روايات شيقة

رواية روح وريحان الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم ايناس عادل

الفصل الخامس والعشرون

– روح .. حبيبتي حاسة بإيه ..
قالها “باسل” بكل وجعه .. وقلبه ينتفض فزعا من صراخ ابنته .. لم يستطع أن يحركها خشية أن يؤذيها ..

عندما رأتها “ريحانة” تحاول أن تسير فوق لعبة عالية .. أول ما جال ببالها أن “روح” جنت .. ولم تطل فكرتها فقد سقطت “روح” كما المتوقع .. هرولت وراء “باسل” .. ولما وصلت لم تسمع صوتها فأصابها رعب كاسح .. ولكن تعالت صرخات “روح” فجأة ..

لم تمر دقائق إلا وجاء الطبيب المختص بالمكان وبواسطة مساعديه نقلت للرعاية الصحية .. أسعفوها حتى تستطيع الذهاب للمشفى ليتم فحصها بدقة ومعالجتها .. ولم يستطع “باسل” الانتظار حملها ليأخذها في سيارته .. ولكن كان “طارق” أعد سيارته فأخذهم بها نظرا لحالة “باسل” التي يرثى لها ..

ولم تفتر “ريحانة” عن البكاء منذ سمعت صراخها ورأت قدمها تنزف ..

وفي المشفى أخذت منهم “روح” لتختفي في إحدى الغرف .. طال الانتظار حتى خرج طبيب يخبرهم :
– محتاجة عملية .. حصلها كسر مضاعف في رجلها اليمين ..

بهت “باسل” حين سمع .. لم ينطق ولم يفعل شئ .. “طارق” والجد هما من تصرفا .. فجأة عرف أن ابنته في غرفة العمليات .. هو في حالته تلك منذ سمع صرخاتها .. جلس على مقعده ووضع رأسه بين يديه .. ولم يشعر سوى بيد جده تربت على ظهره قائلا :
– باسل .. قوم يا ابني نصلي .. العصر أذن .. ولما نرجع هتكون خرجت إن شاء الله ..

قام معه بلا روح وبلا شعور .. وقف يصلي فعادت روحه إليه .. أطال في سجوده وهو يدعو .. وخشعت جوارحه وهو يرجو الله أن ينجي ابنته .. هي كل أمله في حياته ..

ولما عادوا كانت قد انتهت .. هرع هو إلى غرفتها وبقي جوارها بعد أن طمأنه طبيبها على حالتها .. وبقي الجميع معه حتى انتهى وقت الزيارة .. وأصر هو على المكوث معها .. ولم يوافق على بقاء أمه و”ريحانة” كما أرادتا ..

ليل طويل لا يمر .. وألم عميق لا يشفى .. بين وقت وآخر تفيق صائحة بضعف :
– بابا .. رجلي يا بابا بتوجعني اوي .. اه .. بابا ..

يهدهدها لتنام .. أو يأتي بطبيب يسكن ألمها .. خارت قواه كلها وهو ينتصب جوارها طوال الليل .. إلى أن طلع النهار .. غفا وهو يجلس على مقعد جوار فراشها ويستند برأسه على الفراش .. أفاقه من غفوته صوت طرقات على الباب .. قام مترنحا .. ثم وقف ليفيق .. وبعد اتجه يفتح الباب .. وجد “ريحانة” وجده أمامه .. هز رأسه ليتأكد ثم قال :
– خير يا جدي .. فيه حاجة حصلت ..

أشار الجد برأسه أن لا وهو يقول :
– لا يابني مفيش حاجة .. بس ريحانة منامتش طول الليل وما صدقت النهار يطلع علشان تيجي تطمن على روح .. قلت اجيبها واجي نقعد احنا مع روح وانت تروح ترتاح لك شوية ..

سمح لهما بالدخول وهو يقول :
– اتفضلوا اطمنوا عليها .. وبعد كدة تروحوا .. بعد اذنكم طبعا .. انا مش هسيبها ..

نظرت “ريحانة” لجدها ثم له قائلة :
– باسل لو سمحت .. كفاية مخلتنيش ابات معاها .. سيبني معاها بالنهار ..

رد “باسل” :
– انا مقلتش حاجة .. عاوزة تزوريها تيجي في اي وقت .. لكن انا مش هسيبها ..
ثم اتجه ناحية الباب قائلا :
– انا هجيب قهوة .. تحبوا تشربوا حاجة ..

لم يسمع رد فتركهم وخرج ..

نظرت “ريحانة” لجدها قائلة :
– وبعدين يا جدو هنعمل ايه ..

