روايات شيقة

رواية روح وريحان الفصل العاشر 10 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل العاشر 10 بقلم ايناس عادل

الفصل العاشر

رنيم .. المعضلة الكبرى .. والنظرية الفيثاغورثية قبل فهمها .. طلاسم التاريخ والجغرافيا عند حفظها .. ترى حياتها حصون منيعة تحيط ببيت هش .. بيت العنكبوت .. أو يكاد يكون أضعف منه .. كل ما تستطيع فعله هو أن تبني سدا وراء سد وحصن جوار حصن لتختبئ خلفهم .. تريد أن تخبرك أنها قوية ومسيطرة ومؤثرة واستطاعت فعل ذلك .. طالما لم تقترب من حصونها فأنت تراها عاقلة قوية مسيطرة وحكيمة أيضا .. ولكن احذر الاقتراب من حصونها .. حينها ستكتشف جانبا آخر لا تعلمه .. هي نفسها لا تعلمه ..

ما أسوأ أن لا تدري ما طبيعة شخصيتك .. أو تتظاهر بقوة لا تملكها .. أو كنت تملكها يوما .. ما أصاب “رنيم” ليس إلا تراكم لمواقف وعبارات .. ظلت تحبسها في نفسها .. لم تعش كل لحظة غضب مرت بها .. فقط تجاوزتها لأنها قوية .. ولم تعش كل لحظة حزن مرت بها .. ولم تعش كل لحظة ضعف جاءتها .. تتجاوز ثم تتجاوز وتتجاوز .. ولكن بعد كل هذا مؤكد أن ستأتي لحظة لتنفجر فيها .. لحظة تكون فيها كأضعف ما يكون ..

لو كانت عاشت كل لحظة بحالتها .. لم تكن لتتعرض لذلك الضعف المفاجئ ..

“اللي يخاف من العفريت يطلع له” .. مقولة تربينا عليها كغيرها .. وكم من مقولة خاطئة تربينا عليها .. ولكن تلك ليست خاطئة .. فعندما تخاف من “العفريت” سينشغل تفكيرك به .. وتنبه عقلك الباطن له .. حينها سيوجهك له .. ويجذب ما تخاف لك ..

خوفها من كشف وجهها .. خوفها من رؤية رجل لها .. خوفها من أن يقع رجل في حبها فقط لأنه رآها .. لذلك لم توافق على أي رؤية شرعية .. عندها اعتقاد أن كل الرجال سطحيون يعشقون فقط الجميلات لأنهن جميلات وفقط .. وحين يدور الزمن سيبحثون عن جميلة أخرى .. رغم أن أمامها أبويها .. لم يحدث معهما ما تعتقده .. ولكن هي فكرة صنعتها وصدقتها ..

ثم تفاقم خوفها من أن كل منتقبة لا بد وأن تتعرض لموقف كهذا أن تُرى دون قصد منها .. فحاولت تجنب تلك المواقف .. رغم أنها لم تكن لتحدث لها لو شغلت عقلها بأمر آخر .. لو ألغت تلك الفكرة تماما .. لو اقتنعت بأنه لا يحدث .. لو عملت على العيش بسلام وهدوء .. بلا عقد وبلا تعقيدات ..

** برمج عقلك على ما تريد .. لا تبرمج عقلك عن البعد عن ما لا تريد **
(هناك فارق كبير بين الجملتين)

تستند على زجاج النافذة المجاورة لها شاردة .. لا تفكر في أي شئ .. لأنها لا تشعر بأي شئ .. لم تشعر بكم الاتصالات التي أجراها “يوسف” .. لم تشعر بعدد المرات التي توقف فيها .. هو أيضا كان مندهشا منها .. فقد كانت منهارة قبل إغمائها .. طبيعي أن تكمل انهيارها .. لماذا لم تبكي ؟ .. ولماذا لم تصرخ ؟ .. ولماذا لم تحاول ترك سيارته ثانية بعد أن صرخ بها .. فقط تراجعت عم نوت فعله وجلست ساكنة ..

