رواية سيدة العشق الفصل الاربعون 40 بقلم ايمان احمد
رواية سيدة العشق الفصل الاربعون 40 بقلم ايمان احمد
الفصل (40)
= الجزء الاول من النهاية =
سيدة_العشق
” و أنا مش موافق”
قالها و هو يمسك بكتفيها قبل ان يضمها اليه ويردف قائلا : احنا عمرنا ما بعدنا عن بعض .. غير بسبب شغلي و حاليا انا في اجازة ومش مستعد انك تبعدي عني لحظة واحدة.
ابتعدت عنه قليلا تنصب ظهرها لتنظر اليه بعينين يملأهما الاصرار : حبيبي أنا هستناك تيجي تزورني ..(زمت شفتيها بطفولية ثم اردفت ) و لا انت مش ناوي تيجي لي بقي و الينا هتاخدك مني ؟!
احتضن وجهها الصغير بيده ثم أجابها بنبرة حب دافئة ككوب قهوة دافئ في ليلة باردة : أنا مفيش حاجه علي وجه الأرض تقدر تاخدني منك , وانتي عارفه دا كويس.
ابتسمت له بعذوبة و هي ترمش بأهادبها مؤكدة : عارفه, بس ماننكرش ان اللي يتجوز واحده زي الينا ينسي نفسه والدنيا بحالها مش اخته بس.
شرد قليلا في صورة المذكورة في الحديث لتبتسم شفتاه و تلمع عيناه ببريق لم يلحظه سوي تلك التي تجلس أمامه مبتسمة تناديه وهو لا يجب : لااا دا انت شكلك واقع .. طيب مابدهش بقي.
اقتربت منه قليلا لتقرصه في وجنته لتنخزها منابت لحيته وتتأوه : ايه دا ؟ قلت لك احلق دقنك انت شوية وهتربطها بفيونكة .
قهقه من فعلتها ثم نغزها برفق في رأسها : مهما كبرتي هتفضلي عيله.. و شقيه.
– معنديش اغلي منك يا دومي اتشاقي عليه.
اتسعت ابتسامته أكثر ليقول : اتشاقي وادلعي براحتك , انتي كل حاجه ليا في الدنيا دي.. ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.. (قبل ان تجرفهما أمواج عاطفتهما الجياشة. انتصب واقفا ليقلب سجاج الأمر ) يلا يا ست الحلوين عشان تنامي بدري لان من بكره هنروح المستشفي سوا.
اعترضت قائلة باستياء : لا معلش سبني شويه اكمل قراءة الكتاب دا و بعدين هنام روح انت خليك جمب الينا ..
زاغت عيناه باحثة عن مهرب و لكن لا مفر فهي بالنهاية ستعلم انه طلقها و لكن لم يحن الوقت المناسب لتعلم لذلك اكتفي بابتسامة صغيرة كرد علي ما قالته ثم انحني ليطبع قبلة علي جبهتها هاتفا بحنان بالغ : تصبحي علي خير يا أميرتي.
– و انت من أهل الخير يا حبيبي.
خرج من غرفتها متوجها الي غرفة مكتبه , متجاهلا عمته التي لاقيته اثناء هبوطه الدرج..
” ماله دا ؟؟ لما اطلع اشوف البلوه اللي فوق وبعدين ابقي اشوف ايه حكايته دا ..”
ذلك ما قالته “بدور” حين تخطاها “ادم” ولم يلقي لها بالاً..
…………..
في احدي غرف القصر الفاخرة..
كان ممددا علي الفراش ينظر للسقف بجانبه زوجته التي يتحاشي النظر اليها فبسببها بدأ قلبه القاسي يلين بحبها الأبدي له.. و لكن ليس لها ذنب لتفني حياتها معه فهو الان طريح الفراش لا يقوي حتي علي التفوه بكلمة واحده .. هو الان علي اتم الاقتناع ان الله يرد المظالم الي اهلها يوما.. بالامس البعيد كان يتوعد لها بشر لـ خداعها له , و اليوم هي ترعاه في مرض ..
نظر اليها بطرف عينه ليجدها مازالت تحدق به رغم الشحوب الجلي علي وجهها الا انها مازالت تقاوم خشية ان يحتاج شيء و تكن نائمة.. انتفضت علي الفور حين نظر اليها تسأله متلهفة لخدمته : عاوز حاجه اجبهالك يا فخر بيه ؟
أومأ لها ليشير الي دفتر و قلم كانا موضوعين علي الطاولة المتواجده في الغرفة .. هرعت اليهما لتحضرهم اليه .. التقطتهم ثم عادت اليه لتضعهما اسف يده اليمني ليكتب لها ما يرد قوله : اتفضل اهم.. خبرني باللي عايزه.
