روايات شيقة
رواية دار بلا رحمة كامله وحصريه بقلم شيماء طارق

رواية دار بلا رحمة كامله وحصريه بقلم شيماء طارق
البيت كله كان هص هص ما فيش اي صوت في البيت غير صوت خبط الشبابيك من هوا الشتاء رحمة كانت واقفة في الصالة الواسعة بتاعة بيت العيلة الكبير جسمها كله بيترعش من البرد ولابسة عباية قطيفة قديمة وماسكة المساحه وبتمسح البلاط بمية ساقعة تلج ودموعها كانت بتنزل دافية على خدودها بس للاسف ما طافتش النار اللي جواها
فجأة باب الأوضة الكبير اتفتح وخرجت منه الحاجة وفية.. طيفها مرعب في وسط العتمة وشالها الأسود ملفوف حوالين رقبتها زي القيد وعينيها بتطق شرار.
الحاجة وفية (بصوت حاد وزي الكرباج قالت): في إيه عاد؟ واقفه تنوحى إياك؟ قاعدة ليه يا بومه من اول النهار ولسه ما خلصتيش! امسحي زين يا بت بحري البلاط لازمن يبرق قبل ما حد من أسيادك يصحى.
رحمة (بصوت مخنوق وهي بتبص على ايديها اللي ازرقت من الساقعه وبتقول ):
والله مسحته مرتين يا حاجة.. والمية تلج وإيدي مبقتش حاسة بيهاوالوجع شغال في ضهري من الفجر.
الحاجة وفية (بتقرب منها بتخبط بالعكاز في الارض وهي بتقول):وجع لما يخلع مفاصلك! عتردي عليا يا بت بحري؟ إيدك عتوجعك من شوية مية؟ أمال لو شيلتي قفف الطين كيف نسوان الصعيد هتحسي بإيه؟ إنتي اهنا لجل خدمتي يعني غسيل طبيخ مسيح ده دَين في رقبتك ده لولا ولدي اللي نتشك من فقر أبوكي كنت زمانك دلوقت متمرمطه احمد ربك وبوسي ايدك وش وظهر!
رحمة (بترمي المقشه وبتتكلم بكسرة بس فيها عزه نفسه وهي بتقول ):
أبويا الله يرحمه عمره ما كان فقير.. أبويا كان مستور وعايش بكرامته وحسام لما جه خطبني قال لوالدتي احنا هنشيلها في عيوننا مش هناخدها دارنا وندفنها بالحيا!
الحاجة وفية (بتلطم على صدرهاو بصوت عالي وهي بتقول):
بيت الحج علوان بقى مقبرة يا بت الشحاتين؟ يا مري ياني! تعالى يا حسام تعالى اسمع ست الحسن والجمال عتقول إيه على الدار اللي لمتها!
الباب الجواني اتفتح بسرعة وحسام خرج وهو بيجري وعينيه فيها قلق وخوف بيبص لأمه بخوف ولف لرحمة بعتاب وهو بيقول:
في إيه يمايا ع الصبح اكده؟ جرى إيه يا رحمة؟ صوتكم جايب آخر الشارع ليه؟
الحاجة وفية (بتتمسكن وتقعد على الكنبة وهي بتنهج وبتقول):
اسمع يا قلب أمك.. اسمع مرتك الواكلة شاربة في خيرك وهتقول على دارك مقبرة! وهتقول إننا دافنينها بالحيا.. ده بدل ما تبوس رجلي إني خليكي هتعيش وسطينا وسط الناس النظيفه اللي ما كانتش الطول تبص في خلقتهم ؟
حسام (بيلتفت لرحمة وبصوت واطي مليان لوم وهو بيقولها):
اكده برضه يا رحمة؟ تقولي لأمي اكدة في وشها؟ أنتي خابرة إنها تعبانة وضغطها بيعلى وما ينفعش تقولي لحديت كيف ده!
رحمة (بتضحك بوجع والدموع في عينيها وهي بتقول):
تعبانة؟ طب وأنا يا حسام؟ أنا مش تعبانة؟ بقالي شهر في اللي انا فيه ده من يوم صباحيتي مشوفـتش النوم.. بنزل الفجر أكنس الحوش والسلالم وأطبخ ل إخواتك البنات ورجالتهم وعيالهم وهم ما بيعملوش حاجه غير ان هم ياكلوا اول ما الاكل يخلص وأنا أقف أتفرج لحد ما يخلصوا عشان آكل البواقي! هو ده الأصول؟ هو ده اللي اتفقت مع أبويا عليه؟
الحاجة وفية (بتقاطعها بصوت عالي وجبروت وبتقول ):
أصولنا إحنا يا بت بحري.. مرِت الكبير هي الشغالة الكبيرة للبيت كله! ورجلك فوق رقبتك هتسوي اكده واكثر كمان والذهب اللي في إيدك ده هاتهولي عاد.. مفيش نسوان تلبس غوايش وبيت حماها عليه ديون للجرارات!
رحمة (بتخبي إيديها ورا ضهرها وبتصرخ وهي بتقول):
ده دهبي! ده ورثي من أبويا وشبكتي.. مش هدهولك يا حاجة لو على رقبتي!
