رواية دواعي امنية مشددة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم منال سالم
رواية دواعي امنية مشددة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم منال سالم
الفصل الرابع والعشرون ( الجزء الأول ) :
في منزل مسعد غــــراب ،،،،
ازدردت سابين ريقها بخوف كبير بعد أن رأت تلك الأوجه القاتلة المرعبة بالأسفل ..
ولا إرادياً تراجعت مبتعدة للخلف وهي قابضة على ذراع إيناس لتسحبها بعيداً عن أنظارهم قبل أن تلقتطهما أعينهم الشيطانية ..
لم تبدِ اﻷخيرة أي مقاومة ، فقد كانت مثلها في حالة مذعورة ، و سألتها بنبرة مرتعدة ولكنها خافتة وهي تتحرك معها :
-هما .. هما مين دول ؟
أجابتها سابين بفزع جلي في جميع حركاتها وتصرفاتها :
-إنهم قــ.. قتلة! ! They know no mercy ( لا يرحمون ) !!
قفز قلب إيناس رعباً من هول ما قالته ، فقد تخيلت جسدها يمُزق إرباً على أيديهم بلا ندم ..
اختفت الاثنين من الشرفة ، وأوصدتا بابها الزجاجي سريعاً ..
وقفت سابين خلف الستائر ، وأزاحت طرفها بحذر لتراقب الطريق خلسة وهي تكافح ألا يراها أحد منهم …، ولكن لم يتوقف عقلها عن التفكير للحظة ..
دار في خلدها هواجس مفزعة ..
ها قد جاءت نهايتها ..
حانت منها إلتفاتة سريعة برأسها للخلف نحو إيناس ، وأدمعت عيناها وهي تتأمل حالتها المرتعدة ..
أطرقت راسها أسفاً ، فهي ستزج بتلك البريئة معها في شيء لم ترتكبه ، وستتحمل معها تبعات ما يدور ..
ركضت إيناس نحو باب المنزل لتتأكد من غلقه …
ما طرأ ببالها هو مهاتفة أخيها فوراً للعودة من أجلهما ..
.. فهو الأجدر على مساعدتهما في تلك الظروف ..
بحثت عن هاتفها في غرفتها بعد أن ولجت إليها ، ولكنها لم تجده في البداية بسبب توترها الشديد ، وحالة الإرتباك والتخبط المسيطرة عليها .. فزاد خوفها .. وتوترت أكثر عن ذي قبل .. وعجز عقلها عن التفكير بصورة واضحة ..
تسمرت في مكانها مصدومة مذعورة مشلولة التفكير ..
أفاقت من عجزها المؤقت على صوت هاتفها المكتوم ، فتلفتت حولها بريبة باحثة عنه ..
ركزت حواسها بالكامل لتعرف مصدر صوته ، وتتمكن من تحديد مكانه .. وبالفعل عرفته ..
أسرعت نحو فراشها ، وأزاحت الوسادة ، وبحثت أسفلها .. فوجدته ..
تنفست الصعداء حينما رأته ، ومدت يدها لتلقطه ..
لم يكف هو عن الرنين بعد ، وقرأت اسم باسل مضيئاً على شاشته ..
فبلا تردد أو أدنى ذرة تأخير ضغطت على زر اﻹيجاب ..
أتاها صوته من الطرف الأخر قائلا بتوسل :
-إيناس استني متقفليش ! أنا بس بأطمن عليكي وبأعتذر .. آآ….
لم يكمل جملته للنهاية حيث قاطعته قائلة بصوت لاهث وخائف :
-باسل ! الحقنا !
انقبض قلبه فزعاً من عبارتها تلك ، وسألها بتلهف :
-في ايه يا إيناس ؟ حصل ايه ؟
أجابته بصوت متقطع مرتعد :
-في .. في ناس هايقتلونا تحت البيت ! ســ.. سابين عرفتهم ، هما .. معاهم .. آآ… قصدي جايين آآ….
قاطعها باسل متساءلاً بتلهف :
-مافيش حد معاكو ؟
ردت نافية وهي تهمس بهلع :
-ﻷ.. كلهم .. آآ.. سافروا .. و.. آآ .. ومسعد بيوصلهم !
استشف باسل من كلماتها المذعورة ما تقصده .. فهي متواجدة بمفردها مع سابين فقط ، وبالطبع اﻷخيرة مستهدفة من قِبل قاتلين محترفين ، والمنزل خالي من العائلة …
هتف فجأة بصرامة :
-إيناس ، اسمعيني كويس وركزي معايا .. سيبوا البيت واطلعوا فوق عند حد من الجيران تكوني واثقة فيه ، ومتعملوش حس .. وأنا هاتصرف وهاجيلكم حالاً !