كانت يده ترتعش لدرجة انه أوقع القلم من يده .. لتلتقطه هي وتوقفه بين اصبعيه السبابة والوسطي مرة أخري ليخطي ما كان يكتبه من جديد .. بعد دقيقة ناولها الدفتر لتقرأ هي أيضا بصعوبة : ان..انتي .. أكـ..أكلتي؟..(نظرت له لترد علي سؤاله بابتسامة ) ايوه لتكون شايل همي اياك؟!.. هههه .. ماتخافش مرتك مابتنساش روحها.
ابتسم لها ثم التقط الدفتر منها ليخبرها بان تذهب لتنم قليلا .. و لكنه قبل أن يخط كلمة واحده وجدا طرق يأتي من خلف الباب .. لتسرع “سميه” و ترتدي حجابها الثقيل علي رأسها لينزل عليها ويغطيها بالكامل ..
– مين ؟!
– أنا بدور.
اقتربت بخطي سريعة من الباب لتفتح لها و تنقض عليها تحتضنها بقوة : واه اتفضلي يا ست بدور .. يا مراحب .. اتوحشتينا جوي جوي.
احتضنتها “بدور” علي مضض فهي تكره وجودها هي و زوجها .. ولكن لا ترد ان تبدي مقتها للعلن فسيأتي دورهم في الانتقام..: اهلا بمرات اخويا .. ازيك يا سمية؟!
– زينة ..( أكملت بأسي و هي تنظر ناحية فخر ) .. بس فخر بيه زي ما انتي واعيه عليه اكده .. حاله مايسرش لا عدو ولا حبيب.
نظرت باتجاهه فوجدته مغمضا عينيه : هو نايم و لا ايه؟
– كان صاحي دلوجيت .. تلاجيه غفي شوي.
– هجي اشوفه بكره الصبح يكون ارتاح شويه.. و انتي لو احتاجتي اي حاجه انا اوضتي اللي جمبكم علي طول دي.
– منتحرمش منيك واصل يا عمتي.
ابتسمت “بدور” باستياء من لقبها التي ارفقته بها ثم اعترضت عليه بلباقة : قولي لي يا بدور بس يا سمية احنا مش في البلد احنا هنا في القاهرة و محدش عاد بيقول عمتي لاخت جوزها.. ماشي يا حبيبتي.
شعرت “سمية” باحراج منها فحديثها مبطن بإهانة خفية جعلتها تشعر بضيق و لكنها ردت : حاضر.
ربتت “بدور” علي كتفها برفق : تصبح علي خير يا حبيبتي.
– وانتي من اهل الخير.
أغلقت الباب خلفها ثم القت نظرة علي زوجها المدد في الفراش قبل ان تعود الي كرسيها وتتقوقع فيه علي نفسها .. ليسحبها سلطان النوم الي بلاطه قسرا فتقع في سطوته..
…………
بعد مدة من الانفراد بنفسه و تعلله لعمته حين أتته لتخاطبه برغبته في الجلوس منفردا ..
ليتذكر علي الفور ما اخبرته به “الينا” اليوم عن مكالمة عمته لشخص ما و تهديدها لـ “ماهر” ابن عم والدها..
– ياتري يا عمتي علاقتك ايه بـ ماهر دا؟!
تنهد بثقل ثم غادر الي من يهوي ضعفه أمامها.. دلف موصدا الباب خلفه بهدوء تام كي لا يقظها من نومها .. جلس علي الكرسي الفاخر الماثل في غرفته بثقل يشعر بروحه تتمزق بسلاسل من سعير لا يعلم بمن يثق .. كان يظن الأمر الذي تستره عمته عنه هو أباه فقط .. و لكن يبدو أن هنالك أسرار كثر.. تخفيها عنه..
اسند رأسه عل ظهر الكرسي الجاثم عليه ليغفو مكانه من كثرة الارهاق..
………..
في صباح اليوم التالي باكرا لاسيما في شقة زين العادلي..
تسلل الي مسامعه طرقا مضجرا .. جعله يلقي بالوسادة متكدرا علي ذلك الازعاج فهو لم ينل قسطه الكافي من النوم بعد ..
