن أكثر منه شوقًا لرؤية معشوقتـه التي لا يعادل ربعها حتى من ذاك الشرود المكروه أحيانًا !!!!؟
رمق سليم بنظرات امتنان وهو يقول :
_ لا طبعًا، أكيد هي فين أوضتها ؟
أشار له سليم واحدى الخدم يقترب :
_ علي هيوريهالك، والمساعدة معاها فوق عشان لو احتاجت حاجة
اومـأ ياسين بابتسامة مشتاقة :
_ ماشي بعد اذنك هطلع انا بقـا
وغادر على عقبيـه تاركًا ذاك الصقـر الذي لمستـه كلمات ياسين العاشقة بحق !!!
واخذ يتساءل بحيرة شاردة .. متمنية
” هل قد أقـع يومًا فريسة لذلك العشق ؟! “
**********
” وعندمـا يصبـح الألم جزءً لا يتجـزء منك، لا تعترضه ولا يعترضـك، فيتسلل لخلايـاك كمخـدر .. مؤلم حد المـوت ” !!!!
لم تعـد ” رقية ” تشعـر بجسدها من كثـرة الضـربات التي تلقتها من هنا وهنـاك، شفتاهـا الوردية أصبحـت حمراء كلون الدمـاء !!
ولكن .. فلنحذف – كـَ – فهي فعليًا أصبحت غلافها الدمـاء، تضامنًا مع اجزاء جسدها التي مالت للأحمرار الزائـد ..
ولا مـانع من سبـاب وكلمات لم تطرق على أذنيها من قبل !!!!!
وماذا كانـت تتوقـع رد فعلاً أقل من هذا ؟!
حرمـانه من شعور الأب .. وتلك المعاناة التي عاشوها سويًا بالطبع امرًا لن يمر مرور الكـرام !!
ولكنها في نفس الوقت لم تتـوقـع ألا يترك جزءً بجسدها إلا وترك عليه اثرًا يذكرها بفعلتها الشنيعة !!!!!!!
جلست في أخـر الفـراش تضـم ركبتيهـا إلى صدرهـا، تكتبت تلك الدقـات التي تحاول تقديم عذرًا لعاشق كاد يزهق روح معشوقته ولكن لم تجد !!!!!
وخـرج هو من المرحـاض ليجدها على هيئتها تلك ..
لم يركض لها ولم يحبسها بإحضانـه ولم يعتذر لها عن رد فعل كان عنيفًا بشكل مُقهـر !!!!
بل أتجه للدولاب الخاص به ليرمقها بنظـرات باردة قبل أن يقول بنبرة توازي تلك النبرة :
_ إنتِ لسة قاعدة كدة لية ؟ أوعي تقولي إنك موجوعة من الضرب !؟
لم تـرد بالطـبع .. وأين لسانها السليط من الأسـاس ليـرد الان !!؟
جُـرح وينزف كمـا جُرح قلبها قبل جسدهـا، لتتيقن أنهـا اصبحت عنده تحت خانة
” القمـامـة !!!!! “
أقتـرب منها فعـادت للخلف أكثر تتحاشى نظراته التي تُكمـل عليها قتلاً لتسمعه يقول :
_ لا لا مش من حقك خالص، إنتِ كدة اخدتِ نص الجـرعة بس، لسة النص التاني مايخطرش على بالك أصلاً
كـز على أسنانه بغيظ يخرج مفترقًا منه ليتابـع بغـل واضح :
_ إية يا حبيبتي، كنتِ متوقعة إية مني كـراجل أتعذب واتضغط وحزن واتقهر لما عرف إن مراته مابتخلفش، وبعدها بمنتهى البساطة عرف إنها هي اللي حرمته وحرمت نفسها مش اكتر
بدءت هي بالبكـاء الحـاد، ذاك البكاء الذي إختزنتـه لفترة طويلة إلى حدًا ما ..
إزداد شعور النـدم بجوار الألم فلم تعد لها قدرة أكثر على الأختـزان !!!!!
وأمسك ذراعيها يهزها بقوة صارخًا :
_ لا يا رقية لاا، أنا مش بطل مسلسل ولا فيلم هقولك إتس أوكيه يا بيبي فداكِ ما كلنا بنغلط، إنتِ غلطك كان مع سبق الإصرار والترصد للأسف !!!!
نهـض وهو ينظـر للجهة المقابلة ماسحًا على شعـره بغضب، ليصدح صوته معلنًا أوامره بشخصيته الجديدة – القاسية – :
_ اسمعي بقا يا بنت الناس، أهلك ناس محترمين على عيني وعلى راسي، لذلك هما مش هيعرفوا أي حاجة، كفاية عليهم مـوت بنتهـم الوحيدة الأصيلة، قسمًا بربي اللي ما بحلف بيه كدب يا رقية، لو شموا خبر بس باللي بيحصل بينا لأخليكِ ماتشوفيش الشمس تاني، وماتنسيش إنك لسة مراتي … للأسف !!
