روايات شيقة

رواية دواعي امنية مشددة الفصل السادس 6 بقلم منال سالم

رواية دواعي امنية مشددة الفصل السادس 6 بقلم منال سالم 


الفصل الســـــادس ( الجزء الأول ) :

ضغطت إيناس على شفتيها بقوة محاولة التحكم في النيران المستعرة بداخلها عقب إهانة باسل لها ..
رمقته بطرف عينها بنظرات شرسة .. وبدى الوجوم واضحاً على تعابير وجهها .. فمهما كانت تصرفاتها لا يحق له الإســاءة إليها ..
لم تستطع إيقاف تلك الأفكار العنيفة التي اجتاحت عقلها لتأديبه ..
ودت لو تعلقت بعنقه ، وقبضت عليه بكفيها وخنقته بقوة حتى يشعر بآلمها من كلماته .. فبعض الكلمات وإن كانت موجزة قد تصيب في مقتل ..
التفت باسل برأســه فجــأة نحوها ، فوجدها محدقة به بنظرات غير مريحة ، فســألها بإستغراب :
-مالك ؟ بتبصيلي كده ليه ؟

ضاقت نظراتها الغاضبة نحوه ، وأجابته بإقتضاب :
-مافيش

لم يعر باسل للأمر أي اهتمام ، ولم يهتم حتى بسؤالها عن سبب عبوسها المفاجيء ، فزاد حنقها منه ..
حدق أمامه ، وأشــار لها بيده وهو يقول بجمود :
-احنا وصلنا ، اطلعي يالا

كزت على أسنانها وتوعدته في نفسها :
-ماشي يا بسلة ، هاوريك !

تحركت بخطى سريعة نحو مدخل البناية ، بينما استدار هو عائداً للمقهى ..
وقعت عيني إيناس على حجر صغير مُلقى عند بوابة البناية ، فطرأ ببالها فكرة طائشة ..
لم تتردد في فعلها ، بل أسرعت بالإنحناء ، ومدت يدها لتلتقط الحجر ، ثم التفتت عائدة في إثر باسل ..
وقفت في مكانها ، وركزت أنظارها عليه ، ثم أرجعت ذراعها للخلف ، وألقته بكل ما أوتيت من قوة عليه ..
ارتطم الحجر بظهر باسل ، فقبضت ذراعها وهي تهتف لنفسها بتشفي :
-احسن

شعـــر باسل بآلم مفاجيء في ظهره ، فإلتفت للخلف ليرى ما الذي حدث وقد تحول وجهه للعبوس الشديد ..
في تلك الأثناء ركضت إيناس عائدة للداخل كي لا يراها..
لمح باسل طيف شخص ما يركض ، فتحرك بخطوات أقرب للركض .. فرأها وهي تصعد على الدرج ، فحك مؤخرة رأســـه وهو يقول بضجر :
-هبلة دي !

لف هو ذراعه للخلف ليفرك موضع الآلم ، وتساءل مندهشاً :
-عملت كده ليه ؟!

ركضت إيناس على الدرج ، ولم تتوقف لإلتقاط أنفاسها اللاهثة ، فقد خشيت من ردة فعل باسل ..
ولكن مازال ذلك الشعور بالسخط والضيق مسيطراً عليها ..
خاصة وأنها كانت كلمات جارحة بما تكفي لإشعارها بالنقص …………………………..

في نفس التوقيت رأت هدير رفيقتها إيناس وهي تسير إلى جوار ذلك الشاب الوسيم أثناء عبورها للجانب الأخر من الطريق ، وانفرج فمها بصدمة جلية على تعابيرها ..
فهي لم تتوقع أن تراها بصحبة أي أحد ، وأثار فضولها أن تعرف المزيد عن علاقتهما سوياً …
عبثت بشعرها المصفوف بعناية ، وطرحته للخلف بدلال وهي تغمغم مع نفسها :
-مش ممكن ، المز ده ماشي معاها ، أكيد في بينهم حاجة ، لازم أطأس منها وأعرف !!!

عقدت هي النية على كشف غموض تلك العلاقة الغير منطقية من وجهة نظرها خلال المساء عندما تنتهي من فسحتها الحالية ….
…………………………………………
في منزل عائلة مسعد غـــراب ،،،
فتحت إيناس باب منزلها بالمفتاح الذي يخصها ، ثم سارت نحو غرفتها ، وصفقت الباب خلفها بعصبية ، وألقت بحقيبتها دون إكتراث على الأرضية ، ثم وقفت أمـــام المرآة لتتأمل هيئتها بدقــة ..
ظلت محدقة لنفسها لفترة من الزمن ..
أمسكت بخصلات شعرها المجعد وهي ترتجف ، ودققت النظر في حاجبيها الكثيفين والغير منمقين ..
تحسست بأناملها بشرتها ، وأدارت وجهها للجانبين لتتفحصه أيضاً ..
وأدركت أنها بالفعل لا تمتلك مواصفات الجمال القياسية ..
هي فتاة عادية ، بسيطة الملامح ، بشرتها غير بيضاء لتلفت الانتباه ، ولا تمتلك أعين ملونة ، أو حتى تضع عدسات لاصقة كغيرها .. بل هي على العكس مشاكسة ، حادة الطباع .. تتصرف بطريقة صبيانية للغاية ..
تأملت ملابسها أيضاً ، لم يكن بها أي لمحة أنثوية على الإطلاق ..
ترقرقت العبرات في عينيها بعد أن رأت بوضوح أنها بالفعل تشبه الرجــال في أغلب صفاتهم ..
وتردد في أذنيها صدى كلمات باسل المهينة .. فنكست رأسها خزياً ، وسدت أذنيها بكفيها بقوة ..

ولجت والدتها إلى غرفتها ، ونظرت لها متعجبة ، وســألتها بإستغراب :
-مالك يا نوسة ؟ في حاجة حصلت ؟

رفعت هي رأسها للأعلى ، ونظرت إلى والدتها بأعينها الدامعة .. تحركت شفتيها بحركة عصبية ، وقاومت رغبتها في البكاء ، لكنها لم تتحمل نظرات والدتها نحوها …

شهقت صفية بقلق حينما رأت ابنتها على تلك الحالة ، وأسرعت نحوها وهي تسألها بخوف :
-حصلك ايه يا نوسة ؟ اتكلمي !

