Uncategorized

رواية حين تخذلني عيناك الفصل السابع 7 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية حين تخذلني عيناك الفصل السابع 7 بقلم هاجر عبدالحليم

الفصل السابع
وضعت ليان كوب الشاي أمامه برفق، وجلست مقابلة له، تتأمله بعينين يملؤهما الحنين، بينما كان الصمت
يتسلل بينهما كزائر مألوف.
ناولها قصي نظرة شكر، ثم مد يده نحو الكوب.
– تسلم إيدك، قالها بنبرة دافئة.
ابتسمت بخجل، ووضعت خصلات شعرها خلف أذنها، ثم تمتمت بصو ت خافت:
– تصدق؟ حظي طلع حلو أوي.
رفع حاجبيه في دهشة طفيفة، وأجاب بابتسامة جانبية:
– علشان اتجوزنا يعني؟
ضحكت بخفة، ثم هزت رأسها:
– أيوه… لأني من أول مرة شفتك فيها، عيني وقعت عليك… وقلبي ما ارتاحش لغيرك
نظر إليها طويلًا، كأنما يبحث عن إجابة في ملامحها، ثم سأل:
– فرحتك أكبر؟ ولا صدمتك لما عرفتي؟
ترددت قليلاً، ثم ردت وهي تشبك أصابعها ببعضها :
– يفرق معاك تعرف دا حصل إزاي؟
– طبعًا يفرق… هاتي رقم الراجل اللي كلمتيه وقالك على الخبر.
أشارت إلى الهاتف الموضوع بجانبها:
– تليفوني أهو، هتلاقي آخر رقم اتصل عليا كان هو
مد يده نحو الهاتف، بينما نظرات الحيرة بدأت تلون وجهه، وكأن شيئًا أكبر من كل التفسيرات ينتظر في الأفق.
قصي:.الو
محمود: أيوة، حضرتك قصي؟ أهلا بيك.
قصي)بنبرة مشوشة، مستغرب( – عرفتني منين؟
محمود:)بهدوء، مع بعض الفضول( – أيوة، أنا المأذون اللي كتب كتابك على مدام ليان من خمس سنين.
قصي:مندهش، محاولا استيعاب ما يسمع( – إزاي جينا عند حضرتك في اليوم ده؟
محمود:)يتنهد قليلاً، وكأنه يسترجع ذكريات قديمة( – بصراحة، اليوم ده كان غريب جد اً. اللي حصل إنه…
…….
فلاش باك
كان محمود جالسًا في مكتبه، يراجع بعض الأوراق، حينما فُتح الباب فجأة، ودخل قصي ممسكًا بيد ليان . كانت
الأجواء مشحونة بشيء غريب، إذ شعر محمود بشيء غير طبيعي وهو يراهما معًا، لكنه تمالك نفسه.
قصي، بنبرة حاسمة:
“أنا عايز أكتب كتابي ع اللي واقفة قدامك دي.”
محمود، متفاجئًا:
“بس يا فندم، الوقت متأخر جدًا ومش هقدر أكتب كتاب في الوقت ده، وبعدين، أنا محتاج شهود.”
ليان، بصوت منخفض، ولكن بإصرار:
“مش عايزين شهود، انا وهو كفاية. انت بس اعمل اللازم مش مطالب منك اكتر من كدا .”
محمود، وهو يحاول تهدئة الموقف:
“أنا آسف، مش هقدر أعمل ده دلوقتي.”
قصي، وقد ارتفع صوته وهو يغضب امسكه من جلبابه وقال:
“أنا ظابط، ولو مكتبتش الكتاب دلوقتي هقتلك وأدفنك هنا. ومحدش هيدري عنك غير لما ريحتك تطلع!”
محمود، وقد بدأ يشعر بالتهديد:
“يا فندم، عيب كده. أنا ماذون محترم. ياريت تشيل إيدك عني، وإلا هبلغ البوليس.”
ليان، بصوت مكسو ر وحائر:
“أرجوك، لازم تكتب الكتاب. أهلي ممكن يقتلوني لو عرفوا.”