لم تشعر بتوقفه أمام منزله .. فقط وجدت “ريم” جوارها تربت على يدها .. نظرت لها بعين مستنجدة ثم مالت على كتفها .. ولم تتحدث .. “ريم” عرفت من “يوسف” ما حدث في رسالة هاتفية أرسلها لها حيث أخبرها بأن تنتظره في حديقة منزلهم عاجلا وقص عليها أن المصعد تعطل بصديقتها فقط .. لم يخبرها أنه كان معها .. ولم يخبرها بأن صديقتها مصابة بـ”فوبيا” .. احتضنتها “ريم” بشدة .. وهي لا تتخيل أن “رنيم” القوية تتأثر هكذا من موقف كهذا .. ولا تتخيل أنها تحتوي “رنيم” التي دائما ما تحتويانهما .. ترى “رنيم” أُمّا رائعة لولا تعقيداتها للأمور .. ولكن أي تعقيدات تتحدثين عنها يا “ريم” .. أي تعقيدات وأنت لم تدرِ بعد بكم التعقيدات التي بها ..

وصلوا منزلها .. كان أبوها ينتظرهم .. تلقاها بلهفة .. ثم تركها تصعد مع “ريم” ووقف يسمع من “يوسف” ما حدث …

لأبيها قص “يوسف” كل ما حدث .. لا يعرف لم شعر بالأسى من حديثه .. ثم شعر بالشفقة لحالها .. علم أن لديها مشاكل وليست مشكلة ..

انتظر “ريم” لنصف ساعة ولم يوافق أن يدخل مع والد “رنيم” .. حين جاءت جلست جواره ولم تتحدث .. لولا أنه بدأ حواره قائلا :
– بقت كويسة ..

نظرت له ولم ترد .. فسأل :
– بتبصيلي كدة ليه ..

ردت بحزن واضح :
– انت متأكد ان محصلش حاجة غير انها اتحبست في الأسانسير ولدقايق بسيطة بس ..

نظر لها قائلا :
– ليه بتسألي السؤال دة ..

تنهدت قائلة :
– عشان مش مصدقة ان رنيم تبقى كدة عشان بس اتحبست في الاسانسير .. دي ريحانة لو اتعرضت للموقف دة مش هيحصلها كدة ..

تأكد “يوسف” أن “ريم” لا تعرف مرضها .. رغم دهشته من ذلك .. فهي صديقتها منذ الطفولة .. كيف لا تعرف .. حمد الله أنه لم يخبرها وهز كتفيه قائلا :
– مش عارف .. هي صحبتي انا ولا صحبتك انتي .. مش يمكن بتخاف من حاجة وانتي مش عارفة ..

ابتسمت “ريم” ساخرة وهي تقول :
– رنيم بتخاف .. انت علشان متعرفهاش قلت كدة..

رد على سخريتها بسخرية أخرى :
– شكلك انتي اللي متعرفيهاش ..

نظرت له وهي لا تفهم شئ .. فـ”رنيم” لم تتحدث منذ رأتها .. حتى حين صعدت لمنزلها معها .. وبقيت معها لفترة لم تتحدث فيها .. لم تندهش من أنها لم تبكي .. لأنها تعرف أن “رنيم” لا تبكي .. وإنما ستندهش إن رأتها تبكي ..

مر يومان .. بلا كلام ولا طعام ولا نوم .. تجنبت “رنيم” الحديث مع كل من حولها .. وحين تأتي “ريم” و”ريحانة” ترجو والدتها بأن تخبرهما أنها نائمة .. لا تستطيع رؤية أي أحد خاصة وإن كان له علاقة بـ”يوسف” .. تأكل ما يسد رمقها فقط بعد إلحاح من والدتها .. زهدت كل شئ في حياتها .. ولا تدري لمَ يُفعل بها ذلك .. لمَ تعيش في كل تلك التعقيدات .. لمَ اسودت حياتها بتلك الطريقة .. لمْ تذهب لعملها ولمْ تقترب من كتبها .. لمْ تفعل شئ إطلاقا في هذين اليومين .. ولم تسقط من عينيها دمعة واحدة .. يبدو أن دموعها جفت .. أويبدو أنها حين لم تجد لها فائدة نضبت ..

ولم تطق أمها أن تراها كذلك .. لذا هاتفت “ريم” و”ريحانة” حتى يأتيان لها .. ولم تتأخرا .. حين وصلا .. طلبت منهما “جيهان” أن يدخلان لها مباشرة .. فهي إن دخلت ستطلب منها أن تخبرهما بنومها .. طرقت “ريم” الباب .. فأخبرتها “جيهان” أن تدخل فهي لن ترد .. أدخلتهما وأغلقت الباب تدعو أن تتحدث معهما ..