قال كلمته الأخيرة وهو يلتفت لها بنظـرة عميقة متأسفة فعليًا ..
واخيرًا خرج صوتها ضعيفًا مبحوحًا :
_ خلصت كل كلامك وإهاناتك وأوامـرك
اومـأ ساخرًا بجمود :
_ اه، عند حضرتك أي تعليق
هـزت رأسها نافية وهي تنظـر ارضًا :
_ وأنا عليّ التنفيذ
أشـار لها متابعًا بحدة :
_ هنزل تحت أعتذر لجدي واقعد معاه شوية، أطلع الاقي الأوضة دي زي الفل، وأنتِ محضرة لي الأكل بنفسك مش حد من الخدم
ثم صرخ بصوت عالي إلى حدًا ما :
_ سااامعة
اومـأت بضعف هامسة :
_ سامعة
استـدار مغادرًا، كالأعصار الذي دمر كل شيئ بنجاح ثم غادر ببرود ظاهري !!!
نهضت وهي تتأوه من الألم الذي يجتاحها كليًا ..
ووقـع نظرها على ذاك – الدواء – وفي قرارة نفسها تلعن ذاك اليوم الذي قررت فيه ذلك القرار المخزي !!
وبلا تـردد اتكأت تمسـك به ثم اتجهت للشرفة تفتحهـا لتلقي به مع زفرة قويـة مشتعلة بشحنات حانقة من نفسها قبل أي شيئ !!!!!!!
**********
بمجـرد دلـوف ياسيـن إلى الغرفـة حتى وجدها كالعادة شـاردة في مـٰلكـوت أخـر !!
مٰـلكـوت لم تكـن به ضحيـة ..
بل كانت القاضـي الذي يحكم كيفمـا شـاء وأينما شـاء !!!!!
مـلكـوت هي به سلطانة متوجه على عرش القوة، وليست ذبيحـة مُقدمة لذئاب بشرية !!!!!!!
أقتـرب منها ينتحنح بهمس حنون :
_ نادووو
وحانت منهـا إلتفاتـه صغيرة مع نصف ابتسامـة وهي تبادله الهمس المنقطع :
_ يـ ياسين !!!
وإنفجـرت أساريره من أستجابتها التي شعـر انه سيمـوت حتمًا قبل أن يلقاها !!!
وفي قامـوسه ” تجاوبت معه يعني أن قلبهـا كاد يمتزج بذاك الشـوق والعشق الذي يعتصره “
وفي حد ذاتـه هذا يُعد إنجـاز !!
جلـس بجـوارها ليبدء بسؤاله الهادئ :
_ عاملة إية النهـاردة ؟ أكيد القعدة هنا أحسن من الدار مليون مـرة
ظلت كما هي فسألها بتوجس :
_ لسة بتجيلك الكوابيس اللي بتصحي مفزوعة منها ؟!
ظـلت تهـز رأسـها مؤكدة بقوة .. بدمـوع جاءت مجاورة لتيـارات جارفة من الألم لتلك الذكريات أو المعنى الأصح – تلك الكوابيس – التي ترغب في محوها نهائيًا !!!!
ليمسـد على شعـرها بحنان صادق قبل أن يستطرد ؛
_ لو تحكي لي، لو تخرجي اللي جواكِ وتشوفي وتعرفي أنا حبيتك إزاي هترتاحي، والله هترتاحـي وهتريحيني معاكِ
تنهـد قبل أن يبـدء اسئلته النفسية المعتادة ؛
_ مين أكتر حد بتحبيه ؟
لم تستجيب .. صمت فقط من تلقاه كالعادة، ليسألها مرة اخرى بتركيز :
_ طب مين اكتر شخص بتكرهيه، او اكتر شخص اذاكِ ؟
صمت .. يتبـعه همسه مختنقة منها :
_ حــازم !!!
أبتسـم بسعادة وهو يتابع مترجيًا :
_ طب لية يا نادين ؟ لية بتكرهيه ومين حـازم ؟
أجابت بنفس الشـرود المختنق :
_ شيطـان !!!
وقد تكـون تلائمت الخيوط مع بعضهـا إلى حدًا ما بين جنبـات عقله ..
الان أدرك ولو قليلاً، من أذاهـا – حازم –
حازم فقط من ترك اثرًا عميقًا يتوسطه لقبًا قد يكون يناسبه – الشيطان – !!!!