صاح بضجر و توعد لذلك الضيف المزعج : بطل خبط يا بهيمه انا مش هجي افتحلك طاير.
لم يهمد الطرق بل زادت قوته واضحي عنيفا .. مما جعل” زين” يتمتم بغيظ : يخربيتك هتكسر لي الباب يا بغل انت ..
فتح الباب و حينما هم بالتشاجر .. عقد لسانه فجأة عندما رأي ضيفه ينظر اليه بغضب .. ليردد متفاجئا : عمي حسين ؟!!
رد الاخر بصرامة : ايوه عمك يا قليل الحياء روح استر نفسك , بنت عمك واقفه..
نظر ال نفسه ليجده مازال بقميصه الذي كان قد فتح بضعا من أزراره ليظهر عضلات صدره .. ركض علي الفور للداخل تاركا الباب مفتوحا, هاتفا بصوت عال اشبه ما يكون للصراخ : اتفضل يا عمي البيت بيتك .. انا دقايق و جاي حالا .. انت وصلت مصر امتي؟!
ادخل حقائبه هو وابنته ثم دلفا بعد ان اوصد الباب خلفه : وصلنا المطار من ساعه.
أتاه صوته من الداخل : و مقولتش ليه يا عمي كنت جيت استقبلتك في المطار.
– ماحبتش اتعبك يا ابن اخويا .. الله يكون في عونك.
قبل ان يرد عليه كان “زين” قد انتهي من تبديل ثيابه و خرج لهما ليفتح ذراعيه مرحبا : حمدلله علي سلامتك يا عمي.
بادله “حسين” العناق باشتياق : الله يسلمك يا ابن اخويا والله لك وحشه يا بن الغالي .. مصدقتش انك هتتجوز حجزت تذكره و نزلت علي طول.
– في الحقيقة ولا انا مصدق.
– هههههه ، ازاي بقي؟ العروسه تبقي مين؟
نظر للارض بأسي حين تذكر رفض “حلا ” له رغم اعترافها الموثق لها في تسجيل بانها قد غارت عليه …فما الحب سوي غيرة تكوي فؤاد المحب حين يري دخيلا يشك علي سرقة ممتلكاته .. تنهد باسي قبل ان يرد قائلا : العروسه رفضتني.
صدمه رد عمه حين قال : معاها حق… و بتفهم.
اتسعت حدقتاه زيادة و سأل بغيظ : ازاي بقي معاها حق.؟! هو انت عمي ولا عمها هي ؟!
– سبني ارتاح شويه من تعب السفر و بعدين تحكي لي علي اللي حصل معاك و اقولك تعمل ايه؟!
…………..
علي جهة اخري كان “أدم” قد استيقظ باكرا جدا و اعد حقيبته و ارسلها مع السائق الي حيث وجهته فقد عقد العزم علي الرحيل..
ثم وضع رسالته أسفل وسادة تلك الجميلة النائمة.. ليلقيها بنظرة طويلة قبل ان يغادر يحفظ فيها صورتها في ذاكرته ..
وصل الي غرفة شقيقتها ليجدها قد تجهزت .. و بانتظاره .. اقبل عليها مبتسما : صباح الخير يا أميرتي.
ثم طبع قبلته المعتادة علي جبهتها .. لترد هي بسرور: صباح النور يا حبيبي.
– جاهزة يلا ؟!
تنفست بعمق ثم أومأت له بالايجاب: ايوه جاهزة.
ركبت معه السيارة وبعد ساعة من القيادة أوقف “أدم” السيارة قبل المشفي ببضع مترات و حل حزام الأمان .. مما اثار ريبة “دانه” وجعلتها تستفسر منه قائلة : انت وقفت لنا هنا ليه لسه قدام شويه.
– عارف.. احنا هننزل هنا عشان نطلع شقتنا اللي في العمارة دي ..هنقعد فيها طول ما انتي بتتعالجي.
ترقرقت عيناها بالدموع لتهطل منها لا اراديا :انت اجرتها امتي؟!
-تقصدي اشترتها امتي؟!
– انا بحمد ربنا اني عند اخ زيك … انا فعلا كنت خايفه انك تسـ…
ازال دموعها بيده برفق ثم قال بنبرة حنونة : هشششش .. قلت لك قبل كدا انا مستحيل اسيبك لحظة وحده .. انتي بنتي واختي وامي و كل حاجه ليا في الدنيا .. طول ما انا جمبك مش هخليكي محتاجه لحاجه ابدا.. يلا بينا عشان أوريكي شقتنا الجديده ..
