روايات شيقة
رواية روح وريحان الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم ايناس عادل
رواية روح وريحان الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم ايناس عادل
الفصل الرابع والعشرون
** لا تخف من المسافة بين الحلم والحقيقة ..
فما دمت استطعت أن تحلم بشئ ; فبإمكانك تحقيقه .. ** بيلفا دافيز
خرجت دموعه من مقلتيها وهو يتنهد بفرحة غريبة عندما علم برفضها .. مرت عليه ليالٍ لا ينام ولم يحاول .. كان يشاهد ما يحدث عن بعد وهو يتظاهر ببرود يحترق تحته بنار هو مشعلها .. كيف يصدقون أن صغيرته لا يهمه أمرها .. ويله ماذا يفعل بنفسه وبفتاته .. كل مرة يخبرها بأن هذا ليس فارسها وذاك غير مناسب وكلهم لن يقدرونها .. وهو يريد أن يخبرها أن فارسها غير موجود على أرضهم .. أو أنه لن يحتمل رؤيتها مع ذلك الفارس .. هو نفسه ليس بفارسها ..
ابتعد “باسل” عن الأمر إذعانا لرأي جده والذي أصبح يلقي بقرارات صارمة ولا يقبل المناقشة فيها ..لولا صغيرته التي أصبحت قوية وتدافع عن حقها لكان زوجها لهذا الشخص .. كان يشاهد الأمر بترقب شديد .. ما منعه عن التدخل أنه كان متأكدا من رفضها .. يعلم أنها لن تقبل .. بل كان على يقين أنها لن تقبل .. ولكن مع كل إشارة من جده بأنها على وشك القبول يشعر أن قلبه وقع في بئر سحيق وأن تنفسه قد اختنق ..
لم يتدخل لأنه رأى من الأنانية تدخله .. هو لن يتقدم خطوة واحدة نحوها فلم لا يتركها تنعم بحياتها بعيدا عنه .. إن كانت هي تتعذب به فهو يموت كل يوم بسببها .. ولكن لن يستطيع فعل أي شئ .. هو يعجز عن ما يجب فعله .. يتمنى لو يستطيع إخفاءها عن العالم أجمع .. أو يستطيع أخذها بين ذراعيه لينصبها أميرة على قلبه .. ولكن ما يمنعه أكبر منه ومنها .. ما يمنعه عنها كبير ..
حائر بين أنانيته وامتلاكه لها وبين سعادتها التي يعلم أنها لن تكون بعيدا عنه .. كما تأكد أن سعادته ليست ببعيدة عنها .. ولكن ماذا يفعل .. وكيف يداري عجزه .. وكيف يواجهها ببروده المميت .. إلى الآن ما يثبته ليس سوى ركعات في جوف الليل يناجي فيها ربه بأن يخفف من ألمه .. لم يستطع أن يدعو بأن ينساها أو تنساه .. فقط دعاء أثير أن يجمعهما الله ويريح كليهما من عذابه .. ويحرره مما يقيده ويمنعه منها ..
كانت هي الأخرى تجلس في شرفتها تفكر فيما حدث .. وهي ترى “باسل” لأول مرة بشكل ثانٍ .. رفضت هذه المرة بسبب “ريحانة” لا بسبب “باسل” .. لأجل نفسها رفضت .. وليس لأجله .. ومعها كان هو إيجابي هذه المرة .. لما سألت “ريم” وأخبرتها أنه يرفض هذا الشخص ولكن جده منعه من التدخل .. سعدت بمؤازرته لها .. حتى وإن لم يكن كما تريد .. فيكفيها مؤازرته لها كما يريد .. ولأول مرة يصر جدها بهذا الشكل الغريب .. ولكن يكفيها ما فات .. ويكفيها ما فعلت لأجل الجميع .. يجب أن تفعل شيئا لنفسها ولو لمرة واحدة .. في أمر زواجها هي الوحيدة التي تمتلك القرار .. ليس “باسل” أو جدها .. لا تعلم كيف سينتهي الأمر بها .. أصبحت لا تنتظر “باسل”أو غيره .. فقط تريد أن تنام قريرة العين ولا يشغل تفكيرها شئ .. ولم يعد يهمها أمر الزواج .. هي لا ترى في نفسها سوى زوجة لـ”باسل” وإن لم يكن فلن تصبح زوجة لغيره .. وكما يفعل تفعل .. ليس لها سوى الله تناجيه أن يجمعهما وأن ينهي ألمها بسعادة تفوق ما تحلم بها ..
لم يكن الوقت متأخرا أثناء جلوس كليهما كل في شرفته .. ولم يشعر كلاهما بوجود الآخر .. فـ”ريحانة” أنهت تفكيرها وحاولت الاستمتاع بما تقرأ .. “باسل” لم يكن أنهى تفكيره لأنه لا ينتهي .. ولم ينتهِ عذابه المستمر .. ولكن أخرجه من أحزانه دخول ابنته عليه .. ابتسم وهو يراها تقبل نحوه وفتح ذراعيه لها .. استكانت بين ذراعيه وتشبثت به بشدة كأنها غريق يتعلق بما يستطيع لينجو .. أبعدها عنه وهو يحملها لتجلس على قدمه قائلا :
– مالك يا قلبي فيكي ايه بس ..
انتبهت “ريحانة” لصوته القلق .. فقد علمت أنه يحدث ابنته .. وانتقل قلقه لها ..
بينما قالت “روح” بألم :
– قالولنا النهاردة في المدرسة اننا نجيب ماما معانا بكرة .. علشان فيه حفلة .. وانا مش عندي ماما اجيبها .. ومش هروح ..
ضمها لصدره بشدة .. وهو يربت رأسها .. ويقبله .. ثم قال :
– لا طبعا هتروحي وعمتو هتكون معاكي ..
دون شعور منها .. بكت “ريحانة” لأجلها فقد عانت قبل مم تعانيه ..
ابتعدت “روح” عنه وهي تبكي قائلة :
– لا مش عاوزة اروح .. انا مش هقول لعمتو يا ماما .. ومش عندي حد اقوله يا ماما .. علشان خاطري يا بابا متخلينيش اروح ..
مسح دموعها بكفيه قائلا :
– بصي يا حبيبتي انا عاوز اقولك حاجة .. احنا لما اتخلقنا .. كل واحد فينا كان له شكل مختلف عن التاني .. فيه ناس لونهم ابيض فيه ناس لونهم اسود .. فيه ناس ربنا خلقلهم ايدين ورجلين .. فيه ناس اتولدوا برجل واحدة او بايد واحدة .. فيه ناس عيونها زرقة وناس عيونها خضرا او سودة .. فيه ناس سواد عنيهم في النص وناس سواد عنيهم جاي يمين شوية او شمال شوية .. فيه ناس اتولدوا لقوا عندهم اب وام عايشين وناس لقوا عندهم ام بس وناس لقوا عندهم اب بس .. وناس من غير ام ولا اب .. دي كلها اختلافات وكلنا مش زي بعض .. مش معنى ان ماما ماتت يبقى انتي كدة ناقصك حاجة .. او يبقى فيكي حاجة غلط .. لا طبعا .. انتي قوية .. والمفروض نصبر على كدة واحنا راضيين علشان ربنا يحبنا ..
وكمان اللي عندهم ماما معندهمش اب زيي .. صح ولا ايه .. اروح انا بقى وتيجي ماما ..
قالها باسما ..
ابتسمت وهي تشير برأسها أن لا .. ثم ارتمت على صدره .. وهي تستكين مجددا .. بينما تنهد وهو يمسح على ظهرها بلطف ..
وبعد قليل ابتعدت عنه قائلة :
– طيب اخد معايا ريحانة ..
ابتسم قائلا :
– ريحانة بتكون في شغلها في الوقت دة .. مش هينفع تيجي معاكي ..
نظرت له قائلة :
– انا لو قلتلها دلوقتي مش هتروح الشغل وتيجي معايا ..
مرر ظهر يده على وجهها قائلا :
– حبيبتي مينفعش تتعبيها معاكي .. افرضي انها معرفتش تيجي .. او انها معرفتش تاخد اجازة من شغلها .. هتعملي ايه بقى ..
أومأت وهي تستند برأسها على صدره قائلة :
– ماشي خلاص .. بس انا هنام معاك النهاردة ..
أحاطها بذراعيه قائلا :
– دي الاوضة كلها هتنور بوجودك .. انا اطول لما الاميرة الصغيرة تنام معايا ..
** ابنك إن كان يشعر بنقص ما كإعاقة أو به شئ من المذكور سابقا .. بدلا من أن تحذري المحيطين به من جرح مشاعره .. اجلسي أنتِ معه وفهميه وضعه .. وأخبريه أن ما به مجرد اختلاف فقط عن الآخرين .. وأخبريه ألا يتأذى من نظرات الناس .. لأن الناس عادة ما ينظرون للشئ المختلف .. ما به مجرد اختبار بسيط فليصبر **
** الأم مدرسة فدورها ليس هينا **
———————-
سمعتهما “ريحانة” فاتخذت قرارها .. وهاتفت “ريم” لتخبرها بأنها لن تذهب لعملها غدا .. فقالت “ريم” :
– ليه مالك .. تعبانة ..
نفت “ريحانة” قائلة :
– لا مش تعبانة ولا حاجة .. انا بس زهقانة وقلت اخرج بكرة اروح مكان تاني .. ممكن اروح النادي عادي يعني ..
أرادت أن تقترح “ريم” ذهابها معهما .. حتى تظهر أنها لا تعلم الأمر .. ولكن “ريم” قالت :
– يا بنتي لو تعبانة قولي ..
زفرت “ريحانة” قائلة :
– والله انا كويسة .. وبعدين خلاص يا ستي لو غيابي من شغلي هيأثر فيكي كدة .. انا هروح ولا تزعلي نفسك ..
وهمت بأن تغلق فأوقفتها “ريم” قائلة :
– استني بس يا بنتي .. مالك كدة .. خلاص براحتك متروحيش .. عموما فيه حفلة عندي في المدرسة بكرة لو حابة تيجي معايا انا وروح ..
اصطنعت “ريحانة” التفكير قائلة :
– مش عارفة اجي ولا لا .. ممكن روح تضايق من وجودي .. لا بلاش ..
ابتسمت “ريم” قائلة :
– روح تضايق من وجودك .. انتي بتهزري .. دي هتضايق من وجودي انا ..
ابتسمت “ريحانة” قائلة :
– طيب خلاص خدي رأيها الاول .. انا مش هاجي غير بموافقتها ..