مسـح على شعـرها بكل ذرة حنان يمتلكهـا ليهمس بعدها بتصميم :
_ هاتخفي يا نادين، هاتخفي وهتنتقمي من اللي عمل فيكِ كدة
ثبـتت يـداها على يـده بابتسامة صغيرة زينت ثغرهـا الأبيض .. وهي تهمس باسمه كأنها طفلة تردد :
_ ياسيـن !!!
زفـر هو بقـوة ليتمالـك نفسـه قبل أن يكمل جلسته العلاجيـة المعتـادة .. والتي يتجدد بها الأمـل في شفاء تلك المعشوقة !!!!!!
***********
” والـذبـلان .. إحـدى علامـات قرب الأنهيـار العـام، قرب الدمـار الكلي والمحتوم ” !!!
يبتسم ويتحدث ويتحاور ويهنئ وينام، ولكـن .. يبقـى شيئً ما يُنغـز عليه هدوءه المؤلـم ليذكـره بـ – الغالية – التي لم ولن ينساهـا من الأساس !!!
لم تكـن حفيدتـه فقط .. بل كانت أبنتـه وإن كـره الاخرون !!!
عاد بظهـره للخـلف يتسطح على الفـراش، يغمـض عينـاه وهو يعود بذاكرته لسابقًا يتذكـر ما كان قد يريده من – المحامي الخاص به –
يتذكر رغبته في تغيير الوصية لتصبح بأسم ابنه وحفيدته ” رقية ” فقط بعدما كانت تستحـوذ ” سيلا ” على النصيب الأكبر !!!
يتذكـر شعوره الذي نهره لتلك الفعله، شعوره الذي تأجج بداخله يدعوه للأنتظـار، يصدح بداخله
” هي مازالت على قيد الحياة .. تمهل “
وبالفعل انتظـر .. انتظر وسينتظر ما دام به نفس، سيظل يبحث عنها حتى يذهـب لها، في عالمًا ليس به فـراق أو حزن !!!!
وتنهـد وهو يسترجـع ما جعـله يقوم بعـزاء لـ ” سيلا ” …
عل هؤلاء الأوغـاد إن كانت معهم يتركونـها لأعتقادهم أن اهلها قد فقدوا الأمل !!
ولكنه لن يبعث الأمل في نفوس الاخرين بأحتمال استمرار سيلا على قيظ الحياة، فيأتي الخبر الصادم الحقيقي ويطفئ شعاع الأمل الوحيد .. بلهيبًا من نار الفـراق !!!!!!!
و ………..
فلاش بــاك ##
_ لاااااا يا عثمـان لاااا، قولت مش هتتجوز البـت دي يا عثمان كله إلا دي
قالها ” نصـار ” بغضب حارق يحتل كيانـه لأبنه الأكبر ” عثمـان ” الذي يقـف امامه متمثلاً لكل معاني الأصرار والرغبة ..
ليرد هو مندفعًا برجاء :
_ لية يا بابا، لية حرام عليك تحرمني من البنت الوحيدة اللي حبيتها
هـز رأسه نافيًا وهو يبـرر :
_ يا حبيبي عيلتها في بينا وبينهم مشاكل لا تعد ولا تحصى، وانت عارف كدة كويس، يبقى لية تفتح القديم تاني ؟
صرخ بنفاذ صبر واصرار :
_ لأني بحبها، انا مليش دعوة باللي حصل بينكم وبين عيلتها زمان، احنا ولاد النهاردة يا بابا
هـز نصار رأسه نافيًا بجمود :
_ لا، حتى لو أنا وافقت اهلها مش هيوافقوا
قال عثمـان مسرعًا بلهفة :
_ وافق انت بس يا بابا ارجووووك
تابع نصـار زافرًا بضيق :
_ البنت لو هربت من أهلها العداوة هتتفتح تاني، ومش بعيد يبقى فيه دم كمان !!!!!
وإن وُجـد سدًا من جهـة .. وسدًا أقوى من الجهة الأخرى، لا يبقـى امامك سوى اختيار واحد واخير
” المراوغة الٱجباريـة ” !!!!
تنهـد عثمان قبل أن يقول عازمًا على الحفاظ على نبتـه نَمت بداخله لن يميتها بسموم الماضي :
_ أنا هاتجوزها يا بابا، حتى لو اضطريت اخدها واهرب أنا وهي من البلد كلها
بـــاك …
كـادت تفـر دمعة هاربة من أعين ” نصـار ” وهو يهمس بنـدم :
_ ياريتني سيبتك تتجوزها يابني مكنتش هربت وبعدت عني وعن أهلك ومعرفش عنك اي حاجة، غير إنك مُـت يا ضنايا !!!!!!!!!!!
