رواية سارية في البلاط الملكي الفصل الحادي عشر 11 بقلم هدير مجدي

رواية سارية في البلاط الملكي الفصل الحادي عشر 11 بقلم هدير مجدي
الفصل الحادي عشر
الفراق..
القاتل الصامت
القاهر الميت
والجرح الذي لا يبرأ
نار ليس لها حدود
ولا يشعر به إلا من اكتوى بلهيبه
لسانه الدموع
وحديثه الصمت
السماء ملبدة بالغيوم واللون الرمادي منتشر بالأرجاء
حشد كبير في المقابر الملكية خلف تابوت أسود كبير يرقد فيه جثمان مارية.
الجو يسوده الحزن والألم، شهقات بكاء تصدح بين الحين والآخر من نساء المملكة اللاتي أتين لمشاركتهم اللحظة بعد أن أعلن نيار أنها ستُدفن في مقابر العائلة وكأنه بهذا يعتذر على تقصيرهم في إنقاذها.
الجميع يرتدي الأسود إلا بدر الدين بجلبابه الأبيض الي لم يتخلَ عنه.
نيار وإلياس اللذان يقفان بالصف الأول بجانبهما مأمون وجاد وكبار الرجال في المملكة، الكل يقف مؤمنًا على دعاء بدر الذين الواقف أمام التابوت يبكي على ما آل إليه مصير ابنته الثانية، وقلبه يكتوي بنيران الألم على ابنته سارية الواقفة وسط ليان ووسام كل منهما تبذلان ما في وسعهما للتخفيف عنها.
ولكن من بوسعه أن يخفف من النيران التي أحرقت روحها لا تملك ما يكفي من القوة إلا ما يجعلها تقف على قدميها، تمسد قلبها بألم تشعر أنه نبضه سيتوقف ليجعلها تلحق برفيقتها.
عينا إلياس لم تتركاها ، لولا كبريائه ومكانته لبكى إشفاقًا على حالها!
أنهى بدر الدين دعاءه بتربيتة خفيفة على سطح التابوت كأنه يودعها بقلب مشتاق، ونظر إلى ابنته في صمت أن تتقدم.
تقدمت بخطوات بطيئة مترددة وكأن باقترابها ستأكد لنفسها حقيقة تهرب منها فحتى الآن لا تصدق أنها تركتها ورحلت!
ألم تتعاهدا على البقاء معًا فلمَ خالفت عهدها معها الآن وهي التي طالما حافظت على عهودها؟
بين الخطوة والأخرى يتراءى أمامها حياتهما سويًا.. صوت ضحكاتها يتردد في أذنيها، دلالها وغنجها، توبيخها لها بعد كل مغامرة وتهور!
كيف رحلت وتركتها وهي التي لم تفعلها يومًا؟
توقفت خطواتها ، رفعت كفها المرتعش وأصبحت لا ترى أمامها شيئًا من كثرة دموعها، جثت على ركبتيها وأحاطت التابوت بذراعها تسند وجنتها على سطحه وشهقاتها تشق كبد والدها وتشعل النيران في قلب زوجها ليضغط على عينيه بقوة ليسيطر على نفسه كي لا يحرق الدنيا بغضبه حتى يأتي بالقاتل.
حركت كفها على السطح كأنها تحتضنها هامسة بصوت ضعيف مجروح :
-“غابت شمسك عن سمائي يا صديقتي، فأصبح الكون كلّه ظلامٌ دامس”
استندت بجبهتها عليه تكمل همسها من بين شهقاتها :
-“قتلوكِ غدرًا أختاه، قتلوكِ دون رحمة!
لا أصدق أنني لن أسمع صوتك يرنّ في أذني، ولن أرى صورة وجهك الحبيب ثانيةً!
لمَ تركتيني؟
ألم نتعاهد؟
فلمَ أخلفت وعدك معي؟
أقسم أن الألم يشق صدري أيرضيكِ يا توأم الروح ألمي الآن وأنا التي لم أهن عليكِ يومًا”
رفعت رأسها للسماء ملغقة عينيها بقوة ودموعها أنهار على وجنتيها هامسة بقلب مكلوم :
-“رحمتك يا الله.. اللهم صبرًا، اللهم صبرًا”
ثم طبعت قبلة على التابوت قبل أن تستجيب لحضن والدها الذي جذبها إليه يبثها الأمان والطمأنينة التي تريدها طابعًا قبلة طويلة على رأسها ولسانه يدعو لها وله بالصبر.
اقتربت ليان من نيار تقف بجانبه فتلمح بعينيه حزنًا لم تره بهما من قبل!
لم تتوقع يومًا أن يُظهِر ملكها تلك المشاعر وهو الذي عُرف بالجمود.. لكن وفاة تلك الفتاة شق قشرة صلابته، تعلم أنه يحمل نفسه جزءً من الذنب عندما لم يعثر عليها.
وضعت يديها على ذراعه تشد عليه ليناظرها بألم وذنب يشق عينيه لتربت عليه والدموع تملأ عينيها.
مر جاد بعينيه على الحضور وهو يحمد الله على عدم مجئ رقية وخديجة ، فالوضع لا يُحتمل.. سارية على وشك فقدان صوابها والله وحده أعلم برد فعل إلياس الآن على أي استفزاز قد يمسها، فرغبته بالقتل تبدو جلية على وجهه وستكون الملكة وشبيهتها هدف مناسب لتفريغ تلك الطاقة.
وقعت عينيه على وسام التي تحتضن ذراعيها إلى صدرها والدموع تحفر أخاديد على وجنتيها تراقب سارية بإشفاق، فتألم قلبه على حالها وحال صديقته!
اللعنة على من كان السبب فقط ليقع بين يديه وليرحمه الله فهو سيفعل هذا لو لم يسبقه إلياس.
لم ينتبه إلى زوج الأعين التي تراقبه منذ أن ظهر بجانب ملكه، تراقب وقفته وملامحه، لنظراته التي تحوم في المكان تحسبًا لأي خطر!
كانت أروى مأخوذة به منذ أن وقعت عيناها عليه!
