رواية دواعي امنية مشددة الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم منال سالم
رواية دواعي امنية مشددة الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم منال سالم
الفصل الخامس والثلاثون :
في منزل سابين ،،،،
حدق مسعد أمامه بنظرات خاوية يفكر ملياً في تلك الكارثة التي حلت فوق رأسه ، فهو متزوج دون أن يعلم منذ أكثر من عامين ، بالإضافة إلى وجود صغيرة تحمل اسمه ولا تربطه بها أي صلة ..
عضت سابين على شفتها مجدداً بإرتباك ، وظلت تراقبه صامتة .. فمن حقه أن يستوعب المسألة بروية حتى تصل معه إلى حل أمثل مرضياً لجميع الأطراف ..
ركضت الصغيرة جينا نحوه وهي تحمل ورقة بيضاء عريضة .. ووقفت قبالته ، وهتفت بمرح :
-دادي أنظر !
نظر لها باستغراب ، وردد متعجباً من مزجها للغة العربية الفحصى مع مصطلحات انجليزية بطريقة غريبة :
-أنظر ! دي اللي هي أبص يعني !
تابعت الصغيرة حديثها بحماس :
-أنا رسمت مامي ، دادي ، جينا !
ظلت تلوح بالورقة أمامه بكلتا يديها لتجبره على أخذها منه لينظر إلى ما رسمته ..
لم ترسم جينا الكثير ، بل الأحرى أن نقول أنها كانت تحاول رسم دوائر وأشياء غير مفهومة أو ما يقال عنه ( شخابيط طفولية )
حدق مسعد في الرسم الطفولي بنظرات متعمقة محاولاً تفسير ما رسمته الصغيرة ..
وقبل أن يستكشف مقصدها ، هتفت هي قائلة بسعادة وهي تشير إلى دائرة ما ينبعث منها عدة خطوط متعرجة :
-مامي
رد عليها بسخرية :
-اه باين عليها بشعرها النكيش ! بس لو قلبتيها كده هتبقى شبه عمتك إيناس !
أكملت الصغيرة جينا قائلة وهي تشير بإصبعها نحو دائرة أخرى أقل حجماً ويتدلى منها خطين رفيعين :
-جينا
مط فمه قائلاً بمزاح :
-ممم .. تمشي بالزعازيع دي !
دقق هو النظر في ذلك الشكل المقارب للمثلث والذي يتوسط الدائرتين .. وسألها مستفهماً :
-وده مين اللي شبه القرطاس ده ؟ حاسه مش غريب عليا !!
هتفت بسعادة جلية وهي تصفق بيديها وقد ظهرت نواجذها بوضوح :
-دادي !
هز رأسه بإيماءات متتالية ، وردد قائلاً بسخرية :
-اه تصدقي ،شبهي خالص ، ماهو أنا فعلاً القرطاس اللي اتقرطس في الليلة دي كلها ، ولبس العِمة ، لأ واتكبست جامد في دماغه ! عندك خيال واسع يا بنتي ، ليكي مستقبل باهر معايا !!!
توجست سابين خيفة أن يتفوه بشيء مزعج أمام الصغيرة التي تحرص عليها ، فهتفت بقلق :
-جينا ، sweetie ( حلوتي ) ، بليز go inside( اذهبي للداخل ) ، دادي تعبان !
اعترضت الصغيرة جينا بضيق :
-نو .. أنا آوز ( عاوزة ) دادي !
ثم أجلست نفسها على حجر مسعد الذي نظر لها عاجزاً عن فعل أي شيء .. وسلط من بعدها أنظاره المنزعجة إلى سابين التي رمقته بنظرات متوسلة كي يمرر الأمر بسلام ..
أخذت الصغيرة تضع يدها على أنف مسعد ، وتضغط عليه بإصبعيها ، وتنظر له بتفحص ، فأبعد يدها قائلاً بضجر قليل :
-بس يا حلوة !
اقتربت منه سابين ، ومدت ذراعيها لتلقف الصغيرة قبل أن يتفاقم الوضع ويتعصب مسعد على الصغيرة التي لا ذنب لها ..
ثم حملتها ، وأخذت تهدهدها برفق وهي تتساءل بجدية :
-بتفكر تعمل ايه موســـأد ؟
هب واقفاً من مكانه ، ونظر إليها مطولاً قبل أن يجيبها بجمود :
-أنا ماشي ، دماغي مش جيباني لحاجة
لم يرد هو اتخاذ أي قرارات مصيرية دون التفكير بصورة عقلانية .. لذلك تحرك مبتعداً عنها ، فحاولت اللحاق به وهي تهتف برجاء :
-بليز موســأد صدقني ، أنا مش كنت عاوز أذيك ، أنا آآ…
لم تكمل عبارتها للنهاية ، فقد ترددت في البوح بما تشعر به نحوه ..