أخبرت “ريم” “روح” بخبر “ريحانة” ففرحت بشدة .. بينما وقف “باسل” بسرعة ينظر لشرفتها التي تحت شرفته .. خشية أن تكون سمعتهما ففعلت ذلك لأجل ابنته وهذا مايغضبه .. ولكن لعلم “ريحانة” بما يدور في باله .. كانت هي دخلت وأغلقت شرفتها .. بل وأطفأت أنوار غرفتها حتى لا يعرف أنها سمعتهما .. ولما وجدها مغلقة تراجع بشك .. ولكن فرحة ابنته أنسته شكوكه ..
————————
بضوء دخل عينيه عنوة أجبر على الاستيقاظ .. فتح “يوسف” عينيه ببطء غاضب .. وجدها تجلس أمام مرآتها .. كأنها لم تفعل شيئا .. تهتم بزينتها وشعرها غير مبالية بما فعلته .. ظل فترة حتى استفاق وفهم ماذا فعلت .. فتظاهر بالنوم مجددا .. وأما “رنيم” فالتفتت له غاضبة عندما رأت أنه لم يتأثر بما فعلت .. فوقفت تثير الضوضاء التي أثارتها قبل وهي تفتعل أنها تبحث عن شئ ضائع في خزانة ملابسها تارة وفي دولابه تارة أخرى .. تحمل الوسائد لتضربها على الأرض بعنف حتى تصدر صوتا عاليا .. ولكن دون فائدة .. لم يستيقظ .. بينما هو كاد يموت ضحكا مم تفعله .. ويحاول بشدة كتم ضحكاته ويتظاهر بأنه لا يشعر بشئ .. عادت هي لتجلس أمام مرآتها مجددا بغيظ .. ثم رفعت شعرها الطويل بمشبك فوق رأسها وهي تتمتم :
– ماشي يا يوسف ..
تظاهر بأنه استيقظ لتوه .. وقام يعتدل على فراشه وهو يفرد عضلاته .. ثم نظر لها وجد وجهها يشتعل غضبا .. فكأنه لم يره .. وقف خلفها وهو يسحب المشبك التي رفعت به شعرها قائلا :
– انا مش قلت قبل كدة شعرك دة ميتلمش .. ويفضل مفرود علطول ..
التقطت مشبكا آخر وهي ترفع شعرها ثانية .. فسحب المشبك ثانية .. ففعلتها ثالثة .. ففعل هو الآخر .. حتى أخذ كل المشابك الموضوعة أمامها .. ثم انحنى يقبلها قائلا :
– حبيبتي صاحية من زمان ..
قالت مقلدة :
– لا ابدا يا حبيبي لسة حالا ..
سيقتلها بروده .. وهو لم يستطع التظاهر بأكثر من ذلك .. فانفرجت عن شفتيه ضحكة وهو يقول :
– ايه دة مين الي بهدل الدنيا كدة ..
وقفت قائلة :
– اصلي اتجننت شوية وكنت بدور على حاجة ..
عاد لفراشه وهو يأخذها معه قائلا :
– يعني مكنتيش بتعملي دوشة علشان تصحيني ولا حاجة ..
رفعت كتفيها قائلة :
– ليه هو انا انت .. انت ناسي انك انت اللي بتعمل كدة ..
أغمض إحدى عينيه قائلا :
– ايه دة هو انا مكشوف اوي كدة ..
ابتسمت أخيرا وهي تقول :
– اه طبعا مكشوف .. أي فساد بيحصل يبقى انت السبب فيه ..
ابتسم وهو يحيط رقبتها بذراعه قائلا :
– اعمل ايه مبقدرش اصحى .. واقعد من غير ما اشوفك .. ومن غير ما اصحى على عيونك .. فبضطر اعمل دوشة علشان تصحي من غير ما اصحيكي ..
التفتت بوجهها له وهي تقول مبتسمة:
– خلاص يبقى انا كمان من حقي اعمل كدة علشان تصحى ..
تخللت أصابعه شعرها وهو يقول :
– اعملي اللي انتي عاوزه .. انا كلي ليكي .. بس اوعي تلمي شعرك تاني ..
ثم تركها وهو يعود بظهره للخلف قائلا :
– سيبيني انام بقى ..
أمسكت يده توقفه وهي تقول :
– اه .. يعني كل دة علشان تنام تاني .. بطل كسل بقى يا يوسف وقوم ..
اعتدل ثانية وهو ينظر ليدها التي تمسك بيده قائلا :
– انا طول عمري بسمع عن الحليب بالشيكولاتة .. بس اول مرة اعرف انه كدة ..
نظرت ليدها ويده وهي ترى الفرق الواضح بين لونيهما ثم قالت ضاحكة :
– بس انت مش اسمر اوي كدة ..
نظر لها وضحك قائلا :
– اعتبر دة غزل صريح ..
نظرت له وسكتت .. وهو كذلك .. تلاقت نظراتهما في صمت بطئ .. قطعته هي قائلة :
– احم .. مقلتليش احنا هنسافر فين بعد سوريا ..
اضطجع قائلا :
– زهقتي من سوريا يعني ..
ردت قائلة :
– انا اللي زهقت ولا انت اللي قلت لي اننا هنسافر بلد تانية النهاردة ..
ابتسم قائلا :
– طيب جهزتي الشنط ولا بهدلتي الدنيا وخلاص ..
قامت لتعتدل جواره على السرير من الطرف الآخر وهي تقول :
– الظاهر ان فيه عدوى كسل .. مش عارفة ايه النوم المفاجئ اللي جالي دة ..
بحث بيده عن كوب الماء الموضوع على الطاولة جواره .. التقطه ثم رفعه فوق رأسها قائلا :
– انا كمان مش عارف الناس اللي نفسها تفوق ع الصبح بطرق خاصة دي نعمل فيها ايه …
فتحت عينيها لتنظر لكوب الماء الذي يميل عليها ثم انتفضت واقفة وهي تقول :
– لا لا خلاص .. يوسف حبيبي .. الشنط جاهزة .. قوم بقا ..
————————
في نهاية اليوم الدراسي انتهى الحفل .. وذهب “باسل” ليأتي بهن .. كذلك كان “طارق” ينتظر “ريم” بناء على طلبها .. خرجن فكان “طارق” ينتظر ولم يأتِ “باسل” بعد .. اقترب منهن .. فأومأ محييا “ريحانة” وكذلك فعلت هي .. ثم هبط لمستوى “روح” وهو يسلم عليها مقبلا يدها ثم قال :
– اتبسطتي في الحفلة ..
أومأت بسعادة وهي تقول :
– اتبسطت جدا جدا جدا ..
ضحك قائلا :
– 3 جدا ..
أومأت بسعادة قائلة :
– اه .. 3 جدا .. انت مجيتش مع عمتو ليه ..
ابتسم وهو يقول :
– المرة الجاية ان شاء الله ..
لم يعِر “ريم” أي اهتمام منذ وصوله .. فقط رحب بـ”روح” و”ريحانة” .. ثم ظل يمازح “روح” ونسيها هي تماما أو تظاهر بنسيانه لها .. لاحظت “ريحانة” التوتر الحادث بينهما .. فاستأذنت لتبتعد هي و”روح” ..
فوقف “طارق” مضطرا وهو يقول :
– ازيك يا ريم ..
إلى الآن ما زالت متماسكة .. لكن تخشى أن تفقد تماسكها وتضعف أمامه .. فنظرت له قائلة :
– بخير الحمد لله ..
فسأل :
– خير كنتي عاوزة ايه من العبيط اللي انتي مستحملاه ..
بدأت الدموع تترقرق في عينيها قائلة :
– طارق .. انت هتفضل ماسك لي في الكلمة كدة علطول .. قلت لك انا مقصدتش اني اقول كدة .. انا اصلا مش بشتم لا انت ولا غيرك .. انا بس لما بحس اني هقول حاجة مينفعش تتقال فبنيل الدنيا واقول دبش ..
ابتسم وهو يفهم ما ترمي إليه قائلا :
– حاجة ايه بقى اللي مينفعش تتقال ..
بدأت الدموع تتجمع في عينيها بكثرة قائلة :
– ما انا قلت مينفعش .. ومش وقتها كمان .. عموما انا اسفة .. وبالنسبة لكتب الكتاب .. تقدر تكلم باسل في الموضوع وياريت نستنى يوسف لما يرجع من سفره .. دة لو لسة عندك استعداد اصلا انك تكمل .. ولسة عاوز تكتب الكتاب ..
جزع من دموعها فقال بلهفة :
– طيب ممكن متعيطيش بس .. وبعدين انتي عارفة ان انا اللي طلبت كتب الكتاب .. ولو بفكر اتراجع ولو لدقيقة واحدة مكنتش طلبت .. بس بلاش تعيطي لو سمحتي .. دموعك اغلى من كدة ..
نظرت له قائلة :
– شكرا .. انا همشي بقى علشان باسل وصل .. بعد اذنك ..
عندما وصل “باسل” وجد “روح” و”ريحانة” فقط تنتظرانه فسأل عن “ريم” فأشارت ناحيتها “ريحانة” تخبره بأنها تتحدث مع “طارق” .. ركبت اثنتاهما ووقف هو ينتظرها .. ولكن لم يلمح تعبيرات وجهها .. حتى وصلت وركبت في المقعد الذي يجاوره .. دون كلم .. وبعدها جاء “طارق” يسلم عليه وأخبره أنه سيزوره غدا .. وانصرف هو الآخر دون كلمة أخرى ..
امتطى “باسل” سيارته وهو ينظر لـ”ريم” قائلا :
– مالك يا ريم .. طارق عملك حاجة ..
ابتسمت “ريحانة” وهي ترد قائلة :
– هو علطول كدة لازم الغلبان دة اللي يكون عمل فيها حاجة .. مش ممكن هي اللي تكون عملت ..
التفت ينظر لها قائلا :
– والله .. وحضرتك عارفة بقا ايه اللي حصل فبتدافعي عنه ..
ابتسمت وهي ترفع كتفيها قائلة :
– بصراحة معرفش دة مجرد اقتراح .. ممكن اسحبه ..
ابتسم لما رأى بسمتها وقال :
– اه يا ريت تسحبيه ..
ضحكت قائلة :
– حاضر ..
عاد هو ينظر لـ”ريم” التي ابتسمت بسببهما وهو يقول :
– ايه بقيتي كويسة يعني .. ولا ضحكتك دي موافقة على اقتراحها ..