تشعر بالأسى مما حدث لكنها لم تبكِ ولم تتأثر لموت الفتاة لكن الأمر نفسه يدعو للحزن، تنهدت ووقفت بجانب صديقتها وسام تمسك كفيها تؤازرها.
وبجانب جاد يقف مأمون ثابتًا، يضع كفيه فوق بعضهما أمامه يرفع أنفه شامخًا وملامحه لا تُقرأ.. صامتًا غامضًا كعادته.
أتت لحظة الدفن وفُتح التابوت لإخراج جثمانها فلم تتحمل سارية وآمالها أن يكون كابوسًا تتبخر وشقت صرختها الملتاعة باسم صديقتها عنان السماء وتنتهي قوتها لتسقط مغشيًا عليها وكأن روحها قد احترقت بما يكفي من الألم فيقرر العقل أن الهروب هو الحل.
وقبل أن تلامس الأرض كانت ذراعي إلياس أول من تلقفتها في أحضانه.
★★★★★★★
كنا دائمًا نتقاسم الأفراح والأحزان
نحاول أن نسرق من أيامنا لحظات جميلة
نحاول أن تكون هذه اللحظات طويلة
ونحقق سعادة وحبًا دائمين
حاولنا أن نبقى معًا لآخر العمر ، لكن لم يخطر ببالنا أن اللقاء لا يدوم ، وأنّ القضاء والقدر سيدا الموقف ، وليس بيدنا حيلة أمام تصاريف القدر وتقلباته.
كلمات دارت في عقل سارية التي أفاقت من إغمائها منذ دقائق.. آخر ما تذكره انهيارها بين ذراعيّ أحدهم ، حتى فتحت عينيها لتجد نفسها تنام في فراشها ، وستائر الغرفة منسدلة فعم الظلام بها.
رفعت رأسها لأعلى وأسدلت أهدابها بتعب ، دموعها تسيل على وجنتيها بهدوء ، شعور بالاحتراق والاستنزاف يعصف بها وذكرياتها مع مارية تمر أمامها ، ودلوفها إلى القصر لتواجههم وتلقي الاتهامات عليهم ، فهمست لنفسها وابتسامة سخرية على شفتيها :
-“أول الغضب جنون وآخره ندم
ها أنا ذا متروكة كشيء على حافة انتظار طويل يخفق في بدني ، أتوق لأراكِ وأندم لأنني تركتك تذهبين ، بل أندم وأشعر أن الذنب ذنبي لأني قصرت في حقك وفي البحث عنك”
شهقة عميقة خرجت منها وأكملت تهز رأسها للجانبين وقبضتيها تقبض على الفراش بقسوة :
-“سامحيني مارية على تقصيري”
رفعت كفيها إلى عينيها تمسحهم بقوة وقررت أن تنهض لإقامة صلاتها والدعاء لها ، فتنفست بعمق وأزاحت المفرش بثقل متجهة ناحية المرحاض تعيد خصلاتها للخلف بتعب.
لم تخط بعيدًا عن الفراش حتى انتبهت لصوت فتح باب الجناح وإغلاقه ، فاستدارت بوجه مثقل بالضعف والتعب لتجد آخر شخص تود رؤيته في هذا الوقت.
تقدمت منها رقية لتقف في نصف الطريق ومسافة ليست بالكبيرة بينهما ، تقف بهامتها الشامخة.
تأملتها سارية من تاجها لحذائها ، ثم صعدت لوجهها لترى علامات التشفي تلوح في ملامحها ، وابتسامتها التي تشق ثغرها وكأن اليوم يوم سعدها.
تنهدت بقوة وبادلتها النظرات واضعة يديها فوق بعضهما أمامها منتظرة حديثها.
كتفت رقية ذراعيها أمام صدرها ثابتة واثقة مغرورة ، وقالت ترفع عينيها لأعلى باستهزاء :
-“أخبريني سارية ما الذي جنيتيه بعد كل هذا؟”
خفضت أنظارها لها فوجدتها تبادلها النظرات بدون تعبير يُقرأ ، لتلوح نظرات المكر في عينيها ونبرتها وأكملت مقتربة منها :
-“جئتِ بشكل درامي ودلفتِ إلى القصر بصورة بطولية، صارخة بأن صديقتك مختفية ، وأن من اختطفها أبنائي!”
كانت تدور حولها وسارية لا تتحرك ، تستمع إليها دون رد.. نفسها منهكة حتى من مجرد التنفس لا للجدال معها ، شعرت بها تقف خلفها ، وكفيها تقبض على كتفيها لينتفض جسدها من لمستها وكأن نيران تكوي جلدها، تسمعها تهمس بفحيح أفعى في أذنها بسخرية :
-“وما النتيجة؟
ما نتيجة لسانك السليط كالعقرب ووقاحتك اللامتناهية مع أسيادك أيتها ….”
صمتت تاركة كلمتها معلقة وهي تشعر بتشنج أكتافها تحت كفيها ، لتبتسم بمكر وضحكت بتشفي وكلماتها كالسم في أذنها :
-“لا نتيجة.. فلقد ماتت صديقتك التي كدتِ تحرقين الجميع بسببها ، يا ليتها ماتت ميتة كريمة”
وقفت أمامها من جديد تريد أن ترى ملامحها المنكسرة الضعيفة.. تريد أن ترى تلك القوية في أقصى حالات ضعفها ، رأتها تغمض عينيها بقوة وقبضتها تمسك بردائها بشدة لتضع أطراف أناملها تحت ذقنها ترفع رأسها لتنظر لها وابتسامة جانبية ترتسم على وجهها وهمست :
-“ماتت مذبوحة بحقد ولم يتركوها لا ، أحرقوها فلم يتبين منها أي شيء”
عيون سارية تحولت للون الدم وقد قبضت كفيها بقوة فانغرست أظافرها في لحمها حتى كادت تدميها، اقتربت منها الأخرى وتحولت نظرات السخرية إلى التوعد ، والاستهزاء إلى غضب وحقد تلحفها بأنفاسها المليئة بالغل :
-“سأجعلك تتمنين الموت يا ابنة بدر الدين ولن تطاليه.. زواجك من ابني لن يشفع لك ولن يوقفني عما سأفعله بكِ جراء لسانك السليط ووقاحتك”
رمقتها من خصلاتها لقدمها باستحقار وأكملت :
-“كنتِ ترفضين فكرة جعلك جارية!