همست بنبرة مرتعدة وجسدها بأكمله يرتجف من فرط الخوف :
-أنا خايفة يا باسل ، هانموت !
حاول باسل الحفاظ على هدوئه رغم حالة الغليان المسيطرة عليه بسبب خوفه عليها مما يمكن أن يحدث لها إن وقعت في أيدي هؤلاء القتلة .. فهو يريد طمأنتها لا بث الذعر أكثر في نفسها ..
ففي تلك المواقف ، التصرف بحكمة وروية هو الأسلم من أجل النجاة بأبدانهم …
أردف قائلا بحذر وهو يشير بيده لشخص ما ليتوقف عن إكمال عمله بسيارته الخاصة :
-اهدي .. مافيش حاجة هاتحصل إن شاء الله .. اطلعي بس دلوقتي فوق عند أي حد من جيرانكم .. سيبوا البيت بسرعة !!!
طرأ بعقل إيناس تلك الفكرة التقليدية وهي اﻹستعانة برجال الشرطة لنجدتهما فورا ، فصاحت بنزق :
-اطلب البوليس ؟
رد عليها بنبرة منطقية :
-هياخدوا وقت عشان يجيلكم ، أنا هاتصرف ! وابقي اطلبيه بعدين لما تبقي في أمان ، بس اعملي اللي قولتلك عليه اﻷول !
لم يكن هناك وقت للمجادلة ، فردت قائلة بخنوع :
-حاضر !
أضاف باسل قائلا بلهجة آمرة :
-خدي موبايلك معاكي ، واعمليه على الوضع صامت ! سامعة !
أجابته بتوتر وهي تهز رأسها :
-مــ.. ماشي !
هتف باسل قائلا بجدية حاسمة :
-ركزي يا إيناس .. سمعاني ، وابعتيلي رسايل لو مش عارفة تكلمي ، أنا متابع معاكي لحد ما أوصل عندك !
ردت عليه بإيجاز :
-طيب !!
أنهت هي المكالمة معه لتنفذ ما قاله حرفيا ..
بينما أسرع هو بإيقاف عمل الميكانيكي الذي كان قد شرع في إصلاح نافذة سيارته الخلفية ، وتحرك بها في اتجاه منزل مسعد ..
……………………………
أسفل البناية ،،،،
راقب الرجال المكان بحرص واضح .. وتبادلوا اشارات ذات مغزى ليتحركوا بعدها في اتجاه البناية المتواجد بها هدفهم الحالي ..
وما ساعدهم أكثر على الشروع في تنفيذ مخططهم هو هدوء المنطقة من حولهم ، وخلوها من المارة .. أو بمعنى أدق ، عدم اكتراث من يسير على الرصيف بما يحدث ..
………………………………..
في منزل مسعد غراب ،،،،
ركضت إيناس في اتجاه سابين المرابطة أمام النافذة ، وجذبتها عنوة من ذراعها وهي تهتف بخوف :
-يالا بينا
سألتها سابين بإندهاش مذعور وهي تنظر إليها :
-فين ؟
ردت عليها وهي تتحرك بها نحو باب المنزل :
-هانسيب البيت دلوقتي !
اتسعت حدقتي سابين في غرابة أكبر ، وهمست معترضة قليلاً :
-بس هـ.آآ…
قاطعتها إيناس بجدية :
-مافيش وقت ، هاحكيلك بعدين !
أدركت سابين صحة تصرف إيناس ، لا داعي للنقاش والتوضيح وإضاعة الوقت فيما لا يجدي .. عليهما الآن التحرك فوراً والابتعاد عن هنا .. لذلك ردت عليها :
-اوكي ..
اتجهت كلتاهما خـــارج المنزل ، وأشارت إيناس بيدها للأعلى ، لتصعد الاثنتين على الدرج لتتجها إلى الطابق العلوي ..
كانت إيناس قد فكرت في جارتهما التي تسكن بعد طابقين منهما للبقاء عندها ، واخترعت حجة ما من أجل عدم إثارة ريبتها ..
التفتت هي برأسها ناحية سابين ، وهمست لها بصوت خفيض للغاية :
-بليز سابين ، مش تكلمي خالص مع جارتي ، أنا هاتعامل
أومـــأت سابين برأسها مواقفة ، وردت بخفوت :
-اوكي ! I am all yours ( أنا تحت طوع بنانك ) !
…………………………………..