الحاجة وفية (بتبص لحسام وتتكلم بلهجة أمر وعينين مفيهاش رحمة وهي بتقول):
سمعت؟ مرتك هتكسر حديتي في قلب داري يا حسام ! يا تاخد الذهب منها وتديهوني دلوقت يا إما ورب العرش ده انت ولدي ولا رايد اعرفك والدار دي ما تدخلهاش تاني واصل وهطلعك بره انت ومرتك وقت اشوفه مين اللي هيوكلكم ويعلفكم!
حسام بيبلم وهو بيبص لامه والرحمه امه اللي بتدعي المرض وبعد كده بيقرب من رحمة وبيمسك إيدها بضعف وقلة حيلة هو بيقول:
رحمة عشان خاطري هاتي الذهب دلوقت وأنا هعوضك والله هاتي عشان أمي متغضبش عليا والدار تتخرب هات يا رحمه!
رحمة (تبص لحسام بصدمة والارض بتهتز تحت رجليها وهي بتشد إيدها منه بقوة وبترد عليه وبتقول):
تـعوضني؟ بعتني ليها يا حسام؟ بعت كرامتي وورث أبويا عشان ترضيها؟
الحاجة وفية (بتقوم وتقف في وسطهم بتضرب بعكزها في الارض وهي بتقول ):
مخلّصنا عاد! هاتي الدهب.. ويلا على قدامي على المطبخ قدامك العيله كلها عايزه تفطر ساعه وتكوني مخلصه كل حاجه ولو اتاخرتي طلاقك هيبقى على يدي !
رحمة وقفت مكانها لثواني وحاسة إن الدنيا بتلف بيها. بصت لحسام اللي كان باصص للأرض ومستنيها تِقلع الذهب عشان يخلص من زن أمه اتحركت ايديها ببطء وقلعت الغوايش والدبلة ورمتهم في حجر الحاجة وفية.. الذهب رن رنة كانت بتوجع في قلب رحمه وهي بتقول:
أهو.. خدي يا حاجة شبعي بيه.. بس افتكري إنك واكلة حق يتيمة ودعوة اليتيم ما فيش بينها وبين ربنا حجاب.
الحاجة وفية (بتلقف الذهب بسرعة وعينيها بتلمع بشماتة وهي مش فارق معاها اي حاجه قالت): بتدعي عليا يا بت ؟ده الدعاء على قد الظلومه؟ ده مالي ومال ولدي.. ويلا غوري على المطبخ الحطب برا رايد يتشال وعجين العيش الشمسي مركون من الفجر اخلصي!
حسام حاول يقرب من رحمة وطبطب عليها وهي رايحة ناحية المطبخ بس أمه شدته من جلابيته بقوة وهي بتقول:
هملها عاد! متدلعهاش لا تركبنا بطل دلالك الماسخ ده تعال وراي رايداك في كلمتين؟!
اما رحمة فدخلت المطبخ اللي كان واسع جدا وما فيهوش غير لمضه صغيرة و نار الفرن البلدي اللي لسه قايدة من بليل قعدت على الرخامه الساقعه وضمت رجليها لصدرها وفضلت تعيط من غير صوت.. عياط مكتوم عشان محدش يسمعها .
وبعد ساعة المطبخ بدأ يتملي بالحريم مراتات اخوات حسام نزلوا وهم
هنادي وصباح دخلوا وهما لابسين عباياتهم النضيفة وريحة برفاناتهم سابقة خطواتهم.
هنادي (بتريقة وهي بتبص لرحمة اللي وشها متبهدل رماد وبتقول):
يا مري! انتي لساتك مخلصتيش الفطور يا رحمة؟ ده الحج علوان زمانه قايم ونازل المندرة ولو لقى الفطور لساته ما خلصتي ليلتنا كلنا هتبقى طين.
صباح (بتقعد على الكرسي وتحط رجل على رجل هي بتقول): همليها يا هنادي تلاقيها لسه نايمة في العسل يا خيتي وصحيح متنسيش تعمليلنا الشاي التقيل اللي بنحبه بس اضبطي يدك في السكر عاد.
رحمة (بتقوم وتقف قدامهم والاله الحاده في ايدها قالت ):
أنا صاحية من أربعة الفجر.. مسحت الصالة الكبيرة وكنست السلالم وشيلت الحطب.. إنتو كنتو وين علشان تتحدت ويايا اكده؟ مش ده فطور رجالتكم وعيالكم برضه؟ ولا إنتو على راسكم ريشة وأنا الشغالة اللي أبويا جابها لكم؟
هنادي (بتقف وهي بتف عليها وبتكلمها بضيق وبتقول ):
جرى إيه يا بت بحري؟ هتعلّي صوتك علينا في بيت أسيادك؟ إحنا بنات عائلات
داخلين بذهبنا وعفشنا وحاجتنا مش كيف ناس جايين من قعر الفقر وداخلة بعباية قطيفة دايبة! الزمي حدك لانك لو ما لزمتهوش هنكلم الحاجه ونخليها تطردك طردت الكلاب.
في الوقت ده دخل حسام المطبخ عشان يشرب مية قبل ما ينزل الشغل مع أبوه وإخوته شاف الخناقة ونظرات حريم إخواته لرحمة كلها قرف.
رحمة (تبص لحسام وتصرخ وهي بتقول):
شفت يا حسام؟ شفت الهوان؟ عاجبك اكدة؟مراتات اخواتك قاعدين هوانم وأنا اللي بخدمهم وكمان بيعايروني بفقري؟اتحدت قول كلمة حق لمرة واحدة في دنيتك حرام عليك اتقي الله!
الثاني من هنا