الجارية أهون لكِ مما أصبحتِ فيه”
انتهى ما جاءت من أجله واستدارت تخرج من الجناح بتشفي وتوعد.
وما أن خرجت حتى فقدت سارية توازنها وتركت نفسها تسقط على الأرض مستندة عليها بكفيها ، ورأسها منحني بعيون مغلقة بشدة ودموع منهمرة على وجنتيها ، خصلاتها سقطت لتخفي وجهها ، فكانت لا حول لها ولا قوة.
★★★★★*
وفي قاعة المشاورات بالأسفل كان إلياس يجلس مرجعًا رأسه للخلف وقد أغمض عينيه غارقًا في التفكير في كل ما حدث.
منذ أن فقدت الوعي حملها فوق جواده وركض ليصل بها إلى القصر.
ركض إلى جناحها ، وهتفت في أحد الحراس :
-“أرسل لكبير الأطباء في الحال”
مددها على الفراش برفق فجلست ليان التي لحقت بهما بجانبها تمسد على خصلاتها بوجه حزين وقلب قلق عليها ، رأت آثار الدموع على وجنتيها الحمراء.
حضر كبير الأطباء لمعاينتها ثم سقاها شراب أعشاب مهدئة للأعصاب والتي ستجعلها نائمة لبعض الوقت ، وأمرهم إذا انتابتها هذه الحالة مرة أخرى أن يعطوها هذه الأعشاب مذابة في الحليب أو ماء دافئ.
أفاق من ذكرياته ليجد نيار بجانبه يمسك حافة كرسيه بقبضته ، ويستند بمرفقه على الحافة الأخرى واضعًا أنامله على ذقنه ويفكر ، ثم التفت له وحاجبيه معقودين وقال وهو على نفس حالته :
-“هناك ما يحدث يا إلياس!
هناك حلقة مفقودة في الأمر.. من خطف مارية؟
وما هو الغرض من قتلها يوم الاحتفال؟!”
نهض إلياس من موضعه يضع كفيه خلف ظهره ، يضغط على أسنانه بقوة ، ثم واجه أخيه يفكر بصوت عالٍ :
-“الغرض من موت مارية هو محاولة لكسر سارية.. والإضرار بمكانتي كملك”
نهض نيار يضغط على شفتيه بقوة :
-“إن كان الأمر كذلك فأنا لن أسمح لذلك الغامض أن يحقق ما يريد”
فرك الآخر وجهه بقوة محاولًا الوصول إلى أي شيء ، أي شيء حتى لو كان لا يذكر يستطيع مساعدته لحل ما يحدث.. ليرفع رأسه فجأة عاقدًا حاجبيه ثم نظر إلى أخيه الذي ناظره بدهشة وتساؤل ، ليسأله بترقب :
-“أنت قلت أنك لم تكن تعلم أن من أنقذتك في الغابة هي نفسها التي تعدت على أحد جنودك في السوق صحيح!”
أومأ له بأن ما يقوله صحيح ليواصل نظراته المتسائلة ، فسأله :
-“وأنت عندما عدت وعلمت ماذا فعلت؟”
رفع كتفه وعقله بدأ يلتقط ما يحاول أخيه الوصول إليه ليجيبه :
-“بعثت بالجندي الذي تعدت عليه ليبحث عنها في القرى المحيطة في المملكة”
رفع حاجبه وقد توصل إلى شيء مهم ، و أكمل يسير في الغرفة يده خلف ظهره والأخرى يحركها كمن يلعب الشطرنج في الهواء :
-“أنت بعثت جندك للبحث عنها ، ولم تمر أيام كثيرة حتى ظهرت سارية في القصر!”
نظر له مرة أخرى وضيق بين عينيه وعاد ليسأله :
-“هل عاد يخبرك عما توصل إليه؟!”
هز رأسه بالنفي وقد توصل لما يحاول أخوه أن يجمعه :
-“لا لم أتذكر حقيقةً.. فكما ترى لقد انشغل الجميع بقضيتها مما جعلني أنسى أمره”
اقترب إلياس منه لينظر الاثنان لبعضهما بإدراك وهمس بتريث قائلًا :
-“بداية الطريق من ذلك الجندي نيار.. علينا أن نعلم ما الذي حدث معه في رحلته”
أومأ رأسه ورفع حاجبه بإعجاب من ذكاء أخيه.. ونادى على حارسه الذي جاء راكضًا ينحني أمامهما باحترام ليصدح صوته بقوة :
-“آتني بمأمون”
فانحنى الحارس مرة أخرى مستأذنًا منهما ليبدأ البحث عنه.
★★★★★
يتألم قلبها ولا تجد لها محتضن
مشتتة ، حائرة ، تائهة بين هموم ، يأس، وأفكار تملأ رأسها
تجتاحها الدموع بمذلة من شدة ألمها ، وتخنقها العبرات لكنها تفضل الصمت
اعتادت الصبر على قسوة الحياة لكن أضعفتها مفاجأة القدر لها!
مازالت على حالتها على الأرض تبكي بصمت وشعرها مشعث على وجهها ، ينتفض جسدها بين الفينة والأخرى بضعف.
شهقت وسام التي دلفت للتو بجزع من رؤيتها هكذا فهرولت إليها وجثت على ركبتيها أمامها ، أمسكت رأسها بين يدها بلهفة وقلق تعيد خصلاتها للخلف وهتفت :
-“سارية.. ما بكِ عزيزتي؟!
لقد تركتك نائمة فماذا حدث؟!”