حرك رأسه قائلا :
– والله ما انا عارف .. انا قلت لك دماغه ناشفة ومحدش هيقدر عليه .. اهو شكله منامش وبيكابر ..

قامت “ريحانة” لتجلس جوار “روح” النائمة على فراشها ثم تقبل رأسها .. وبقيت تمسح على شعرها .. ثم نظرت لقدمها وهي تحدث جدها قائلة :
– حبيبتي الوقتي مستحملة الجبس دة ازاي ..

قام جدها ودار حول فراشها وهو يربت رأس “روح” قائلا :
– ربنا يهونها عليها يا حبيبتي .. ربنا يهونها ..

أنّت “روح” في ذلك الوقت ففزعت “ريحانة” وهي تقف قائلة :
– اعمل ايه يا جدو اعمل ايه .. اكلم الدكتور ولا انادي باسل ولا اعمل ايه ..

دخل “باسل” واتجه مباشرة نحو “روح” ظل يهدهدها كطفل رضيع ويلقي كلماته الهادئة على مسامعها حتى استكانت مجددا .. ثم التفت لـ”ريحانة” التي تقف خلفه تبكي وهو يقول ساخرا :
– وعاوزة تفضلي معاها ..

جففت “ريحانة” دموعها وهي تنظر له بحرج .. ثم تراجعت تجلس بعيدا .. تنهد بضيق وهو ينظر لها قائلا :
– معلش يا ريحان انا اسف ..

ابتسمت وهي تشير برأسها أن لا شئ .. بينما قال جده :
– محصلش حاجة يا باسل .. بس قوم روح انت وانا معاها اهو .. وامك واختك زمانهم جايين ورانا ..

اصر قائلا :
– خلاص يا جدي متضغطش عليا .. انا مش هتحرك من هنا ..

———————–

داعب وجنتها بيده قائلا :
– حبيبي سرحان في ايه ..

ابتسمت “رنيم” وهي تنظر له .. جلس جوارها فوضعت رأسها على صدره وهي تقول :
– ابدا سرحانة في المنظر اللي قدامي دة ..

نظر “يوسف” إلى الحرم من شرفته المطلة عليه وابتسم .. بينما قالت هي :
– باسل لسة تليفونه مقفول ..

أومأ وهو يقول :
– اه .. وريم كل مرة تقولي لما يرجع هخليه يكلمك ومبيرجعش .. حتى ريحانة تليفونها مقفول .. وصوت ماما مش مريحني ..

فقالت :
– ايه رأيك ننزل مصر بكرة ان شاء الله ..

كان يريد ذلك بسبب قلقه عليهم ولكن قال :
– لا طبعا مش هينفع اقطع شهر العسل عليكي ..

ضحكت قائلة :
– ايه دة بقى .. انت مش هتسفرني غير في شهر العسل بس ولا ايه .. احنا متفقناش على كدة ..

ابتسم قائلا :
– لا طبعا دة انا هزهقك سفر وفسح .. لغاية ما تقولي ارحمني لوجه الله ..

ابتعدت عنه تنظر له قائلة :
– وانا عمري ما هقول كدة .. خلاص يبقى ننزل علشان تطمن والايام جاية كتير ..

نظر لها قائلا :
– يعني مش هتكوني زعلانة ..

ابتسمت قائلة :
– لا طبعا انا عمري ما ازعل منك .. وبعدين بدل عملنا عمرة يبقى خلاص ودي كانت اهم حاجة بالنسبة لي ..

أمسك يدها وقبل أناملها قائلا :
– ربنا يخليكي ليا ..

ابتسمت وهي تعود لتستكين على صدره مجددا ..

————————

طيلة يومين بليلتيهما .. وهو معها يرعاها ويهتم بها .. يعذبه وجعها وتقتله آلامها .. يومان من أصعب ما يكون عليه .. لم تبكي ابنته قبل كما بكت فيهما .. ولم يمت هو ألما قبل كما حدث له فيهما .. وأخيرا بعد يومين خف ألمها إلى حد ما .. وخف وجعه هو إلى حد ما ..

دخلت عليه وابنته “ريم” و”فاطمة” التي قالت :
– مش هتروح ترتاح بقا يا باسل .. واحنا معاها اهو يابني متقلقش ..

كان بلغ تعبه مبلغه .. فهو لم ينم ليومين .. فنظر لها قائلا بضعف :
– لا يا ماما انا مش عاوز اتعبكم معاها .. وبعدين انا مرتاح الحمد لله ..

اقتربت منه “ريم” قائلة :
– مرتاح ازاي بس يا باسل .. انت مش شايف نفسك عامل ازاي ..

ابتسم قائلا :
– ماله شكلي .. ما انا لسة حلو اهو ..