***********
” وإن كـان القـرار وحـده لا يجـدي نفعًا، فعندمـا يُغلـف القـرار بالإصرار القوي للفرار من أهانـات مميتـة، فسيجدي نفعًا بالتأكيـد ” !!!!!!
مسحـت سيلا دمعة كانت كالدماء تقطر من بحر عيناها المشتـاق .. الملتهب !!
لتنهـض وهي تنظـر حولها هنا وهناك، هذه المرة لن يوقفها مخلوقًا !!!
ستفـر هاربة ولن تعـود، وإن كان هذا الهرب تأخر قليلاً اجباريًا فهذه المرة ستدعو من كل قلبها أن تنجح في الهـرب ..
ستخلف وعدها بالانتظار لشهرًا حتى يجد ” الصقر ” خادمة اخرى ..
ولكـن لا يهـم .. لا وعوود ولا قلق ولا إنتظار سينقذهـا من قبضة الصقر عندما يعلم حقيقتها !!!
الفرار افضل حل على أي حـال ….
سـارت على اطـراف اصابعها نحو البـاب وعيناها تتفحص المكـان من حولها ..
وفتحت البـاب ببطئ شديد حتى لا تيقظ ذاك العامـل، وما إن اخرجت قدمها لتسير حتى وجدت من يقيد حركتها من الخلف ويضع يداه على فاهها حتى يمنعها من الصراخ و…….. !!
الفصل الثـامـن عـشـر :
” وهل رأيـت من أحب الكـذب يومًا ” ؟!
بالطـبع لا، ولكن هي أحبته .. لا بل هللت ورحبـت بكذبـة جعلت قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعهـا من إضطراب دقاته العاشقـة !!!
دقاتـه التي لم يُعتـرف بها حتى الان !؟
وشم وشمًا لا يزول حتى بالنيـران !!!!
وشمًا كان أساسـه نيران – متملكـة – !!
أقتـربت منهم لتضـع الأكواب امام ياسين الذي قـال بابتسامة :
_ تسلم إيدك يا مدام
وردت بتلقائية ادهشتـه :
_ أنا أنسة مش مدام
رفـع حاجبه الأيسر وهو يسألها متعجبًا :
_ هو مش حضرتك مدام سليم ؟
والأجابة لم تكـن من حقهـا تلك المـرة، تكفلت ” دارين ” بأجابة مخصبة بالإهانة كعادتها :
_ لأ طبعًا، أنا مدام سليم، دي الخدامة، مش معقول مش باين على لبسها ؟!!!
هـزة رأس بسيطة مع ردًا أكثر احراجًا لها :
_ بصراحة اه مش باين، الأنسة ماشاء الله شيـك جدًا واللي يشوفها يقول ست بيت، مش بتشتغل هنا خالص يعني
وتعمـد إزالـة كلمة ” خدامـة ” التي وضعتها هي مسبقًا من كلامه ..
ربمـا شفقةً على تلك المسكينة التي تلـون وجهها بألف لونًا ولون !!
الأحمـر .. لون الخجل والغضب معًا
والأصفر .. من إهانـة باتت دورية تعاد عليها مرارًا وتكرارًا !!!!!
وهنا نطـق سليم بجديـة :
_ خلاص روحي إنتِ يا سيلا
همس ياسيـن بابتسامة ودودة :
_ كمان سيلا، أسم جميل أوي
وأشتعلت نارًا بصـدره من مغازلـة صريحة لا يستطـيع التغاضي عنها !!!
تؤرق دقات قلبه الذي جهر بالأعتـراض، وتكسح أي هدوء او راحة تقابلها !!!!
فصاح فيه بحدة :
_ خلاص يا دكتـور ياريت تحترم البيت والراجل اللي أنت قاعد معاه
غمغم معتذرًا بصدق :
_ معلش يا أستاذ سليم، أنا بس بديت إعجابي بالأنسة لكن مش قصدي أي حاجة تاني يعني
نظـر سليم لسيلا يزمجـر فيها غاضبًا من إستقبالها لتلك المغازلة على وتيرة الصمت :
_ ما خلاااص مش قولت إمشي مستنية إية، امشييي
وهمست بصوت شبه باكٍ :
_ عن اذنكـم
ثم أستـدارت لتذهـب وهي تكبح دموعها بصعوبة كعادتها ..
أصبحت متيقنة أنها لن تكـون في صراع مع تلك ” العقربة ” أو صقرهـا إلا وتخرج منهزمة مُهانـة منه !!!!!
هي لم تكـن ضعيفة يومًا هكذا ..
لم تكن تصمت عن الإهانـة ابدًا، ولكن تلك الرهبة هي من تمنعها من الدفاع عن نفسها دومًا !!!!!!