تقدمت منها “ريحانة” وأوشكت دموعها على الهروب من مقلتيها فهي لم تتخيل يوما أن ترى “رنيم” كذلك .. وضعت يدها على كتفها .. التفتت لها “رنيم” بنظرة شاردة .. دموع “ريحانة” قد تكون شجعتها .. جلست “ريحانة” جوارها ثم أخذتها بين ذراعيها .. عندها فقط بدأت “رنيم” تسمح لدموعها بالانهمار .. وفجأة بدأت تنتفض ويعلو نشيجها .. مم أفزع “ريحانة” و”ريم” .. “رنيم” تبكي .. في أسوأ المواقف التي تعرضْن لها لم تبكي .. بل دائما ما كانت تخبرهما أن البكاء ضعف .. واختلفا معها كثيرا .. فضعف حتى وإن كنت منفردة .. خير من مرض بسبب كتمان غضبي ..

ظلت تبكي وتبكي .. وهي تستحضر كل المواقف التي تعرضت لها وكانت تستحق البكاء ولم تبكِ .. انتفاضها يزداد .. و”ريحانة” تبكي لبكائها .. أغلقت “ريم” باب غرفتها خشية أن تسمع أمها ..

ثم عادت تمسح بيدها على ظهر “رنيم” .. وتحاول تهدئتها .. هدأت بعد فترة وبدأت تقص ما حدث لها .. لأول مرة تحكي لهما “رنيم” عن مشكلة تمر بها .. أو عن شعور تشعر به .. لأول مرة تتحدث ولا تسمع .. طيلة عمرها تسمع وفقط .. وتحل مشاكلهما فقط .. طيلة عمرها لا تخبر أي منهما ولا غيرهما بمشاكلها .. تنغلق على نفسها وتتقوقع لتحل ما يمكن حله وإن زاد عن طاقتها تضغط على نفسها لتحاول أكثر وأكثر .. ولا تشكو حتى ..

حين انتهت .. نظرت لاثنتيهما وقد فغرتا فيههما .. وتحدثتا قائلتين :
– عندك فوبيا ..

ثم بدأت ابتسامة تشق شفتيهما .. وما فتأتا أن انفجرتا ضحكا .. نظرت لهما “رنيم” مبتسمة أول ابتسامة منذ ما حدث .. لم تستطع إحداهما أن تكف ضحكتها .. طرقت “جيهان” الباب عندما سمعت ضحكهما .. فتحت لها “ريم” .. عندما نظرت لابنتها أشرقت وهي تراها مبتسمة ثم قالت :
– ايه دة لا انتو كدة سركم باتع .. هجيب أكل تأكلوها وتاكلوا معاها بقى .. ووروني شطارتكم ..

تركتهن وذهبت .. بينما تحدثت “ريم” قائلة :
– بقى عندك فوبيا يا رنيم ومنعرفش .. ايه كنتي خايفة تصعبي علينا ولا كنتي خايفة من الكلام زي شكلك ..

هزت كتفيها ولم تجب .. بينما قالت “ريحانة” :
– متقلقيش والله .. يوسف مش هيشغل باله بيكي .. احنا اصلا شاكين فيه .. ممكن يبقى معقد .. دة عمره ما فكر في الجواز ..

نظرت لها “رنيم” وقد راودها شعور بالضيق .. لم لا يفكر فيها .. ولمَ لمْ يتزوج .. ولمَ فعل معها ذلك ..

لم تقف “ريم” عند جعلها تأكل وفقط .. بل أصرت عليها أن تخرج معهما ..

———————-

نزهة “ريم” المفضلة الذهاب لمحلات الملابس أو أي شئ يخص البنات .. ويأتيها شره الشراء لولا “رنيم” و”ريحانة” من يوقفانها بحكمة .. لا تمل من الشراء .. ولكن تحاول شراء ما ينفعها وما ستستخدمه .. في شرائها لا تشتري فقط لها .. بل تبتاع أشياء لـ”باسل” و”يوسف” من أماكن يفضلانها .. وكذلك تبتاع لأمها وجدها .. و”روح” و”ريحانة” حتى “رنيم” ينالها مم تبتاع أشياء .. مجنونة شراء ..