ابتسمت “ريم” قائلة :
– اه حلو نشوف لك عروسة بقا ..

ابتسم وهو ينظر لها معاتبا .. فقالت :
– اسفين يا كبير .. اه كلمت يوسف .. جنني من سؤاله عليك .. كل مرة اقوله انك برة البيت ولما ترجع هخليك تكلمه .. ومكلمنيش النهاردة خالص ..

وضع “باسل” يده على رأسه قائلا :
– والله نسيت خالص .. ومش عارف تليفوني فين اصلا ..

أعطته “ريم” هاتفها قائلة :
– طيب كلمه من تليفوني .. دة هيموت من القلق .. وميعرفش حاجة ..

اخذ “باسل” الهاتف .. وبدأ يهاتفه مرة تلو الأخرى .. ولم يلبث أن قال :
– تليفونه مقفول ..

طرق الباب ودخلت “ريحانة” وجدها .. ابتسم “باسل” عندما رآها .. بينما هي وجمت لما رأته .. ظهر الضعف والتعب على وجهه أكثر من ذي قبل .. أومأت برأسها محيية وهي تلقي السلام .. ثم ذهبت ناحية “روح” وجلست قبالتها .. تمازحها وتلاعبها بدمية أتتها بها وانشغلت بها عما حولها ..

نظر لهما “باسل” .. رن هاتف “ريم” الذي بيده .. نظر لاسم المتصل ثم أعطاه لـ”ريم” قائلا :
– طارق يا ريم ..

أخذته منه وهي تشعر باضطراب .. أجابت عليه ثم أنهت اتصالها قائلة :
– هو .. هو جاي يشوف روح ..

وقفت “ريحانة” لتستأذنهم في الخروج قبل أن يلقي عليها “باسل” إحدى كلماته .. همت “ريم” هي الأخرى بالخروج .. أصبحت تخاف مؤخرا من “طارق” ومن وجوده قريبا منها .. أصبحت تخشى أن تقول كلمة فيفهمها خطأ فيعاقبها كما يشاء .. لذا أسرعت لتخرج مع “ريحانة” قبل أن يعترض أحدهم على خروجها .. وقف “باسل” ليخرج معهما ويستقبل “طارق” الذي يقف خارجا ..

تلاقت نظراتهما .. في ثوان .. قالت الكثير .. آلمته نظرة الخوف والتردد التي رآها في عينيها .. وجرحها نظرة اللامبالاة التي رأتها في عينيه .. ذهبت لتجلس مع “ريحانة” في الاستراحة .. بينما دخل هو لـ”روح” ..

في الاستراحة .. قالت “ريحانة” لـ”ريم” وهي تراها واجمة :
– مالك يا ريم .. انتي متغيرة خالص .. فيه مشكلة بينك وبين طارق ..

ابتسمت “ريم” قائلة :
– لا ابدا .. انا بس .. مش عارفة ..

قالت “ريحانة” بدهشة :
– طيب ليه مفضلتيش مع روح لما هو دخل ..

قالت “ريم” بنفس ابتسامتها :
– محبيتش اسيبك لواحدك ..

رفعت “ريحانة” كتفيها قائلة :
– ومين قالك اني عاوزة حد معايا .. انا خرجت علشان اكلم يوسف مش اكتر ..

ردت “ريم” :
– وانا يعني هبقى عزول .. وبعدين هو تليفونه مقفول اصلا ..

ضربت “ريحانة” جبهتها بيدها وهي تقول :
– تليفوني .. انا كمان قافلة تليفوني من يومين ..

ضحكت “ريم” قائلة :
– طيب افتحيه بقا .. لان اكيد يوسف هيضربك .. بس اوعي تقوليله حاجة عن اللي حصلت لروح ..

أخرجت “ريحانة” هاتفها وهي تفتحه بسرعة .. وما إن فتح .. حتى وجدت مكالمات كثيرة من “يوسف” و”جميلة” و”رنيم” وغيرهم ..

هاتفت “يوسف” فوجت هاتفه مغلق .. وكذلك “رنيم” .. فهاتفت “جميلة” اعتذرت لها واطمأنت عليها .. ثم نظرت لـ”ريم” قائلة :
– لعله خير .. ممكن يكونوا خلصوا العمرة وسافروا بلد تانية ..

أومأت “ريم” قائلة :
– اه ممكن ..

رفعت نظرها فوجدت “طارق” أمامها يقف مع “باسل” .. وجلت وهي تعود لـ”ريحانة” قائلة بتوتر :
– طيب جميلة كويسة ..