نظـر سليم لدارين يقول ببرود :
_ يلا يا دارين روحي شوفي وراكِ إية، أنا ودكتور ياسين هنتكلم في حاجة خاصة
اومـأت موافقة بامتعاض لتنهض :
_ أوكيه، هستناك في أوضتك يا سليم، عن اذنك، عن اذنك يا دكتور
همس ياسين ببلاهـه :
_ أتفضلي اتفضلي
أستفـاق من الحـوار الذي حدث امامه وكان أشبـه لــ – مسلسل مصري ساخر – على صوت سليم الأجش :
_ أتفضل يا دكتور قول حضرتك كنت عايز إية ؟
منذ ثواني كان المشاهد .. الان سيصبح الضحية التي يشاهدها المشاهدون بالتأكيد !!
قال لنفسه هكذا قبل أن يرمق سليم بنظرة جادة قائلاً :
_ بما إنك تعتبر أخو نادين، وأهلها وكل حاجة ليها، فـ أنا كنت عايز أتكلم معاك في حاجة بخصوصها
سأله سليم متوجسًا :
_ إية هي، ادخل في الموضوع على طول من غير مقدمات يا دكتور
اومـأ ياسين متابعًا وقد تحلى ببعضًا من الشجاعة :
_ أنا كنت عاوز أطلب ايديها منك
رمقـه سليم بنظرات متعجبـة .. أي زواج يريد حدوثه هذا ؟!
أي رابطًا يجبـره على الزواج ممن قد لا تُشفى لاحقًا !!!!
زواج ممن لا تـدرك ما يحدث حولها حتى الان !!!!!؟
وهمس بسذاجة :
_ إزاي يعني ؟
رفـع ياسين كتفيه مجيبًا ببساطة :
_ جواز على سنة الله ورسوله يا سليم
أستعـاد سليم رباطة جأشـه وهو يسأله بجدية :
_ لية يعني ؟ إستحالة تكون دايب في نظراتها، أو تكون شايف فيها زوجة مناسبة وهي أصلا مابتعملش حاجة
شـرد في اللحظـات القليلة التي جمعته بهـا، في لحظـات خلدت بين جدران ذاكرته بحـروف لامعـة بعشقًا – غريب – إلى حدًا ما !!!
ليتنهـد مردفًا :
_ اه، تقدر تقول دايب في نظراتها، أنا نفسي مستغرب نفسي إزاي ويعتبر الحوار ما بينا من طرفي أنا بس، لكن أساسًا انا كنت بشوف نادين من بدري، من ساعة ما أنت جيبتها الـدار معاك
اومـأ سليم وهو ينظـر له متفحصًا هيئته الشاردة فيما هو متأكد منه، ليهتف بابتسامة عادية :
_ تمام، إن شاء الله هرد عليك قريبًا، وتكون قولت لأهلك عشان يجوا معاك لو في نصيب بأمر الله
اومـأ ياسين مهللاً بفرحـة زالت نصفها من بروده كلماته الثقيلة :
_ بأذن الله، أكيد
ثم همـس بخلده في حيرة تملكت منه :
_ وأنا هقـنع أبويا إزاي بس ياربي !!!!!
عاد على صـوت سليم المازح :
_ طب يلا مش هتطـلع تشـوف شغلك ولا إية يا دوك، هنقضيها سرحـان ؟
ومن أكثر منه شوقًا لرؤية معشوقتـه التي لا يعادل ربعها حتى من ذاك الشرود المكروه أحيانًا !!!!؟
رمق سليم بنظرات امتنان وهو يقول :
_ لا طبعًا، أكيد هي فين أوضتها ؟
أشار له سليم واحدى الخدم يقترب :
_ علي هيوريهالك، والمساعدة معاها فوق عشان لو احتاجت حاجة
اومـأ ياسين بابتسامة مشتاقة :
_ ماشي بعد اذنك هطلع انا بقـا
وغادر على عقبيـه تاركًا ذاك الصقـر الذي لمستـه كلمات ياسين العاشقة بحق !!!
واخذ يتساءل بحيرة شاردة .. متمنية
” هل قد أقـع يومًا فريسة لذلك العشق ؟! “
**********
” وعندمـا يصبـح الألم جزءً لا يتجـزء منك، لا تعترضه ولا يعترضـك، فيتسلل لخلايـاك كمخـدر .. مؤلم حد المـوت ” !!!!
لم تعـد ” رقية ” تشعـر بجسدها من كثـرة الضـربات التي تلقتها من هنا وهنـاك، شفتاهـا الوردية أصبحـت حمراء كلون الدمـاء !!