حين انتهين .. تقدمتهم “ريم” للخروج .. وذهبت لتأتي بسيارتها من مكان انتظار السيارت .. هناك أعطت بطاقة للعامل .. دخل ليضغط زرا وبطريقة أوتوماتيكية .. رُفعت سيارتها من أسفل لتصل لمستوى الأرض .. ثم خرجت لها وبحركة دائرية التفت لتصبح بمحاذاة الطريق .. ركبت “ريم” وذهبت لتأتي بـ”رنيم” و”ريحانة” …

في طريقهن مررن على محطة انتظار .. نظرت “ريم” لامرأة جالسة .. يبدو عليها الحزن .. ولـ”ريم” حب أسطوري لرسم ابتسامة على وجوه من حولها .. وإدخال السرور على القلوب .. توقفت جانبا والتفتت لتخرج حلواها المفضلة من حقيبتها .. ثم نظرت لهما قائلة :
– ثواني يا بنانيت .. هعمل حاجة وجاية ..

أومأت كلتاهما .. وتحدثتا سويا .. بينما ذهبت “ريم” لتجلس جوار تلك السيدة وهي تمد يدها بحلواها قائلة :
– مش مستاهلة الزعل دة كله ..

رفعت “نور” رأسها وقد ظهر الاندهاش على ملامحها قائلة :
– أفندم ..

ابتسمت “ريم” قائلة :
– الدنيا .. مش مستاهلة الزعل دة كله ..

ابتسمت “نور” وهي تومئ برأسها .. فمدت “ريم” يدها قائلة :
– طيب ممكن تتفضلي دي .. دي شيكولاتي المفضلة .. مش بتخرج غير للغاليين ..

ضحكت “نور” قائلة :
– غاليين مرة واحدة .. ربنا يعزك ..

ابتسمت “ريم” وهي تقول :
– يارب .. ممكن تتفضليها بقى ..

أخذتها “نور” وهي تقول :
– شكرا ..

ضحكت “ريم” قائلة :
– عفوا .. بس متزعليش كدة تاني .. بقيتي عسولة لما ضحكتي اهو .. تعالي اوصلك لو مش مستنية حد ..

ردت “نور” :
– متشكرة يا حبيبتي بس انا مستنية زوجي .. هييجي حالا ..

وقفت “ريم” قائلة :
– تحبي استنى معاكي او محتاجة اي حاجة اساعدك بيها .. متقلقيش ريم يعتمد عليها ..

ردت “نور” ضاحكة :
– جزاكم الله خيرا .. اتفضلي انتي علشان معطلكيش اكتر من كدة .. حلو اسم ريم .. لو جاتلي بنوتة هسميها ريم ..

ضحكت “ريم” وهي تنظر لبطنها المتكورة قائلة :
– شكله ولد .. اسمعي مني .. مجهزة الاسم ولا لا ..

ردت “نور” قائلة :
– اه طبعا .. طارق ان شاء الله ..

وجمت “ريم” وهي تقول :
– حلو اسم طارق .. ربنا يقومك بالسلامة .. بعد اذنك يا ..

– نور ..

قالتها “نور” مبتسمة .. ثم نظرت للسيارة التي توقفت وهي تقول :
– اهو احمد زوجي وصل اهو …

ابتعدت “ريم” خطوة دون أن تنظر له .. وهمت لتغادر .. لولا نظرة خاطفة وليتها ما فعلتها ..

رأته يقبل نحوها بلهفة قائلا :
– نور حبيبتي انتي كويسة ..

أومأت “نور” مبتسمة وهي تقف مستندة عليه .. وهو يحيطها بذراعيه قائلا :
– حقك عليا يا قلبي انا اسف ..

توقف الزمن .. وتجمدت مكانها .. نظرت لسيارتهما التي اختفت .. وهي تشعر أن أوهامها وأحلامها اختفت معهما ..

شعرت “رنيم” و”ريحانة” بتأخيرها .. ذهبت لها “ريحانة” سارت معها ولم تتكلم ..
ثم ذهبت لتجلس مكان “رنيم” قائلة :
– رنيم سوقي انتي ممكن ..