هي لم تعترف له مسبقاً بحبها له ، فظنت أنها ربما تكون الفرصة للتعبير عما تكنه له .. لعل قلبه يرق نحوها ويغفر لها ما أقدمت عليه ..
لذا هتفت بنزق وهي محدقة في ظهره :
-أنا بأحبك موســــأد !
كانت قبضته موضوعة على مقبض باب المنزل حينما باغتته بإعترافها الذي جعل أصابعه تتجمد عليه ..
التفت نحوها ببطء ، ونظر إليها بثبات دون أن تطرف عيناه ..
لم يكن يرى سواها أمامه ..
وكأن العالم من حولهما تلاشى إلا منهما ..
همست مجدداً برقة وهي تنظر إليه :
-ييس .. أنا أحبك موســـأد
انفرج فمه لا إرادياً غير مصدق ما قالت ..
هي تحبه مثلما أحبها ..
تساءل مع نفسه مصدوماً أحقاً قد اعترفت له ذلك ؟
ولم تكن مجرد تخيلات اختلقها عقله ؟
دنت منه سابين ، ونظرت مباشرة في عينيه لتتابع بصوت خفيض وناعم للغاية :
-يمكن زمان مش إقدر قولك ده ، بس أنا لسه أحبك !
أنزلت الصغيرة التي لم تكن تعي حرفاً مما يقال ، فتركتهما بمفردهما وركضت نحو غرفتها ..
لم ينبس مسعد ببنت شفة .. وظل محدقاً بها بذهول ..
ابتلعت هي ريقها بإرتباك خفي ، وأردفت قائلة حينما طال صمته :
-أنا مش عاوز أجبر إنت على حاجة موسأد ، أنا قول على حسه ناحيتك !
ثم أشارت بإصبعها نحو قلبه ، وتابعت بصوت شجي :
-إنت جوا هنا ، زي ما أنا كنت جوا هنا !
أخفض بصره نحو إصبعها ، ومن ثم رفع عيناه نحوها ، ومد يده ليمسك بكفها ، ورد عليها قائلاً بعتاب :
-كان فين الكلام ده من أربع سنين !
لمعت عيناها بوضوح وهي تجيبه :
-صعب وقتها موســأد قول ده ! بس ممكن نصلح كل حاجة
هز رأسه قائلاً بتهكم :
-اه ، ده على أساس إن اللي اتكسر جوايا مج مش كوباية !
نظرت له بعدم فهم ، وسألته بحيرة :
-ايه ؟ انت اقصد ايه ؟
تنهد بعمق وهو يجيبها بغموض :
-مش عارف أشرحلك حاجة ، لأن أنا نفسي مش عارف هاتصرف ازاي !
ثم سحب يده من كفها ، وأكمل بنبرة جادة :
-ده حتى لا وقت ينفع فيه عتاب ، ولا الوقوف على الأطلال ، في مصيبة ولازم أشوف حل ليها ، وخصوصاً مع الفاموليا !
همست له محاولة استجدائه وترقيق قلبه نحوها ليغفر لها اضطرارها إخفاء كل تلك الحقائق عنه :
-موســـأد ! بليز!
أذابت نبرتها فؤاده ، ورفعت نسبة الأدرينالين الذي أوقد مشاعره المشتاقة إليها ، وجعلته يتوق شوقاً أكثر إلى جذبها فوراً إلى أحضانه ونسيان ما مضى كلياً ، والبدء من جديد ، لكنه نفض عن فكره كل تلك الأفكار المتهورة والهوجاء ، وهتف قائلاً بجمود مريب :
-سلام دلوقتي يا صابرين !
ثم استدار ليفتح الباب ، فتوسلته بإستعطاف بعد أن ظنت عدم قدرتها على استمالته نحوها :
-استنى موســأد !
لم يمهلها الفرصة ، وخرج مسرعاً ، وصفق الباب من خلفه ، فاستندت هي بكفيها عليه ، وأطرقت رأسها حزناً ، وأدمعت عيناها خزياً وهي تردد بأسف :
-أوه .. يا ريت مش كون خسرتك .. حبيبي !
…………………………..