ابتسمت له بامتنان و فرح : يلا بينا.
…………
بعد انقضاء فترة الصباح لتمر رتيبة علي الجميع فالقصر أضحي فارغا عليهم .. استيقظت “الينا” بكامل نشاطها بعد ان اخذت كافة الرعاية الكاملة بالامس.. لتجد اختاها بجوارها كما اخبرها “أدم” ..
” انتي بتقولي ايه ؟! .. طلقك؟! “
صاحت بها “تقي” .. عندما حكت لهما عن ما حدث معهما بالامس..
ردت عليه بضيق و شعور غريب بالاختناق يسيطر عليها : ايوه .. طلقني ي تقي .. و انتهينا خلاص.
– و ناويه عليه يا الينا دلوقتي؟!
– مش عارفه يا حلا.. مش عارفه.
– طيب أنا عاوزه احكي لك علي حاجه حصلت هتخليكي تقررى كويس..
قطبت “الينا” حاجبيها و سالتها باستفسار : حاجة ايه اللي حصلت ؟!
نظرت “حلا” الي” تقي” التي اسدلت اهدابها لتشجعها علي ان تقص لها ما حدث معهما و كيف تمكن “ادم” من مساعدتهم ..
– انا لازم اكلمه حالا .. موبايلي فين ؟!
نهضت الفتاتان لتبحثا عنه لتذهب “تقي” الي غرفة الثياب تبحث عنه هناك في حين “حلا” بحثت عنه في الغرفة نفسها لتجده موضوعا أمام المرآة… ناولتها اياه لتلتقطه بلهفة وتتصل به لكن دون جدوي .. فقد كان هاتفه مغلقا..
حاولت مرارا وتكرارا و لكن لا يجدي نفعا فهاتفه مغلقا نهائيا.. قاطعتها “تقي” وهي تهتف قائلة : الينا مش دا الجلفز اللي ضاع منك في اليوم اللي جيتي فيه البيت متأخره بسبب انك كنتي بتنقذي واحد شفتيه بيضرب في الشارع..
-وريني كدا.
اقتربت منها وناولتها اياه لتتفحصه لتجده هو نفسه فعلا.. صعقت من هول الصدمة فكيف وصل الي هنا ..: انتي لقتيه فين؟!
– لقيته جوا علي الارض .
تذكرت الخدوش نفسها التي كانت تظهر في وجهه كلما نظرت اليه عن كثب .. وضعت يدها علي فمها تكتم شهقتها عندما تذكرت صورة عمته و صوتها نفسه الذي سمعته في الهاتف.. عندما تحدثت اليها في وقت الحادث.. هل هو نفسه من أنقذته ؟! و هل كان يعلم بانها هي نفسها من انقذته ؟!
……………………………………….
يتبع..
ألقت بالهاتف أرضا و هي تنتحب وتأن خلف بنيان أسر وجهها و عيناها التي اخفتهما خلف كفاها المضمومتان معا..
اسرعت شقيقتاها لتهدئتها : اهدي يا الينا ؟ انتي بتعيطي ليه دلوقتي؟! انتي كنت عاوزه تخلصي من الجوازه دي اصلا .. و عدي موجود اهو وفـ..
بتر حديثها المنساق نحو علاقة “عدي” بتلك المسكينة صراخ “الينا” حينا صاحت بقهر : أنا مش عاوزه عدي .. أنا عاوزه اعرف اشمعنا دلوقتي طلقني ؟!.. و ليه مقليش انه هو نفس الشخص اللي عمل الحادثة ؟!
دخلت في نوبة روع جعلت “تقي” تندفع لتقيد ذراعيها قسرا حين عثيا في الفراش ثبورا..
في حين ذهبت “حلا” الي المرحاض تبحث عن صندوق الاسعافات الاولية .. ظلت تزيح الاشياء بتوتر يمينا ويسارا بحثا عنه .. و ما زاد من اضطرابها صراخ “تقي” التي استغاثت بها : بسرعة يا حلا .. أنا مش قادرة اسيطر عليها اكتر من كده..
كانت تتلوي بجسدها علها تفلت منها و تصرخ فيها بحذر : سبيني يا تقي ..ابعدي عني.. انا مش هاخد مهدئات .. ابعدي.