التفتت “ريحانة” تنظر خلفها لترى ما الذي فعل بـ”ريم” هكذا .. رأت “طارق” فاستنكرت فعل “ريم” وهي تقول :
– جميلة كويسة الحمد لله ..

أومأت “ريم” وهي تتحاشى النظر لـ”طارق” .. بينما استأذن “طارق” “باسل” في الجلوس مع “ريم” والحديث معها .. أذن “باسل” له وهو يذهب معه ليستأذن “ريحانة” أن تبقى قريبة منهما وعاد هو لابنته .. لأنه لم يطق البعد عنها ..

جلست “ريحانة” على طاولة أخرى وجعلت تراقب انفعالات “ريم” الغير مبررة بالنسبة لها .. بينما جلس “طارق” مكانها ..

ما زالت تتحاشى النظر نحوه وهي تشعر أنها ستبكي إن نظرت له .. هو لاحظ ذلك فقال :
– مش عاوزة تبصي لي يا ريم ..

أومأت وهي ما زالت تتحاشى النظر له قائلة :
– لا ابدا .. انا بس .. عيني .. عيني مطروفة ..

ابتسم قائلا :
– بقيتي بتكذبي كمان ..

رفعت نظرها له بصعوبة قائلة :
– لا مقصدش اكذب .. بس .. بس .. مش عارفة .. خايفة اتكلم انيل الدنيا .. خليني ساكتة احسن ..

رد “طارق” :
– لا طبعا .. انا عاوز اسمعك واسمعك ومش هزهق منك .. وحتى لو نيلتي الدنيا فانا عارف انك مش بتكوني قاصدة ..

نظرت له بشك وهي تقول :
– بجد ..

أومأ بعينيه قائلا :
– اه والله بجد .. بس بالله عليكي بلاش نظرة الخوف دي .. هو انا هضربك مثلا ..

أومأت وهي تقول بابتسامة صافية :
– حاضر ..

ابتسم هو الآخر ليقول :
– فضلنا نأجل في كتب الكتاب لغاية ما عنيكي تستوي .. دلوقتي هنأجله لغاية ما روح تخف .. كان لازم يعني نستنى عنيكي دي ..

اختفت ابتسامتها قائلة :
– ايه دة انت زعلان علشان هنأجله ..

ضحك قائلا :
– لا طبعا مش زعلان انا بس بهزر .. انا كنت اتمنى اني اكتبه من زمان .. بس ممكن التأجيل دة خير ليكي .. انا كنت حاسس ان قرارك كان جاي بضغط مني ..

قاطعته قائلة :
– ليه بتقول كدة .. وليه دايما محسسني اني مجبورة عليك او اني مش طايقاك .. ليه دايما بتقرأ افكاري غلط وبتفهمني على مزاجك .. مش قلت لك اسكت احسن علشان منيلش الدنيا ..

وجم قائلا :
– والله ما اقصد اقول كدة .. كل الحكاية اني شايفك دايما خايفة ومتوترة كل ما ميعاد كتب الكتاب يقرب .. وكل ما يقرب كل ما احس انك بتبعدي عني وبتخافي مني اكتر .. ممكن ميكونش السبب انك مش طايقاني .. لكن اكيد انك بتخافي مني .. وانا مش قادر اشوفك كدة يا ريم .. قولي لي ايه اللي بيخليكي تخافي مني فجأة كدة ..

دفنت وجهها بين كفيها وهي تحاول منع دموعها .. جزع ولم يعرف ماذا يفعل .. قرر أن يغادرر ويتركها .. أو يخلع دبلته لها .. ماذا به يجعلها تخشاه هكذا .. وماذا بها يجعلها خائفة وترتجف كلما حدثها ..

كل ما فعله أن قال :
– ريم .. أنا هسألك للمرة الأخيرة ولو سمحتي ردي عليا .. انتي عاوزة تكملي معايا ولا لا ..

زادت شهقاتها وزاد بكاءُها .. ماذا تفعل حتى يفهمها .. لماذا يفسر دائما ردود أفعالها خطأ .. لماذا يراها لا تريده دائما .. لوتستطيع لقالت له كم أصبحت تحبه .. ليست كثيرة تلك الأحلام التي نراها لتتحقق أمام أعيننا .. وليس ترددها بيدها ..
رفعت نظرها له .. ليرى احمرار عينيها وتحول لونيهما لأخضر قاتم .. وهي تحاول كتم شهقاتها .. ولا تدري كيف فعلت ما فعلته ولكنها فعلت .. سحبت هاتفه الموضوع أمامه .. حاولت فتحه فلم تعرف .. نظرت له تطلب منه الرقم السري .. فقال :
– 06/02

كتبته دون تفكير أنه تاريخ خطبتهما .. فتحت هاتفه ثم كتبت ما تريد قوله ..وتركته وقامت لتغادره ..