محمود، وقد ازدادت حيرته، محاولًا فهم الوضع:
“انتوا ايه حكايتكم بالظبط؟ “
ليان، وقد شعرت بالضغط النفسي قالت وهي تبكي
“أنا بحبه، وأهلي مش عايزيننا لبعض. ف للأسف حصل بينا…”
قصي، محاولًا كتمان غضبه، جذبها إليه وأغلق فمها بيده، متأثرًا بنبرة عالية:
“بلاش فضايح قدام المأذون. أنا صلحت غلطتي، خلاص.”
محمود، وقد شعر بثقل الموقف، رد وهو يبتسم بحذر:
“ربنا يستر ع ولايانا. فهمت خلاص، أمري الله. هاتوا البطاقة.”
وبعد لحظات من الصمت، كتبا عقد زواجهما في جو من الارتباك، وسرعان ما غادرا المكان دون أن يتبادلا
كلمات أخرى.
….
باك
)بعد أن أغلق قصي الهاتف مع المأذون، نظر إلى ليان بتركيز، كأن هناك شيء في ذهنه يعكر صفو الأمور.(
قصي )ينظر إليها، ثم يتكلم بجدية(:
– أكيد الراجل ده كداب.
ليان )بتوتر، تكاد تشعر بالحيرة(:
– دا بيقولك انه معانا عقد الجوازكمان ازاي دا؟ هو بيخرف ولا احنا اللي كنا مش واعيين؟
قصي )بصوت جاد، وهو يحاول فهم الموقف(:
– يبقى لازم نقلب الدنيا عليه لحد م نلاقيه ياليان .
ليان )وقد شعرت بالقلق، تنظر إليه بعيون مليئة بالشك(:
– لو دورت عندي، مش هتلاقي حاجة، صدقني
قصي )بثقة عالية، وهو يحاول أن يكون هادئًا(:
– لو مش عندك، هادور عليه عندي. هفتش كويس ف كل حتة وأقولك، ربنا يستر.
ليان )وبصوت مكسور، تتمنى أن تكون الأمور أسهل(:
– لا، يا قصي، خدني معاك. رجلي ع رجلك مش عايزة اكون هنا لوحدي واستحمل افكار زيادة فوق دماغي
)وأثناء حديثهما، قررا أن يخرجا من المكان ويتجهوا نحو السيارة. وبينما هما في طريقهما، حدث شيء مفاجئ
لا يتوقعه أحد.(
…..
سارت السيارة في صمت ثقيل، الطريق أمامهما بدا مألوفًا في بدايته، لكنه ما لبث أن انحرف بهم إلى منعطف
لم يعرفه قصي من قبل . يده كانت على عجلة القيادة، لكنها لم تكن تتحكم بها كما اعتاد . شي ء ما كان يجره إلى
وجهة لا يعرفها، كأن قوة خفية هي من تمسك بالمقود.
قصي كان يحدق في الطريق، جبينه يقطب، أنفاسه تتسارع.
ليان )بقلق(:
– انت هتودينا فين؟ دا مش طريق البيت!
قصي )نظرة متوترة وهو يحاول يثبت إيده على الدركسيون(:
– علمي علمك.
ليان )ترفع صوتها بخوف(:
– مش إنت اللي بتسوق دلوقتي؟ يعني في حد غيرك ماسك الدركسيون؟!
قصي )بهمس مش مصدق نفسه(:
– حد غيري… فعلا !
ضربت الريح نافذة السيارة، واهتز جسدها الصغير في مقعدها بجانبه، ارتعش قلبها.
ليان )بفزع(:
– طب بالله عليك وقف العربية! وقفها ياقصي!
قصي )يحاول يضغط فرامل ويتحكم في الاتجاه(:
– بحاول… بس مش قادر… مش قاد ر أتحكم فيها!
بدا الطريق ينحدر أمامهما تدريجيًا، ثم ظهر فجأة من الضباب برج ضخم كأنه فندق قديم، بلا أضواء، بلا اسم،.