ردت مبتسمة :
– لا بقيت كويسة .. انتم الاتنين اصلا بتخلوا اي حد كويس حتى لو مش كويس ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تنظر لـ”روح” .. بينما شغل “باسل” سيارته وهو يقول :
– دة على اساس اننا دواء مسكن مش كدة ..
اتسعت ابتسامة “ريحانة” لأنه جمعها به في حديثه وقبل فعلت “ريم” .. بينما نظر هو لابنته في مرآة السيارة قائلا :
– روح .. اخبار الحفلة ايه ..
ابتسمت “روح” قائلة :
– روعة يا بابا .. بجد .. حلوة خالص ..
ضحك قائلا :
– بقى تسيبي الكرسي بتاعك لعمتو وتقعدي ورا كدة بعيدة عني ..
ضحكت قائلة :
– عاوزة اقعد جنب ريحانة ..
ابتسم وهو يشعر أن ابنته دون أن تشعر تحرره من قيده .. لكن متى سيحرر هو نفسه من كل قيوده ..
أوصلهن وذهب لعمله .. وعندما عاد ليلا .. وجد “ريحانة” تقفز لكي تأتي بشئ علق منها في أعلى الشجرة .. اقترب منها قائلا :
– ريحان .. بتعملي ايه ..
نظرت له في فزع فعاد خطوة للخلف .. فقالت :
– لا .. ايه .. لا لا لا مفيش مفيش .. اطلع انت .. انا هجيبه الصبح ان شاء الله مش مهم الوقتي ..
نظر لها بشك قائلا :
– براحتك .. بس انا لو مديت ايدي بس هطوله .. ممكن توسعي وانا اجيبلك اللي انتي عاوزاه ..
حملقت فيه قائلة :
– اوسع ..
نظر لها قائلا :
– ايه مش عارفة يعني ايه توسعي ..
ثم أعطاها حقيبته قائلا :
– شيلي اللاب كدة ..
تراجعت وهي تشعر بخجل مميت .. ماذا لو رأى ما كانت تأتي به .. ماذا سيقول عنها .. ولما وجدت يده تطاله قالت :
– طيب هاته ومتبصش عليه .. يعني غمض عنيك ..
ضحك وهو يمسك قطعة القماش التي كانت تحاول التقاطها قائلا :
– ما هو انا لو غمضت عيني مش هعرف اجيبه ..
أغمضت هي عينيها عندما أمسكه .. بينما هو نظر لقطعة القماش التي بين يديه وابتسم بشجن .. ثم نظر لها فوجدها مغمضة عينيها بشدة فاتسعت ابتسامته ..
أول حجاب ارتدته وهو من اشتراه لها .. وهو من ألبسه لها .. كانت صغيرة جدا وقتها ولم تبلغ بعد .. ولكن هو من أحب أن تعتاد عليه .. فقد كانت وقتها تحب الملابس الضيقة القصيرة .. وكانت تعشق التبهرج في زينتها .. كانت جدتها تساعدها على ذلك حيث لم تكن لترفض لها طلبا ..
أعطاه لها قائلا :
– اتفضلي ..
فتحت عينيها ببطء لترى ابتسامته فقالت مدافعة :
– انا كنت برتب اوضتي لقيته طار مني والله ..
ضحك قائلا :
– انا مقلتش حاجة .. انا بقولك اتفضلي بس ..
أخذته منه بخجل .. ثم أخفضت بصرها أرضا عساه يغادر .. فلم يتحرك .. رفعت نظرها له قائلة :
– ايه ..
رفع كتفيه قائلا :
– ايه ايه .. الشنطة ..
نظرت لحقيبته التي تحملها ثم أعطتها له قائلة :
– اه .. اه .. انا اسفة .. اتفضل ..
ابتسم وهو يأخذها منها .. ثم استدار يغادر وهو يقول :
– مطوليش هنا بقى واطلعي علطول ..
أومأت برأسها له كأنه يراها .. ثم نظرت لحجابها باسمة .. وهي تحمد الله أنه لم يكتشف أنها كانت ترتب غرفتها لتبحث عنه ولما وجدته وجلست تتأمله في شرفتها طار منها ..
التفت “باسل” فوجدها تتأمل في الحجاب الذي بيدها باسمة .. فابتسم وهو يقول :
– ريحان ..
انتفضت وهي تلقي الحجاب أرضا كأنه جريمة ثم نظرت له قائلة :
– نعم ..
حاول أن يكتم ضحكته بسبب ما فعلت وهو يقول :
– الجهاز عندي فيه مشكلة ممكن تشوفيهولي لو سمحتي ..
أومأت برأسها بحركات متتابعة .. ثم تنحنحت وهي تقول :
– اه .. احم .. روح مستواها قل في العلوم والرياضيات .. فالمدرسة بتاعتها قالت لي النهاردة يعني .. ان المفروض نوديها نادي العلوم علشان تقدر تحبهم ومستواها يزيد تاني ..
عقد “باسل” ما بين حاجبيه قائلا :
– مستواها قل .. ومن امتى الكلام دة ..
أجابت “ريحانة” قائلة :
– المدرسة بتقول بقالها اسبوع .. وهي حاولت معاها لكن روح مش بتستجيب خالص .. لكن لو راحت نادي العلوم هيكون طرق التعليم هناك مختلفة وانت عارف ان الاطفال بيحبوا المكان هناك .. لانهم بياخدوا الموضوع كأنه لعب وكدة ..
رفع رأسه للسماء ثم نظر لها قائلا :
– من يوم ما فكرت في امها وشغلت بالها وهي كدة .. معدتش مركزة في اي حاجة وعلطول زعلانة .. مبقتش عارف اعمل لها ايه ..
لأول مرة يفصح “باسل” عن شئ لها .. وهو من لا يفصح عن شئ إطلاقا .. هي أيضا لاحظت حزن “روح” وشرودها لذا حاولت أن تفعل شئ لأجلها .. لم ترِد لها أن تكبر على ما كبرت عليه هي .. نظرت أرضا ولا تدري ما ستقول .. ثم نظرت له وهي ترى في عينيه نظرة عجز لم تراها من قبل وقالت :
– انا ممكن اروح معاها .. انا بكون فاضية في الوقت دة .. مش هتعطلني يعني ولا حاجة .. وكمان هي خلاص قربت تاخد إجازة الصيف ..
ابتسم وهو ينظر لها قائلا :
– لا طبعا انا هفضي نفسي علشانها ..
ثم التفت وهو يقول لها :
– شكرا يا ريحانة ..
حتى صوته فيه نبرة حزن غريبة عليه .. آلمها قلبها بشدة وهي تراه هكذا .. طأطأت رأسها في حزن .. وهي تفكر ماذا تفعل له ولابنته .. وفجأة رفعت رأسها قائلة :
– باسل ..
استدار لها قائلا :
– نعم ..
ابتسمت قائلة :
– جميلة ابتدت علاج النهاردة .. والدكتور قال انه فعلا اللي حصلها دة بسبب طفرة .. وبيقول انه بدل عرفنا السبب هيبقى العلاج سهل ان شاء الله .. بجد متشكرة ليك اوي يا باسل ..
أومأ برأسه باسما ثم أكمل طريقه .. أرادت أن تخبره أمرا يسعده .. ولكن يبدو أن حزنه على ابنته أعمق ..
بينما صعد هو لغرفة ابنته .. وجدها تجلس وحدها عادتها الأخيرة .. قبل رأسها .. ثم ذهب لغرفته غير ملابسه وعاد ليجلس ثم يبيت ليلته معها ..
———————-
في اليوم التالي .. وقفت “ريحانة” تجمع الورد لتصنع منه باقات .. دائما ما تفعل حين تكون سعيدة .. ثم توزع الباقات على أهل البيت .. ودائما ما يكون لـ”يوسف” النصيب الأكبر .. وبعد غيابه لم تعد تفعلها .. لذلك اندهشت “ريم” عندما نزلت وجدتها تمسك بباقات الورد .. ثم ابتسمت قائلة :
– ايه دة هو يوسف رجع ولا ايه ..
ضحكت “ريحانة” قائلة :
– هو انا بعملها علشان يوسف يعني ..
ثم مدت يدها قائلة :
– اتفضلي يا ستي ..ورد بلدي ..
أخذته منها “ريم” وهي تتنفس عبقه بسرور .. فقالت “ريحانة” :
– ممكن تديه لطارق على فكرة ..
ابتسمت “ريم” قائلة :
– شكرا على النصيحة ريحانتي العزيزة ..
خلفها جاء “باسل” وبيده “روح” .. فابتسم هو لـ”ريحانة” قائلا :
– ايه دة .. من زمان مشفناش ورد يعني .. يوسف كان مغرقنا في كراماته ..
ابتسمت ثم نظرت لـ”روح” قائلة :
– انا عملت لك بوكيه من الورد الغريب بتاعك .. اللي اسمه ايه .. مش فاكرة .. اسمه صعب كدة ..
اعترضت “روح” قائلة :
– اسمه روح يعني على اسمي .. هيبقى صعب ازاي .. يعني ريحان هو اللي اسمه سهل بقى ؟؟ ..
ضحكت “ريحانة” قائلة :
– طيب خلاص متتقمصيش بس .. واتفضلي لاحلى روح في الدنيا ..
ابتسمت “روح” وهي تأخذها منها .. ثم نظرت “ريحانة” لهم قائلة :
– انا همشي انا بقى علشان اتأخرت ..
نظر لها “باسل” قائلا :
– وانا ايه .. مليش حاجة ..
لم يبقى معها سوى الريحان .. فنظرت له قائلة :
– انا عارفة انك مبتحبش الريحان ..
ابتسم قائلا :
– لا بقيت بحبه .. بحبه جدا ..
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له بشدة .. ويغزو وجنتيها احمرار مفاجئ ..سلمت له ما في يدها وهي تقول بصعوبة :
– بعد اذنكم .. سلام ..
ثم انطلقت من أمامهم بخطوات سريعة تتوافق مع سرعة دقات قلبها ..
————————-
وقفا أمام المصعد فتنهدت “رنيم” بخوف وهي تحاول ألا يسمع تنهيدتها .. منذ بدأ رحلتهما بالطائرة التي تركبها لأول مرة في حياتها .. فقد كانت كل رحلاتها قبل إما بريا أو بحريا .. هي دائما تشعر باطمئنان جوار “يوسف” وتنسى خوفها كله .. كما أن خوفها المرضي كاد يتلاشى .. ولكن لا تنكر أنها أحيانا يهاجمها لحظات ضعف .. ويعود إليها خوفها مجددا .. وفي تلك اللحظات تخشى أن تخبر “يوسف” بما تشعر فيقلق لأجلها .. وهي تراه يتفانى في إسعادها وكذلك تحاول أن تفعل هي ..