أخذ هاتفه يقرأ ما كتبت ..
” فيه حاجات كتير بتتحس ومينفعش تتقال .. لو سمحت معدتش تسألني السؤال دة تاني .. اه عاوزة اكمل .. بس لازم تعرف اني شخص متردد جدا وانا قلت لك كدة قبل كدة .. يا ترى دلوقتي انت اللي عاوز تكمل مع واحدة مترددة زيي .. ولا لا “

رمت الكرة في ملعبه وغادرت ..

————————

أثناء اجتماعهم في غرفة “روح” .. طرق الباب طرقات مألوفة للجميع ولكن بعيدا أن تأتي الآن .. كان “يوسف” الطارق كما توقعوا بوجه غاضب قلق ..

عادا من سفرهما فعرجا على بيت أهل “رنيم” أولا وهناك عرفا ما حدث لـ”روح” .. رغم أن “رنيم” هاتفت أمها قبل عودتها تسألها فلم ترِحها .. ولم يطق “يوسف” الانتظار فذهب ومعه “رنيم” للمشفى ..

لم يعرفوا ماذا سيقولون وكيف يواجهونه .. أول من تصرف كانت “ريحانة” .. وهي تذهب نحوه و”رنيم” بابتسامة واسعة .. وقفت أمامه قائلة :
– حمد الله ع السلامة يا عريس ..

ثم اقتربت منه هامسة :
– طيب سلم عليا واعمل اي منظر كدة .. هتحرجني قدامهم وقدام اخوك بالذات اللي بيموت في احراجي .. اختك حبيبتك تهون عليك .. مكانش العشم يا يوسف ..

ابتسم وهو يفتح ذراعيه لها قائلا :
– لا طبعا متهونيش عليا زي ما انا هنت عليكي كدة تقفلي تليفونك انتي والاستاذ .. انا قلت انتو الاتنين اتخانقتوا ولا حاجة ..

عانقته قائلة :
– لا ما يقدرش وروح كويسة اهي الحمد لله ..

ابتعدت عنه ليذهب هو يسلم على البقية .. بينما ذهبت هي لـ”رنيم” وكادت تخنقها من عناقها لها .. لولا “يوسف” التفت لها قائلا :
– موتيهالي بقا وهي لسة عروسة ..

ضحكت “ريحانة” وهي تبتعد عنها .. بينما قدمت “ريم” إليها ترحب بها بشدة .. وبعد أن أنهيا ترحيبهما .. جلست “رنيم” بين “فاطمة” و”ريحانة” .. بينما جلس “يوسف” أمام “روح” على فراشها وهو يقبل يدها قائلا :
– مالك يا قلبي .. ايه اللي عمل فيكي كدة ..

ردت “روح” بضعف :
– كنت طالعة اتزحلق .. بس بدل ما اتزحلق مع العيال .. طلعت فوق اللعبة علشان انزل من ع السور بتاعها ..

أغمض إحدى عينيه قائلا :
– مش فاهم حاجة .. بس حاسس انك اتفزلكتي فوقعتي صح ..

ضحكت “ريم” قائلة :
– اه هي قالت هما ليه بيتزحلقوا من هنا .. وبما انها شايفة نفسها شخصية خارقة قالت تجرب حاجة تانية ..

نظر له “باسل” قائلا :
– ايه اللي جابكم يا يوسف ..

نظر له “يوسف” قائلا باستنكار :
– ايه اللي جابنا .. عاوزنا نفضل نتفسح هناك وانتو محتاسين هنا .. وبعدين انت شكلك عامل كدة ليه ..

اندفعت “ريحانة” في الرد دون شعور قائلة :
– قوله يا يوسف .. بقاله يومين مبينامش .. ومش راضي يروح .. وانا قلت له افضل معاها انا وخالتو وهو مبيسمعش الكلام ..

أنهت استرسالها في الحديث ثم دفنت رأسها في ذراع “رنيم” التي مالت على أذنها قائلة :
– فضحتينا ..

اتجهت نظرات الجميع لها .. فلاحظ “يوسف” فأنقذها قائلا :
– انا هاخده واروح .. وماما وريحانة يفضلوا معاها ..
ثم نظرلـ”روح” قائلا :
– ايه رأيك يا روح .. ولا افضل انا معاكي ..

نظرت لوالدها ولم ترد فقال “باسل” :
– انا مشتكيتش لحد .. بنتي وانا اللي هفضل معاها ..