السيارة توقفت فجأة أمامه. لحظة صمت خيمت. قصي وليان تبادلا النظرات، كانت عيونها تمتلئ بالتساؤل،
وعيونه بالذعز
ليان )بصوت متقطع( :
– إيه دا؟ إيه المكان دا يا قصي؟
قصي )يتنفس ببطء، يحاول يستوعب(:
–اكيد رسالة تانية منهم
فجأة، وبدون سابق إنذار، اهتزت السيارة بشدة وبدأت تتحرك بسرعة من تلقاء نفسها نحو الطريق الجبلي خلف
المبنى. صراخ ليان شق سكون الليل.
ليان )تصرخ(:
– قصييي!! العربية بتتحرك لوحدها!
قصي )يحاول يستعيد السيطرة وهو يضغط على المكابح دون فائدة(:
– امسكي في أي حاجة! ا
الطريق الجبلي كان منحدرًا حادًا، والصخور متناثرة على الجانبين، والموت يلوح من أسفله. قصي نظر من
النافذة، أدرك أن النهاية باتت وشيكة إن لم يتصرف.
قصي )يصرخ(:
– نطي! ياليان نطي بسرعة!
ليان )تبكي(:
– مش هسيبك! مش هعملها!
قصي )بعينيه دموع وخوف وهو يفتح الباب بصعوبة(:
– بقولك نطي يا ليان!! ماينفعش إحنا الاتنين نضيع !
وبدون تفكير، دفعها بقوة خارج السيارة… ارتطم جسدها بالأرض، تدحرجت بعيدًا. وقبل أن تستوعب ما حدث،
كانت السيارة تهوي من أعلى الجبل، تتلاشى وسط الظلام.
صرخت من أعماقها، بصوت كاد يُمزق قلبها:
– قصييييييي!!
ووقعت مغشي ا عليها
……..
استفاقت ليان وهي مُلقاة على الأرض، رأسها يلف من أثر الصدمة، والغبار يملأ الهواء من حولها. رفعت
نظرها بتثاقل، وقلبها ينبض بعنف داخل صدرها… لوهلة، لمحَت شابًا يقف على بُعد خطوات. كان وجهه
مشوهًا، تغطيه آثار الحروق، والدم يسيل حول جسده كأنه خرج لتوه من حادث مروع . حاولت أن تر كز
ملامحه… لكنه اختفى فجأة وكأنه لم يكن.
شهقت من الذعر، ثم شعرت بيد دافئة تُمسك بكفها برقة. التفتت سريعًا، والدهشة تسبق الكلمات على لسانها.
كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها “نيارا” وجهًا لوجه.
كانت نيارا تجلس على كرسي متحرك، جسدها ضعيف، لكن عينيها تلمعان بشو ق وألم غائر
نيارا )بابتسامة حزينة(:
– إزيك يا ليان… وحشتيني أوي.
ليان )مصدومة(:
– نيارا؟… إنتي نيارا؟
نيارا )برأس مائل، ونظرة حنونة(:
– أيوه، أنا هي… نيارا اللي سمعتي عنها كتير.
ليان )عيناها تمتلئ بالدموع وهي تحدق في الكرسي(:
– إيه اللي عمل فيكي كده؟!
نيارا )بهمس وانكسا ر(:
– حادثة العربية…
ليان )بصوت متسارع وقلق(:
– وفارس؟… مات؟
نيارا )ته ز رأسها نفيًا، وصوتها يختنق( :
– لا… عاش، بس و شه اتحرق، واللي شُفتيه دلوقتي كان هو…
ليان )ترتجف(:
– طب مين اللي كان السبب؟… مين اللي عمل كده فيكم؟!
نيارا )تنظر بعيدًا، بنظرة غامضة فيها خوف وندم(:
– مش هينفع أقولك… لازم تعرفي بنفسك، أنا آسفة…
وفجأة… بدأ جسد نيارا يتلاشى، وكأن الريح حملته معها، ثم اختفت تمامًا، كما ظهرت، دون أثر.
شهقت ليان بقوة وهي تفتح عينيها من جديد كان حلم كالعادة، وكأنها فاقت من حلم مرعب. نظرت حولها
بجنون، قلبها يقفز بين ضلوعها.