في مشفى ما ،،،،
صرخ مسعد بفزع حينما هاتفه باسل وأبلغه بالمستجدات التي طرأت في غيابه …
وضع يده على رأسه ليضغط عليها بقوة ، وحاول التماسك أمام أعين الممرضين المحدقين به بعد أن لفت أنظارهم بصياحه ..
ثم كز على أسنانه بشراسة ليقول من بينهم :
-هاتصرف ازاي وانا مش موجود !
رد عليه باسل بجدية :
-أنا هاحاول أوصلهم ، أنا مش بعيد عن بيتك !
اعترض مسعد قائلاً بحدة :
-انت بتسهبل ، انت لوحدك ودول محترفين ، يعني هايخلصوا عليكم كلكم !
هو يتحدث بالمنطق ، فكيف يمكن لفرد واحد أن يتقاتل مع مجموعة مدربة على القنص دون أن يكون مستعداً ..
لذا هتف بتهور وهو يسير بخطوات أقرب للركض في الرواق :
– انا جايلك في السكة
رد عليه باسل بإمتعاض :
-يا مسعد إنت في بلد وأنا في بلد ، يعني الجنان اللي بتقوله مش هايجيب نتيجة ، لازم نفكر بعقل ونشوف هانتصرف ازاي !
هتف مسعد بحنق وقد اكتست نظراته بحمرة بائنة :
-دي حياة اختي وسابين ، مش بس آآ…
قاطعه باسل قائلاً بهدوء :
-عارف والله ، وفي دماغي حاجة كده !
ســأله مسعد بتلهف :
-ايه هي ؟
رد عليه الأخير دون تردد :
-هانستعين بزمايلنا في التشكيل القديم !
تفاجيء مسعد مما قاله رفيقه ، وهتف غير مستوعباً اقتراحه العجيب :
-ايه ؟
كان لباسل سبب منطقي يدفعه للجوء إليهم ، وبرر هذا :
-ايوه ، هما مدربين على التعامل مع حالات الخطف والرهاين ، والتعامل مع النوعية دي من المرتزقة ، وأنا هاكلم كام حد يجي معايا !
ســأله مسعد مستفهماً ، فقد ظهر عليه عدم اقتناعه بتلك الفكرة الجنونية :
-وده هاتلحق تعمله ازاي وآآآ…
قاطعه باسل مجيباً إياه بثقة :
-انت هاتكلم كام حد من جهتك وأنا زيك في نفس الوقت ، وايناس هاتكلم البوليس وآآ…
لم يجد مسعد بداً من الإعتراض ، فهو الحل الأسلم حالياً وفقاً لوضعه ، لذا رد عليه بلهفة :
-ماشي ، أنا هاعمل اللي بتقول عليه ، وإنت حاول تلحقهم لحد ما أرجعلك !
حذره باسل قائلاً :
-خلي بالك بس وانت سايق !
رد عليه مسعد بتذمر :
-يا سيدي أنا مش مهم !
ثم نفخ بصوت مسموع يحمل الكثير من النيران المشتعلة في صدره ، وتابع برجاء خفي :
-احمي لحمي يا باسل ، دي اختي وآآ.. وسابين !
تفهم باسل شعوره جيداً رغم أنه لم يكن بحاجة إلى سماع مثل هذا الطلب ، فإيناس غالية على قلبه ، وتحتل مكانتها فيه ، وهو لن يتركها أبداً تتأذى من أي شخص ..
رد عليه بهدوء مشحون :
-حاضر !
أنهى بعدها مسعد معه المكالمة ليركض مسرعاً في اتجاه جراج المشفى دون أن يبدي أي مقدمات أو يوضح لأفراد عائلته المتواجدين بالمكان أسباب رحيله الإضطراري ليستقل سيارته ، وينطلق بها بأقصى سرعته في اتجاه طريق العودة …
……………………………
في منزل الجارة أم سيد بالطابق العلوي ،،،
قرعت إيناس جرس الباب ، وانتظرت بترقب خائف فتح الجارة الودودة الحاجة ( أم سيد ) له ..
كانت اللحظات تمر كأنها أدهر ..
اختلست سابين النظرات من أعلى الدرج محاولة رؤية أي ظلال لمن يصعد عليه … فلم ترَ شيئاً ..