ولكن .. فلنحذف – كـَ – فهي فعليًا أصبحت غلافها الدمـاء، تضامنًا مع اجزاء جسدها التي مالت للأحمرار الزائـد ..
ولا مـانع من سبـاب وكلمات لم تطرق على أذنيها من قبل !!!!!
وماذا كانـت تتوقـع رد فعلاً أقل من هذا ؟!
حرمـانه من شعور الأب .. وتلك المعاناة التي عاشوها سويًا بالطبع امرًا لن يمر مرور الكـرام !!
ولكنها في نفس الوقت لم تتـوقـع ألا يترك جزءً بجسدها إلا وترك عليه اثرًا يذكرها بفعلتها الشنيعة !!!!!!!
جلست في أخـر الفـراش تضـم ركبتيهـا إلى صدرهـا، تكتبت تلك الدقـات التي تحاول تقديم عذرًا لعاشق كاد يزهق روح معشوقته ولكن لم تجد !!!!!
وخـرج هو من المرحـاض ليجدها على هيئتها تلك ..
لم يركض لها ولم يحبسها بإحضانـه ولم يعتذر لها عن رد فعل كان عنيفًا بشكل مُقهـر !!!!
بل أتجه للدولاب الخاص به ليرمقها بنظـرات باردة قبل أن يقول بنبرة توازي تلك النبرة :
_ إنتِ لسة قاعدة كدة لية ؟ أوعي تقولي إنك موجوعة من الضرب !؟
لم تـرد بالطـبع .. وأين لسانها السليط من الأسـاس ليـرد الان !!؟
جُـرح وينزف كمـا جُرح قلبها قبل جسدهـا، لتتيقن أنهـا اصبحت عنده تحت خانة
” القمـامـة !!!!! “
أقتـرب منها فعـادت للخلف أكثر تتحاشى نظراته التي تُكمـل عليها قتلاً لتسمعه يقول :
_ لا لا مش من حقك خالص، إنتِ كدة اخدتِ نص الجـرعة بس، لسة النص التاني مايخطرش على بالك أصلاً
كـز على أسنانه بغيظ يخرج مفترقًا منه ليتابـع بغـل واضح :
_ إية يا حبيبتي، كنتِ متوقعة إية مني كـراجل أتعذب واتضغط وحزن واتقهر لما عرف إن مراته مابتخلفش، وبعدها بمنتهى البساطة عرف إنها هي اللي حرمته وحرمت نفسها مش اكتر
بدءت هي بالبكـاء الحـاد، ذاك البكاء الذي إختزنتـه لفترة طويلة إلى حدًا ما ..
إزداد شعور النـدم بجوار الألم فلم تعد لها قدرة أكثر على الأختـزان !!!!!
وأمسك ذراعيها يهزها بقوة صارخًا :
_ لا يا رقية لاا، أنا مش بطل مسلسل ولا فيلم هقولك إتس أوكيه يا بيبي فداكِ ما كلنا بنغلط، إنتِ غلطك كان مع سبق الإصرار والترصد للأسف !!!!
نهـض وهو ينظـر للجهة المقابلة ماسحًا على شعـره بغضب، ليصدح صوته معلنًا أوامره بشخصيته الجديدة – القاسية – :
_ اسمعي بقا يا بنت الناس، أهلك ناس محترمين على عيني وعلى راسي، لذلك هما مش هيعرفوا أي حاجة، كفاية عليهم مـوت بنتهـم الوحيدة الأصيلة، قسمًا بربي اللي ما بحلف بيه كدب يا رقية، لو شموا خبر بس باللي بيحصل بينا لأخليكِ ماتشوفيش الشمس تاني، وماتنسيش إنك لسة مراتي … للأسف !!
قال كلمته الأخيرة وهو يلتفت لها بنظـرة عميقة متأسفة فعليًا ..
واخيرًا خرج صوتها ضعيفًا مبحوحًا :
_ خلصت كل كلامك وإهاناتك وأوامـرك
اومـأ ساخرًا بجمود :
_ اه، عند حضرتك أي تعليق
هـزت رأسها نافية وهي تنظـر ارضًا :
_ وأنا عليّ التنفيذ
أشـار لها متابعًا بحدة :
_ هنزل تحت أعتذر لجدي واقعد معاه شوية، أطلع الاقي الأوضة دي زي الفل، وأنتِ محضرة لي الأكل بنفسك مش حد من الخدم
ثم صرخ بصوت عالي إلى حدًا ما :
_ سااامعة
اومـأت بضعف هامسة :
_ سامعة
استـدار مغادرًا، كالأعصار الذي دمر كل شيئ بنجاح ثم غادر ببرود ظاهري !!!
نهضت وهي تتأوه من الألم الذي يجتاحها كليًا ..