تركت “رنيم ” مقعدها والتفتت لتقود ثم نظرت لها قائلة :
– مالك .. ايه اللي حصل ..

أجابت قائلة :
– متجوز .. واسمه احمد ..

ردت “ريحانة” :
– مين دة اللي متجوز واسمه احمد ..

أجابت “ريم” :
– طارق ..

قالتا الصمت .. وكان السكوت أبلغ حديث .. ثم تحركت السيارة في السكون ..
لم تسأل واحدة منهما هل رأته .. هل وجدته .. لم تستفسر كلتاهما عن أي شئ ..

———————-

كانت تنظر لهاتفها تقرأ تلك الرسالة التي أرسلها لها حين بدأت عملها بسعادة بالغة .. كل مرة حين يغضبها .. تقرؤها .. ثم تفكر “ريحانة” ماذا كانت حالته حين أرسلها لها .. أيكون أرسلها لها نائما .. أو شرب شيئا غريبا ولم يشعر بم يفعل .. أو قد تكون “روح” من كتبتها .. شخص غريب لأبعد حد .. كذلك تراه ..

سمعت صوت سيارته ولا تعرف كيف تميزها .. خرجت تنظر له .. ثم ابتسمت وهي تتذكر كيف اشتراها ..

كان يوم بعد حديثه معها عن الاعتماد على النفس .. وأن تذهب عملها وحدها .. في ذلك اليوم كانت تنتظر “يوسف” ليمر عليها .. حين وصل كان “باسل” معه .. ركبت في الخلف مضطربة وهي تنظر لم في يدها ..
تحركت السيارة و”باسل” يقول بضيق موجها حديثه لها :
– مفيش فايدة .. ايه كنتي خايفة برده المرة دي ..

هزت كتفيها فقط .. فليس لكونه أخبرها بفعل ذلك ستفعل مباشرة .. حين تشعر أنها قادرة على تلك الخطوة ستقوم بها .. بينما رد “يوسف” :
– انا اللي قلتلها اني هعدي عليها .. ممكن متدخلش حضرتك بينا ..

قال “باسل” بضيق :
– كل واحد حر في حياته .. انا مالي ..

ضحك “يوسف” قائلا :
– طيب وحضرتك هتفضل مشرفني كدة كتير .. ما تشتريلك عربية يا عم وتريحنا ..

رد “باسل” :
– قلت لك لسة مش متعود ع السواقة شمال ..

قالت “ريحانة” :
– احم .. ماهو .. ايه .. مش هتتعود يعني غير لما تحاول .. لكن لو محاولتش يبقى هتفضل مش متعود ..

سخونة اجتاحتها بعد أن أنهت كلامها .. بينما هو التفت قائلا :
– ماشاء الله عليكي .. لا اقنعتيني بجد .. طيب ما تقولي لنفسك ..

لم ترد وغضت طرفها في خجل .. بينما قال “يوسف” :
– تسلمي لي يا نونا .. دلوقتي ايه رايك بقى نطلع نشتريلك عربية وريحانة تختارها على ذوقها ..

امتقع وجه “باسل” قائلا :
– ذوقها .. وان شاء الله ذوقها دة هيناسبني ازاي …

احمرت وجنتاها غضبا منه .. وهي تلكم ظهر مقعده بيدها .. كانت تتمنى أن تلكمه في فكه .. أو يشعر حتى بلكمتها للمقعد ..

وصلوا وأصر “يوسف” أن تختار هي سيارته .. كانت تتمنى أن تختار أسوأ سيارة تراها .. ولكن لم تقدر على فعل ذلك .. اختارت سيارته بدقة متناهية وهي ترى كل الإمكانيات والعروض المتوفرة بها .. وكان رده :
– وانا هيفيدني بإيه كل التكنولو جيا دي .. الحاجات دي تختاريها ليكي انتي مش ليا ..

قبل سفره كانت سيارته أحدث ما صنع حينها .. لذلك وضعت ذلك في اعتبارها .. لماذا غضب الآن .. ولكنه قال تلك الكلمات واشتراها .. كائن غريب ..

أفاقت من شرودها على صوته الغاضب :
– ريحان ..

فزعت وهي تجيب قائلة :
– نعم ..

جز أسنانه قائلا :
– ايه اللي موقفك كدة .. ادخلي جوة .. واياكي اشوفك واقفة كدة تاني ..