أمسكت بساعد وسام فساعدتها على النهوض مسندة إياها تحيط كتفيها بذراعها وتمسك كفها ضاغطة على قبضتهما :
-“اهدأي.. كنتِ ذاهبة للمرحاض صحيح ، هيا لأساعدك”
نزعت ثيابها عنها وأحاطت جسدها بمنشفة كبيرة ، ثم أجلستها وبدأت بسكب الماء الدافئ فوق رأسها بالدورق الصغير وفركت جسدها بالرغوة ، بدأت تغسل شعرها حتى انتهت من تحميمها ، فألبستها ملابس جديدة وأجلستها أمام المرآة تجفف شعرها تبتسم لانعكاس صورتهما ، ثم عطرته بزيت الياسمين وجاءت بالمبخرة تحركها ببطء أسفل خصلاتها ، ثم مشطته لها وصنعت لها جديلة كبيرة كما تحب.
ضمتها من الخلف تبتسم لها وهمست بحنان تربت على صدرها :
-“أعلم أن هذا القلب مجروح لكن لا يمكنه أن ينكسر يا سارية.. مهما اشتدت بنا الآلام وتغيرت بنا الظروف ، ومهما كانت النتائج سيئة ، فلا يوجد شيء يُساعدنا على الاستمرار سوى الصبر”
ابتلعت سارية لعابها وكلمات وسام تبث الطمأنينة إلى قلبها وأمسكت بذراعيها بقوة كأنها تستمدها منها لتكمل حديثها تجذبها من كفها لتنهض :
-“هيا أيتها البطلة القصيرة لترتاحي”
سمعت همسة خافتة من خلفها فاستدارت برأسها تهزه بتعجب قائلة:
-“ماذا قلت؟”
رفعت عينيها تمسح على وجنتها بكفها الآخر وقالت بصوت خافت بعيد كمن يخرج من بئر عميق :
-“لا تقولي قصيرة”
رفعت حاجبيها بدهشة عارمة وما لبثت أن ضحكت جاذبة إياها لأحضانها بقوة ، فضمتها سارية بشدة فكانت بحاجة إلى تلك الضمة.
أجلستها على فراشها ، وأتت لها بكوب من الحليب مذاب به مجموعة الأعشاب التي أمر بها كبير الأطباء.. شربتها تحت نظرها ليرتخي جسدها بعد قليل وتنام بهدوء وعقلها ينفصل عما يحدث حولها.
دثرتها وخرجت وهي تأمر الحارسين :
-“لا تسمحا لأحد بالدخول سوى والدها أو الملك إلياس أو الملكة ليان.. غير ذلك لا تسمحا لأحد فالملكة متعبة”
أومأ لها الحارسان استجابة لأمرها لتخرج إلى الحديقة.
وأثناء سيرها وجدت خديجة واقفة تتجادل مع رجلِ يوليها ظهره فلم تتعرف عليه، لكن ملامحها كانت غاضبة، وجهها يشوبه الاحمرار ونظرات الحنق والشراسة تتطاير من عينيها.
عقدت حاجبيها بدهشة من السبب الذي أغضبها بتلك الطريقة؟
انتبهت بنظراتها لها، لتجد الرجل قد انصرف ورمقتها خديجة بغموض قبل أن تنصرف هي الأخرى في طريقها.. هزت رأسها بلامبالاة ترفع كتفيها بعدم اهتمام ثم أكملت سيرها.
وقفت أمام أحواض الورد وانحنت بجذعها تتلمسها ، وفكرت أن تأخذ بعضًا منها لجناح سارية.
انتبهت لصوت من خلفها جعلها تستدير له فوجدته جاد يقف واضعًا ذراعيه خلف ظهره ، بردائه الأسود المعتاد وذلك الوشاح الذي يلفه كعمامة فوق رأسه لتظهر من تحته خصلات شعره السوداء مغطية رقبته من الخلف ، وسيفه يقبع بجانب خصره ، وقفت أمامه ترفع يدها تعيد خصلتها التي سقطت على وجهها بفعل الهواء لتسأله :
-“هل هناك شيء أيها الوزير؟!”
وقف يتأملها ثوبها البسيط المزين بحبات اللؤلؤ الصغير، وشعرها تثبت جانبيه مع بعضهما بدبوس كبير ينتهي بفرعين في نهايتهما حجر ماسي في منتصف رأسها.
لا ينكر جمالها على الإطلاق وعيونها السوداء اللامعة ، وقصر قامتها الذي عوضه الله في لسانها ، فلم يمر موقف جمعهما إلا ولسانها قام بواجبه على أكمل وجه.
هو من يقف أمامه أعتى جيوش العالم يهابونه لا يعلم كيف يقف مكتوف الأيدي أمامها.
حركت كفها أمام عينيه لينتبه لها فوجدها تقف عاقدة حاجبيها ومكتفة يدها أمام صدرها :
– ما الأمر لمَ تقف وكأن على رأسك الطير؟!”
توسعت عيناها وهي تراه يعض على أسنانه بقوة ويضع يديه في خصره رافعًا رأسه للسماء ووصلها همسه :
-“الصبر يا رب العالمين”
نظر إليها مرة أخرى وحام بنظره بينها وبين حوض الورود ليسألها متذكرًا جلوسها أمامه :
-“يبدو أنكِ تحبين الورود بشدة!”
نظرت للزهور وابتسمت تتذكر كلمات شخص تهفو في ذاكرتها وهمست قائلة :
-“بالطبع أحبها.. أحدهم قال لي ذات يوم الأزهار تشكل عالمًا قائمًا بذاته ، وعندما نقف أمامها يكتشف لنا كل ما يضج به هذا العالم ويدهشنا”
عقد حاجبيه بدهشة وإعجاب يستمع لها تكمل وتنحني تتلمس الأوراق المبللة بأناملها :
-“لطالما كان للورد أسرار ، مهما تعلمنا يبقى هناك الكثير من الخفايا.. وأنا تعلمت منها الكثير”
رفع حاجبه من كلماتها وضحك بنوع من السخرية المحببة ليقول من خلفها :
-“وما تلك الدروس التي تعلمتيها أيتها الحالمة من مجرد زهور لا تملك غير شكلها الحسن ، وبمجرد قطفها تصبح بلا قيمة؟
الدروس لا تؤخذ إلا بالمعارك ومبارزة السيف”
نظرت له بجانب عينها وابتسمت بسخرية على أفكاره ولم تكلف نفسها لتلتفت له فقالت تتأمل الوردة الحمراء في يدها :
-“هذه النبتة الضعيفة دروس السيف لا تقارن مع دروسها.. فشكلها التي تظن ألا قيمة له مقياس للجمال..