أمسك “يوسف” يدها ليجد برودتها الشديدة تخترق جلده .. رغم قفازات يدها إلا أنه شعر ببرودتها .. فالتفت لها .. فنظرت له .. يقرأها دائما من عينيها .. لم تستطع أن تثبت عينيها في عينيه .. فقال :
– حبيبتي فيكي حاجة ..
أشارت برأسها أن لا .. فتح المصعد .. فنظرت له بفزع .. فأخذها وابتعد قائلا :
– انتي خايفة .. صح ..
أومأت برأسها .. فقال معاتبا :
– ليه يا رنيم مبتقوليليش ..
غضب منها .. طالما قال “رنيم” إذا فهو غاضب .. لم يقل “حبيبتي” أو أي كلمة حب أخرى .. فلمعت عيناها قائلة :
– خلاص مش خايفة ..
أخذها وابتعد ليجلسا حول إحدى الطاولات الموجودة في باحة الفندق .. ثم أمسك يدها قائلا :
– يا حبيبتي انا عاوزك تقوليلي اول ما تخافي .. بدل ما تركبي وانتي بتضغطي على نفسك انا مش عاوزك تتعبي تاني .. ممكن ..
قال “حبيبتي” إذا ليس غاضبا .. فابتسمت وهي تومئ برأسها .. ثم قالت :
– طيب ممكن نقعد هنا شوية وبعدين نطلع ..
ابتسم وهو يوقفها قائلا :
– لا تعالي نلف في المحلات اللي حوالي الفندق شوية .. بس قولي لي .. عجبتك فرنسا ..
أراد أن ينسيها خوفها ونجح .. وبعد أن أنهيا تجوالهما .. عادا ليقفان ثانية أمام المصعد .. فنظر لها قائلا :
– ايه رأيك نطلع ع السلم ..
نظرت له قائلة :
– لا لا مش هقدر .. اطلع للسابع .. مستحيل .. انت موتني في اللف ع المحلات .. الاسانسير ماله يعني ..
ضحك قائلا :
– انا بقول كدة بردو ..
وصلا غرفتهما .. فارتمى كل واحد منهما على مقعد ليسترح .. فقد طال تجوالهما .. ثم بعد فترة قال “يوسف” :
– يلا يا نيمو قومي البسي الحاجات اللي احنا جبناها .. عاوز اشوفها عليكي .. وكمان المحل مدينا مدة اقصاها ساعتين وهييجوا ياخدوا الحاجة اللي مش عاجبانا ..
نظرت له قائلة عن قصد :
– يوسف انا مش عارفة ايه اصرارك الغريب انك تجيب الهدوم اقيسها هنا .. مع ان المحلات كلها فيها اماكن علشان اقيس فيها واشوف ايه اللي يعجبني وايه اللي ميعجبنيش ..
عقد ما بين حاجبيه بشدة وهو يعتدل قائلا :
– رنيم ..
تحب أن تشعل غيرته ثم تندم .. وقفت وهي تحمل الحقائب الموضوعة على الأرض قائلة :
– طيب انا هقيسهم لوحدي بقا ..
رفع إحدى حاجبيه قائلا :
– نعم ..
نظرت له قائلة :
– ما انا اكيد هاخد رأيك يا حبيبي ..
عاد بظهره للخلف قائلا :
– اه ..
خرجت ترتدي أول فستان .. وقف ينظر لها بنصف عين .. ثم اقترب منها يمسك ذرعها حتى تدور .. فاستدارت .. نظر لها وهو يميل رأسه لليمين تارة ولليسار تارة أخرى .. فقالت :
– في ايه يا يوسف ..
ابتسم قائلا :
– انا قلت يمكن لو شفته مقلوب يبقى حلو .. بس لا لسة زي ما هو .. مين اللي اختار الفستان دة زوقه وحش اوي ..
نظرت له قائلة :
– ذوقه وحش جدا جدا .. انت اللي اخترته ..
اصطنع الدهشة قائلا :
– فعلا .. لا لا .. دة هيرجع .. اللي بعده ..
دخلت تبدله ثم خرجت بفستان آخر .. ودارت هي حول نفسها ثم قالت :
– دة بقى انا اللي اخترته ..
أشار برأسه أن لا قائلا :
– لا وحش ..
نظرت لردائها ثم له قائلة :
– لا حلو ..
– لا وحش ..
– لا حلو ..
– لا وحش ..
– انا اللي هلبسه ..
– وانا اللي هشوفك بيه ..
زفرت وهي تدخل لتبدله .. ثم خرجت بآخر قائلة بضيق :
– هاه .. حلو ولا وحش ..
ابتسم وهو ينظر لضيقها ثم قال :
– روحي وتعالي كدة .. انا هحكم عليه ازاي وانتي مكتفة نفسك كدة .. اعملي لي عرض ازياء ..
نظرت له بغيظ قائلة :
– يوسف متستفزنيش ..
اقترب منها وهو يمسك ذراعيها قائلا :
– واستفزك ليه يا حبيبتي .. واحدة بواحدة .. اللي انا اخترته وحش واللي انتي اخترتيه وحش .. يلا بقى نركز في دة ..
لا تعرف كيف له يحول حالتها بسهولة من ضيق شديد لابتسامة صافية .. فعلت ما طلب .. ثم وقفت فقال :
– واااااااو .. وحش جدا ..
نظرت له بشدة فقال وهو يشير بيده :
– اللي بعده يلا يلا ..
دخلت غرفتها تدبدب بقدميها .. كل ما ارتدته هي تراه مبهرا .. لماذا لا يعجبه هو .. ارتدت آخر وخرجت فابتسم قائلا :
– استدارة لو سمحتي ..
تراه مبتسما فتبتسم .. فعلت ما قال .. ثم وقفت فقال :
– وااااو ..
وقبل أن يكمل ظهر الامتعاض على وجهها فقال :
– يجنن عليكي ..
ابتسمت وهي تقول :
– بجد ولا هترجع في كلامك ..
وقف وهو يمسك بيديها بين يديه ثم قال :
– طبعا بجد .. وكل اللي فاتوا كانوا اجمل .. انا قلت لك قبل كدة ان اي حاجة بتحلو بيكي ..
ضربته في صدره وهي تقول مقلدة :
– يا سلام .. وحش .. وحش .. وحش ..
رفع يدها يقبلها ثم قال :
– يا حبيبتي قلت لك انك جميلة من غير حاجة ..
رغم ثقتها بجمالها .. ولكن إقراره هو بجمالها شئ آخر ..
تنحنحت قائلة :
– طيب .. كدة خلاص قول لـ ..
قاطعها قائلا :
– قلت هناخدهم كلهم .. خلاص ..
أومأت باسمة ولم تعقب ..
————————-
في نزهته الأسبوعية مع ابنته .. اقترحت “ريحانة” أن تذهب “ريم” و”طارق” معه وابنته .. حتى تشعر “روح” بوجود عائلة ويستطيع “باسل” أن يأخذها لأماكن العائلات .. ولكن “باسل” انتهز فرصة أنها من اقترحت وطلب منها هي الأخرى أن تأتي .. طالما معهما “ريم” و”طارق” .. هي كانت تتمنى ذلك لأجل “روح” التي تعلقت بها بشدة في الأيام الماضية .. وفي نفس الوقت تفكر فيما إذا جلس “طارق” و”ريم” على طاولة منفصلة .. ستضطر هي للجلوس معه وابنته على طاولة واحدة .. وبالطبع لن تستمر ابنته معهما فهي ذاهبة لتلعب وتمرح لا لتجلس معهما .. وافقت على مضض وهي تقرر أن تذهب مع “روح” حين تلعب .. ولكن “باسل” لشعوره بحرجها .. طلب من والدته وجده أن يأتيان ولم يتعباه في الموافقة .. وهذا أراح “ريحانة” كثيرا ..
انتظموا على طاولة كبيرة لغدائهم جميعا .. وحين انتهوا ذهبت “روح” لتلعب .. وغادرت “ريحانة” معها لترعاها .. وبقي البقية يتحدثون على طاولتهم .. ولأنه لم يعد يتحكم في تصرفاته .. قام “باسل” ليجلس مع “ريحانة” .. وجدها تلعب مع ابنته .. لم يقترب منها ولم يحدثها بقي يراقبها وفقط .. تركت “روح” لتلعب مع أقرانها وعادت وجدته واقف يراقبها فنظرت له قائلة :
– انا كنت جاية اقف هنا وهخلي بالي منها .. ممكن ترجع انت ..
أشار برأسه أن لا قائلا :
– لا انا مرتاح كدة .. مش هكون مطمن غير وانا شايفها بنفسي ..
ترددت فيم ستقول ولكن قالت :
– لو انت خايف من ان حد يقولها حاجة او تزعل ومتقولكش .. يعني متقلقش .. هي ..
قاطعها قائلا :
– لا .. الحمد لله الموضوع دة معدش بيشكلها ازمة .. هي تقبلت الوضع عادي جدا .. وبقت بتتكلم معايا عن امها عادي .. يعني الموضوع بقا اخف .. هي المشكلة كانت في الاول لما بدأت تختلط بالناس جامد بس ..
أومأت وهي تعود تنظر لها .. فقال حتى لا ينتهي حوارهما :
– اخبار جميلة ايه ..
ابتسمت حين سمعت اسمها فقالت :
– اه الحمد لله كويسة .. الدكتور بيقول فيه تقدم ..
عقد ما بين حاجبيه قائلا :
– دكتور مين ؟ ..
أجابت ببساطة :
– دكتورها .. ما هو انا اللي بكون معاها انا وعمو ..
سأل :
– والدكتور بيقول الكلام دة ليكي ولا لعمك ..
أجابت :
– لعمو .. ليه بتسأل ؟ ..
ابتلع ريقه وهو ينظر لابنته قائلا :
– يعني جميلة نفسيا كويسة ..
أومأت برأسها قائلة :
– اه كويسة جدا الحمد لله ..
وفجأة نظر لابنته بشدة وهو يصيح :
– روح ..
وهرول نحوها بينما هي بقيت لبرهة تستوعب ما حدث ثم تبعته هي الأخرى تركض كأنما تريد الطيران نحوها ولكن سبق السيف العزل .