وجه “يوسف” حديثه لـ”روح” ثانية وهو يقول :
– هاه يا روح .. مش عاوزة ريحانة حبيبتك تبات معاكي ..

ابتسمت “روح” وهي تنظر لـ”ريحانة” التي نظرت لها باسمة وقالت :
– عاوزاها .. بس كمان عاوزة بابا يفضل معايا .. خلي بابا وريحانة معايا ..

احمر وجه “ريحانة” وهي تعود لتدفنه ثانية في ذراع “رنيم” التي مالت على أذنها قائلة :
– يا بنتي محدش بياخد باله .. فضحتينا بعمايلك السودة دي ..

أخرجت “ريحانة” وجهها وأول ما وقع نظرها كان على “باسل” الذي كان ينظر لها هو الآخر بنظرة لم تفهمها من نظراته تلك .. أشاح بنظره عندما رأته .. وكذلك فعلت هي .. أما الآخرون فانشغلوا بالضحك على ما قالته “روح” والمزاح به .. ولم يدروا ماذا فعل كلامها البرئ بقلبين اثنين من الجلوس ..

بينما ظل “يوسف” يلاطف “روح” قائلا :
– طيب ايه رايك بابا يروح ينام دلوقتي واول ما تصحي الصبح ان شاء الله تلاقيه قدامك .. وبعدين ريحانة وتيتا مش عاجبينك ..

رد “باسل” بإصرار :
– قلت مش مروح يا يوسف .. ووقت الزيارة خلاص هينتهي يلا روحوا ..

لم يلتفت له “يوسف” وهو يحدث “روح” قائلا :
– هاه يا حبيبتي قلتي ايه .. انا مش هعمل غير اللي انتي عاوزاه .. بس بابا شكله تعبان خالص وانا عارفك مبتحبيهوش يتعب صح ..

أومأت برأسها قائلة :
– ايوة .. خلاص خلاص .. روح يا بابا … علشان خاطري انا مش عاوزاك تتعب ..

نظر “باسل” لـ”يوسف” بلوم .. ثم قام لابنته يقبل يدها ورأسها قائلا :
– متخافيش يا قلبي انا مش تعبان .. وهفضل جنبك ومش هيحصلي حاجة ان شاء الله ..

قاطعهم الجد قائلا :
– خلاص يا يوسف سيبه براحته .. بس اسمع يا باسل انت بقالك يومين منمتش يعني لو غفيت بس مش هتصحى ولا بالطبل البلدي .. وبنتك لو احتاجت حاجة مش هتسمعها .. يعني قعدتك معاها هتضرها اكتر ما هتنفعها ..

وجل “باسل” من أن يحدث ما قال جده .. فنظر لابنته بقلق وهو يتخيل أن تطلبه ولا يسمعها .. فانتهز “يوسف” تردده قائلا :
– طيب ايه رايك لو اخدنالك اوضة جنبها .. وماما وريحانة يفضلوا هنا معاها ..

رفض “باسل” قائلا :
– لا طبعا افرض المستشفى احتاجت الاوضة دي ..

رد “يوسف” :
– خلاص براحتك ..

ثم نظر لـ”روح” يشجعها أن ترجوه .. وفعلت .. فأذعن “باسل” لها خوفا عليها ..
وبقيت “فاطمة” و”ريحانة” بعد توصيات عريضة من “باسل” ..

في سيارة “يوسف” كان معه “رنيم” .. بينما كان “باسل” و”ريم” مع جدهما ..
فنظرت “رنيم” لـ”يوسف” قائلة :
– عاوزة اقولك حاجة عن اخوك .. ملاحظة يعني ..

نظر لها “يوسف” رافعا إحدى حاجبيه قائلا :
– ملاحظة ايه بقى ان شاء الله ..

ابتسمت قائلة :
– اسمعني بس .. عاوزة اقول انه ليه بيحمل نفسه فوق طاقتها .. يعني بيعمل حاجات هو مش مضطر ليها ..

ابتسم “يوسف” قائلا :
– قصدك علشان بنته يعني .. دي حاجة بسيطة بالنسبة لباسل .. هو طول عمره كدة .. ربنا يهديه ..

أومأت وهي تقول :
– بس غريبة انك توافق ان ريحانة وطنط يباتوا لوحدهم في المستشفى ..

رد قائلا :
– اعمل ايه مضطر .. وبعدين شفتيني رجعت اكتر من خمس مرات اقولهم اقفلوا الباب كويس .. لو احتاجتوا حاجة كلموني ..

أكملت هي :
– انا لو مكانهم هضربك .. لان دي حاجة عادية يعني ..
رفع كتفيه فقط ولم يرد ..