حركت رأسها حركات متتابعة وهي تجيب :
– حاضر .. حاضر ..
قالتها وهي تهرول للداخل ..

كانت تقف على الشرفة المطلة على الطريق .. وتلك الشرفة تجعلها قريبة جدا من المارة .. نظرا لأنها في الطابق الأول .. من وجهة نظر “يوسف” و”باسل” فقط …

دخلت غرفتها غاضبة .. ثم أتت بدمية اشترتها على شكل رجل بأقدام طويلة تمثل “باسل” .. ظلت تلكمها لتخرج كل غضبها .. تضرب الدمية وكأنها “باسل” .. لم تنتهي حتى أخرجت كل غضبها منه في تلك الدمية الباسلة .. ثم رمتها أرضا وهي تقول :
– ماشي يا باسل .. ماشي .. دلوقتي انا هعمل معاك استيراتيجية جديدة .. ماشي ..

ذهبت للمطبخ .. ثم أعدت كل شئ يلزمها وما ينقصها طلبته بالهاتف .. وفي خلال عشر دقائق .. وجدت “باسل” لسوء حظها من أتى بتلك الأشياء .. ذهبت لتفتح حين سمعت رنين الجرس ظنا منها أنه جدها .. فهي تعلم أنه من سيقابل الفتى الذي سيأتي بم طلبته .. ولكن قبل أن تفتح سألت من الطارق ؟! .. لأنه لو جدّها لفتح بمفتاحه .. لذلك صدمها صوت “باسل” القائل :
– انا باسل .. افتحي يا باشمهندسة ..

ارتعدت فرائصها وهي تتمتم :
– صوته ميطمنش .. يا ربي .. بس ماشي يا باسل .. والله لهتشوف بقى ..

ذهبت لترتدي حجابها ثم فتحت وهي تقول :
– جدو مش هنا ..

أعطاها ما في يده قائلا :
– اتفضلي .. وتاني مرة لما تعوزي حاجة ابقي خلي جدك هو اللي يطلبها .. ولو مش موجود تقولي لأي حد يطلب لك .. انتي فاهمة …

لم تفهم غضبه .. ولأول مرة يطلب منها أحد هذا الطلب الغريب .. هي لا ينقصها سجون يضعونها فيها .. لماذا يقول ذلك .. ببطء رفعت رقبتها لتنظر له ثم ترتعب من الغضب المتفجر في وجهه .. تراجعت خطوة وهي تقول :
– حاضر .. بس .. يعني .. ايه .. انا اقصد اقول يعني .. اني علطول بطلب السوبر ماركت .. واطلب اللي انا عاوزاه وجدو هو اللي بيقابلهم تحت .. عادي يعني ..

تقدم منها خطوة ومازال غضبه يتزايد قائلا :
– ويا ترى كل مرة .. بييجي يسأل على عنوان الصوت الكروان …

هذا ما قاله له فتى توصيل الطلبات للمنازل حين التقاه في الشارع .. ولا يعرف “باسل” كيف منع غضبه .. كل ما فعله أنه نقده المال وهو يأخذ منه ما أتى به .. ويكفي الفتى ما رآه من غضب في وجهه .. لقد انطلق من أمامه مسرعا .. دون أن يتأكد حتى من كونه صاحب المنزل الذي يسأل عنه أم لا ..

جف حلقها وهي تراه أمامها .. ثم يقول لها كلامه ذاك .. فقط نظرت لما تحمله وهي تقول :
– حاضر ..

ثم رفعت رأسها قائلة :
– بس والله العظيم والله العظيم .. انا كنت بتكلم عادي .. ومعملتش حاجة ..

تركها وخرج غاضبا .. كذلك فعلت هي دخلت لتنفذ ما أرادت غاضبة حزينة .. أيكون صوتها ذنب .. أم جعلوه عورة .. ماذا تفعل إن كانت طبيعة صوتها كذلك ..

بهمة غريبة بدأت تصنع الحلوى التي أرادت .. لكل فرد من أفراد أسرتها حلوى مفضلة .. بدأت تصنعها له .. ولكن حلوى “باسل” المفضلة قررت أن تصنعها ثم تمنعه منها .. حتى حلواه المفضلة تعرفها وليس فقط .. بل أصبحت حلواها المفضلة كذلك ..