كان الوضع هادئاً ، فتنفست الصعداء نوعاً ما .. ثم استدارت برأسها في اتجاه إيناس حينما سمعت صوتها يقول :
-أخبار حضرتك ايه ؟
ردت عليها الجارة أم سيد بنبرة دافئة :
-بخير يا إيناس ، إنتي عاملة ايه ؟ وازي الست الوالدة وسعادت اللوا وآآ…
قاطعتها إيناس قائلة بإبتسامة مصطنعة :
-كلنا بخير الحمدلله ، ينفع أدخل أتكلم معاكي في حاجة كده لو مكانش يضايقك
ردت عليها الجارة أم سيد بنبرة ودية طيبة وهي تفتح باب منزلها على مصرعيه :
-اه يا بنتي ، اتفضلي ده بيتك ، إنتي مش محتاجة تستأذني!
ابتسمت لها إيناس بإمتنان وهي تردد :
-شكراً لحضرتك !
ثم التفتت برأسها نصف التفاتة نحو سابين ، وهمست من بين شفتيها وهي تشير بكفها :
-تعالي !
…………………………………
في نفس التوقيت تابع أحد القتلة ما يحدث من تحرك هدفهم المنشود عبر منظاره حديث التقنية الذي يخترق الجدران بأشعته تحت الحمراء ، فتمتم بكلمات جادة عبر جهاز يشبه الهاتف اللاسلكي :
-لقد انتقل الهدف للطابق العلوي ، سنعدل سريعاً في خطتنا !
رد عليه أحدهم موافقاً :
-حسناً !
وبدأوا في التجمع مرة أخــرى في نقطة ارتكازهم للإتفاق فيما بينهم على إعادة تقسيم الأدوار وتوزيع المهمات للتعامل مع التجديد الذي طرأ فجــأة ..
…………………………..
في منزل الجارة أم سيد ،،،،
ولجت ” أم سيد ” إلى مطبخ منزلها لتحضر المشروبات الباردة كنوع من الترحيب بالضيفتين ، فاستغلت إيناس الفرصة لترسل برسالة نصية إلى باسل دونت فيها :
(( احنا في الدور اللي فوقنا عند طنط أم سيد ))
أتاها رده بعد لحظات معدودة :
(( تمام ، أنا خلاص أقل من دقيقة وهاكون عندكم )
وما إن قرأت ما أرسله حتى تنفست الصعداء قليلاً .. ورفعت رأسها لتنظر في اتجاه سابين التي كانت شاحبة للغاية تفكر في أسوأ ما يمكن أن يحدث لها ..
مالت عليها إيناس وهمست لها :
-اهدي يا سابين ، باسل هايتصرف
أجابتها سابين بصوت مرتبك :
-أنا .. I am not feeling good ( لا أشعر أني بخير ) ، في كارثة هتحصل !
ضغطت إيناس على شفتيها بقوة قليلة ، فهي مدركة لحجم الخطر الذي وقعت فيه كلتاهما .. ولكن عليها التحلي بالشجاعة والصبر لمواجهة الأمر ..
لذا همست بقوة مصطنعة :
-ربنا معانا ، متخافيش !
ثم انتبهت الاثنتين إلى صوت أم سيد وهي تقول بنبرة عالية مرحبة :
-اتفضلوا يا بنات !
سلطت كلتاهما أنظارهما عليها وعلى صينية المشروبات والحلوى منزلية الصنع وهي تضعها برفق على الطاولة ..
شكرتها إيناس على حسن ضيافتها قائلة :
-كتر خيرك يا طنط ، مالوش لازمة التعب ده
عاتبتها أم سيد بجدية :
-تعب ، عيب عليكي يا بنتي تقولي الكلام ده ، هو أنا عملت ولا جبت حاجة !
رمشت إيناس بعينيها وهي ترد بخفوت :
-شكراً
استدارت أم سيد برأسها نحو سابين لتنظر إليها بنظرات دقيقة متفحصة ، وهتفت بصوت شبه مرتفع :
-يا مرحب بالضيفة !
ردت عليها إيناس موضحة :
-دي صاحبتي سابين ، آآ.. عايشة برا ، وجاية تدرس هنا !
أضافت أم سيد قائلة بترحاب أشد والابتسامة الطيبة لم تفارق محياها :
-أهلا وسهلا بيكي يا بنتي ، نورتي البلد !
ردت عليها سابين بإيجاز :
-ثانكس !