وصل صياحها و صراخها الي “بدور” و “سمية” التي كانت تطعم “فخر” في غرفتهما ..
– واه حُصل اي عاد ؟ متاخذنيش يا فخر بيه .. هشوف في اي و أعاود لك.
وضعت الصحن جانبا ثم ذهبت الي الخارج لتجد “بدور” تجري مسرعة وهي تجاهد في اغلاق روبها الصوفي عليها.. متجاهلة “سمية” حينا سألتها مستفسرة : في اي يا عمتي؟
نهرتها بضيق: يووه ابعدي عن وشي انتي كمان الساعه دي.
تبعتها لتري ما يحدث .. لتدلف خلفها الي غرفة “الينا ” فرأتا “تقي” وهي تعافر محاولة شل حركة شقيقتها الكبري التي ظهر جسدها متشنجا بالكامل ..
– في ايه ؟ حصل لها ايه؟
ردت عليها “حلا” التي خرجت من المرحاض و يدها مرفوعة لمرمي نظرها بحقنة ممتلئة بسائل المهدئ تحاول ان تفرغها من الهواء : جالها نوبة ذعر .. من فضلك ساعدينا نديلها حقنة المهدئ دي.
انصاعت لا اراديا لطلبها و ساعدتها لتتمكن من اعطائها الحقنه .. و بعد ان هدأت و اسدلت عيناها أهدابها .. ابتعدوا عنها .. لتسأل “سمية” متخوفة : اي اللي حُصل لـ الينا هانم عاد يا ضاكتوره حليه ؟!.
ذهبت اليها “حلا” تربت علي كتفها تتطمئنها علي نوة الهلع التي تعصف بصحراء روحها البائدة : اطمني يا ست سمية .. هتبقي كويسه .. بس انتي هنـ…
قطعتها “بدور” و هي تخاطب سمية : روحي انتي يا سمية متسبيش فخر لوحده من فضلك .
-حاضر يا عمتي .. لو عوزتو حاجه يا بنته شيعوا لي حد وانا اجيكم هوا .. احنا معندناشي اغلي من الست الينا.
-تسلمي يا ست سميه كلك أصل متقلقيش انا وتقي هنفضل جمبها لحد ما تفوق..
-سلامتها الف سلامه.. ما تأخذونيش استأذن اني.
-اتفضلي.
خرجت “سمية” و تبعتها “بدور” التي لفت انتباهها خلو غرفة الثياب الملحقة بغرفة النوم من حقيبة “أدم” السفرية .. اصابتها الريبة علي الفور وجعلتها تذهب الي غرفتها مسرعة لتتصل بـ”أدم” .. لتجد هاتفه مغلقا.. مما زاد من ريبتها فتغيره في المعاملة معها يعني الكثير بالنسبة لها…
…………….
في الوقت ذاته كان “أدم” قد انتهي لتوه من افراج “دانه” شقتهما الجديدة..
– ها ايه رأيك؟
قال ذلك و هو يقف خلفها ممسكا بكرسيها المتحرك ..نظرت لها بأعين يملأها الفرح والسرور ثم ربتت علي يده اليسري بيدها اليمني قائلة : جميلة جدا يحبيبي.. ربنا يخليك ليا.
لثم “أدم” يدها الموضوعة علي يده ثم قال : و يخليكي ليا يا دنيتي.
– هي عمتو هتتأخر؟! كنا استنيناها تيجي معانا.
استدار “أدم” ثم جلس علي الاريكة أمامها اسرا كفيها الصغيرتين بين يديه : لا يا حبيبتي الشقة دي ليا انا وانتي بس و داده كريمة علي وصول..
شعرت بالامتعاض و تغيرت قسمات وجهها الي الاستفسار عن السبب : و الينا و عمتو ؟
– متقلقيش عليهم .. انا اديت تعليمات بحماية القصر و ا..
بترت حديثه بحدة قائلة : والينا ؟ دي تعبانه؟! انت ازاي خرجتها من حساباتك ؟! دي مهما كانت مراتك و هتـ..
قاطعها هو قبل ان تكمل : لا معدتش مراتي خلاص.
نهض من مكانه ليبتعد عن نظراتها التي تحاكمه الان علي فعلته .. لتردد” دانه” حديثه بذهول : معدتش مراتك ؟!!
صاحت بما فطنته من وراء ما قاله للتو : انت طلقتها ؟!
اجاب باختصار و هو ما زال يوليها ظهره : ايوه .