———————-

مرت أيام خرجت “روح” من المشفى .. ولازمت فراشها في البيت .. وبقيت “ريحانة” تعتني بها في غياب “باسل” وحين يأتي تختفي هي .. وبقيت كذلك تهتم بدراستها حيث أوشك عامها الدراسي على الانتهاء .. ما كانت تفعله خفف عن “باسل” عبئا كبيرا .. فكان في عمله مطمئنا على ابنته طالما “ريحانة” ترعاها .. ولم يدرِ أحد أن “ريحانة” أخذت إجازة من عملها حتى شفاء “روح” .. فقط أخبرتهم أن لديها عمل لا يستدعي الذهاب يوميا .. ما ساعدها على الإجازة أن عملها فعلا لايستدعي الذهاب للشركة فقط تعمل خلال حاسبها المحمول وتتصل بهم عن طريق الانترنت ..

وبقيت كذلك حتى التئمت جروح “روح” وكسرها .. وبقيت تساعدها على المشي مجددا والحركة .. كان دائما “باسل” ممتنا لها .. وهي كذلك كانت ممتنة له لأنه لم يضايقها في تلك الفترة .. ولم يقترب منها أو يحدثها .. كان كلاهما محافظا على المسافة الموضوعة بينهما .. والتي لم تستطع “روح” حتى أن تقربها ..

وحين تم شفاء “روح” .. حدد موعد لعقد قران “ريم” و”طارق” .. والذي قل حديثهما جدا طيلة الفترة الماضية .. فـ”طارق” فهم ما أرادت أن توصله له .. ورأى أنه من الممكن حين تصبح زوجته يتلاشى خوفها الذي لا يدري سببه ولكن من المؤكد أنه ليس نفورا منه .. و”ريم” أصبحت ترى فيه لطفا لم تعرفه قبل خاصة وهي ترى معاملته لـ”روح” وأمها .. حديثه مع أخويها وجدها ..

وبلا أي زينة وتبهرج كانت في عقد قرانها .. وبالطبع لاقت السخرية من “ريحانة” و”رنيم” خاصة .. ارتدت فقط فستان أصر هو أن يحضره لها ولم يكن مكشوفا كالخاص بـ”رنيم” .. كانت تتمنى أن ترتدي حجابها ولكن لم تستطع أن تغلب أمها في ذلك .. عقد قرانها وبعد شعرت بذلك القيد الذي يخنقها كلما كان يقترب موعده .. لا تدري ما سببه .. رغم أنها تشعر بمشاعر جميلة تجاه “طارق” .. ولكنها تعلم أن ترددها من يفعل بها ذلك .. لذلك قاومت شعورها بشدة حين جلس معها .. أو مشاعر الفرحة في عيون “باسل” و”يوسف” هي من أنستها خوفها .. احتوائهما لها يجعلها دون أن تشعر تعقد مقارنة بينهما وبين “طارق” ..

شردت فيهما ولم تسمعه .. حتى وقف قائلا :
– ريم انا همشي بقا .. ولما تحبي تسمعيني في اي وقت ابقي كلميني ..

انتبهت لما فعلت .. فوقفت قبالته .. ثم تجرأت وهي تمسك يده قائلة :
– ممكن تقعد وتسمعني للاخر .. انا اسفة بس اقعد ..

نظر ليده الملسوعة بلمستها الرقيقة .. وجلس وهو يقاوم شعوره الذي اغتاله بسبب لمستها .. سحبت يدها ..
فنظر لها فقالت :
– طارق .. انا ممكن اكون بتصرف تصرفات مش قاصداها .. بس غصب عني بعمل كدة .. اكيد مقصدش اني اهملك .. والله ما اقصد .. ولسة بخاف اتكلم .. بقيت مش عارفة اعمل ايه ..

ابتسم وهو يحتضن يدها بين كفيه قائلا :
– خليكي على طبيعتك زي ما كنا في اول الخطوبة .. انا بحبك على طبيعتك من غيرما تخافي مني ولا تتجملي في كلامك قدامي ..

حاولت سحب يدها .. ولكن لم يدعها .. وهو يرفع وجهها له قائلا :
– ايوة بحبك .. عارفة من امتى .. انا مش عارف .. بس حاسس اني اتولدت بحبك .. كأنه حاجة عايشة في قلبي وظهرت اول ما شفتك ..

أغمضت عينيها في خجل واضح .. فقال :
– لا اوعي تخبي عني العيون اللي لسة مستوتش دي ..

ابتسمت وهي تحاول المزاح لتخرج من حرجها قائلة :
– قلت لك قبل كدة انا بس اللي بقول على نفسي كدة .. يعني دي اخرة اللي عيونهم خضرا ..