حين حل الليل اجتمعوا ليتسامرون .. أتت لكل فرد منهم بم صنعت .. ثم جاءت عنده .. لتعطيه مم يفضل “يوسف” .. نظر لها قائلا :
– انا مش عاوز ام علي ..

ببراءة أجابت :
– ايه دة انت مش بتحب ام علي زي يوسف ولا ايه ..

ردت “ريم” :
– ايه ..

حاولت أن تخفي ابتسامتها .. فـ”ريم” تعرف ما نوت فعله .. لذلك ذهبت لتجلس وتأخذ طبقها قائلة :
– انا اسفة يا باسل .. مش عارفة انك مبتحبش ام علي ..

نظر لطبقها قائلا :
– ومش عارفة اني بحب بلح الشام ..

ابتسمت وهي تنظر لطبقها قائلة :
– فعلا .. زيي يعني .. بس انا .. انا يعني .. انا تقريبا عملت دة بس ..

لا تستطيع استكمال حوارها معه أكثر من ذلك .. فقد حدث لوجهها غزو أحمر .. وأصبحت عينيها تصد ر إشارة توترها ..

بينما قال “يوسف” :
– خلاص يا باسل مالها ام علي يعني .. وبعدين عينك على طبقها ليه .. هي بتحب بلح الشام وعملته لنفسها .. المرة الجاية ان شاء الله تفتكرك ..

وقف “باسل” قائلا :
– والمرة الجاية ليه .. مع احترامي ليك طبعا يا جدي ..

قالها وهو يتقدم نحوها بخطوات ثابتة .. نظرت له بخوف شديد وهي تمد يدها بطبقها قائلة :
– والله عملت لك خلاص .. خلاص .. هدخل اجيبه حالا ..

أخذ طبقها وهو يبتسم قائلا :
– متلعبيش لعبة انتي مش ادها .. ومتنسيش انك انتي اللي غلطتي يا كروان هانم ..

قال الجد صالح :
– باسل ارجع مكانك .. وملكش دعوة بيها ولا بصوتها ..

عاد ليجلس مكانه قائلا :
– ما انا راجع مكاني .. بس صوتها دة بقى .. نبقى نشوف بعدين ..

قامت وتركتهم بضيق .. بينما هو كان يتذوق “بلح الشام” باستمتاع شديد .. ثم صاح قائلا :
– تسلم ايدك يا ريحان .. ابقي هاتي اللي انتي عاملاه جوة بقى ..

سمعته وهي تمسك تلك الدمية التي تشبهه .. ظلت تضربها وتعضها .. ثم صرخت بها .. وبعدها خرجت لتجلس معهم كأن شيئا لم يكن .. وفي جلستها معهم .. تنفرد هي و”ريم” بعيدا لتتجنبه .. وتفتح حوارات هي و”ريم” …

———————-

في عمله الجديد منذ أسبوع .. يجلس “يوسف” في مكتبه .. يقرأ تقارير بعض المرضى .. حين دخل عليه بعد طرقات زميل له قائلا :
– محاولة انتحار ..

ابتسم “يوسف” وهو يسأل :
– بنت ولا ولد ..

رد :
– بنت ..

امتقع وجه “يوسف” قائلا :
– لا مليش دعوة .. خد الحالة دي انت ..

سأل زميله :
– ليه بس ..

أجاب “يوسف” :
– تلاقيها كانت عاوزة تنتحر علشان بابا مرضاش يجيبلها الفستان اللي عجبها ..

ضحك زميله قائلا :
– مش شغلانتنا ان احنا نصدر احكام على حد ونظلمه .. وبعدين دي بنت صغيرة والموضوع فيه شبهه جنائية ..

وضع “يوسف” ما في يده قائلا :
– شبهه جنائية ..

رد زميله :
– اه ..

تمتم “يوسف” :
– يعني انا سبت الشغل مع النيابة والمجرمين .. واجي لشبهة جنائية ..

ثم رفع صوته قائلا :
– طيب هي فين ..

رد زميله قائلا :
– غرفة 306 .. بس لسة هيعرضوها ع الطب الشرعي ..

وضع “يوسف” كفيه على وجهه قائلا :
– كمان الطب الشرعي .. كملت 


زر الذهاب إلى الأعلى