تعلمت منها ارتداء ثوب الطُهر ، ومن أشواكها أصنع حاجزًا يحميني..
ناعمة كأوراقها ، صلبة كجذورها، وطيبة كالعطر”
استقامت أمام وجهه الصامت والمتأمل لها ، وعقله شارد في كلماتها وصوتها ينساب كمعزوفة إلى داخله ، فهي المرة الأولى التي تتحدث بهذا الهدوء ، رفعت حاجبها له تتقدم منه حتى وقف أمامه مباشرةً وتلمست قبة سيفه بأناملها تنظر له ، لتصله رائحتها الياسمينية تتغلغل بداخله وعادت تكمل :
-“الورد كالحياة ، يحمل العديد من اللغات الخاصة به ، روح وكبرياء ، جمال وحب ، ذكاء وتواضع”
لترفع عينها له بتحدي وارتفع أنفها بشموخ :
-“السيف لا يعرف إلا لغة واحدة لغة الدم.. لا دم لا قيمة للسيف فهما وجهان لعملة واحدة أيها الوزير”
خفض رأسه لتغوص مقلتيه في عينيها وتباطأت أنفاسه قليلًا.. فلا يوجد أحد استطاع أن يتغلغل ويشغل حيز من تفكيره كتلك الفتاة التي أمامه.. كلماتها كالبلسم ، في ظاهرها تظن أنها حالمة رومانسية كالفتيات والمراهقات ، لكن مبطنة بكم من الدروس التي التقطها بذكاء.
وهي لم تخفض نظرها بالرغم من دقات قلبها التي تسارعت بقوة ، خاصةً عندما وضع كفه فوق أناملها الموضوعة فوق رأس سيفه وهمس بأنفاس حارة :
-“مخطئة أيتها البندقية.. السيف ليس مقترنًا بالدم ، السيف مقترن بالحماية ، الأمن ، والسلام طالما يُرفع في وجه الظالم لا المظلوم..
في وجه الشر لا الخير..
وفي وجه المعتدين لا الرعية التي لا ذنب لهم.
السيف قوة لا يحمله إلا من اختاره السيف بنفسه لينول شرفه”
رفع كفيها بيديه أمام عينها يفتحهما وينظر لحجمها الصغير بين كفيه الغليظين ليبتسم ابتسامة واسعة أظهرت أسنانه يرفع مقلتيه من تحت أهدابه وهمس:
-“بمعنى أن اليد التي تحمل الورود ليس لها أن تحمل سيفًا كي لا تُجرح”
ضغط عليهما بخفة يغمز لها قبل أن يتركها ويستدير معطيًا ظهره لها ، فرفعت كفيها تقلبهما أمام عينيها بشرود ، ثم رأته يكاد يبتعد فهتفت من خلفه :
-“لم تخبرني ماذا كنت تريد؟!”
أدار جسده نصف استدارة وأجابها :
-“كنت سأطمئن على سارية.. لكن بما أنكِ هنا وهادئة إذن فهي بخير”
ثم رفع كفه يلوح لها مكملًا سيره :
-“سأطمئن عليها فيما بعد يا حالمة”
راقبت ابتعاده بدهشة ترفع حاجبها وفمها تفتحه بتعجب من كلماته ، لينتفض جسدها على طرقة بأنامل شخص ما على كتفها من خلف ، فشهقت تلتفت وتعود خطوة للخلف رافعة كفيها إلى صدرها ، فوجدت مأمون ينظر لها بغموض وخبث يلوح في عينيه يقف بشموخ ينظر لها من أعلى.
تنفست بسرعة تحاول الرجوع إلى طبيعتها تهمس في نفسها :
-“يبدو أن هذا اليوم لن ينتهي.. ما الذي جاء به؟!”
حاول قراءة ما يدور في ذهنها لكنها ظلت تنظر إليه ووضعت كفيها فوق بعضهما على ثوبها وابتسمت برسمية قائلة :
-“هل من شيء أيها الوزير؟”
ابتسم لها ابتسامته التي لا تعرف سرها لكنها لم تشغل بالها بها ولا بنظراته ، وأجابها :
– ما بها جميلة القصر مختفية؟”
رسمت تعبير الدهشة على وجهها ومازالت الابتسامة السمجة على شفتيها وقالت :
-“إن كنت تريدني في شيء كنت سترسل لي لأحضر ، لكن لماذا سأظهر أمامك بين الفينة والأخرى كالعفريت الشارد؟”
ضحك بقوة يرجع رأسه للخلف ، واقترب منها يمسح على ذقنه حتى صار أمامها مباشرة وهمس لها :
-“ما أريده منكِ هل ستنفذينه يا وسام؟!”
نظرت للعشب الأخضر على الارض بعدم فهم ، لترفع رأسها عاقدة حاجبيها فوجدت عينيه تحدق بها يلوح فيها المكر والخبث ، لتصل إلى مقصده فضيقت عينها اليسرى ببلاهة وشفتيها صارا كالخط المستقيم وكادت أن تجيبه عن مقصده ، لكن الحارس الذي نادى باسمه ينحني باحترام قاطعها :
-“سيدي.. الملك نيار يريدك في الحال”
أومأ له وأمره بالانصراف ، لينظر إلى وسام التي تنظر لظهر الحارس ، فهبط إلى أذنها بهمس جعل قشعريرة تسري في عمودها الفقري وأنفاسها تلفح عنقها :
-“لم ينتهِ الحديث بعد يا حلوتي.. فللحديث بقية والأوقات قادمة بكثرة”
ليتركها بأعين متسعة وتعابير مصدومة وذهب يكتم ضحكاته عليها بصعوبة.