فجأة، تذكرت قصي!
صرخت باسمه، وهرعت تجري نحو حافة الجبل … تركض دون أن تشعر بالألم، تبحث عنه وسط الحطام،
والدموع تنهمر على خديها:
ركضت ليان على الصخور، رغم الألم، رغم كل شيء. كانت تصرخ باسمه، وعيناها تفتش المكان كالغريقة
التي تتشبث بأي طوق نجاة.
وفجأة، رأته.
قصي… ملقى قرب حافة الجبل، نصف جسده تحت الركام، ويده اليمنى تمتد لتقبض على صخرة يحاول أن
ينهض بها. وجهه مغطى بالغبار، لكن عينيه… كانتا تبحثان عنها.
اقتربت منه تتعثر، ثم سقطت جواره على الأرض، تلهث بأنفاس متقطعة:
ليان:
– قصي هات ايدك بسرعة
قصي )بصوت مجهد(:
– كنت عارف إنك هتيجي…
مدت ليان يدها تمسك يده المرتجفة، ولحظة التلامس…
توقفت الأرض.
تجمد الهواء.
الزمن انكسر.
صوت غريب بدأ يرن في الأفق، ووميض أبيض اجتاح المكان.
وفجأة… وجدا نفسيهما في عالم آخر.
…….
دفعت ليان باب الفندق، وكأن شيئًا يسحبها من عالمها إلى آخر مجهول. لم تكن تدري لماذا تسير، أو من يقود
خطاها، لكن كل شيء في الداخل بدا مألوفًا رغم أنها تراه لأول مرة.
اقتربت من مكتب الاستقبال، أنفاسها تتسارع، وصوت قلبها يعلو على خطواتها.
ليان )بصوت متوتر(: لو سمحتي… هو المكان دا إيه؟
موظفة الاستقبال )بابتسامة هادئة(: حضرتك في فندق ذا جريت إيست… أفخم فندق ف المنطقة دي. تحت أمرك .
ترددت ليان، لكنها وجدت نفسها تنطق دون وعي:
ليان: أنا جاية لأستاذ فارس… هو فين؟
نظرت لها الموظفة بتمعن، قبل أن تطبع على وجهها ابتسامة مصطنعة.
موظفة الاستقبال: ثانية واحدة…
أخذت تبحث في جهاز الكمبيوتر، ثم رفعت عينيها:
موظفة الاستقبال: أيوة، أستاذ فارس في أوضة رقم تلاتة، الدور التالت. بس حضرتك تبقي مين؟
ليان )بتلقائية(: مراته.
تغيرت ملامح الموظفة للحظة، لكنها أخفت دهشتها بسرعة :
موظفة الاستقبال: من فضلك أشوف البطاقة.
بدأت ليان تبحث في ملابسها بتوتر، غير متأكدة مما ستجده… لكن يدها وقعت على بطاقة غريبة. رفعتها،
قرأت الاسم، فاتسعت عيناها:
“نيارا؟!”
يدها ارتعشت وهي تمد البطاقة.
أخذتها الموظفة، قرأتها بهدوء، ثم أعادتها:
موظفة الاستقبال )بابتسامة باهتة(: تمام يا فندم… تقدري تطلعي. تحبي حد يوصلك للأوضة ؟
ليان )بتوتر(: لا… شكر اً.
قبل أن تستدير ليان للمصعد، لحظت شيئًا في عيني الموظفة… نظرة غريبة، كأنها تعرف أكثر مما تقول.
ليان )بتردد(: هو… أستاذ فارس لوحده فوق؟
ترددت الموظفة، ثم ردت بنبرة حيادية:
موظفة الاستقبال: معرفش يا فندم… إحنا ما بندخلش جوه الأوض.
ابتلعت ليان ريقها، وشعور بالقلق تسلل إلى قلبها وهي تتجه نحو المصعد. كأن هناك شيئًا يُنتظرها في
الأعلى… شيء لن يعود كما كان بعده أي شيء


زر الذهاب إلى الأعلى