ووقـع نظرها على ذاك – الدواء – وفي قرارة نفسها تلعن ذاك اليوم الذي قررت فيه ذلك القرار المخزي !!
وبلا تـردد اتكأت تمسـك به ثم اتجهت للشرفة تفتحهـا لتلقي به مع زفرة قويـة مشتعلة بشحنات حانقة من نفسها قبل أي شيئ !!!!!!!
**********
بمجـرد دلـوف ياسيـن إلى الغرفـة حتى وجدها كالعادة شـاردة في مـٰلكـوت أخـر !!
مٰـلكـوت لم تكـن به ضحيـة ..
بل كانت القاضـي الذي يحكم كيفمـا شـاء وأينما شـاء !!!!!
مـلكـوت هي به سلطانة متوجه على عرش القوة، وليست ذبيحـة مُقدمة لذئاب بشرية !!!!!!!
أقتـرب منها ينتحنح بهمس حنون :
_ نادووو
وحانت منهـا إلتفاتـه صغيرة مع نصف ابتسامـة وهي تبادله الهمس المنقطع :
_ يـ ياسين !!!
وإنفجـرت أساريره من أستجابتها التي شعـر انه سيمـوت حتمًا قبل أن يلقاها !!!
وفي قامـوسه ” تجاوبت معه يعني أن قلبهـا كاد يمتزج بذاك الشـوق والعشق الذي يعتصره “
وفي حد ذاتـه هذا يُعد إنجـاز !!
جلـس بجـوارها ليبدء بسؤاله الهادئ :
_ عاملة إية النهـاردة ؟ أكيد القعدة هنا أحسن من الدار مليون مـرة
ظلت كما هي فسألها بتوجس :
_ لسة بتجيلك الكوابيس اللي بتصحي مفزوعة منها ؟!
ظـلت تهـز رأسـها مؤكدة بقوة .. بدمـوع جاءت مجاورة لتيـارات جارفة من الألم لتلك الذكريات أو المعنى الأصح – تلك الكوابيس – التي ترغب في محوها نهائيًا !!!!
ليمسـد على شعـرها بحنان صادق قبل أن يستطرد ؛
_ لو تحكي لي، لو تخرجي اللي جواكِ وتشوفي وتعرفي أنا حبيتك إزاي هترتاحي، والله هترتاحـي وهتريحيني معاكِ
تنهـد قبل أن يبـدء اسئلته النفسية المعتادة ؛
_ مين أكتر حد بتحبيه ؟
لم تستجيب .. صمت فقط من تلقاه كالعادة، ليسألها مرة اخرى بتركيز :
_ طب مين اكتر شخص بتكرهيه، او اكتر شخص اذاكِ ؟
صمت .. يتبـعه همسه مختنقة منها :
_ حــازم !!!
أبتسـم بسعادة وهو يتابع مترجيًا :
_ طب لية يا نادين ؟ لية بتكرهيه ومين حـازم ؟
أجابت بنفس الشـرود المختنق :
_ شيطـان !!!
وقد تكـون تلائمت الخيوط مع بعضهـا إلى حدًا ما بين جنبـات عقله ..
الان أدرك ولو قليلاً، من أذاهـا – حازم –
حازم فقط من ترك اثرًا عميقًا يتوسطه لقبًا قد يكون يناسبه – الشيطان – !!!!
مسـح على شعـرها بكل ذرة حنان يمتلكهـا ليهمس بعدها بتصميم :
_ هاتخفي يا نادين، هاتخفي وهتنتقمي من اللي عمل فيكِ كدة
ثبـتت يـداها على يـده بابتسامة صغيرة زينت ثغرهـا الأبيض .. وهي تهمس باسمه كأنها طفلة تردد :
_ ياسيـن !!!
زفـر هو بقـوة ليتمالـك نفسـه قبل أن يكمل جلسته العلاجيـة المعتـادة .. والتي يتجدد بها الأمـل في شفاء تلك المعشوقة !!!!!!
***********
” والـذبـلان .. إحـدى علامـات قرب الأنهيـار العـام، قرب الدمـار الكلي والمحتوم ” !!!
يبتسم ويتحدث ويتحاور ويهنئ وينام، ولكـن .. يبقـى شيئً ما يُنغـز عليه هدوءه المؤلـم ليذكـره بـ – الغالية – التي لم ولن ينساهـا من الأساس !!!
لم تكـن حفيدتـه فقط .. بل كانت أبنتـه وإن كـره الاخرون !!!
عاد بظهـره للخـلف يتسطح على الفـراش، يغمـض عينـاه وهو يعود بذاكرته لسابقًا يتذكـر ما كان قد يريده من – المحامي الخاص به –
يتذكر رغبته في تغيير الوصية لتصبح بأسم ابنه وحفيدته ” رقية ” فقط بعدما كانت تستحـوذ ” سيلا ” على النصيب الأكبر !!!