-انت ازاي تـ…
-من فضلك يا دانه انا مش عاوز اتكلم في اي موضوع نهائي .. اعتبرينا بنبدأ حياة جديدة من اللحظة دي فيها انا وانتي وبس .. من حقنا نرتاح ونعيش لنفسنا ولو لمرة واحدة..
هزت رأسها بتفهم لكلامه ثم ردت عليه باقتضاب قبل ان تدلف الي غرفتها : اننا نسيب الناس اللي بتحبنا ورانا ونلف ضهرنا ليهم .. مش راحة دي أنانية .. و أدم اخويا عمره ما كان أناني .. بعد أذنك هدخل اوضتي لحد ما يجي معادي في المستشفي ..
رأيها بطرف عينه تحرك كرسيها تدلف به الي الداخل .. اخرج هاتفه من جيبه و اتصل بـ “زين” : عاوزك في خدمة يا زين و اتمني تساعدني.
رد عليه الطرف الاخر بتوجس : قول يا أدم.. في ايه؟!
– عاوز اخد اذن زيارة لسجين .
ارتاب “زين” و القي بسترته علي طرف الفراش و لم يرتدها و استفسر عن ذلك الذي يود صديقه زيارته : مين دا ؟! اسمه ايه؟
ضاقت عيناه لتصبح نظراته حادة كالصقر الجامح و هو يدلو باسم زائره : اسمه ماهر السيوفي.
…………………..
كان نهار مروعا علي الجميع مر بثقل كبير .. فـ”زين” أصابته الريبة طيلته من الطلب الذي طلبه منه “أدم” بجانب عمه الذي اخبره انه سيحضر له مفاجأة كبيرة في المساء, كم يكره المفاجأت ؟! .. و “بدور” التي ظلت تدب الارض ذهابا وايابا تريد ان تعرف اين ذهب “ادم” ؟! و لما أخذ “دانه” معه ؟! فقد علمت أنه تم الغاء حجز غرفتها في المشفي و انها ستحضر علي موعد الجلسات فقط ..
شكت في ان يكون “ماهر” تمكن من تنفيذ تهديده لذا اتصلت بـ “عبد الرحيم “علي الفور..
– دبر لي زيارة ل “ماهر” السيوفي بكره ..
لتصدم من رده : لع ماعدش ليا صالح بألاعيبك دي يا بدور هانم.. دبري نفسك بنفسك .. انا رجعت البلد العشيه و جررت اشوف حالي ومحتالي ..
– انت ازاي بتتكلم مـ ..
– متأخذنيش في اللي هقوله دلوجيت , ماتحاوليش تتصلي علي الرقم ديه واصل .. مع السلامه.
اغلق الهاتف في وجهها .. مما زاد من اشتياطها و قررت ان تبدأ هي في الظهور للعلن .. تلك الخطوة التي لا تعلم هل هي لصالحها أم العكس..
………….
بينما في غرفة “أدم” المتواجدة في قصره..
تململت “الينا” في فراشها بعد ان ظلت هاجعة فترة لا بأس بها من الصباح حتي المساء .. اضطرت “حلا” خلالها ان تعلق لها محلولا مغذيا كي لا تسوء حالتها فيما بعد.
رفعت يدها كالدرع الحامي حين احرق الضوء عيناها.. لتري محلول معلقا موصلا بذراعها..
بدأت تعتاد عيناها علي الضوء رويدا رويدا ..
أخذت تنظر حولها لتجد “تقي” و” حلا” يقفان في الشرفة بالخارج يتناولان القهوة معا.. ولم ينتبها لها .. فقامت بنزع ابرة المحلول برفق من ذراعها لتتأوه بصمت .. ثم استندت بيدها علي الفراش اسفلها لتنتصب جالسة ولكنها شعرت بشيء ورقي اسفل يدها نظرت بأعين مرهقة اليه لتجدها ورقة مطوية بطريقة منظمة..
تجعد ما بين حاجبيها و تحولت نظراتها المرهقة الي نظرات يأكلها الفضول .. ما لبثت ان فتحتها لتشرع في قراءة ما دون فيها..
دقائق معدودة وكانت ترتدي حذائها علي عجالة .. وتنزل الي الاسفل ليُغلق الباب خلفها مصدرا صوتا عاليا جعل “حلا وتقي” ينتبهان اليها ويجريان خلفها..
– الينا.