** لا تخف من المسافة بين الحلم والحقيقة ..
فما دمت استطعت أن تحلم بشئ ; فبإمكانك تحقيقه .. ** بيلفا دافيز
خرجت دموعه من مقلتيها وهو يتنهد بفرحة غريبة عندما علم برفضها .. مرت عليه ليالٍ لا ينام ولم يحاول .. كان يشاهد ما يحدث عن بعد وهو يتظاهر ببرود يحترق تحته بنار هو مشعلها .. كيف يصدقون أن صغيرته لا يهمه أمرها .. ويله ماذا يفعل بنفسه وبفتاته .. كل مرة يخبرها بأن هذا ليس فارسها وذاك غير مناسب وكلهم لن يقدرونها .. وهو يريد أن يخبرها أن فارسها غير موجود على أرضهم .. أو أنه لن يحتمل رؤيتها مع ذلك الفارس .. هو نفسه ليس بفارسها ..
ابتعد “باسل” عن الأمر إذعانا لرأي جده والذي أصبح يلقي بقرارات صارمة ولا يقبل المناقشة فيها ..لولا صغيرته التي أصبحت قوية وتدافع عن حقها لكان زوجها لهذا الشخص .. كان يشاهد الأمر بترقب شديد .. ما منعه عن التدخل أنه كان متأكدا من رفضها .. يعلم أنها لن تقبل .. بل كان على يقين أنها لن تقبل .. ولكن مع كل إشارة من جده بأنها على وشك القبول يشعر أن قلبه وقع في بئر سحيق وأن تنفسه قد اختنق ..
لم يتدخل لأنه رأى من الأنانية تدخله .. هو لن يتقدم خطوة واحدة نحوها فلم لا يتركها تنعم بحياتها بعيدا عنه .. إن كانت هي تتعذب به فهو يموت كل يوم بسببها .. ولكن لن يستطيع فعل أي شئ .. هو يعجز عن ما يجب فعله .. يتمنى لو يستطيع إخفاءها عن العالم أجمع .. أو يستطيع أخذها بين ذراعيه لينصبها أميرة على قلبه .. ولكن ما يمنعه أكبر منه ومنها .. ما يمنعه عنها كبير ..
حائر بين أنانيته وامتلاكه لها وبين سعادتها التي يعلم أنها لن تكون بعيدا عنه .. كما تأكد أن سعادته ليست ببعيدة عنها .. ولكن ماذا يفعل .. وكيف يداري عجزه .. وكيف يواجهها ببروده المميت .. إلى الآن ما يثبته ليس سوى ركعات في جوف الليل يناجي فيها ربه بأن يخفف من ألمه .. لم يستطع أن يدعو بأن ينساها أو تنساه .. فقط دعاء أثير أن يجمعهما الله ويريح كليهما من عذابه .. ويحرره مما يقيده ويمنعه منها ..
كانت هي الأخرى تجلس في شرفتها تفكر فيما حدث .. وهي ترى “باسل” لأول مرة بشكل ثانٍ .. رفضت هذه المرة بسبب “ريحانة” لا بسبب “باسل” .. لأجل نفسها رفضت .. وليس لأجله .. ومعها كان هو إيجابي هذه المرة .. لما سألت “ريم” وأخبرتها أنه يرفض هذا الشخص ولكن جده منعه من التدخل .. سعدت بمؤازرته لها .. حتى وإن لم يكن كما تريد .. فيكفيها مؤازرته لها كما يريد .. ولأول مرة يصر جدها بهذا الشكل الغريب .. ولكن يكفيها ما فات .. ويكفيها ما فعلت لأجل الجميع .. يجب أن تفعل شيئا لنفسها ولو لمرة واحدة .. في أمر زواجها هي الوحيدة التي تمتلك القرار .. ليس “باسل” أو جدها .. لا تعلم كيف سينتهي الأمر بها .. أصبحت لا تنتظر “باسل”أو غيره .. فقط تريد أن تنام قريرة العين ولا يشغل تفكيرها شئ .. ولم يعد يهمها أمر الزواج .. هي لا ترى في نفسها سوى زوجة لـ”باسل” وإن لم يكن فلن تصبح زوجة لغيره .. وكما يفعل تفعل .. ليس لها سوى الله تناجيه أن يجمعهما وأن ينهي ألمها بسعادة تفوق ما تحلم بها ..
لم يكن الوقت متأخرا أثناء جلوس كليهما كل في شرفته .. ولم يشعر كلاهما بوجود الآخر .. فـ”ريحانة” أنهت تفكيرها وحاولت الاستمتاع بما تقرأ .. “باسل” لم يكن أنهى تفكيره لأنه لا ينتهي .. ولم ينتهِ عذابه المستمر .. ولكن أخرجه من أحزانه دخول ابنته عليه .. ابتسم وهو يراها تقبل نحوه وفتح ذراعيه لها .. استكانت بين ذراعيه وتشبثت به بشدة كأنها غريق يتعلق بما يستطيع لينجو .. أبعدها عنه وهو يحملها لتجلس على قدمه قائلا :
– مالك يا قلبي فيكي ايه بس ..
انتبهت “ريحانة” لصوته القلق .. فقد علمت أنه يحدث ابنته .. وانتقل قلقه لها ..
بينما قالت “روح” بألم :
– قالولنا النهاردة في المدرسة اننا نجيب ماما معانا بكرة .. علشان فيه حفلة .. وانا مش عندي ماما اجيبها .. ومش هروح ..
ضمها لصدره بشدة .. وهو يربت رأسها .. ويقبله .. ثم قال :
– لا طبعا هتروحي وعمتو هتكون معاكي ..
دون شعور منها .. بكت “ريحانة” لأجلها فقد عانت قبل مم تعانيه ..
ابتعدت “روح” عنه وهي تبكي قائلة :
– لا مش عاوزة اروح .. انا مش هقول لعمتو يا ماما .. ومش عندي حد اقوله يا ماما .. علشان خاطري يا بابا متخلينيش اروح ..
مسح دموعها بكفيه قائلا :
– بصي يا حبيبتي انا عاوز اقولك حاجة .. احنا لما اتخلقنا .. كل واحد فينا كان له شكل مختلف عن التاني .. فيه ناس لونهم ابيض فيه ناس لونهم اسود .. فيه ناس ربنا خلقلهم ايدين ورجلين .. فيه ناس اتولدوا برجل واحدة او بايد واحدة .. فيه ناس عيونها زرقة وناس عيونها خضرا او سودة .. فيه ناس سواد عنيهم في النص وناس سواد عنيهم جاي يمين شوية او شمال شوية .. فيه ناس اتولدوا لقوا عندهم اب وام عايشين وناس لقوا عندهم ام بس وناس لقوا عندهم اب بس .. وناس من غير ام ولا اب .. دي كلها اختلافات وكلنا مش زي بعض .. مش معنى ان ماما ماتت يبقى انتي كدة ناقصك حاجة .. او يبقى فيكي حاجة غلط .. لا طبعا .. انتي قوية .. والمفروض نصبر على كدة واحنا راضيين علشان ربنا يحبنا ..
وكمان اللي عندهم ماما معندهمش اب زيي .. صح ولا ايه .. اروح انا بقى وتيجي ماما ..
قالها باسما ..
ابتسمت وهي تشير برأسها أن لا .. ثم ارتمت على صدره .. وهي تستكين مجددا .. بينما تنهد وهو يمسح على ظهرها بلطف ..
وبعد قليل ابتعدت عنه قائلة :
– طيب اخد معايا ريحانة ..
ابتسم قائلا :
– ريحانة بتكون في شغلها في الوقت دة .. مش هينفع تيجي معاكي ..
نظرت له قائلة :
– انا لو قلتلها دلوقتي مش هتروح الشغل وتيجي معايا ..
مرر ظهر يده على وجهها قائلا :
– حبيبتي مينفعش تتعبيها معاكي .. افرضي انها معرفتش تيجي .. او انها معرفتش تاخد اجازة من شغلها .. هتعملي ايه بقى ..
أومأت وهي تستند برأسها على صدره قائلة :
– ماشي خلاص .. بس انا هنام معاك النهاردة ..
أحاطها بذراعيه قائلا :
– دي الاوضة كلها هتنور بوجودك .. انا اطول لما الاميرة الصغيرة تنام معايا ..
** ابنك إن كان يشعر بنقص ما كإعاقة أو به شئ من المذكور سابقا .. بدلا من أن تحذري المحيطين به من جرح مشاعره .. اجلسي أنتِ معه وفهميه وضعه .. وأخبريه أن ما به مجرد اختلاف فقط عن الآخرين .. وأخبريه ألا يتأذى من نظرات الناس .. لأن الناس عادة ما ينظرون للشئ المختلف .. ما به مجرد اختبار بسيط فليصبر **
** الأم مدرسة فدورها ليس هينا **
———————-
سمعتهما “ريحانة” فاتخذت قرارها .. وهاتفت “ريم” لتخبرها بأنها لن تذهب لعملها غدا .. فقالت “ريم” :
– ليه مالك .. تعبانة ..
نفت “ريحانة” قائلة :
– لا مش تعبانة ولا حاجة .. انا بس زهقانة وقلت اخرج بكرة اروح مكان تاني .. ممكن اروح النادي عادي يعني ..
أرادت أن تقترح “ريم” ذهابها معهما .. حتى تظهر أنها لا تعلم الأمر .. ولكن “ريم” قالت :
– يا بنتي لو تعبانة قولي ..
زفرت “ريحانة” قائلة :
– والله انا كويسة .. وبعدين خلاص يا ستي لو غيابي من شغلي هيأثر فيكي كدة .. انا هروح ولا تزعلي نفسك ..
وهمت بأن تغلق فأوقفتها “ريم” قائلة :
– استني بس يا بنتي .. مالك كدة .. خلاص براحتك متروحيش .. عموما فيه حفلة عندي في المدرسة بكرة لو حابة تيجي معايا انا وروح ..
اصطنعت “ريحانة” التفكير قائلة :
– مش عارفة اجي ولا لا .. ممكن روح تضايق من وجودي .. لا بلاش ..
ابتسمت “ريم” قائلة :
– روح تضايق من وجودك .. انتي بتهزري .. دي هتضايق من وجودي انا ..
ابتسمت “ريحانة” قائلة :
– طيب خلاص خدي رأيها الاول .. انا مش هاجي غير بموافقتها ..