أجهشت إيناس بالبكاء وهي تمتم قائلة :
-هو .. هو أنا وحشة يا ماما

احتضنتها والدتها ، وضمتها إلى صدرها ، ثم مسدت على شعرها وهي تقول بحزم :
-وحشة ، قطع لسان اللي يقول عنك كده

أرجعت إيناس رأسها للخلف ، وحدقت في عيني والدتها وهي تســألها بجدية مفرطة :
-هو أنا شبه الولاد ؟

قطبت صفية جبينها بتعجب ، وعبس وجهها وهي ترد عليها بتساءل :
-الله ! مين قالك كده ؟!

ابتلعت تلك المرارة العالقة بجوفها وهي تتابع بصعوبة :
-طب .. طب أنا ليه مش زي بقية البنات عندي شعر حلو وعينين ملونة ؟!

ردت عليها والدتها بإستنكار :
-لا حول ولا قوة إلا بالله ، في ايه يا إيناس ، اقعدي كده واهدي وفهميني بالظبط اللي حصل !

ســــردت إيناس لوالدتها ما حدث مع رفيقاتها بعد أن جلست كلتاهما على طرف الفراش ، وتعمدت هي حذف الجزء الخاص بباسل حتى لا تتعرض للتوبيخ ..
أشفقت صفية على حال ابنتها ، ومسحت على وجنتها برفق ، ثم أردفت قائلة بنبرة أمومية حانية :
-دول بنات تافهين وهبل ، انتي زي القمر وحلوة

اعترضت إيناس قائلة بتبرم :
-بس .. بس أنا اتقالي استحالة تكوني بنت !
كانت تقصد بعبارتها الأخيرة ( باسل ) الذي أســـاء إلى شخصها ..

هدرت والدتها بنبرة شبه منفعلة :
-دول اتعمى في عينهم ، وغيرانين منك

التوى ثغرها بتهكم وهي تقول:
-هايغيروا مني ليه ؟!

ردت عليها والدتها بثقة :
-عشان انتي أشطر منهم ومتفوقة ، هما عاوزين يحبطوكي وآآ…

لم تقتنع إيناس بما تقوله والدتها ، ولم تنتبه إلى باقي حديثها فقد وجدت أنها مبررات واهية وغير كافية لإخماد النيران المستعرة بداخلها ..

ربتت صفية على ظهر ابنتها ، وتابعت قائلة بهدوء جدي :
-مش عاوزاكي تحطي في بالك الكلام الفارغ ده ، وركزي في مذاكرتك ، إنتي داخلة على امتحانات ، ومحتاجة كل ثانية عشان تنجحي وتجيبي مجموع وتحققي اللي نفسك فيه

كفكفت إيناس عبراتها بكم قميصها ، وردت بإقتضاب :
-ربنا يسهل

ابتسمت لها والدتها إبتسامة دافئة وهي تقول :
-ربنا يهديكي يا بنتي ، ويبعد عنك ولاد الحرام !

هزت إيناس رأسها بهدوء ولم تضفْ كلمة ، ولكن عقلها لم يتوقف عن التفكير فيما حدث لها ..
…………………………………..
في مكتب ما بجهة سيادية ،،،

أغلق الفريق ضياء الملف الذي كان بحوزته ، وحدث قائده قائلاً بجدية :
-ده يا فندم تقرير أولي باللي حصل

تناوله القائد منه ، وتفحصه بنظرات سريعة وهو يوميء برأسه متفهماً ، ثم رد عليه بنبرة رسمية :
-عظيم ، أنا محتاج أكون على اطلاع أول بأول بالمستجدات ، الموضوع حساس جداً

تقوس فم الفريق ضياء بإبتسامة محدودة وهو يقول :
-اطمن يا فندم ، أنا بنفسي بأشرف على العملية دي

أشـــار له القائد بإصبعه وهو يقول بنبرة محذرة للغاية :
-أنا متأكد من اهتمامك ، بس لازم تأكد على رجالتك عدم التعرض ليها ، ماتنساش إنها لوحدها معاهم ، واحنا عارفين الشباب ودماغهم !

استنكر الفريق ضياء ما يقوله ، واعترض قائلاً :
-أنا رجالتي بعاد كل البعد عن النوع ده من الأفكار

رمقه القائد بنظرات جادة وهو يؤكد عليه :
-الحرص واجب برضوه

هز الفريق ضياء رأســـه متفهماً ، وأردف قائلاً بهدوء :
-حاضر يا فندم ، أنا هانبه على الكل
-تمام ..
………………………………….
في سيارة مسعد ،،،،

دندن مسعد مع نفسه بلحن مرح وهو يضرب بأصابعه على المقود ، بينما تهدل كتفي سابين في إنهـــاك واضح عليها ..
التفتت نحوه برأسها ، وسألته بنبرة خافتة ورقيقة ولكن باللغة العربية الفصحى :
-متى سنصل ( الفندق ) ؟

أدار مسعد رأســه ناحيتها ، وعقد ما بين حاجبيه بإستغراب وهو يردد بعدم فهم :
-بندق ، انتي جعانة ؟

عضت على شفتها السفلى وهي ترمقه بنظرات حادة ، بينما تابع هو قائلاً بإندهاش :
-أنا مش معايا بندق ، والحاجات دي مش بنشوفها إلا في ياميش رمضان ، يا إما على وش التورتة لما تكون محترمة ومتوصي عليها !

تنهدت بتعب من ثرثرته المبالغة ، ثم ابتسمت له بتصنع وهي تقول بإنهاك :
-بليز ، أنا آوز ( عاوزة ) أنام

هز رأســه بحركة خفيفة ، وهتف متحمساً :
-أها فهمتك ، احنا قربنا نوصل خلاص

ســألته جدياً وهي عابسة الوجه :
-أنا هاذهب إلى أين ؟

أشـــار لها بكفه وهو يقوس فمه بضيق :
-بلاش وحياة أهلك جو الدبلجة السوري ده ، كلميني عربي

استغربت منه ، واعترضت قائلة :
-هذا آربيك ( عربي )

أخفض نبرة صوته وهو يردد بخفوت :
-هذا وهذه وجو الإعراب ده أنا واقع أصلاً فيه

أدار رأســـه في إتجاهها مرة أخرى ، وأكمل قائلاً بجدية :
-احنا محتاجين كورسات تواصل سوا يا صابرين ، لأحسن الدنيا هتكلكع معانا ، وهانلوص !