قطبت أم سيد جبينها لعدم تمكنها من فهم تلك الكلمة ، فإرتبك سابين قليلاً ، وردت برقة معدلة في لغتها :
-آآ.. شـ.. شكراً
التفتت أم سيد ناحية إيناس ، وسألتها بهدوء :
-ها يا نوسة ، كنتي عاوزة ايه يا حبيبتي ؟
كانت إيناس قد رتبت مسبقاً لحجة مقنعة تستخدمها عندما تسأل هذا السؤال الأكيد ، وأخذت نفساً عميقاً ، ثم زفرته على مهل لتحافظ على ثباتها ، وردت بهدوء زائف محاولة ألا تثير ريبتها :
-كنت عاوزة اعرف طريقة الرز المعمر ، أصلي حكيت لسابين صاحبتي عليه كتير ، وهي نفسها تدوقه ..
ردت عليها أم سيد بحماسة مفرطة :
-أما أنا عليا شوية رز معمر ، إنما ايه حكاية ، اللي يدوقه ياكل صوابعه وراه !
رسمت إيناس على ثغرها ابتسامة مجاملة – ولكنها عريضة للغاية – وهي تتابع قائلة :
-ماهو عشان كده أنا جيت لحضرتك تقوليلي طريقته بتتعمل إزاي !
ردت عليها أم سيد بثقة :
-إنتي جيتي المكان الصح !
…………………………………….
كان باسل قد هاتف عدداً من رفاقه المقربين من ذوي المهارات البارعة والكفاءة العالية ليقفوا إلى جواره في تلك المهمة الطارئة ..
أبلغهم بإيجاز أن هناك من يهدد عائلة مسعد ويستهدف أخته الصغرى كنوع من التصفية الإجرامية والإغتيال المتعمد لإلحاق الأذى النفسي به .. فلم يترددوا في مساعدته ..
ما لم يضعه باسل في الحسبان هو أنه ومسعد كانا مراقبان من قبل رجال ذلك المسئول رفيع المستوى – من تلك الجهة السيادية – الذي قابلاه مسبقاً ، وبالتالي كانت كل خطوة أو تطور يحدث عند منزل أحدهما يكنْ الأخير على علم كامل به ..
فلم يغفل عن تلك المجموعة الإجرامية من هؤلاء القتلة ، وأعد العدة لمواجهتهم فوراً ، و ……
الفصل الرابع والعشرون ( الجزء الثاني ) :
بدأت تجمعات منظمة من رجــال ملثمين يرتدون ثياباً داكنة في التحرك بإشارات صامتة بإتجاه البناية المتواجدة بها سابين ..
كانت تلك التجمعات تختلف كلياً عن هؤلاء القتلة المحترفين .. حيثكانت أكثر قوة ، وأكثر تدريباً واستعداداً للقتال والمواجهة ..
وبصوت هامس ولكنه صــارم أردف قائد تلك المجموعة قائلاً :
-خريطة العمارة معاكو ، والمداخل متحددة ، الكل هيتحرك عند إشارتي ويهجم ، مفهوم !
أومــىء أفراد مجموعته القتالية المدربة برؤوسهم إذعاناً لأمره المباشر ، ثم أكملوا تحركاتهم الحذرة نحو أماكنهم المحددة مسبقاً ..
………………………….
لم يعرف مسعد كيف كان يقود سيارته على الطريق السريع ليتجاوز تلك السيارات التي تسير أمامه ..
كل ما كان يدور في خلده هو انقاذ أخته وحبيبته ..
الاثنتين لهما مكانة غالية ومميزة في قلبه ، وهو لن يتحمل خسارة إحداهما ..
كذلك لم يترك الهاتف للحظة من على أذنه ، وعلى قدر المستطاع هاتف من يثق بهم من رفاقه في التشكيل لمعاونته في نجدتهما ..
واستجاب معظم من تحدث معهم ..
كان مسعد يسابق الزمن .. ولكن الوقت لا ينتظر أحداً …
…………………………….
تمكن باسل من الوصــــول إلى البناية ..
أوقف سيارته فوق الرصيف بحركة عنيفة ، ثم جذب مفاتيحه من مكانها ، وترجل منها ، وانطلق مسرعاً نحو المدخل دون أن يعبأ بالتأكد من غلقه إياها ..
وقبل أن يصل إلى الدرج كان هناك من يشهر سلاحاً آلياً في وجهه ليمنعه من اكمــال طريقه .. فنظر له مصدوماً وقد عجز لوهلة عن التصرف معه ….
…………………………………….
في منزل الجارة أم سيد ،،،
لم تصغِ إيناس ولا سابين إلى كلمة واحدة مما قالتها الجارة عن طريقة صنع ( الأرز المعمر ) الشهير ، فكلتاهما كانتا مشغولتان بما يحدث بالخـــارج ..
مر الوقت عليهما بطيئاً للغاية ، ولكنه كان منذراً بفاجعة ما ..