أخبرت “ريم” “روح” بخبر “ريحانة” ففرحت بشدة .. بينما وقف “باسل” بسرعة ينظر لشرفتها التي تحت شرفته .. خشية أن تكون سمعتهما ففعلت ذلك لأجل ابنته وهذا مايغضبه .. ولكن لعلم “ريحانة” بما يدور في باله .. كانت هي دخلت وأغلقت شرفتها .. بل وأطفأت أنوار غرفتها حتى لا يعرف أنها سمعتهما .. ولما وجدها مغلقة تراجع بشك .. ولكن فرحة ابنته أنسته شكوكه ..
————————
بضوء دخل عينيه عنوة أجبر على الاستيقاظ .. فتح “يوسف” عينيه ببطء غاضب .. وجدها تجلس أمام مرآتها .. كأنها لم تفعل شيئا .. تهتم بزينتها وشعرها غير مبالية بما فعلته .. ظل فترة حتى استفاق وفهم ماذا فعلت .. فتظاهر بالنوم مجددا .. وأما “رنيم” فالتفتت له غاضبة عندما رأت أنه لم يتأثر بما فعلت .. فوقفت تثير الضوضاء التي أثارتها قبل وهي تفتعل أنها تبحث عن شئ ضائع في خزانة ملابسها تارة وفي دولابه تارة أخرى .. تحمل الوسائد لتضربها على الأرض بعنف حتى تصدر صوتا عاليا .. ولكن دون فائدة .. لم يستيقظ .. بينما هو كاد يموت ضحكا مم تفعله .. ويحاول بشدة كتم ضحكاته ويتظاهر بأنه لا يشعر بشئ .. عادت هي لتجلس أمام مرآتها مجددا بغيظ .. ثم رفعت شعرها الطويل بمشبك فوق رأسها وهي تتمتم :
– ماشي يا يوسف ..
تظاهر بأنه استيقظ لتوه .. وقام يعتدل على فراشه وهو يفرد عضلاته .. ثم نظر لها وجد وجهها يشتعل غضبا .. فكأنه لم يره .. وقف خلفها وهو يسحب المشبك التي رفعت به شعرها قائلا :
– انا مش قلت قبل كدة شعرك دة ميتلمش .. ويفضل مفرود علطول ..
التقطت مشبكا آخر وهي ترفع شعرها ثانية .. فسحب المشبك ثانية .. ففعلتها ثالثة .. ففعل هو الآخر .. حتى أخذ كل المشابك الموضوعة أمامها .. ثم انحنى يقبلها قائلا :
– حبيبتي صاحية من زمان ..
قالت مقلدة :
– لا ابدا يا حبيبي لسة حالا ..
سيقتلها بروده .. وهو لم يستطع التظاهر بأكثر من ذلك .. فانفرجت عن شفتيه ضحكة وهو يقول :
– ايه دة مين الي بهدل الدنيا كدة ..
وقفت قائلة :
– اصلي اتجننت شوية وكنت بدور على حاجة ..
عاد لفراشه وهو يأخذها معه قائلا :
– يعني مكنتيش بتعملي دوشة علشان تصحيني ولا حاجة ..
رفعت كتفيها قائلة :
– ليه هو انا انت .. انت ناسي انك انت اللي بتعمل كدة ..
أغمض إحدى عينيه قائلا :
– ايه دة هو انا مكشوف اوي كدة ..
ابتسمت أخيرا وهي تقول :
– اه طبعا مكشوف .. أي فساد بيحصل يبقى انت السبب فيه ..
ابتسم وهو يحيط رقبتها بذراعه قائلا :
– اعمل ايه مبقدرش اصحى .. واقعد من غير ما اشوفك .. ومن غير ما اصحى على عيونك .. فبضطر اعمل دوشة علشان تصحي من غير ما اصحيكي ..
التفتت بوجهها له وهي تقول مبتسمة:
– خلاص يبقى انا كمان من حقي اعمل كدة علشان تصحى ..
تخللت أصابعه شعرها وهو يقول :
– اعملي اللي انتي عاوزه .. انا كلي ليكي .. بس اوعي تلمي شعرك تاني ..
ثم تركها وهو يعود بظهره للخلف قائلا :
– سيبيني انام بقى ..
أمسكت يده توقفه وهي تقول :
– اه .. يعني كل دة علشان تنام تاني .. بطل كسل بقى يا يوسف وقوم ..
اعتدل ثانية وهو ينظر ليدها التي تمسك بيده قائلا :
– انا طول عمري بسمع عن الحليب بالشيكولاتة .. بس اول مرة اعرف انه كدة ..
نظرت ليدها ويده وهي ترى الفرق الواضح بين لونيهما ثم قالت ضاحكة :
– بس انت مش اسمر اوي كدة ..
نظر لها وضحك قائلا :
– اعتبر دة غزل صريح ..
نظرت له وسكتت .. وهو كذلك .. تلاقت نظراتهما في صمت بطئ .. قطعته هي قائلة :
– احم .. مقلتليش احنا هنسافر فين بعد سوريا ..
اضطجع قائلا :
– زهقتي من سوريا يعني ..
ردت قائلة :
– انا اللي زهقت ولا انت اللي قلت لي اننا هنسافر بلد تانية النهاردة ..
ابتسم قائلا :
– طيب جهزتي الشنط ولا بهدلتي الدنيا وخلاص ..
قامت لتعتدل جواره على السرير من الطرف الآخر وهي تقول :
– الظاهر ان فيه عدوى كسل .. مش عارفة ايه النوم المفاجئ اللي جالي دة ..
بحث بيده عن كوب الماء الموضوع على الطاولة جواره .. التقطه ثم رفعه فوق رأسها قائلا :
– انا كمان مش عارف الناس اللي نفسها تفوق ع الصبح بطرق خاصة دي نعمل فيها ايه …
فتحت عينيها لتنظر لكوب الماء الذي يميل عليها ثم انتفضت واقفة وهي تقول :
– لا لا خلاص .. يوسف حبيبي .. الشنط جاهزة .. قوم بقا ..
————————
في نهاية اليوم الدراسي انتهى الحفل .. وذهب “باسل” ليأتي بهن .. كذلك كان “طارق” ينتظر “ريم” بناء على طلبها .. خرجن فكان “طارق” ينتظر ولم يأتِ “باسل” بعد .. اقترب منهن .. فأومأ محييا “ريحانة” وكذلك فعلت هي .. ثم هبط لمستوى “روح” وهو يسلم عليها مقبلا يدها ثم قال :
– اتبسطتي في الحفلة ..
أومأت بسعادة وهي تقول :
– اتبسطت جدا جدا جدا ..
ضحك قائلا :
– 3 جدا ..
أومأت بسعادة قائلة :
– اه .. 3 جدا .. انت مجيتش مع عمتو ليه ..
ابتسم وهو يقول :
– المرة الجاية ان شاء الله ..
لم يعِر “ريم” أي اهتمام منذ وصوله .. فقط رحب بـ”روح” و”ريحانة” .. ثم ظل يمازح “روح” ونسيها هي تماما أو تظاهر بنسيانه لها .. لاحظت “ريحانة” التوتر الحادث بينهما .. فاستأذنت لتبتعد هي و”روح” ..
فوقف “طارق” مضطرا وهو يقول :
– ازيك يا ريم ..
إلى الآن ما زالت متماسكة .. لكن تخشى أن تفقد تماسكها وتضعف أمامه .. فنظرت له قائلة :
– بخير الحمد لله ..
فسأل :
– خير كنتي عاوزة ايه من العبيط اللي انتي مستحملاه ..
بدأت الدموع تترقرق في عينيها قائلة :
– طارق .. انت هتفضل ماسك لي في الكلمة كدة علطول .. قلت لك انا مقصدتش اني اقول كدة .. انا اصلا مش بشتم لا انت ولا غيرك .. انا بس لما بحس اني هقول حاجة مينفعش تتقال فبنيل الدنيا واقول دبش ..
ابتسم وهو يفهم ما ترمي إليه قائلا :
– حاجة ايه بقى اللي مينفعش تتقال ..
بدأت الدموع تتجمع في عينيها بكثرة قائلة :
– ما انا قلت مينفعش .. ومش وقتها كمان .. عموما انا اسفة .. وبالنسبة لكتب الكتاب .. تقدر تكلم باسل في الموضوع وياريت نستنى يوسف لما يرجع من سفره .. دة لو لسة عندك استعداد اصلا انك تكمل .. ولسة عاوز تكتب الكتاب ..
جزع من دموعها فقال بلهفة :
– طيب ممكن متعيطيش بس .. وبعدين انتي عارفة ان انا اللي طلبت كتب الكتاب .. ولو بفكر اتراجع ولو لدقيقة واحدة مكنتش طلبت .. بس بلاش تعيطي لو سمحتي .. دموعك اغلى من كدة ..
نظرت له قائلة :
– شكرا .. انا همشي بقى علشان باسل وصل .. بعد اذنك ..
عندما وصل “باسل” وجد “روح” و”ريحانة” فقط تنتظرانه فسأل عن “ريم” فأشارت ناحيتها “ريحانة” تخبره بأنها تتحدث مع “طارق” .. ركبت اثنتاهما ووقف هو ينتظرها .. ولكن لم يلمح تعبيرات وجهها .. حتى وصلت وركبت في المقعد الذي يجاوره .. دون كلم .. وبعدها جاء “طارق” يسلم عليه وأخبره أنه سيزوره غدا .. وانصرف هو الآخر دون كلمة أخرى ..
امتطى “باسل” سيارته وهو ينظر لـ”ريم” قائلا :
– مالك يا ريم .. طارق عملك حاجة ..
ابتسمت “ريحانة” وهي ترد قائلة :
– هو علطول كدة لازم الغلبان دة اللي يكون عمل فيها حاجة .. مش ممكن هي اللي تكون عملت ..
التفت ينظر لها قائلا :
– والله .. وحضرتك عارفة بقا ايه اللي حصل فبتدافعي عنه ..
ابتسمت وهي ترفع كتفيها قائلة :
– بصراحة معرفش دة مجرد اقتراح .. ممكن اسحبه ..
ابتسم لما رأى بسمتها وقال :
– اه يا ريت تسحبيه ..
ضحكت قائلة :
– حاضر ..
عاد هو ينظر لـ”ريم” التي ابتسمت بسببهما وهو يقول :
– ايه بقيتي كويسة يعني .. ولا ضحكتك دي موافقة على اقتراحها ..