ردت عليه بضجر وهي تحرك رأسها بيأس :
-بليز ممكن إنت اكلم بالراهة ( بالراحة )

غمز لها قائلاً بمرح :
-حاضر ، عيوني ، بالراحة بالراحة ، بشويش بشويش !
……………………………….

بعد برهــــة ، وصل مسعد بسيارته إلى مركز التدريب الخاص بتشكيله العسكري ..
اعتدلت سابين في جلستها على المقعد ، وتأملت المكان بنظرات دقيقة ومتفحصة ..
كانت تتوقع أن يتجه بها إلى الفندق ، ولكنها تفاجئت به يصطحبها إلى مكان أخـــر مليء بمن يشبهه من ذوي الثياب العسكرية ، وأصحاب الأجساد القوية …

لاحظ مسعد حالة الشرود البادية على وجهها ، فاستطرد حديثه قائلاً بتحمس :
-أهلا بيكي في معقل الرجال ، هنا هتشوفي العجب كله

ابتلعت ريقها بتوتر فقد كان المشهد مربكاً ، فهي أنثى بمفردها وسط هذا المجتمع الذكوري ..
رسمت ابتسامة هادئة على ثغرها .. ولم تعقب بشيء ..

ركن مسعد السيارة في المكان المخصص لها بالجراج ..
بينما جابت سابين بنظراتها المترقبة المكان من حولها ..
ترجل هو من سيارته ، ودار حولها ليفتح الباب لسابين ..
ابتسمت له ممتنة .. ثم ترجلت هي الأخرى منها ..
أشـــار لها بيده وهو يقول بجدية :
-تعالي ، احنا هانروح المبنى الرئيسي من هنا

أومــأت برأسها إيجاباً وهي تقول بإيجاز :
-اوكي

فتح مسعد صندوق السيارة ، وسحب حقيبة سابين للخارج ، ثم أغلقه ، وتحرك للأمام ، ولحقت هي به ..

استمعت سابين إلى صوت صافرات إعجاب تأتي من نواحي متفرقة ، وبعض العبارات المتغزلة بها دون أي خجل .. فتوردت وجنتيها حرجاً مما يحدث ..

صاح أحدهم بنبرة عالية :
-منور يا مسعد

بينما أضاف أخر :
-نورك غطا على الكهربا

وهتف ثالث متغزلاً :
-جميل و أبيض
-حوش اللي وقع منك يا مسعد
-حلاوتك زايدة النهاردة ومغطية
-مش هتاخدنا بالحضن يا مسعد ، ده حتى وحشة في حقك

تنحنح مسعد بخفوت ، فقد أزعجه ما يحدث من تجاوزات غير مقبولة ، وأدار رأسه في اتجاهها ، ورسم ابتسامة بلهاء على ثغره وهو يقول :
-معلش ، احنا آآ.. شعب عاطفي بطبعه

ضيقت نظراتها وســألته بإيجاز :
-بجد ؟

تنحنح بصوت مسموع ، وتابع قائلاً بحرج :
-احم .. مش مقتنعة صح ، بصي هما الشباب مأفور حبتين ، بعيد عنك عندهم جفاف عاطفي ، حرمان من الحنان ، بس طبعاً ده بيحصل في حدود الأدب !

رفعت حاجبها مستنكرة وهي تقول لنفسها بسخط :
-لأ باين !!!

وصـــل مسعد عند البوابة الرئيسية للمبنى العسكري ، فأسند حقيبتها على الأرضية ، وإستدار نحوها ، وأشــار لها بيده قائلاً بحزم :
-استنيني هنا ثواني
-اوكي

ولج هو للداخل ،بينما وقفت هي بمفردها تتلفت حولها بحذر ..
وقعت أنظارها على أعين الرجـــال المحدقين بها ، فدب في أوصالها رعشة خفيفة ..
أشاحت بوجهها بعيداً ، وتمتمت مع نفسها بقلق :
-شكل الأيام الجاية هاتكون صعبة ، يا ريت أمشي من هنا بسرعة !

غـــــاب مسعد لفترة فشعرت سابين بالقلق من غيابه الذي طـــال ..
وبالطبع لم تسلم من التعليقات السخيفة والمبالغة من الشباب المتحمس لوجود أنثى وسطهم ..

لمحته وهو يسير بخطوات سريعة نحوها وهاتفاً بجدية :
-معلش اتأخرت عليكي ، بس كان في مشكلة كده وبأحلها

نظرت له بحيرة وهي تحاول فهم ما يقول .. لكنه سريعاً ما أضاف بعدم اكتراث :
-بس متقلقيش ، مسعد الجن ، بيظبط كل حاجة

ابتسمت له وهي تردد على مضض :
-اوكي

لمح هو الشباب المتجمع على مقربة منها ، فلوح لهم بذراعه وهو يهتف بحماس :
-منورين يا رجالة

رد عليه أحدهم بمكر وهو يغمز له :
-ايه يا مسعد مش تعرفنا

أجابه بحذر وقد إرتسم على قسمات وجهه ملامح جادة :
-خبراء أجانب ، أمريكان ، هـــا ، أمريكان ، ماشي ، يعني مارينز ، وحركات ، فخدوا بالكم ، ومتوصي عليها من فوق !

هتف أخـــر بنبرة عالية رغم عدم اقتناعه :
-تمام يا باشا ، احنا موجودين في الخدمة لو عوزت حاجة

لوح لهم بكفه وهو يرد :
-شكراً

تساءلت سابين بإرهـــاق وهي محدقة بمسعد :
-موســـأد ، هو أنا هأنام فين ؟

رد عليها بإبتسامته العريضة :
-هنا يا صابرين

ارتفع حاجبيها للأعلى في تعجب واضح ، وهتفت مصدومة :
-ايه What) ) ؟

رفع لها إبهامه بعلامة الإنتصار وهو يرد بثقة :
-أنا خدتلك أوضة مخصوص ، زي ما بيقولوا وصاية ، احنا بنعتبرها فايف ستارز

ســألته بنزق وهي تنفض خصلات شعرها :
-في فندق هنا ؟

تجهم وجهه وهو يرد بجمود :
-لأ طبعاً ، في أوض للظباط !