هزت رأسها لتفيق ، ونظرت إلى جميع الاتجاهات تكلم نفسها ترفع ذيل ثوبها وخطواتها تكاد تركض باتجاه الدرج المؤدي لجناح سارية :
-“من الأفضل أن أهرب من هذا المكان قبل أن يأتي أحد آخر ليفزعني.. أنا المخطئة بنزولي إلى هنا من البداية”
السجن ليس الحبس بين أربع جدران
ليس جلادًا يحمل سوطًا للتعذيب
السجن الأكبر يكمن في خوف الانسان ورعبه
خوف من ماضي يحاصره
الحاضر الأليم
والمجهول المنتظر!
الخوف يجعل الانسان سجينًا أبديًا!
★★★★★★
جاثمًا على ركبتيه أمامهما بعدما جاء به مأمون.
كان نيار قد أمره بجلب الجندي الذي بعثه منذ شهرين للبحث عن سارية موجهًا أمره له :
-“أريده أمامي صباح غد يا مأمون”
استجاب لأمره ، واجتمع مع قادته للبحث عنه ، فلم يجده في أنحاء القصر كله لينتبه إلى صوت أحد الحراس :
-“لقد اختفى من القصر قبل أيام الشكوى سيدي.. كنا نظنه مريضًا لكن غيابه طال”
اقترب مأمون منه ليقف أمامه بعنفوانه تلوح علامات الجمود على وجهه يتساءل :
-“طالما غاب طويلًا ، فلماذا لم يخبرني أحد؟!”
ازداد توتر الواقفين ولم يجرؤ أحد أن ينبس ببنت شفة فصاح :
-“منذ متى يتخلف جندي ويغيب فلا أعلم عنه شيئًا؟”
ليهمس بوعيد ونظره يحوم على رجاله :
-“سترون عقابي بعدما ننتهي من تلك الكارثة”
ثم تنفس بقوة ينظر لموضع قدمه مفكرًا قبل أن يرفع رأسه يسألهم :
-“أيعرف أحدكم منزله؟!”
أومأ صديق له ليأخذه مأمون ويمتطي خيله خلفهما بعض الجنود وانطلقوا إلى منزله ، دق الباب بقوة لكن لم يستجب أحد ، فدفعه بقدمه ودلف للداخل ليجده خالي من كل شيء حتى الأثاث ، جال بنظره في أرجاء البيت غاضبًا والتفت خارجًا ، ليسأل صاحب المتجر الذي أمامه عن أصحاب المنزل ليجيبه :
-“لقد أخذ أسرته وانتقل إلى أهل زوجته في الناحية الجنوبية من المملكة”
انطلق إلى ذلك المكان وظل يسأل عنه حتى وصل إليه، طرق الباب ففتح له الجندي الذي ارتسمت معالم الذعر على وجهه من رؤيته يقف أمامه بنفسه ، ينحني برأسه إلى الجانب قليلًا وابتسامة سخرية صاحبت نبرته :
-“أتمنى ألا نكون قد سببنا لك إزعاجًا”
مأمون معروف بشراسته وقسوته، خاصةً عندما يحاول أحد اللعب معهم، يدب الرعب في قلوبهم.
حاول التحدث ووجهه يحتقن بالدماء من التوتر والقلق ، لينتفض الرجل عندما وضع مأمون يده على كتفه وقال بنبرة خافتة ساخرة يشوبها الغموض :
-“أرجو أن ترافقنا، لنا معك حديث طويل”
تسمر مكانه ولم تستطع قدمه التحرك من مكانها ، فأمسكه من تلابيبه وألقاه إلى جنوده لينطلقا إلى القصر ثم ألقاه أمام نيار وإلياس.
جلس نيار القرفصاء أمامه ممسكًا إياه من فكه ينظر إليه وقد تحولت تقاسيم وجهه للشراسة والتهجم بمجرد أن علم بهروبه واختفاءه ليهمس وعينيه يشع منها الغضب :
-“فرارك من وظيفتك سأحاسبك عليه فيما بعد.. لكن الآن أريد منك أن تخبرني كل شيء”
رفع الجندي عينيه إليه وجسده ينتفض من شدة الرعب ، فالجميع يعلم بقسوة وشراسة نيار في مثل هذه الأمور ، يعلم أن الأمر لن يمر مرور الكرام.. ازدرد ريقه بصعوبة وهو يهمس يضم كفيه بتوسل :
-“مولاي أرجو السماح من جلالتك.. غلطة لن تتكرر لكنني كنت مجبر”
انتفض جسد الرجل بالكامل مرتدًا إلى الخلف يكاد أن يقع على ظهره لولا كفيه اللذين استندا على الأرض من صراخ نيار بوجهه يدفع فكه من بين يده :
-“غلطة!!
أوكلتك بالبحث عن سارية لتذهب ولم أرَ وجهك بعدها.. ولولا انشغالي بما حدث لكان الجميع يترحم على روحك الآن”
استقام وأشار له بالنهوض ، فاستجاب مسرعًا يرتجف ليقترب منه :
-“أخبرني كل شيء حدث معك هناك”
ثم تركه يمسك طرف عباءته الملكية لتدور معه أثناء استدارته ليجلس بجانب أخيه الذي يرمق الجندي المرعوب بهدوء وملامح جامدة مستمعًا إلى كلماته :
-“عندما وصلت إلى حدود الجنوب كانت هناك حانة صغيرة ، جلسنا أنا والجندي الذي كان برفقتي لنرتاح ، لكن كانت هناك راقصة عرضت عليّ خطة مخبرة إياي أنها ستجبر الفتاة التي تبحث عنها بالقدوم إلى القصر بنفسها”
نظر إلى أخيه ورأى ملامحه مازالت جامدة.. من يره يعتقد أنه لم يسمع شيء لكن حركة فكه فضحته وهو يضم قبضته أمام فمه وينظر للجندي بغموض ، توجه بنظره للجندي مرة أخرى :
-“ما هي تلك الخطة؟!”