ردت مبتسمة :
– لا بقيت كويسة .. انتم الاتنين اصلا بتخلوا اي حد كويس حتى لو مش كويس ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تنظر لـ”روح” .. بينما شغل “باسل” سيارته وهو يقول :
– دة على اساس اننا دواء مسكن مش كدة ..
اتسعت ابتسامة “ريحانة” لأنه جمعها به في حديثه وقبل فعلت “ريم” .. بينما نظر هو لابنته في مرآة السيارة قائلا :
– روح .. اخبار الحفلة ايه ..
ابتسمت “روح” قائلة :
– روعة يا بابا .. بجد .. حلوة خالص ..
ضحك قائلا :
– بقى تسيبي الكرسي بتاعك لعمتو وتقعدي ورا كدة بعيدة عني ..
ضحكت قائلة :
– عاوزة اقعد جنب ريحانة ..
ابتسم وهو يشعر أن ابنته دون أن تشعر تحرره من قيده .. لكن متى سيحرر هو نفسه من كل قيوده ..
أوصلهن وذهب لعمله .. وعندما عاد ليلا .. وجد “ريحانة” تقفز لكي تأتي بشئ علق منها في أعلى الشجرة .. اقترب منها قائلا :
– ريحان .. بتعملي ايه ..
نظرت له في فزع فعاد خطوة للخلف .. فقالت :
– لا .. ايه .. لا لا لا مفيش مفيش .. اطلع انت .. انا هجيبه الصبح ان شاء الله مش مهم الوقتي ..
نظر لها بشك قائلا :
– براحتك .. بس انا لو مديت ايدي بس هطوله .. ممكن توسعي وانا اجيبلك اللي انتي عاوزاه ..
حملقت فيه قائلة :
– اوسع ..
نظر لها قائلا :
– ايه مش عارفة يعني ايه توسعي ..
ثم أعطاها حقيبته قائلا :
– شيلي اللاب كدة ..
تراجعت وهي تشعر بخجل مميت .. ماذا لو رأى ما كانت تأتي به .. ماذا سيقول عنها .. ولما وجدت يده تطاله قالت :
– طيب هاته ومتبصش عليه .. يعني غمض عنيك ..
ضحك وهو يمسك قطعة القماش التي كانت تحاول التقاطها قائلا :
– ما هو انا لو غمضت عيني مش هعرف اجيبه ..
أغمضت هي عينيها عندما أمسكه .. بينما هو نظر لقطعة القماش التي بين يديه وابتسم بشجن .. ثم نظر لها فوجدها مغمضة عينيها بشدة فاتسعت ابتسامته ..
أول حجاب ارتدته وهو من اشتراه لها .. وهو من ألبسه لها .. كانت صغيرة جدا وقتها ولم تبلغ بعد .. ولكن هو من أحب أن تعتاد عليه .. فقد كانت وقتها تحب الملابس الضيقة القصيرة .. وكانت تعشق التبهرج في زينتها .. كانت جدتها تساعدها على ذلك حيث لم تكن لترفض لها طلبا ..
أعطاه لها قائلا :
– اتفضلي ..
فتحت عينيها ببطء لترى ابتسامته فقالت مدافعة :
– انا كنت برتب اوضتي لقيته طار مني والله ..
ضحك قائلا :
– انا مقلتش حاجة .. انا بقولك اتفضلي بس ..
أخذته منه بخجل .. ثم أخفضت بصرها أرضا عساه يغادر .. فلم يتحرك .. رفعت نظرها له قائلة :
– ايه ..
رفع كتفيه قائلا :
– ايه ايه .. الشنطة ..
نظرت لحقيبته التي تحملها ثم أعطتها له قائلة :
– اه .. اه .. انا اسفة .. اتفضل ..
ابتسم وهو يأخذها منها .. ثم استدار يغادر وهو يقول :
– مطوليش هنا بقى واطلعي علطول ..
أومأت برأسها له كأنه يراها .. ثم نظرت لحجابها باسمة .. وهي تحمد الله أنه لم يكتشف أنها كانت ترتب غرفتها لتبحث عنه ولما وجدته وجلست تتأمله في شرفتها طار منها ..
التفت “باسل” فوجدها تتأمل في الحجاب الذي بيدها باسمة .. فابتسم وهو يقول :
– ريحان ..
انتفضت وهي تلقي الحجاب أرضا كأنه جريمة ثم نظرت له قائلة :
– نعم ..
حاول أن يكتم ضحكته بسبب ما فعلت وهو يقول :
– الجهاز عندي فيه مشكلة ممكن تشوفيهولي لو سمحتي ..
أومأت برأسها بحركات متتابعة .. ثم تنحنحت وهي تقول :
– اه .. احم .. روح مستواها قل في العلوم والرياضيات .. فالمدرسة بتاعتها قالت لي النهاردة يعني .. ان المفروض نوديها نادي العلوم علشان تقدر تحبهم ومستواها يزيد تاني ..
عقد “باسل” ما بين حاجبيه قائلا :
– مستواها قل .. ومن امتى الكلام دة ..
أجابت “ريحانة” قائلة :
– المدرسة بتقول بقالها اسبوع .. وهي حاولت معاها لكن روح مش بتستجيب خالص .. لكن لو راحت نادي العلوم هيكون طرق التعليم هناك مختلفة وانت عارف ان الاطفال بيحبوا المكان هناك .. لانهم بياخدوا الموضوع كأنه لعب وكدة ..
رفع رأسه للسماء ثم نظر لها قائلا :
– من يوم ما فكرت في امها وشغلت بالها وهي كدة .. معدتش مركزة في اي حاجة وعلطول زعلانة .. مبقتش عارف اعمل لها ايه ..
لأول مرة يفصح “باسل” عن شئ لها .. وهو من لا يفصح عن شئ إطلاقا .. هي أيضا لاحظت حزن “روح” وشرودها لذا حاولت أن تفعل شئ لأجلها .. لم ترِد لها أن تكبر على ما كبرت عليه هي .. نظرت أرضا ولا تدري ما ستقول .. ثم نظرت له وهي ترى في عينيه نظرة عجز لم تراها من قبل وقالت :
– انا ممكن اروح معاها .. انا بكون فاضية في الوقت دة .. مش هتعطلني يعني ولا حاجة .. وكمان هي خلاص قربت تاخد إجازة الصيف ..
ابتسم وهو ينظر لها قائلا :
– لا طبعا انا هفضي نفسي علشانها ..
ثم التفت وهو يقول لها :
– شكرا يا ريحانة ..
حتى صوته فيه نبرة حزن غريبة عليه .. آلمها قلبها بشدة وهي تراه هكذا .. طأطأت رأسها في حزن .. وهي تفكر ماذا تفعل له ولابنته .. وفجأة رفعت رأسها قائلة :
– باسل ..
استدار لها قائلا :
– نعم ..
ابتسمت قائلة :
– جميلة ابتدت علاج النهاردة .. والدكتور قال انه فعلا اللي حصلها دة بسبب طفرة .. وبيقول انه بدل عرفنا السبب هيبقى العلاج سهل ان شاء الله .. بجد متشكرة ليك اوي يا باسل ..
أومأ برأسه باسما ثم أكمل طريقه .. أرادت أن تخبره أمرا يسعده .. ولكن يبدو أن حزنه على ابنته أعمق ..
بينما صعد هو لغرفة ابنته .. وجدها تجلس وحدها عادتها الأخيرة .. قبل رأسها .. ثم ذهب لغرفته غير ملابسه وعاد ليجلس ثم يبيت ليلته معها ..
———————-
في اليوم التالي .. وقفت “ريحانة” تجمع الورد لتصنع منه باقات .. دائما ما تفعل حين تكون سعيدة .. ثم توزع الباقات على أهل البيت .. ودائما ما يكون لـ”يوسف” النصيب الأكبر .. وبعد غيابه لم تعد تفعلها .. لذلك اندهشت “ريم” عندما نزلت وجدتها تمسك بباقات الورد .. ثم ابتسمت قائلة :
– ايه دة هو يوسف رجع ولا ايه ..
ضحكت “ريحانة” قائلة :
– هو انا بعملها علشان يوسف يعني ..
ثم مدت يدها قائلة :
– اتفضلي يا ستي ..ورد بلدي ..
أخذته منها “ريم” وهي تتنفس عبقه بسرور .. فقالت “ريحانة” :
– ممكن تديه لطارق على فكرة ..
ابتسمت “ريم” قائلة :
– شكرا على النصيحة ريحانتي العزيزة ..
خلفها جاء “باسل” وبيده “روح” .. فابتسم هو لـ”ريحانة” قائلا :
– ايه دة .. من زمان مشفناش ورد يعني .. يوسف كان مغرقنا في كراماته ..
ابتسمت ثم نظرت لـ”روح” قائلة :
– انا عملت لك بوكيه من الورد الغريب بتاعك .. اللي اسمه ايه .. مش فاكرة .. اسمه صعب كدة ..
اعترضت “روح” قائلة :
– اسمه روح يعني على اسمي .. هيبقى صعب ازاي .. يعني ريحان هو اللي اسمه سهل بقى ؟؟ ..
ضحكت “ريحانة” قائلة :
– طيب خلاص متتقمصيش بس .. واتفضلي لاحلى روح في الدنيا ..
ابتسمت “روح” وهي تأخذها منها .. ثم نظرت “ريحانة” لهم قائلة :
– انا همشي انا بقى علشان اتأخرت ..
نظر لها “باسل” قائلا :
– وانا ايه .. مليش حاجة ..
لم يبقى معها سوى الريحان .. فنظرت له قائلة :
– انا عارفة انك مبتحبش الريحان ..
ابتسم قائلا :
– لا بقيت بحبه .. بحبه جدا ..
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له بشدة .. ويغزو وجنتيها احمرار مفاجئ ..سلمت له ما في يدها وهي تقول بصعوبة :
– بعد اذنكم .. سلام ..
ثم انطلقت من أمامهم بخطوات سريعة تتوافق مع سرعة دقات قلبها ..
————————-
وقفا أمام المصعد فتنهدت “رنيم” بخوف وهي تحاول ألا يسمع تنهيدتها .. منذ بدأ رحلتهما بالطائرة التي تركبها لأول مرة في حياتها .. فقد كانت كل رحلاتها قبل إما بريا أو بحريا .. هي دائما تشعر باطمئنان جوار “يوسف” وتنسى خوفها كله .. كما أن خوفها المرضي كاد يتلاشى .. ولكن لا تنكر أنها أحيانا يهاجمها لحظات ضعف .. ويعود إليها خوفها مجددا .. وفي تلك اللحظات تخشى أن تخبر “يوسف” بما تشعر فيقلق لأجلها .. وهي تراه يتفانى في إسعادها وكذلك تحاول أن تفعل هي ..