ناداها الاثنتين في نفس واحد و هما يقفان في اعلي الدرج وهي اسفله .. و لكنها لم تنظر اليهم بل اكملت سيرها الي الحديقة ثم الي غرفة السيارات الملحقة بالقصر.. لتجد حارس يقف عليها الذي ما ان رأيها بدون حجابها أمر البقية بالرحيل الي بوابة القصر ثم اخفض نظره عنها … و قبل ان تطلب منه ان يفتحه لها سبقها قائلا : اهلا الينا هانم .. أدم باشا أمرنا نفتحلك الجراش اول ما توصلي .. اتفضلي.
فتح لها لتظهر الغرفة مظلمة تماما حتي اضيئت الأنوار… و ظهرت مفاجأته التي اخفاها عنها .. لقد كان هو نفسه من اشتري دراجتها البخارية عندما عرضت في المزاد العلني ..
وضعت يدها علي فمها تكتم شهقاتها المصدومة ثم سارت بخطي هادئة نحوها ..لتسمع شجار اختاها مع الحارس الذي منعهما من المرور..
عادت ادراجها .. و غادرت لتسأله عنه ..ليخفض نظره عندما رأيها أمامه : أدم كلمك صح؟! انت تعرف مكانه فين؟!
-لا هو ادلنا الاوامر دي قبل ما يمشي الصبح.. يا هانم.
زفرت بضيق و عادت الي القصر مرة اخري محبطة .. في حين ظلتا شقيقاتها يتبادلان النظرات التي تحمل علامات استفهام كثيرة وليست واحده.. ثم تبعنها للداخل ..
صعدت الي غرفتها ونامت في فراشها وهي تضم رسالته الي صدرها فهي اخر ما تبقي لها منه.. لا تعلم متي لقاءهم الثاني..؟!و لا أين؟!
لا مناص لقلب تعلق .. فبدايات الحب تعلقٌ ثم رغبة دائمة في رؤية المحب امام ناظريك..
اقتربت “حلا” منها تستفسر منها عن حالها : الينا انتي كويسه؟!
-عازه انام شويه.
مسحت علي شعرها بحنان ثم قالت : نام يا حبيبتي واحنا جمبك متقلقيش..
اغلقت عيناها وراحت في سبات عميق تماما استيقظت منه صباح اليوم التالي علي صوت عال يأتي من اسفل..
فتحت عيناها لتجد “تقي” فقط بجانبها ..
– صباح الخير يا لينا .
ابتسمت لها ثم ردت عليها : صباح النور هو ايه الصوت دا ؟
– دا الظابط اللي اسمه زين تحت و عاوز يقابلك بس حلا رفضت و هو علي صوته و..
استقامت “الينا” فور سماعها باسم صديقه المقرب و خطر في بالها انه الوحيد الذي سيعلم بمكانه ..
التقطت حجابها الملقي علي طرف الفراش و لفته باهمال حولها ثم نزلت اليه بسرعة لتقل وهي تنزل الدرج : خلاص يا حلا انا كويسه.
التفتا الاثنين اليها و هما يقفان في بهو القصر ليظهر وجه كل منهما محمرا بسبب الشجار القائم بينهما..
-الينا انت تعبانه و مينفـ..
اقتربت منها و ضغطت علي ذراعها تطمئنها : انا كويسه صدقيني.
ثم نظرت الي زين وقالت : اهلا بيك يا حضرة الظابط انتي تعرف ادم فين؟
– انا جايلك بطلب من أدم ..لانه عاوز يقابلك ..
ثم اقترب منها قليلا ليهمس : بس ياريت بدور هانم متعرفش انك رايحه تقابليه.
التمعت عيناها ببريق و استحال حالها من وردة ذابلة الي مزهرة علي الفور .. أومأت له مبتسمة : اتفضل استناني خمس دقايق .. مش هطول .. هغير لبسي بس.
أومأ لها بالايجاب لتصعد الدرج ومنه الي غرفتها ..
كادت “حلا” تتبعها ولكنها توقفت عندما سمعته يناديها : دكتور حلا ممكن دقيقة .
التفتت له قائلة بغلظة : اتفضل.
مد يده في جيب سترته السري قائلا بتهكم : يزيد فضلك يارب ..
اخرج دعوة ورقية منمقة من جيبه ثم ناولها اياها و استطرد قائلا بهدوء و برود : اتفضلي انتي.
نظرت اليها بتمعن قبل ان تلتقطها منها و تقلبها بين يديها مستفسرة عن ماهيتها : ايه دي؟
– زي ما انتي شايفه دعوة فرح.