ضحك قائلا :
– واحلى عيون كمان .. بس حاسس انك شاذة في البيت دة .. مفيش حد لونه كدة خالص ..

اتسعت ابتسامتها قائلة :
– تيتا الله يرحمها كانت عينيها خضرا ..
قالتها وهي تحاول سحب يدها ..

ولكنه ظل ممسكا بها وهو يقول :
– بس يا خسارة كنت فاكر ان شعرك اصفر يطلع بني ..

سحبت يدها بعنف قائلة :
– لا ممكن تروح تتجوز واحدة شعرها اصفر عادي يعني .. لو مش عاجبك البني ..

أمسك يدها وهو يقبلها قائلا :
– هو ايه دة اللي مش عاجبني .. انتي كل حاجة فيكي عاجباني .. وبعدين قلت لك قبل كدة ان استفزازك دة الطريقة الوحيدة اللي بتخليكي تتكلمي ..

ابتسمت ولم ترد .. وهو كذلك بقي مستمتعا فقط بقربه منها .. دائما حديثهما الصامت أبلغ كثيرا من حديثهما المتكلم .. علق عينيه بوجهها ولم يغادره .. وهي بقيت تنظر أرضا .. كلما حاولت رفع عينيها وجدته ينظر لها فتخفض بصرها مجددا ..

قطع هو الصمت قائلا :
– مش هتقوليلي بقى ايه الحاجات اللي بدل ما تقوليها بترمي دبش .. والحاجات اللي بتتحس مبتتقالش ..

ردت بتوتر :
– ما انت قلت اهو مبتتقالش .. اقولها ازاي بقى ..

ضحك قائلا :
– اه هتضحكي عليا يعني .. طيب انا عاوز اسمع ..

ابتلعت ريقها وهي تقول :
– انا .. انا لما شفتك مع نور .. كنت فاكراك زوجها .. وبعدين انا فضلت ابصلك جامد علشان حلمت بيك .. وكنت فاكرة ان اول مرة اشوفك فيها في الحلم .. مكنتش فاكرة المرة اللي اتقابلنا فيها قبل كدة ..

قاطعها قائلا :
– حلمتي بيا انا ..

أومأت برأسها أن نعم .. فقال :
– حلمتي بإيه ..

رفعت كتفيها قائلة :
– مش عارفة .. انا بصحى من النوم مش فاكرة من الحلم غيرك .. وببقى فرحانة اوي وبس .. كلل اللي بحسه ساعتها انك انت .. انت .. امممم .. انت كدة يعني ..

ابتسم قائلا :
– انا كدة يعني ازاي ..

رفعت نظرها له لتجده ينظر لها بنظرة حب عميقة فقالت وهي تخفض بصرها :
– انك انت اللي هتيجي تتجوزني وكدة يعني ..
وحاولت سحب يدها ..

فقال :
– انتي ايدك دي لازماكي في حاجة .. انا هسيبهالك طول الليل .. سيبيها بقا معايا شوية .. وبعدين دة انتي طلعتي بتحبيني من زمان اهو ..

وقفت وهي تبتلع ريقها بصعوبة قائلة :
– لا لا .. انا بس كنت بحلم بيك .. معملتش حاجة ..

ضحك وهو يقف ليحيط كتفيها بيديه قائلا :
– فيه ايه هو انا بتهمك بحاجة .. انا زوجك ومن حقك تحبيني .. زي ما انا بحبك وبموت فيكي .. ممكن تقعدي بقى .. اخواتك هييجوا يطردوني ..

جلست وهي تقول :
– طيب اقولك حاجة وتوعدني بعدها انك هتروح علطول .. ولما تروح متكلمنيش .. ومتعلقش بعد كدة ..

ابتسم قائلا :
– حسب الحاجة اللي هتقوليها .. وبعدين كدة هتضطريني اسيب ايدك ..

وقفت قائلة :
– خلاص مش قايلة .. انا اصلا مش هقدر اقولها .. بس حاسة اني عاوز اقول كدة ..

وقف أمامها قائلا :
– طيب قوليها ع الواقف واطير انا بعدها ..

ابتسمت بتوتر واضطراب .. تشعر أنها ستختنق ولكنها قالت :
– انا بحبك على فكرة .. بس بحس اني خايفة منك علشان بحبك ..

ثم أغمضت عيناها ووضعت يدها لتخفي وجهها .. فأزاح يدها قائلا :
– انا كمان هقولك حاجة قبل ما امشي .. اوعدك اني مش هخليكي تخافي مني ابدا .. لان انا بحبك فوق ما تتخيلي .


زر الذهاب إلى الأعلى