أشــارت له بإصبعها وهي تسأله بفضول :
-إنت نام هنا ؟

رد عليها بجدية
-ايوه ، أومال يعني بأبات في الطل ، الكل بيبات هنا

هزت رأسها متفهمة وهي تقول بخفوت :
-أها ، I got it ( فهمتك )

انحنى مسعد بجذعه للأمام ليمسك بحقيبتها ، ثم أشـــار لها برأسه وهو يتحرك قائلاً :
-تعالي هاوريكي هتقعدي فين !

ثم رمقها بنظرات ذات مغزى ، وأكمل سيره نحو غرف الضباط الملحقة بالمبنى السكني المتواجد في زاوية المركز ..
تبعته سابين بخطوات حذرة .. وازدردت ريقها بتوجس وهي تحدث نفسها :
-مش مرتحالك ، شكلك ناوي على حاجة ………………………………………… !!
…………………………………..

الفصل الســـادس ( الجزء الثاني ) :

في مركز التدريب ،،،،
تحركت سابين خلف مسعد وتلفتت حولها بحذر متأملة أوجـــه المحدقين بها وكأنها كائن فضائي قد هبط تواً من مكوكه الصاروخي ..
كانت الحرارة عالية للغاية ، ولا يوجد أي مساحة للإستظلال بها ..
لوحت بيدها في الهواء محاولة تحريك تلك النسمات الثابتة لعلها ترطب عليها ، لكن دون جدوى ..
تساءلت هي بصوت مرهق :
-موســآد ، ألا يوجد مظلات ؟

إستدار برأسه نحوها ، وسألها بعدم فهم وهو محدق بها :
-ايه ؟

ردت قائلة بإنهاك :
-مظلات !

هز رأسه بالإيجاب وهو يقول بحماس :
-اه طبعاً موجود ، ده احنا عندنا تشكيل بالكامل على أعلى مستوى ممكن تتخيليه !

ســألته بتلهف وهي تتلفت حولها :
-فين ؟ ( Where )

أومأ بعينيه وهو يجيبها بثقة :
-في المركز بتاعهم ، هما مش هنا ، وبيقوموا بمهمات في آآ….

أدركت سابين أن مسعد لم يفهم سؤالها جيداً ، فقاطعته معترضة وهي تشير بيدها :
-نو نو نو ( No, no) موســـأد ، إنت مش إفهم ، أنا أتكلم عن مظلة ، ممم.. Umbrella ( شمسية )

حك مؤخرة رأســه بيده ، وســألها بحرج :
-اللي هي آآ.. بسطيهالي شوية

ردت عليه بجدية :
-Umbrella !!

بدى مسعد غير قادراً على فهم لكنتها ، فعضت على شفتها السفلى وهي تحاول إجابته باللغى العربية ، فخرج صوتها متلعثماً وهي تقول :
-هي شمـ..شمـ..آآ..

قاطعها قائلاً بحماس مفرط :
-شمامة

إرتفع حاجبها للأعلى ، وفغرت فمها لتردد بحيرة :
-ماذا ( What ) ؟

فســـر لها قائلاً بهدوء :
-شمام ، بتاع أصفر كده بيتاكل ، بيتقال عليه في الفلاحين أناناس ، وهو شبه الكنتالوب وآآ…

قاطعته قائلة بعد أن توصلت لمعنى الكلمة الصحيح :
-لأ ، هي شمسية !

أرجع رأســـه للخلف ، وتنهد بعمق وهو يضيف بعتاب زائف :
-آهـــا ، طب ما تقولي شمسية ، لزمتها ايه تعوجي بؤك عليا

ابتسمت له ابتسامة باردة وهي تســأله :
-سوري ، هي فين ؟

أجابها بإيجاز وهو يهز كتفيه في عدم مبالاة :
-مافيش !

ردت عليه بلكنة عربية متكسرة :
-هاه ، فيش !!

حرك رأسه مؤكداً بجدية :
-ايوه ، مافيش شماسي هنا !

قطبت جبينها بشدة ، واحتجت قائلة بضيق واضح في نبرتها وتعابير وجهها :
-ليه موســـأد ؟ دي مهمة ، إحميك من الشمس !

برر لها قائلاً بإمتعاض وقد ظهرت علامات الوجوم إلى حد ما في تقاسيمه المشدودة :
-يا صابرين احنا مش بتوع شمسيات ومظلات والحركات دي ، احنا أقصى طموحنا هنا ناخد أجازة ومانشوفش وش ناس معينة ، ومحدش يقرفنا فيها !
-اوه ! غريب ( Wired )

اعترض طريق مسعد أحد زملائه ، وتشكل على وجهه ابتسامة سخيفة وهو يتساءل بفضول :
-مين دي يا مسعد ؟ مش تعرفنا يا بطل !

رد عليها بنبرة قاتمة وهو يرمق زميله – فادي – بنظرات ساخطة :
-اهو ده واحد من الوشوش اياها !

هتف فادي قائلاً بإصرار :
-مردتش عليا ! مين دي يا باشا ؟

أجابه مسعد بفتور :
-خبيرة أجنية يا فادي !

أردف فادي قائلاً بسخرية :
-خميرة

احتقن وجـــه مسعد نوعاً ما ، ورمقه بنظرات قوية وهو يتابع بنبرة جادة للغاية :
-بأقولك خبيرة دولية جاية هنا ، فبلاش ألشك الرخم الله يكرمك

تفحص فـــادي سابين بنظرات دقيقة أحرجتها من رأسها لأخمص قدميها وهو يكمل بتعجب :
-واحنا من امتى بيبعتولنا صواريخ كده أرض جو من غير ما يقولولنا ؟!

تحرك مسعد بجسده ليسد عليه الرؤية ، وتابع قائلاً على مضض :
-بأقولك ايه يا فادي دي تقفيل بلاد برا ، أمريكاني يعني ، ومتوصي عليها من فوق أوي !