انتفض ثلاثتهن مذعورات حينما سمعن دوياً قوياً ناجماً عن تحطيم باب ما ..
استدرن برؤوسهن للخلف ، فوجدن أوجه باردة صلبة لقتلة محدقة بهن ن ويحملوا في أيدهم أسلحة نارية بها كاتمات للصوت ..
هبت إيناس من مكانها واقفة ، وتراجعت مسرعة للخلف وهي تكتم بكفي يدها شهقة مرتعدة ، وسقط هاتفها المحمول من يدها ، فتناثر إلى أجزاء ..
بينما تصدرت سابين بجسدها المقدمة في محاولة يائسة منها للدفاع عمن معها ..
فقدت الجارة أم سيد وعيها من هول الموقف ، وسقط جسدها المتعب على الأرضية ، فهي لم تتحمل هذا الكم الهائل من الأسلحة والتهديد المخيف ..
انحنت إيناس عليها محاولة مساعدتها ، ووزعت أنظارها المذعورة بين سابين وهؤلاء القتلة ..
رأت سابين المشهد ، فزاد خوفها ، وتسارعت دقات قلبها ، وصرخت فيهن باللغة الانجليزية :
-من أنتم ، وماذا تريدون !
التوى ثغر أحدهم بنصف ابتسامة برزت من خلفها أسنانه ، واقترب منها ببطء ، ثم أجابها بنبرة باردة – بنفس اللغة – لكنها مخيفة تدب الرعب في القلوب :
-نريد حياتك أنتِ
شهقت إيناس عقب عبارته الأخيرة بعد أن فهمت مقصده ، ونظرت بهلع إلى سابين التي ارتجف جسدها بأكمله ، وارتعشت أطرافها ، ورغم ذلك حاولت الحفاظ على ما تبقى من رصيد شجاعتها ، فهتفت بنبرة خائفة :
-حسناً ، حياتي لك !
ثم زادت من قوة نبرتها قليلاً وهي تتابع :
-ولكن لا تؤذهم ، هما ليس لهما أي دخل بـ آآ…
قاطعها الرجل قائلاً بشراسة :
-اصمتي ، سنقتل الجميع بما فيهم أنتِ !
إشرأب الرجل بعنقه للأعلى قليلاً ليغمز لها بعينه وهو يتابع بعبث :
-ولكن ربما نتسلى قليلاً !
ثم أشـــــار بعينيه نحو إيناس ، وأضاف بخبث :
-ونمرح مع تلك الصغيرة !
صرخت فيه سابين بغضب بعد أن أدركت مقصده الدنيء :
-أيها المجرم الحقير !
زادت ابتسامته الشرسة إتساعاً وتابع قائلاً :
-وربما تمتعينا أنتِ الأخرى !
صرخت فيه بغضب وهي تشيح بيدها مهددة :
-أنت حقاً قذر ، وسأنال منكم ، وممن أرسلكم !!!!
رد عليها بجمود مميت غير مكترثٍ بما تفوهت به تواً :
-هذا ما دُفع لنا لأجله !
وقع قلب إيناس في قدميها ، وشخصت أبصارها بهلع أكبر خاصة أن نظراتهم نحوها كانت ذات مغزى ..
ازدردت ريقها ، ولهثت بخوف كبير ..
تراجعت سابين للخلف لحمايتها ، والذود عنها من بطش هؤلاء الرجال الذين لم يريدوا فقط قتلها ، وإنما الإعتداء على رفيقتها الصغيرة وأخت من أحبت ..
قررت هي ألا تتخلى عنها مهما حدث ، وأن تدافع عنها حتى الرمق الأخير ..
ففي نهاية المطاف هي من زجت بها في تلك الكارثة ..
لذلك قبضت على ذراعيها لتجبرها على النهوض عن الأرضية ، ودفعتها لتبقى دوماً خلفها وكأنها درع يحميها .. وتحركت بها متراجعة عنهم ..
وفجــــأة قُذفت عبوات صغيرة داخل صالة المنزل لتغرقه بسحب كثيفة من الدخان الأبيض سببت الذعر والإرتباك لجميع من فيه ..
سعلت كلاً من سابين وإيناس بصوت مرتفع ، وحاولت الاثنتان كتم أنفاسهما وعدم استنشاق هذا الدخـــان الخانق ..
وأعقبه دوي طلقات نارية مصحوبة بصيحات وتحطيم ..
اندفعت كلتاهما للداخل لتبحثا عن مكان تختبئان فيه ، ولكن هناك أيادي قوية قبضت عليهما وحالت دون هروبهما ..