في منزل مسعد غراب ،،،،
ذرعت إيناس غرفتها ذهاباً وإياباً تفكر فيما قرأته في الورقة التي تخص سابين..
ظنت السوء بأخيها ، واعتقدت أنه كان يتلاعب بها وبالعائلة طوال الأعوام الماضية موهماً إياهم ببحثه المزعوم عن سابين ، وأنه عازف عن الزواج لأجلها ، وهو في واقع الأمر كان مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً ..
أكثر ما أزعجها أنه كذب عليها هي تحديداً ، ولم يكن أميناً حينما كانت تسأله عن أحواله ، فإن كان أخبرها مسبقاً عن زواجه منها ، لم تكن لتغضب منه ….
ما ألهاها عن التفكير في أخيها قليلاً هو موقف المواجهة المحتد مع باسل ..
اصطبغ وجهها بحمرة مغتاظة من مطاردته الدائمة لها ، وتعمده اذلالها بصورة أو بأخرى .. لكن ما أصابها بالريبة هو تصرفه السخيف بإحضار باقة ورد بدون وجود سبب مقنع حتى وإن كان يتعلل بإعتذاره لها ..
عادت إبتسامتها للظهور وبقوة حينما تذكرت ما فعلته بها ، وحدثت نفسها بتباهي :
-يستاهل اللي عملته !
قطع تفكيرها فيه هو صوت رنين هاتفها ، فنظرت إلى شاشته ، فوجدت المتصل هو أخيها مسعد ، فمطت فمها بإستهجان ، ثم أجابت على اتصاله بامتعاض :
-ايوه يا مسعد !
رد عليها بجدية :
-ايناس ، البسي وانزليلي ، أنا واقف تحت البيت مستنيكي ، محتاج أتكلم معاكي في اللي عرفتيه !
صاحت متسائلة بحنق :
-عندك مبرر ليه ؟ ولا هاتكدب تاني علينا وآآآ…
قاطعها قائلاً بجمود صارم :
-إيناس ، البسي يالا بسرعة ، سلام !
ثم أنهى معها المكالمة ، فنظرت إلى شاشة الهاتف بغيظ ، وردت عليه بعبوس :
-ماشي يا مسعد ! أما أشوف أخرتها معاك ايه !!!!!
…………………………………..
التقى مسعد بأخته أسفل البناية ، ثم اصطحبها معه إلى مطعم قريب من المنزل ليسرد لها كل ما عرفه من سابين ..
أصغت له بإنتباه تام .. ورغم عدم اقتناعها في بداية الأمر بما يقول ، لكن بدا الأمر لها في النهاية منطقياً حينما علمت بتدخل جهات عليا سيادية ودولية لإتمام الأمر في سرية ..
كذلك تعاطفت مع حال الصغيرة جينا التي فقدت أمها غدراً ، وأشفقت عليها ..
شعر مسعد بالإرتياح لتفهم أخته الموقف ، وأيضاً لتبرئة ساحته من الشكوك ..
نظرت له بدقة وهي تسأله :
-وهاتعمل معاها ايه ؟
أجابها بنبرة حائرة وهو يفرك طرف ذقنه :
-مش عارف !
ردت عليه متساءلة :
-طب إنت لسه عاوز ترتبط بيها ولا خلاص هتنهي الموضوع ؟
رد عليها بإستياء وعلامات الحيرة واضحة عليه :
-هو أنا عارف أفكر أصلاً في حد إلا هي ، بس دلوقتي الوضع مختلف وآآآ….
قاطعته إيناس قائلة بنبرة مهتمة :
-طيب ، ماهي محلولة ، هي تعتبر مراتك بس مع وقف التنفيذ !
نظر لها مسعد بعدم اقتناع وهو يردد :
-بلاش عبط الله يكرمك يا إيناس ، مراتي ايه ! هو احنا هنكدب الكدبة ونصدقها !
هتفت إيناس قائلة بضجر :
-ماهو انت برضوه مش وصلت لحل ؟
نفخ مسعد بضيق ، ودفن وجهه للحظة بين كفيه ، ثم تراجع للخلف ليجلس بإسترخاء على المقعد، وأردف قائلاً :
-بصي أنا محتار ومش عارف أفكر كويس دلوقتي ، سيبني يومين مع نفسي أشوف هاعمل ايه ، واللي فيه الخير يقدمه ربنا !
حركت إيناس رأسها متفهمة وهي تقول :
-ماشي
اعتدل مسعد في جلسته ، ونظر لأخته برجاء وهو يهمس بمكر :
-إيناس ، نوسة ، نانوسة !