ثم رفع إصبعه ليحذره قائلاً :
-فخلي بالك ، شغل العواطف والترحيب الأوفر والحركات النص لبة دي ماتكولش معاها ، فمافيش داعي منه !

حك مؤخرة رأســه بعدم اقتناع وهو يتمتم :
-ماشي ، ماشي .. بس قولي هي جاية زيارة عندنا ؟

نفخ مسعد بنفاذ صبر وهو يجيبه :
-حاجة زي كده !

ســأله فادي بفضول وهو يضيق نظراته :
-يعني هاتقعد معانا ؟

أجابه بإمتعاض بادي في نبرته :
-احتمال !

ارتسمت ابتسامة عريضة على ثغره ، وهتف بتحمس زائد :
-يا سيدي احنا عاوزين نخدم ، ونقوم بواجب الضيافة مع الأجانب ، لزوم تنشيط السياحة !

رد عليه مسعد ساخراً :
-اه ، ما أنا عارف قلبكم الرهيف ، فجــأة الحس الوطني زاد عندكم وفــاض !

أضاف فادي قائلاً ببرود :
-طبعاً

ثم تحرك للجانب ، وحدق في سابين بنظرات مطولة وهو يســألها بصوت رخيم :
-والجميل اسمه ايه ؟

وضع مسعد يده على كتف فادي ، وضغط عليه بقوة وهو يقول بحنق :
-صابرين مابتعرفش عربي ، فلخص

قطب فـــادي جبينه بإندهاش ، ومط فمه قليلاً بتعجب وهو يردد بعدم تصديق :
-مممم ، صابرين ، بقى الحلاوة دي كلها اسمها صابرين

رد عليه مسعد بإمتعاض :
-حكمة ربنا زي ما أنا اسمي مسعد !

أضاف فادي قائلاً ببرود مستفز :
-يا شيخ ، طب أنا بأعرف لغات كويس !

هز مسعد رأسه بحركة خفيفة وهو يضيف ساخراً :
-ايوه ، معاك لغتين وهاتخويها بالتالتة قريب

قهقه فادي بطريقة سخيفة ، ثم هتف :
-دمك خفيف يا مسعد

نفخ مسعد بصوت مسموع وهو يرد عليه :
-متشكر يا سيدي

لوح فادي بيده وهو ينظر في إتجاه سابين ليضيف :
-عاوز أقولك يا أستاذة إن مسعد ده أكتر واحد آآ…

قاطعه مسعد ليقول بحنق :
-مختلف هنا

مازحه فادي قائلاً بضحكة عالية :
-لأ متخلف !

انزعجت سابين من أسلوب ذلك الشخص السمج ، ورمقته بنظرات ساخطة وزفرت بهدوء ..
انزعج مسعد من اسلوبه الفج في المزاح ، وحذره بجدية واضحة :
-هاتغلط يا فادي ؟!

رسم فادي على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يرد عليه بحذر :
-بأهزر معاك ، فكك بقى !

ثم اندفع بجسده ناحية سابين التي تراجعت خطوة للخلف ، ومـــد يده ليصافحها وهو يقول بنبرة دبلوماسية :
-هالو أنا فادي

ردت عليه سابين بفتور وهي تسحب يدها سريعاً من قبضته :
-هـــاي أنا سابين !

تعمد فـــادي أن يتحدث باللغة الإنجليزية مع سابين ، فقد وجدها فرصة للتودد إليها دون أن يعترضه مسعد ، لذا رفع حاجبيه في إعجاب ، وتمتم قائلاً وهو يغمز لها :
-واو .. اسمك جميل ( Nice name by the way )

ظهر على وجه سابين علامات الإنزعــاج واضحة من طريقته المصطنعة ، ومع هذا أجبرت نفسها على الحفاظ على هدوئها أمام ذلك السخيف ، وضغطت على شفتيها لتجيبه بإبتسامتها المهذبة :
-ثانكس

ســألها فادي بفضول وهو يعمق نظراته نحوها :
-هل هذه أول زيارة لكِ لمصر ( Is it your first time to visit Egypt ) ؟

أومــأت برأسها إيجابا وهي ترد عليه برقة :
-أهــا ، نعم

أضــاف هو قائلاً بإبتسامة عريضة :
-أتمنى أن تستمتعي بإقامتك معنا ( Hope you enjoy staying here ) !

لم يفهم مسعد كلمة واحدة مما تقـــال وظل يحرك رأسه ببلاهة وهو ينظر نحوهما ، ولكن نفذ صبره ، فصاح بحنق :
-وأنا هاقضيها متفرج كده كتير ، قصر يا سيدي في الكلام

نظر له فادي قائلاً بعتاب :
-حاضر ، مش بأرحب بالخبيرة

رد عليه مسعد بسخط وهو يرمقه بنظرات منزعجة :
-كفاية ترحيب ، حتى كتر السلام بيقل المعرفة

تجاهل فادي حديث مسعد ، وإستدار برأســه ليتأمل سابين مجدداً بنظراته الجريئة ، ثم أضــاف بتهكم متعمداً إهانة زميله وهو يشير نحوه بإبهامه :
-ضعي في الإعتبار أن مسعد لا يعرف الإنجليزية ، هو جاهل وغبي ( Mos’ad doesn’t know English at all, he’s stupid and dump )

ردت عليه سابين بضيق :
-أها ، أعرف هذا ( Yeah, I know this )

ســأله مسعد بجدية وقد استشعر وجود خطب ما :
-انت بتقولها ايه ؟

ابتسم له ببرود وهو يجيبه :
-بشكرلها فيك

رمقه مسعد بنظرات حادة وهو يتابع بتبرم :
-لأ واضح فعلاً ، أنا حاسس بده

اقتربت سابين من مسعد ، وارتفع بقدميها عن الأرضية الإسفلتية قليلاً لتهمس له في أذنه بلكنتها العربية الغريبة :
-هو قول إنت هومـــار ( حمــار ) في إنجليش

سمعها فـــادي ، وتعجب من ردها باللغة العربية ، فتنحنح بحرج ، وهتف مسرعاً بمزاح :
-دونكي يعني !