صرخت إيناس بهلع حينما شعرت بتلك القبضة المحكمة على كتفها :
-سيبوني ، لأ ، مش عاوزة أموت !
وظلت تتلوى بجسدها محاولة تخليص نفسها ممن وقعت تحت قبضته ..
صاحت سابين هي الأخرى بفزع بلغتها الانجليزية وهي تقاوم ذلك الكف الذي أمسك برسغها ، ومسلطة أنظارها على إيناس :
-لا تلمسوها !
كتف أحد الضباط إيناس جيداً بساعديه ، وشل حركتها تقريبا ً، وصاح بصوت قاتم :
-اهدوا ، احنا مش هنأذيكم ، احنا هنا لحمايتكم !
اهتاجت إيناس أكثر بعد تكبيلها ، وبكت بخوف وهي تصرخ مستغيثة :
-لألألألأ !
ثم نظرت في اتجاه سابين ، وصرخت فيها بتوسل :
-سابين ماتنسبنيش !
صاحت الأخيرة بقوة وهي تمد يدها في محاولة يائسة منها للوصول إليها ولكن باللغة العربية :
-ابعدوا عنها !
تابع الضابط قائلاً بهدوء جدي محاولاً إمتصاص ثورة الغضب المسيطرة عليها :
– اهدي ، مش هانعمل حاجة ، إحنا تشكيل قتالي معروف !
صرخت إيناس بجنون وهي تتلوى بجسدها بكل طاقتها المشحونة من الإدرينالين المتدفق بغزارة إلى جميع خلاياها :
-هانموت ، هانموت على ايدهم !
ضغط الضابط بقبضتيه على إيناس ليمنعها من الحركة وهو يقول بحذر :
-يا آنسة اهدي ، مش هانموتكم ، احنا هنا عشانكم
لم تصدق هي ما قاله ، واكملت صراخها :
-لألألأ !
ألقي بقنبلة دخـــان أخــرى لتصيب الجميع بالسعال الشديد ، وأعقبها تبادل للطلقات النارية ..
انحنى الضباط بكلاً من سابين وإيناس للأسفل ، وشكلوا من أجسادهم درعاً ليحولوا دون وصــول أي طلقات إليهما ..
وتعالت الصيحات المشيرة إلى الهجوم المدافع ..
سحب ضابط أخـــر جسد الجارة أم سيد الملقى على الأرضية ليبعده عن المواجهة المحتدة ، واستغل الأريكة في تكوين حاجز مؤقت لحمايتها ، واستعان أيضاً بالطاولة ليشدد من قوة الحاجز فلا تخترقه الطلقات ..
………………………….
قفز قلب باسل في قدميه بعد سماعه لدوي الطلقات المخيفة ، وشحب لون وجهه بشدة ، وتلاحقت أنفاسه بخوف كبير ..
وتمتم بلا وعي من بين شفتيه :
-إيناس !!!!
اندفع كالمجنون بجسده نحو مدخل البناية ، ولكن تم منعه من قِبل أفراد التأمين بالخـــارج ، فظل يصرخ بإهتياج جامح :
-سيبوني أعدي ، إينــــــــاس ، خطيبتي جوا ، انتو مش فاهمين حاجة ، حاسبوا !
رد عليه فرد التأمين وهو يتصدى له بجسده العملاق :
-ممنوع يا باشا
تحولت مقلتيه إلى جمرتين متقدتين ، وصاح فيه بحدة وهو يلوح بذراعه في الهواء :
-ازاي أتمنع ، أنا في قوات الصاعقة وآآ…
قاطعه فرد التأمين قائلاً بهدوء حذر :
-أنا عارف انت مين ، بس الأوامر مانعة حد يدخل !
وضع باسل يديه على رأسه ليضغط عليها بقوة متعصبة بعد أن يأس من اقناعهم بتركه يدخل ، وسلط أنظاره للأعلى ليحدق في شرفة منزل رفيقه مسعد وقلبه يصرخ ملتاعاً لعجزه عن حماية من دق فؤاده لها …
……………………………..
زادت حدة الاشتباكات بالخـــارج وتحول منزل الجارة أم سيد بالطابق الذي تسكن فيه إلى ساحة قتالية مصغرة ..
وبدأت العناصر القتالية المدربة في فرض سيطرتها على المكان ومحاصرة القتلة المحترفين ..
انزعج قاطني البناية مما يحدث بداخلها ، وظنوا أن الحرب قد اندلعت بها فقط ، وهرب أغلبهم نجاة بنفسه مما قد يحدث له …
………………………….