استرسل الرجل كلامه قائلًا :
-“أخذتني إلى امرأة وأخبرتها بقدومي ، فقالت أن لها صديقتين واحدة تسمى عائشة والأخرى مارية ، والثلاثة مثل الأخوات.. لتقترح أن يتم اختفاء واحدة من الصديقتين وإيصال خبر أنها اختفت هنا في الشمال”
عقد إلياس حاجبه بتفكير ليقف ثم يقترب من الرجل الذي تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه ، فإن كان نيار معروف بالقسوة والشراسة أثناء غضبه ، فإلياس الجحيم بعينه ، سأله وهو يضع يديه خلف ظهره :
-“من هي هذه المرأة؟
وما الذي جعلها متأكدة أن سارية ستأتي إلى هنا؟!”
هز الرجل رأسه بعدم معرفة وأجاب سريعًا مقسمًا :
-“أقسم بحياة أولادي لا أعرفها.. فقد كانت تخفي ملامحها كي لا يتعرف عليها أحد ، أما بالنسبة لتأكيدها فتلك الراقصة من أخبرتها عن مدى كرهها للقوانين هنا ، وإن وصلها أنه تم اختطافها من قبل القصر لن يهدأ بالها وستأتي”
أظلمت عيني إلياس وهوى بقبضته على وجهه ليقع على الأرض صارخًا من الألم ، ممسكًا فكه النازف من شدة اللكمة ، ليجثو إلياس أمامه جاذبًا إياه من تلابيبه يصرخ بوجهه :
-“أيها الحقير عديم الشرف!
من أجل حقد فتيات لا علاقة لك بهن تضع سمعة القصر والمملكتين في الوحل ، وكله لماذا؟!
لأنها تحقد على زوجتي”
كاد أن يلكمه مرة أخرى لولا نيار الذي منعه وجذبه للخلف ، يهمس له بجدية وعنف :
-“اهدأ إلياس مازال هناك المزيد لنعرفه”
لم ينظر لأخيه بل ظل يرمق الجندي المتأوه بغضب وأنفاس عالية ، فأجلسه نيار مكانه وأشار للجندي أن يكمل يحاول أن يتماسك ولا يقطع رأسه ، ليكمل الرجل بعدما مسح دمائه بطرف ملابسه :
-“تلك الفتاة كانت الأقرب لها ولذلك خطفتها وتم وضعها في أحد الأكواخ بالغابة وبالفعل جاءت صديقتها إلى هنا يوم الشكوى”
سأله نيار وجسده يتحرك للأمام ليستند بمرفقيه إلى قدميه :
-“والفتاة ماذا حدث لها؟!”
هز الرجل رأسه مرة أخرى بعدم معرفة وأجابه :
-“لا أعرف شيئًا عنها ، لقد اختفت في نفس اليوم وعندما ذهبت للحانة لأسأل الراقصة عنها أخبرتني أن هناك من يحتاج إليها ونقلها لمكان آمن حتى لا تهرب ، لكن …..”
صمت الرجل يزدرد ريقه ليعقد الملكان بين عينهما بتعجب وانتظار ليقول إلياس :
-“لكن ماذا؟”
“لكن يوم الاحتفال كنت أسير في الغابة لإحضار أعشاب للماشية ، فوجدت ذلك الكوخ الذي احتجزتها به من قبل مضاء بالمشاعل ويبدو أن أحد ما بالداخل.. اقتربت لأجدها بين براثن شخص ما مضرجة في دمائها حتى أخرج خنجر من خصره وقد نحرها ، وبعدها خرج”
كان صوت مأمون الذي صدح من خلفه هذه المرة ممسك بتلابيبه يهزه بقوة وعينيه تقدح شرًا وغضبًا :
-“ومن أحرق المكان هناك؟!
عندما ذهبنا إلى هناك كان المكان يشتعل”
رفرف الرجل برعب بمواجهة هذا العملاق الشرس كملكه وهمس بخفوت لا يقدر على المواجهة :
-“كان برفقته رجل آخر يحمل مشعل في يده ألقاه على الكوخ فأضرمت النيران به”
-“وأنت ماذا فعلت؟”
رمش الرجل عدة مرات وابتلع لعابه بصعوبة قبل أن يهمس بخفوت :
-“لم أفعل شيئًا لقد كانت الفتاة ميتة بالفعل”
لكمة بظاهر يد مأمون هبطت على وجنته الأخرى بشراسة وغل ، تليها ركلة وراء الأخرى بقدمه في بطنه يصرخ :
-“أيها الحقير بسببك نحن في تلك الكارثة”
همسة كاملة الهدوء أتت من خلف مأمون مصدرها إلياس بعدما نهض ليقف واضعًا يده على كتف مأمون :
-“كفى مأمون.. هذا لن يفيد”
وقف يرمق الرجل بقسوة وغضب ، ليلتفت إلى نيار قائلًا :
-“أنت الملك وهذا أحد جنودك ، لقد وصلنا لكمّ معلومات لا بأس به والخطوة القادمة الفتاة الذي يتحدث عنها وأعرف كيف أجدها”
ثم التفت ينظر للرجل الملقى على الأرض بألم ودمائه حوله :
-“تركت عقابه لك ، هذا قصرك وهذه مملكتك.. إصدار الأحكام بيديك أنت”
ذهب دون كلمة ، ليقف نيار وانحنى بالقرب من الرجل على الأرض مبتسمًا بغموض يعض على أسنانه بسخرية ليهمس له :
-“الجزاء من جنس العمل”
ليلتفت إلى مأمون بأعين ضيقة رافعاً رأسه بشموخ وهمس له :
-“تعلم ما عليك فعله”
أومأ مأمون له عندما تلقى إشارته ، ليذهب وهو يستمع لصراخ الجندي خلفه يطلب المغفرة والسماح ومأمون يجذبه من الخلف زاحفًا للخارج.