حدجه مسعد بنظرات نارية ، وكز على أسنانه بقوة قائلاً :
-كتر خيرك يا فادي

أضــاف فادي بنبرة سخيفة :
-عشان تعرف معزتك عندي !

رد عليه مسعد بهدوء مصطنع :
-شكراً يا سيدي ، تسلم على ذوقك ، يعني مش عارف من غيرك شكلي كان هيبوظ ازاي أكتر من كده !!!

ثم إستدار برأســه ناحية سابين ، وصــاح بها بنبرة شبه آمرة :
-يالا يا صابرين لأحسن لو طولنا شوية هانفجر هنا !
-اوكي
قالتها سابين وهي تتحرك خلفه بخطوات مسرعة ..

ظلت أنظــــار فادي معلقة بهما ، وحك موخرة رأســــه عدة مرات وهو يتنهد بحرارة ، ثم حدث نفسه بمكر :
-شكلها هتلعب معانا كلنا !
…………………………………….

في منزل مسعد غـــــراب ،،،،
اتجهت السيدة صفية لتفتح باب المنزل بعد أن سمعت تلك الدقات الخافتة عليه ، وارتسم على محياها إبتسامة عذبة وهي ترحب بالضيفة قائلة :
-تعالي يا هدير ، خشي يا بنتي

قبلتها هدير من وجنتيها ، وهتفت بإبتسامة رقيقة :
-هاي طنط ، إزيك ؟

ردت عليها صفية بنبرة أمومية :
-الحمدلله يا بنتي !

ثم ربتت على ظهرها وهي تسألها بإهتمام :
-اخبارك انتي ايه ؟ ومامتك صحتها عاملة ايه ؟

هزت رأسها بحركة خفيفة وهي تقول بهدوء :
-تمام يا طنط

ثم بحثت بعينيها عن إيناس ، وتساءلت بجدية :
– هو .. هو إيناس موجودة ؟

أومـــأت صفية برأسها إيجاباً وهي ترد :
-أيوه ، خشيلها ، هتلاقيها في أوضتها !

رسمت هدير ابتسامة ناعمة على ثغرها، ونظرت لها ممتنة وهي ترد :
-اوكي يا طنط
……………………

تفاجئت إيناس برفيقتها هدير تقتحم عليها الغرفة ، فنهضت من على الفراش ، وحدقت فيها بذهــول ، وســألتها بإندهاش :
-في حاجة حصلت يا هدير ؟ إنتي جيتي ليه هنا ؟ هو المستر قال حاجة جديدة وأنا معرفش ؟

أشارت لها بكفها وهي تجيبها بهدوء :
-اهدي يا نوسة ، مافيش حاجة حصلت !

سألتها الأخيرة بنزق وهي قاطبة لجبينها :
-أومال جاية بنفسك هنا ليه ؟!

ردت عليها هدير ببرود وهي ترمقها بنظرات غير مريحة :
-وحشتيني !

زاد انعقاد ما بين حاجبي إيناس ، ونظرت لها بعدم تصديق ، ثم هتفت معترضة :
-ده بجد !

زادت ابتسامتها الغامضة اتساعاً وهي ترد عليها :
-أه طبعاً

عقدت إيناس ساعديها أمام صدرها ، وضاقت نظراتها بشدة وهي تحدق بها .. ثم أردفت قائلة بعدم اقتناع :
-هدير ، جيتك النهاردة مش عادية

لوحت لها رفيقتها بإصبعها ، وطلبت منها بهدوء :
-اقفلي بس الباب علينا وهافهمك !

تحركت إيناس صوب الباب ، وأرخت ساعديها ، وردت متمتمة بإيجاز :
-اوكي

تأكدت هي من غلق الباب ، ثم استدارت لتواجه رفيقتها ، وسـألتها بلا تردد :
-خير ؟!

جذبتها هدير من ذراعها لتجلس إلى جوارها على طرف الفراش ، ثم ضــافت نظراتها المتفرسة في ملامح وجهها ، وأخفضت نبرة صوتها وهي تسألها بفضول جلي :
-قوليلي يا نوسة مين المز اللي كان معاكي ؟

فغرت إيناس شفتيها بتعجب لتقول :
-مز !

أومــأت برأسها وهي تهتف بحماس واضح في تعابير وجهها وتصرفاتها :
-ايوه ، الشاب اللي بطول وعرض اللي كان ماشي معاكي

هزت إيناس كتفيها نافية :
-بس أنا مكونتش ماشية مع حد

غمزت لها هدير وهي تتابع بلؤم :
-عليا برضوه ، ده أنا شيفاكي معاه !

أنكرت إيناس قائلة بإصرار :
-يا بنتي محصلش

عبست هدير بملامح وجهها ، وزمت فمها وهي تحتج قائلة :
-إيناس ، مش تلفي عليا ، أنا شوفتك بعينيا وانتي راجعة معاه هنا !

فكرت إيناس قليلاً فيما تقوله رفيقتها ، وشردت لوهلة مستعيدة ما حدث معها ، ثم تشدقت بـ :
-لأحسن تكوني بتكلمي عن باسل !

انفرجت شفتي هدير بإعجاب واضح وهي تقول :
-ايه ده ، هو اسمه باسل ، واو ، لايق عليه!

هزت إيناس كتفيها في عدم مبالاة ، وتابعت بفتور :
-بس ده صاحب أخويا

حركت هدير رأسها مستنكرة وهي تقول بعبوس زائف :
-صاحب أخوكي ! وماشي معاكي عادي ؟!

ردت عليها إيناس بجدية :
-يا هدير ده اكبر مني بكتير ، يعني الفرق بينا مش أقل من عشر سنين !

عضت هدير على شفتها السفلى بإعجاب ، وأردفت بنبرة متحمسة :
-واو ، كمان ، يعني فاهم وخبرة !

نهرتها إيناس قائلة بحدة :
-انتي يا بت هبلة ، ده زي أخويا !

اعترضت هدير على ما تقوله بـ :
-اخوكي مين ، مافيش كلام من ده معاه !

تعجبت إيناس مما تصرح به رفيقتها ، وقطبت جبينها بحيرة ، وبرقت عينيها وهي تهتف بإنزعاج :
-هدير ، وضحي كلامك !!!