بادلته نظرات غامضة فهي تعرف أخيها حينما يستخدم تلك الكلمات المدللة ، وردت عليه بنبرة ذات مغزى :
-نعم !
هتف قائلاً برجاء :
-اللي حصل ده مايتقالش ، أنا مش ناقص قلبة دماغ من غير لازمة ، خلي الطابق مستور لحد ما ربك يأذن ! ونشوف هنعمل ايه !
كتفت ساعديها أمام صدرها ، ونظرت له متفهمة وهي تقول بصوت هاديء :
-أوكي
…………………………….
بعد مرور يومين ،،،،
عـــــــــــاد مسعد إلى وحدته العسكرية ، وكذلك باسل ، وقص كلاهما على الأخر ملخصاً موجزاً لأخر التطورات التي مرا بها ..
تنفس باسل الصعداء لأنه تخلص من إشكالية الخطبة بناتالي دون توتر .. وتعاطف مع رفيقه الذي كان الضيق واضحاً عليه بصورة جلية و مشتت التفكير معظم الوقت ..
بالطبع فالموقف خطير ، وهو في حالة يُحسد عليها .. لأنه لا يستطيع ترك المسألة معلقة دون التصرف ..
كذلك لا يريد الإقدام على شيء ما دون التفكير في توابعه بصورة عقلانية ..
-يعني ناوي برضوه على ايه ؟
تساءل باسل بجدية وهو محدق في رفيقه ..
رد عليه مسعد بتبرم وهو يلوح بيده :
-يادي أم السؤال ده ، أنا بتسأله أكتر من هناكل ايه النهاردة !
هتف باسل بضجر :
-ماهو إنت مش مريحنا ولا عاوز تقول حتى بتفكر في ايه
فرك مسعد فروة رأسه الحليقة قائلاً :
-أنا بأحسبها صح
أضاف باسل قائلاً بجدية :
-هي مش كميا ، ده 1 + 1 يساوي 2 !!!
رد عليه مسعد ساخراً :
-لأ 2 وعيلة نص شِبر !
لم يعبأ باسل بجملته الأخيرة ، وعقب متساءلاً بثبات :
-ما علينا ، المهم إنت عاوز تتجوز سابين ولا لأ ؟
مط مسعد فمه قليلاً ، ثم مسح وجهه بكف يده ، وتنهد قائلاً :
-مكدبش عليك ، أنا ماحبتش إلا هي ، ومش هاعرف أتجوز غيرها !
التوى ثغر باسل بإبتسامة باهتة وهو يرد عليه :
-طيب ما هي محلولة ، اتجوزها رسمي
تساءل مسعد مستنكراً وهو يشير بعينيه :
-واللي عندي في البيت أطنشهم مثلاً ؟!!!
رد عليه باسل متساءلاً بغموض :
-مش أختك إيناس عارفة بالحكاية ؟
أومأ مسعد برأسه إيجاباً وهو يرد بإيجاز :
-اه
وأضاف باسل مبرراً بهدوء :
-وأخواتك البنات ماهيصدقوا يفرحوا بيك !
-اها
ثم صمت ليكمل بعدها بنفس النبرة الهادئة :
-ناقصك بس سيادة اللوا والحاجة وآآ..
قاطعه مسعد قائلاً بتوجس :
-أهو أنا مشكلتي كلها في الحاجة صفية ، العيلة كلها كوم ، وأمي لوحدها كوم تاني !
مد باسل يده ووضعها على كتف رفيقه ، وربت عليه برفق وهو يقول :
-انت ظبط بس الليلة معاها ، وإن شاء الله خير !
قاطع حديثهما صوت أحد العساكر وهو يقول بنبرة رسمية :
-باشا !
التفت مسعد برأسه في اتجاهه ، وسأله بصرامة :
-خير يا عسكري
رد عليه الأخير بصوت جاد :
-في واحد عاوز سيادتك ضروري ، ومنتظرك برا يا فندم !
قطب مسعد جبينه بإستغراب ، وتساءل بحيرة وهو يدير رأسه في اتجاه باسل :
-واحد مين ده ؟
رد عليه رفيقه متساءلاً بتعجب هو الأخر :
-انت مستني حد ؟
هز مسعد رأسه نافياً :
-لأ
لكزه باسل في جانبه برفق وهو يقول :
-طب بينا نشوف في ايه
رد عليه مسعد وهو يهب واقفاً من مقعده :
-تعالى ، وأهوو يا خبر بفلوس ، دلوقتي يبقى ببلاش ……………………………….. !!!