-ايوه ما انا شايفه مش عامية ..انا بسأل فرح مين يعني؟!
عدل من هندام سترته و قال بترفع : فرحي.
شخصت عيناها و هي تحدق في الدعوة .. لا تصدق ايعقل ؟!.. هذا نفسه الذي كان يسعي وراءها لترضي به زوجا لها .. تراه الان في يوم وليله اضحي عريسا .. يالا سخرية القدر .
سارعت في فتحها لتقرأ ما فيه.. وجدت اسمه واسم عروسه مدونان .. سمعته يقول يردف قائلا : فرحي علي هدي بنت عمي.. اتمني تحضري انتي و العيلة الكريمة ..
غصة مريرة قرصت قلبها المكابر المتعالي .. يستحق ذاك القلب ضباب التعاسة الذي خيم عليه الآن ..
اما هو فكان يراقب تعابير وجهها وصدمتها بفرح و غبطة شديدين..
كان عقله متلذذا باستفزازها يحرضه علي المزيد في حين كان قلبه ينهره يريد ان يقول لها انها الدعوة الوحيدة التي زيفت لاجل اخافتها .. لكن لا .. و الف لا .. فهي يجب ان تتعلم ان الفرصة تأتي في الحياة مرة واحده .. ان من يركل نعمة أتته تزل علي الفور..
-انا جاهزه اتفضل يا حضرة الظابط.
كانت تلك “الينا” .. التي اشار لها ليسيرا معا ناحية الباب .. في حين ظلت “حلا” متصنمة مكانها حتي انها لم تشعر برحيلهما لولا يد “تقي” التي حطت عليها لتعيدها الي وعيها : حلا انتي كويسه؟
نظرت لها و عيناها تائهة مشوشة ثم تنهدت بصعوبة : اهااا.
– طيب تعالي نقعد في الجنينة شويه.
انساقت معها كالمغيبة وهي تقبض علي الدعوة بيدها..
حدث ذلك كله تحت أنظار “بدور” المترقبة التي كانت بانتظار رحيلهم جميعا لتخرج الي حيث تريد..
…….
ركبت “الينا” بجوار” زين” و قبل ان يدير محرك السيارة قالت : استني .. انت ممكن تديني العنوان اللي أدم عاوز يقابلني فيه.. و انا احصلك.
– بس ادم طلب مني اوصلك بنفسي.
– تمام ..استناني دقيقة وحده بس و راجعه ..
ترجلت من السيارة و سارت للخلف باتجاه القصر و لكنها لم تدلف اليه من بابه الرئيسي بل ذهبت من ناحية الحديقة..
استنكر “زين” الذي كان يشاهدها في المرآة أمامه فعلتها و نظر في ساعته ثم نظر أمامه ليري “بدور” و هي تستقل سيارتها الي الخارج .. ليتصل بـ”أدم” علي الفور و يخبره بأنه يجب ان يخرج الأن..
سمع صوت صفيرا مزعج يأتي من خلفه .. نظر في المرآة الجانبية ليجد شابا يرتدي خوذة سوداء و يركب دراجة نارية .. اقترب منه ليكشف ذلك الشاب عن نفسه ويتبين له انها “الينا” ..
نكس الهاتف جانبا ثم انزل زجاج نافذته فاغرا فاهه ، لتبتسم هي علي هيئته : حضرتك ممكن تمشي قدامي وانا هلحقك.
– انت بتعرفي تسوقي البتاع دا؟!
– ههههههه ، ايوه بعرف ..
سمع صوت “أدم” الذي كان يصيح علي الهاتف .. وضع الهاتف علي أذنه مجددا ثم رد عليه بضيق : ايه يا عم انت كمان بتزعق ليه ؟
– انت بتتكلم مع مين ؟! ايه اللي بيحصل عندك و متحركتش ليه ؟!
– هههه .. انا مش هقولك بس هسيبك تشوف بنفسك.. سلام.
اغلق معه ثم اشار لـ “الينا” لتتقدمه و يدير هو بدوره محرك سيارته و ينطلق خلفها.. تسللت الفرحة اليها مجددا بفضله فـ اقسمت في نفسها ان تسعده وترد له معروفة مهما كلفها الامر.. واشهدت علي ذلك الهواء الذي يداعبها و هي تقود..
…….
يتبع
انتظروا الخاتمة..