تنهدت هدير بعمق ، ثم همست بنبرة هائمة وهي تشرد بنظراتها :
-المز شكله جامد طحن ، يستاهل الواحد يمشي معاه !

وفجـــأة تحولت نظراتها للجدية وهي تحذرها :
-اوعي تضيعيه منك

التوى ثغر إيناس بإبتسامة ساخرة وهي ترد بإستخفاف :
-بطلي هبل !

وضعت هدير يدها على فخذ رفيقتها ، وضغطت عليه قليلاً وهي تضيف بجدية :
-يا نوسة أنا عاوزة مصلحتك ، واحد زي ده هتلاقي ألف واحدة تحوم حواليه !

نهضت إيناس من جوارها ، وأولتها ظهرها .. ثم شردت لوهلة فيما قالته ، وتخيلت نفسها برفقة باسل يسيران سوياً بمفردهما ..
ولكنها سريعاً ما نفضت تلك التخيلات عن ذهنها ، وازدردت ريقها ، ثم تنحنحت بخفوت ، واحتجت بجدية زائفة وهي ترد :
-هدير إحنا في إعدادي ، وكام شهر وهنبقى في ثانوي ، ماينفش الكلام ده ، كمان هو مش بيفكر أصلاً فيا بالطريقة دي !

أرجعت هدير جسدها للخلف ، ووضعت ساقها فوق الأخــرى ، ثم هزتها بحركة ثابتة وهي تسألها ببرود :
-ليه يعني ؟

ابتلعت إيناس ريقها بتوتر ، وهتفت بجدية مبالغة :
-لأنه ماينفعش !

أخـــذت هدير نفساً عميقاً ، وزفرته على مهل ، ورفعت كفها للأعلى .. ثم تابعت بهدوء وهي تنظر إلى طلاء أظافرها :
-خليكي ناصحة ، واجبريه يشوفك قصاده !

حكت إيناس جبينها ، وســألتها بإهتمام :
-قصدك ايه ؟

اعتدلت هدير في جلستها ، وردت عليها بنبرة عملية :
-ده فرصة ، شاب وبيشتغل واكيد عنده شقته ، والنوع ده من الشباب بيحب يخطب الصغرين ، و سنة ولا اتنين ويخطبك وتتجوزوا !

اندهشت إيناس من تفكير رفيقتها الذي يتجاوز مرحلتهما العمرية الحالية .. ورمشت بعينيها عدة مرات محاولة إستيعاب ما تقوله …

ثم حذرتها قائلة وهي تشير بسبابتها :
-بس لو انتي فضلتي زي ما انتي كده شبه البويز مش هايفكر فيكي من أساسه !
-ممممم

أضافت هدير بخبث وقد نهضت عن الفراش :
-أنا عاوزة مصلحتك ، وقولت اللي يملاه عليا ضميري

بدى الإرتباك واضحاً على تعابير وجه إيناس، وفركت فروة رأسها بحيرة وهي تغمغم بقلق :
-مش مرتاحة يا هدير

لفت هدير ذراعها حول كتف رفيقتها ، وهمست لها بمكر :
-فكري فيها براحتك ، وهتعرفي إني غرضي مصلحتك ، أوكي ؟

ثم سحبت ذراعها ، وتحركت بخطوات رشيقة نحو الباب ..
سألتها إيناس بتلهف وهي تتابعها بنظراتها :
-انتي رايحة فين ؟

ردت عليها بنعومة :
-هارجع البيت

استغربت إيناس من إنصرافها المفاجيء ، وهتفت :
-بس انتي جيتي فيه ايه وآآ..

قاطعتها هدير بنبرة رقيقة :
-هانبقى نرغي براحتنا بعدين ، المهم انتي فكري في اللي قولته ، اوكي !

ضغطت إيناس على شفتيها لترد قائلة :
-ماشي ، ربنا يسهل

لوحت لها رفيقتها بكفها وهي تقول :
-باي يا نوسة
-باي باي

جلست إيناس على طرف الفراش لتفكر ملياً فيما قالته رفيقتها ، ما أثار إندهاشها حقاً هو مفهومها الغير عقلاني في تناول أمور لا تتناسب مع عمرهن الزمني ..
ومع هذا تغير منظورها للمسـألة برمتها ، وبدأت تفكر فيها من ناحية أخـــرى ….
……………………………..

في مركز التدريب ،،،،
توقف مسعد أمــــام عدة مبانٍ منخفضة متلاصقة – مطلية باللون الأبيض الذي يميل للرمادي – لا تتجاوز الثلاث طوابق .. ثم التفت برأسه نصف إلتفاتة نحو سابين ، واستطرد حديثه قائلاً بهدوء :
-المفروض إنتي هاتقعدي هنا

حدقت هي في المباني بنظراتِ دقيقة وتأملت هيئتها بفضول عجيب ..
فقد كانت مختلفة عما خطر في تصورها ، فكانت أقرب للمساكن العادية التي يرتادها المصطافون قديماً كما رأت في صور والدها الفوتغرافية القديمة ، لا يوجد بها أي شيء مميز ..
تحرك مسعد للأمـــام ، ومر في الرواق حتى وقف أمام باب خشبي أزرق ، وأسند الحقيبة إلى جوارها .. ثم أخرج المفتاح الصغير من جيبه ، ووضعه في موضعه وفتحه ، ثم دفعه بيده لينفتح على مصرعيه ، واستدار برأسه للخلف ليقول بنبرة مرتفعة :
-تعالي يا صابرين

اتجهت نحو الباب ، ووقفت على عتبته ، وحدقت في الظلام الدامس الذي يغلف الغرفة ، وشعرت بثقل الهواء في الداخل ، ثم ابتلعت ريقها ، وهمست متساءلة بجدية وهي تشير بإصبعها :
-أنا Stay here ) أبقى هنا ) ؟

رد عليها مسعد بهدوء :
-هو أنا مش فاهم بتقولي ايه ، بس ده مكانك ، وإن شـــاء الله تعجبك الأوضة !