أمسك “يوسف” يدها ليجد برودتها الشديدة تخترق جلده .. رغم قفازات يدها إلا أنه شعر ببرودتها .. فالتفت لها .. فنظرت له .. يقرأها دائما من عينيها .. لم تستطع أن تثبت عينيها في عينيه .. فقال :
– حبيبتي فيكي حاجة ..
أشارت برأسها أن لا .. فتح المصعد .. فنظرت له بفزع .. فأخذها وابتعد قائلا :
– انتي خايفة .. صح ..
أومأت برأسها .. فقال معاتبا :
– ليه يا رنيم مبتقوليليش ..
غضب منها .. طالما قال “رنيم” إذا فهو غاضب .. لم يقل “حبيبتي” أو أي كلمة حب أخرى .. فلمعت عيناها قائلة :
– خلاص مش خايفة ..
أخذها وابتعد ليجلسا حول إحدى الطاولات الموجودة في باحة الفندق .. ثم أمسك يدها قائلا :
– يا حبيبتي انا عاوزك تقوليلي اول ما تخافي .. بدل ما تركبي وانتي بتضغطي على نفسك انا مش عاوزك تتعبي تاني .. ممكن ..
قال “حبيبتي” إذا ليس غاضبا .. فابتسمت وهي تومئ برأسها .. ثم قالت :
– طيب ممكن نقعد هنا شوية وبعدين نطلع ..
ابتسم وهو يوقفها قائلا :
– لا تعالي نلف في المحلات اللي حوالي الفندق شوية .. بس قولي لي .. عجبتك فرنسا ..
أراد أن ينسيها خوفها ونجح .. وبعد أن أنهيا تجوالهما .. عادا ليقفان ثانية أمام المصعد .. فنظر لها قائلا :
– ايه رأيك نطلع ع السلم ..
نظرت له قائلة :
– لا لا مش هقدر .. اطلع للسابع .. مستحيل .. انت موتني في اللف ع المحلات .. الاسانسير ماله يعني ..
ضحك قائلا :
– انا بقول كدة بردو ..
وصلا غرفتهما .. فارتمى كل واحد منهما على مقعد ليسترح .. فقد طال تجوالهما .. ثم بعد فترة قال “يوسف” :
– يلا يا نيمو قومي البسي الحاجات اللي احنا جبناها .. عاوز اشوفها عليكي .. وكمان المحل مدينا مدة اقصاها ساعتين وهييجوا ياخدوا الحاجة اللي مش عاجبانا ..
نظرت له قائلة عن قصد :
– يوسف انا مش عارفة ايه اصرارك الغريب انك تجيب الهدوم اقيسها هنا .. مع ان المحلات كلها فيها اماكن علشان اقيس فيها واشوف ايه اللي يعجبني وايه اللي ميعجبنيش ..
عقد ما بين حاجبيه بشدة وهو يعتدل قائلا :
– رنيم ..
تحب أن تشعل غيرته ثم تندم .. وقفت وهي تحمل الحقائب الموضوعة على الأرض قائلة :
– طيب انا هقيسهم لوحدي بقا ..
رفع إحدى حاجبيه قائلا :
– نعم ..
نظرت له قائلة :
– ما انا اكيد هاخد رأيك يا حبيبي ..
عاد بظهره للخلف قائلا :
– اه ..
خرجت ترتدي أول فستان .. وقف ينظر لها بنصف عين .. ثم اقترب منها يمسك ذرعها حتى تدور .. فاستدارت .. نظر لها وهو يميل رأسه لليمين تارة ولليسار تارة أخرى .. فقالت :
– في ايه يا يوسف ..
ابتسم قائلا :
– انا قلت يمكن لو شفته مقلوب يبقى حلو .. بس لا لسة زي ما هو .. مين اللي اختار الفستان دة زوقه وحش اوي ..
نظرت له قائلة :
– ذوقه وحش جدا جدا .. انت اللي اخترته ..
اصطنع الدهشة قائلا :
– فعلا .. لا لا .. دة هيرجع .. اللي بعده ..
دخلت تبدله ثم خرجت بفستان آخر .. ودارت هي حول نفسها ثم قالت :
– دة بقى انا اللي اخترته ..
أشار برأسه أن لا قائلا :
– لا وحش ..
نظرت لردائها ثم له قائلة :
– لا حلو ..
– لا وحش ..
– لا حلو ..
– لا وحش ..
– انا اللي هلبسه ..
– وانا اللي هشوفك بيه ..
زفرت وهي تدخل لتبدله .. ثم خرجت بآخر قائلة بضيق :
– هاه .. حلو ولا وحش ..
ابتسم وهو ينظر لضيقها ثم قال :
– روحي وتعالي كدة .. انا هحكم عليه ازاي وانتي مكتفة نفسك كدة .. اعملي لي عرض ازياء ..
نظرت له بغيظ قائلة :
– يوسف متستفزنيش ..
اقترب منها وهو يمسك ذراعيها قائلا :
– واستفزك ليه يا حبيبتي .. واحدة بواحدة .. اللي انا اخترته وحش واللي انتي اخترتيه وحش .. يلا بقى نركز في دة ..
لا تعرف كيف له يحول حالتها بسهولة من ضيق شديد لابتسامة صافية .. فعلت ما طلب .. ثم وقفت فقال :
– واااااااو .. وحش جدا ..
نظرت له بشدة فقال وهو يشير بيده :
– اللي بعده يلا يلا ..
دخلت غرفتها تدبدب بقدميها .. كل ما ارتدته هي تراه مبهرا .. لماذا لا يعجبه هو .. ارتدت آخر وخرجت فابتسم قائلا :
– استدارة لو سمحتي ..
تراه مبتسما فتبتسم .. فعلت ما قال .. ثم وقفت فقال :
– وااااو ..
وقبل أن يكمل ظهر الامتعاض على وجهها فقال :
– يجنن عليكي ..
ابتسمت وهي تقول :
– بجد ولا هترجع في كلامك ..
وقف وهو يمسك بيديها بين يديه ثم قال :
– طبعا بجد .. وكل اللي فاتوا كانوا اجمل .. انا قلت لك قبل كدة ان اي حاجة بتحلو بيكي ..
ضربته في صدره وهي تقول مقلدة :
– يا سلام .. وحش .. وحش .. وحش ..
رفع يدها يقبلها ثم قال :
– يا حبيبتي قلت لك انك جميلة من غير حاجة ..
رغم ثقتها بجمالها .. ولكن إقراره هو بجمالها شئ آخر ..
تنحنحت قائلة :
– طيب .. كدة خلاص قول لـ ..
قاطعها قائلا :
– قلت هناخدهم كلهم .. خلاص ..
أومأت باسمة ولم تعقب ..
————————-
في نزهته الأسبوعية مع ابنته .. اقترحت “ريحانة” أن تذهب “ريم” و”طارق” معه وابنته .. حتى تشعر “روح” بوجود عائلة ويستطيع “باسل” أن يأخذها لأماكن العائلات .. ولكن “باسل” انتهز فرصة أنها من اقترحت وطلب منها هي الأخرى أن تأتي .. طالما معهما “ريم” و”طارق” .. هي كانت تتمنى ذلك لأجل “روح” التي تعلقت بها بشدة في الأيام الماضية .. وفي نفس الوقت تفكر فيما إذا جلس “طارق” و”ريم” على طاولة منفصلة .. ستضطر هي للجلوس معه وابنته على طاولة واحدة .. وبالطبع لن تستمر ابنته معهما فهي ذاهبة لتلعب وتمرح لا لتجلس معهما .. وافقت على مضض وهي تقرر أن تذهب مع “روح” حين تلعب .. ولكن “باسل” لشعوره بحرجها .. طلب من والدته وجده أن يأتيان ولم يتعباه في الموافقة .. وهذا أراح “ريحانة” كثيرا ..
انتظموا على طاولة كبيرة لغدائهم جميعا .. وحين انتهوا ذهبت “روح” لتلعب .. وغادرت “ريحانة” معها لترعاها .. وبقي البقية يتحدثون على طاولتهم .. ولأنه لم يعد يتحكم في تصرفاته .. قام “باسل” ليجلس مع “ريحانة” .. وجدها تلعب مع ابنته .. لم يقترب منها ولم يحدثها بقي يراقبها وفقط .. تركت “روح” لتلعب مع أقرانها وعادت وجدته واقف يراقبها فنظرت له قائلة :
– انا كنت جاية اقف هنا وهخلي بالي منها .. ممكن ترجع انت ..
أشار برأسه أن لا قائلا :
– لا انا مرتاح كدة .. مش هكون مطمن غير وانا شايفها بنفسي ..
ترددت فيم ستقول ولكن قالت :
– لو انت خايف من ان حد يقولها حاجة او تزعل ومتقولكش .. يعني متقلقش .. هي ..
قاطعها قائلا :
– لا .. الحمد لله الموضوع دة معدش بيشكلها ازمة .. هي تقبلت الوضع عادي جدا .. وبقت بتتكلم معايا عن امها عادي .. يعني الموضوع بقا اخف .. هي المشكلة كانت في الاول لما بدأت تختلط بالناس جامد بس ..
أومأت وهي تعود تنظر لها .. فقال حتى لا ينتهي حوارهما :
– اخبار جميلة ايه ..
ابتسمت حين سمعت اسمها فقالت :
– اه الحمد لله كويسة .. الدكتور بيقول فيه تقدم ..
عقد ما بين حاجبيه قائلا :
– دكتور مين ؟ ..
أجابت ببساطة :
– دكتورها .. ما هو انا اللي بكون معاها انا وعمو ..
سأل :
– والدكتور بيقول الكلام دة ليكي ولا لعمك ..
أجابت :
– لعمو .. ليه بتسأل ؟ ..
ابتلع ريقه وهو ينظر لابنته قائلا :
– يعني جميلة نفسيا كويسة ..
أومأت برأسها قائلة :
– اه كويسة جدا الحمد لله ..
وفجأة نظر لابنته بشدة وهو يصيح :
– روح ..
وهرول نحوها بينما هي بقيت لبرهة تستوعب ما حدث ثم تبعته هي الأخرى تركض كأنما تريد الطيران نحوها ولكن سبق السيف العزل .