يتذكـر شعوره الذي نهره لتلك الفعله، شعوره الذي تأجج بداخله يدعوه للأنتظـار، يصدح بداخله
” هي مازالت على قيد الحياة .. تمهل “
وبالفعل انتظـر .. انتظر وسينتظر ما دام به نفس، سيظل يبحث عنها حتى يذهـب لها، في عالمًا ليس به فـراق أو حزن !!!!
وتنهـد وهو يسترجـع ما جعـله يقوم بعـزاء لـ ” سيلا ” …
عل هؤلاء الأوغـاد إن كانت معهم يتركونـها لأعتقادهم أن اهلها قد فقدوا الأمل !!
ولكنه لن يبعث الأمل في نفوس الاخرين بأحتمال استمرار سيلا على قيظ الحياة، فيأتي الخبر الصادم الحقيقي ويطفئ شعاع الأمل الوحيد .. بلهيبًا من نار الفـراق !!!!!!!
و ………..
فلاش بــاك ##
_ لاااااا يا عثمـان لاااا، قولت مش هتتجوز البـت دي يا عثمان كله إلا دي
قالها ” نصـار ” بغضب حارق يحتل كيانـه لأبنه الأكبر ” عثمـان ” الذي يقـف امامه متمثلاً لكل معاني الأصرار والرغبة ..
ليرد هو مندفعًا برجاء :
_ لية يا بابا، لية حرام عليك تحرمني من البنت الوحيدة اللي حبيتها
هـز رأسه نافيًا وهو يبـرر :
_ يا حبيبي عيلتها في بينا وبينهم مشاكل لا تعد ولا تحصى، وانت عارف كدة كويس، يبقى لية تفتح القديم تاني ؟
صرخ بنفاذ صبر واصرار :
_ لأني بحبها، انا مليش دعوة باللي حصل بينكم وبين عيلتها زمان، احنا ولاد النهاردة يا بابا
هـز نصار رأسه نافيًا بجمود :
_ لا، حتى لو أنا وافقت اهلها مش هيوافقوا
قال عثمـان مسرعًا بلهفة :
_ وافق انت بس يا بابا ارجووووك
تابع نصـار زافرًا بضيق :
_ البنت لو هربت من أهلها العداوة هتتفتح تاني، ومش بعيد يبقى فيه دم كمان !!!!!
وإن وُجـد سدًا من جهـة .. وسدًا أقوى من الجهة الأخرى، لا يبقـى امامك سوى اختيار واحد واخير
” المراوغة الٱجباريـة ” !!!!
تنهـد عثمان قبل أن يقول عازمًا على الحفاظ على نبتـه نَمت بداخله لن يميتها بسموم الماضي :
_ أنا هاتجوزها يا بابا، حتى لو اضطريت اخدها واهرب أنا وهي من البلد كلها
بـــاك …
كـادت تفـر دمعة هاربة من أعين ” نصـار ” وهو يهمس بنـدم :
_ ياريتني سيبتك تتجوزها يابني مكنتش هربت وبعدت عني وعن أهلك ومعرفش عنك اي حاجة، غير إنك مُـت يا ضنايا !!!!!!!!!!!
***********
” وإن كـان القـرار وحـده لا يجـدي نفعًا، فعندمـا يُغلـف القـرار بالإصرار القوي للفرار من أهانـات مميتـة، فسيجدي نفعًا بالتأكيـد ” !!!!!!
مسحـت سيلا دمعة كانت كالدماء تقطر من بحر عيناها المشتـاق .. الملتهب !!
لتنهـض وهي تنظـر حولها هنا وهناك، هذه المرة لن يوقفها مخلوقًا !!!
ستفـر هاربة ولن تعـود، وإن كان هذا الهرب تأخر قليلاً اجباريًا فهذه المرة ستدعو من كل قلبها أن تنجح في الهـرب ..
ستخلف وعدها بالانتظار لشهرًا حتى يجد ” الصقر ” خادمة اخرى ..
ولكـن لا يهـم .. لا وعوود ولا قلق ولا إنتظار سينقذهـا من قبضة الصقر عندما يعلم حقيقتها !!!
الفرار افضل حل على أي حـال ….
سـارت على اطـراف اصابعها نحو البـاب وعيناها تتفحص المكـان من حولها ..
وفتحت البـاب ببطئ شديد حتى لا تيقظ ذاك العامـل، وما إن اخرجت قدمها لتسير حتى وجدت من يقيد حركتها من الخلف ويضع يداه على فاهها حتى يمنعها من الصراخ و…….. !!