لم يستطع باسل التحمل أكثر من هذا ، ففقد أعصابه ، وقرر التصرف فوراً حتى لو كلفه الأمر حياته ..
استغل انشغال أحد أفراد التأمين بالحديث إلى زميله حتى ركض كالمجنون في اتجاهه ليتمكن من اختراقه ، والدخول إلى البناية .. ولكن تم منعه من الصعود إلى الأعلى عن طريق أحد أفراد ذلك التشكيل القتالي المدرب الذي جاء للتعامل مع القتلة ..
حاول دفعه والمرور عنوة ، لكنه فوجيء بأخرين يحكمون قبضتهم عليه ويجروه إلى الخـــارج ، فصاح معترضاً ، ولكن رد عليه الضابط العسكري قائلاً :
-الأوامر بتقول محدش هايدخل إلا تشكيلنا وبس !
احتج باسل قائلاً بإنفعال وهو يقاومهم :
-مش هامشي من هنا ! أنا أعرفهم أكتر منكم ، إنتو آآ…
قاطعه الضابط بصرامة :
-احنا عارفين أكتر بكتير من اللي انت تعرفه ، خدوه برا ، واتحفظوا عليه
صرخ باسل بغضب جم عقب عبارته الأخيرة :
-لألألأ !
لكن لم يكن بيده أي حيلة ، وعجز عن التصرف معهم ، فهم أكثرية ، وهو بمفرده أمامهم ..
كذلك الأوامر مشددة للغاية ، والتشكيل المتواجد هنا معروف بحنكته ومهارته وبراعته اللامتناهية .. وهو قد عرفهم من شعارهم المميز ..
……………………………..
انهارت أعصاب مسعد وهو يحاول قطع أكبر المسافات في أقل وقت ممكن للحاق بأخته وحبيبته ..
كان يتابع مع رفيقه باسل أخر المستجدات عبر هاتفه ، وتحطمت صلابته المعهودة حينما أبلغه الأخير بإعطاء اشارة الهجوم ..
تحولت عيناه إلى بركتين من العبرات الحارة ، إنسابت كالأمطار الغزيرة لتغرق صدغيه …
خشي أن يكون قد فقد إحداهما ، ناهيك عن التفكير في خسارة الاثنتين كأسوأ الافتراضات …
ظل يدعو الله أن يخيب ظنه ، وينجيهما من أي مكروه ..
لم يستطع كذلك إبلاغ أبويه بما يحدث .. فهو لن يتحمل صدمة والدته ، ولا انهيار أبيه .. وفضل أن يظل الأمر واقفاً عنده حتى يصل إلى هناك …
…………………………………
مرت الدقائق التالية كأنها ساعات ، ولكنها كانت فاصلة في انهاء محاولة الاغتيال قبل أن تتم فعلياً مع القبض على ثلاثة من عناصر التنفيذ ، وإرداء البقية قتلى ..
لم تُصب أياً من سابين أو إيناس بأذى حقيقي ، فقط اختناق نتيجة الدخــان الكثيف ، وسجحات سطحية نتيجة المقاومة .. ولكن في المجمل كانت الاثنتان بخير ..
لم تصدق كلتاهما أنهما نجتتا حقاً من محاولة الاغتيال ..
إرهــاق كبير كان بادياً عليهما ، وتم اصطحابهما إلى خــارج المنزل بمعاونة الضباط الذي شكلوا حولهما جداراً بشرياً ..
كما تم اسعاف الجـــارة أم سيد ، ووضعها على الناقلة الطبية لإرسالها للمشفى القريب للتأكد من سلامتها ..
زادت الحركة أمام مدخل البناية ، وعلامات غريبة ما بين الفرحة والتعب كانت مرسومة على أوجه أفراد التشكيل ..
ترقب باسل خروج إيناس بفارغ الصبر ..
حبس أنفاسه داخل صدره ، لكن لم يتوقف قلبه للحظة عن الصراخ باسمها ..
حدق في أوجه الجميع بنظرات فارغة ..
ربما لو عاد به الزمن للخلف ما كان ليؤذيها أبداً بأي صورة ..
استشعر فؤاده أنها بخير رغم عدم ظهورها أمامه .. ولكنه كان ينبؤه بهذا ..
نعم صدق حدسه كمحب .. وانفرجت شفتيه تلقائياً عن بعضهما البعض لتهمس بإسمها ..
وما إن لمح طيفها وهي تخرج مستندة على كتف سابين بذراعها حتى اندفع كالقذيفة نحوها ، و ………….
………………………………….