تسمرت هي في مكانها ، فصــاح بها بحماس :
-خشي برجلك اليمين

مالت برأسها نحوه لتسأله :
-ايه ( What )؟

ابتسم لها وهو يقول :
-ادخلي يا صابرين ، دي ليلتك فل إن شاء الله !

هزت رأسها إيجاباً ، ولكنها ردت بتوجس ظاهر في نبرتها :
-اوكي ، بس It’s dull ( مظلمة )

بدت عبارتها غامضة بالنسبة له ، ولكنه لم يهتم ، وأشــار لها بيده قائلاً بإصرار :
-ادخلي بس وهانورلك النور

هزت رأسها معترضة ، وأشارت نحوه لتقول بإلحاح بلكنتها الرقيقة :
-إنت أول !

ابتسم لها ببلاهة وهو يضيف بمزاح :
-متخافيش مافيش عفاريت جوا، هما بيطلعوا بالليل بس

دب في جسدها إرتعاشة خفيفة فقد فهمت مقصده ، وصاحت بخوف :
-ايه ؟

تجمدت تعابير وجهه وهو يضيف بنبرة خافتة :
-بسم الله الرحمن الرحيم ، سلام قول من رب رحيم

ارتعدت سابين قليلاً ، وسـألتها بقلق :
-إنت قول ايه ؟

رد عليها بنبرة خافتة للغاية أخافتها نوعاً ما :
-باستعيذ بالله من الشيطان !

انكمشت على نفسها ، وبدت مذعورة بدرجة ملحوظة ، ورمشت بعينيها لتردد بتوسل :
-موســأد ، بليز ، أنا أخاف !

انتصب مسعد بجسده ، وصــاح بصلابة عجيبة :
-تخافي وأنا موجود ، هو إنتي معاكي ابن أختك ، عيب عليكي يا صابرين !

ثم ولج بعد عبارته للداخل ، وبحث عن مفتاح الإنارة ليضيء المكان ..
تأملت سابين الغرفة بعد أن تمت إضاءتها بنظرات متفحصة ، وجابت ببصرها كل ركن فيها ..
احتوت الغرفة على فراش عريض بالمنتصف ، وخزانة ملابس بسيطة محفورة في الحائط الجانبي ، وكذلك طاولة على الجانب موضوع إلى جوارها مقعدين بلاستيكين ، وكومود ملاصق للفراش

قطع تأملها صوت مسعد وهو يسرد قائلاً :
-بصي دي أحسن حاجة متوفرة حالياً ، كان في أوضة تانية ، بس احم .. آآ.. المجاري طافحة فيها ، والريحة مقولكيش فواحة ، نشــــادر أقل وصف ليها !

هزت رأسها متفهمة وهي تقول بهمس :
-اوكي

ابتسم لها ابتسامة مطمئنة ، ثم أضاف محذراً :
-مش عاوزك تقلقي من أي كائنات تشوفيها هنا !

شهقت مصدومة مما قاله ، وســألته بتوتر:
-ايه ( What ) ؟

أوضح لها ما يقصد بهدوء مريب :
-ما انتي مش لوحدك ، واحنا مش في العمران أوي ، احنا في وسط صحرا ، والطبيعي إنك تلاقي مخلوقات تانية بتشاركك كل حاجة !

اتسعت حدقتيها في صدمة ، وبدت غير قادرة على تفسير ما قاله .. فأضاف موضحاً :
-مش عاوزك تقلقي ، هما مش بيطيروا ، دول أغلبهم زواحف !

ســألته بنبرة حائرة بعد عبارته الغامضة :
-مش فهماك !

أولها ظهره ، وأضــاف بجدية وهو يشير بيده :
-انتي بس سدي عقب الباب بفوطة ولا ملابة قديمة عشان التريشا ( نوع من أنواع الثعابين )

فغرت فمها مدهوشة نوعاً ما ، وتمتمت بإستغراب :
-هــــاه

أردف مسعد قائلاً بضجر :
-إنتي مال الغباء نزل عليكي مرة واحدة كده ليه !!!

ردت عليه بحنق :
-أنا مش افهم كلمة دي

فســـر لها ما يقصد قائلاً بصوت شبه متلعثم :
-التريشا دي يعني تعبان ، اللي هو اسمه كان آآ.. سـآآ.. سنـ.. سناكس ( Snacks ) ( مقرمشات )

توهمت سابين أنه يتحدث عن نوع من الطعام الخفيف ، فســألته بتعجب :
-ده يتاكل ؟

فرك طرف ذقنه بكفه ، وأجابها بهدوء :
-هو احنا هنا ممكن ناكله عادي ، بس معرفش انتي نظامك ايه معاه !

قضمت سابين شفتها قليلاً ، وسألته بحرج خاصة حينما تعذر عليها فهم ما يردده من كلمات بدت غامضة لها :
-ممكن U ( انت ) إوصف تيشة دي !

صحح لها قائلاً :
-تريشا ، مش تيشة !
-اوكي

تابع مسعد قائلاً وهو يفسر بيده :
-هو صغير وبيمشي على بطنه ، وبيعمل صوت سسسس

جحظت بعينيها مصدومة ، وتساءلت بهلع :
-إنت اقصد Snake ( ثعبان ) ؟

هز رأسه موافقاً بقوة :
-ايوه ، هو ده !

شهقت بذعر جلي ، وكتمت فمها بكفيها :
-أوووه

تعجب مسعد من ردة فعلها المبالغ فيها ، وسـألها بإستغراب :
-في ايه ؟

قفزت في مكانها بخوف وهي ترد بنبرة مرتعدة :
-هنا في snakes ( ثعابين ) ؟!

أجابها بثقة وثغره يعلوه إبتسامة عريضة :
-بالهبل ، متعديش !

حركت سابين رأسها بصورة هيسترية بعد أن دار بمخيلتها أوهاماً مزيفة عن وجود تلك الأفاعي الغريبة في غرفتها ، وصاحت بنبرة خائفة :
-أنا مش اقعد هنا

مرر مسعد يده في فروة رأســـه ، وتأملها بنظرات متعجبة ، ثم تمتم مع نفسه بريبة :
-أومــال لو عرفتي الباقي هتعملي ايه ……………………… ؟!!
…………………………………


زر الذهاب إلى الأعلى