★★★★★
لا يوجد من يستطيع الوقوف بوجهي
بل لا يوجد من هو بقوتي
وإن وُجد فدائمًا أسبقه بخطوة
خطوة واحدة فقط تفصل بين ما أريده وبين ما يريدون الوصول له
نطق بتلك الكلمات في ساحة التدريب بقصره المقام فوق تلة عالية ، يتأمل الوجهة الخارجية له.. مخيفة رمادية الرعب يغلف أسواره وجدرانه ، أربعة فنارات عالية وقبة تتوسطهم.
الجهة الشرقية مخصصة للحرملك والغربية بها غرفته وغرف الزوار والاجتماعات.. وساحة التدريب الواسعة.
قصره مساحته شاهقة تكاد تتعدى مساحة القصر الذهبي في مملكة الشمال.
يقف ممسكًا سيفه يلوح به ببطء في الهواء ومن خلف عنقه ، عاري الجذع إلا من بنطال واسع يرفرف حول ساقيه والسماء ملبدة بغيوم الشتاء ، لكنه لم يأبه بذلك البرد القارص ، يتغلغل بأنامله خصلات شعره البنية الكثيفة التي تغطي رقبته ، ليلوح بسيفه هذه المرة لكن بقوة وكأنه يحارب عدوًا له ، أدار جسده مشهرًا سيفه في الهواء فتوقف فجأة والسيف يلامس رقبة حارسه الذي اتسعت عيناه بفزع ورعب ، حركة بسيطة منه ورقبته ستكون بجانب قدمه ، أنفاسه تتصارع يرى عيني ملكه تلمع باستمتاع لرؤية الرعب الذي دب في خلاياه ، ابتسم بطريقة كادت أن تُفقد الرجل وعيه وأبعد نصله عن رقبته :
-“ماذا تريد؟!”
تنفس بصعوبة ينحني أمامه وجزعه يهتز لأعلى وأسفل ،وجهه شديد الاحمرار من فزعه وصوته تحشرج يجيب مولاه :
-“مولاي هناك ضيفة تريد رؤيتك”
رفع حاجبه بتعجب مِن مَن جاءته في هذه الساعة!
نظر أمامه وألقى سيفه إلى الحارس هاتفًا به يتقدم للخارج :
-“ضع السيف في جعبته وعلقه في مكانه ، وأخبرها أن تنظرني في قاعة الزوار ريثما آتي”
اتجه إلى داخل قصره يستمع لشهقات جارياته من خلف الستائر المعلقة يتأملن جذعه اللامع بفعل قطرات الندى التي تساقطت بالخارج ، وخصلاته المبللة ليبتسم بغرور وسخرية ، متجهًا نحو جناحه الواسع الذي يتميز باللون الأسود بداية من فراشه الكبير المقابل لشرفته ، وهناك تمثال معلق على هيئة رأس فهد فوق الفراش مثبت فيه طرفي ستارتين تغطيان الفراش ، والمشاعل مثبتة على الحائط بجميع الجناح.
دلف للداخل ثم إلى حمامه مباشرة لإزالة تعب التدريب والمطر من جسده ، وخرج يحيط خصره بمنشفة كبيرة ، ويتناول أخرى صغيرة يمسح بها وجهه ليتفاجأ بمن تجذبه بعنف إلى فراشه جاثيةً فوقه واضعة يدها على عنقه ، تهمس بصوت حسيس أمام وجهه :
-“لست أنا من تنتظرك كهرمان لتمن عليّ بعد مدة بإطلالتك”
لم يغضب ولم يفعل أي شيء غير أنه ضحك بقوة مغمضًا عينيه ، ضحكاته جعلت تلك الغاضبة تزداد ثورتها لتضغط أكثر على عنقه بحقد جعلته يسعل وسط ضحكاته يسمعها تكمل :
-“لا تستفزني كهرمان؟”
بحركة مفاجأة كانت تحته مثبتًا ذراعيها فوق رأسها بقبضته ، واليد الأخرى تسير بظاهرها على وجنتها ويبتسم لها بعبث :
-“أتعلمين لا يجرؤ أحد على فعل ما فعلت غيرك.. لكن أحيي فيكِ شجاعتك”
رفعت حاجبها له بسخرية تقول بنبرة ماكرة :
-“تعلم أنني أستطيع فعل ما هو أكثر من ذلك”
استقام من فوقها يضحك بقوة ويقترب من دورق كبير مليء بالشراب يملأ كأسه ثم استدار لها وسؤالها يصل إليه :
-“أعلمت ما حدث مع سارية؟!”
رمقها بنظرات متعجبة ومتسائلة ، لتقف وتستند بظهرها على عمود الفراش وتتلاعب بطرف كم ثوبها ، تزم شفتيها للأمام والمكر يلوح في عينيها :
-“أصيبت بانهيار فلا حول لها ولا قوة.. كادت أن تهرب من القصر عندما علمت لكن إلياس أعادها مرة أخرى”
رفع كأسه يشرب منه وعيناه تلمع بخبث ، منذ أن رآها في منصتها وجذبت أنظاره انتفاضتها بعدما أعلن إلياس زواجه منها ، وصفها له رجله لكنه سيعاقبه لأنه أبخس من حق جمالها الذي رآه بأم عينيه.
خصلاتها النارية التي ظهرت من أسفل وشاحها الأبيض ، أنفها الشامخ ووجها المنحوت ببراعة فنان أخرج كامل فنه بها ، ناهيك عن جسدها قارنها في هذه اللحظة بآلهة الجمال فينوس.
رفع كأسه مرة أخرى يزدرد باقي شرابه كله ونظر من الشرفة وأظلمت عيناه ممسكًا حافتها بقوة ، نظراته تصل لأبعد نقطة :
-“منذ أن رأيتها وحقدي زاد على إلياس لامتلاكه مثل هذا الجمال ، ليس جمال شكل فقط لا.. بل لديها من القوة والشجاعة تؤهلها أن تكون ملكة بحق”
التفت برأسه إلى الواقفة خلفه يبتسم ابتسامة رسمت خط مستقيم على شفتيه :
-“فاتنة”
ليتنفس بعمق يعيد نظراته للظلام أمامه وقطرات المطر بدأت تهبط أمامه على الأرض.
انتهى الفصل



