روايات شيقة
رواية جنة في العتمة كامله وحصريه بقلم جنه السيد
رواية جنة في العتمة كامله وحصريه بقلم جنه السيد
الفصل الأول:
الساعة كانت قربت من تسعة بالليل، لكن “جنة” كانت لسه ماشية بسرعة وسط شوارع القاهرة الزحمة. صوت السيارات، ضحكات الناس في الكافيهات، والأضواء اللي بترسم الحياة الليلية للمدينة، كل ده كان بيحصل حواليها بس هي عقلها كان في حتة تانية خالص.
“دي فرصتي، ومش هفرّط فيها…”
لكن النهارده… كانت الفرصة اللي مستنياها.
رئيس التحرير بنفسه استدعاها الصبح وقال لها:
“عندك فرصة تكتبي تقرير عن آدم الرشيدي، بس إنتِ وشطارتك. الراجل ده شبح، ولو قدرتِ توصلي له، اسمك هيبقى معروف.”
ومن وقتها، وهي مشغولة بخطتها.
ركبت المترو، وقعدت جنب الشباك تتأمل الناس. القاهرة كانت مليانة وجوه مختلفة، كل واحد عنده حكايته. لكنها، على الرغم من كل ده، كانت حاسة إنها لوحدها.
عيلة جنة… أو بالأحرى، فوضى اسمها العيلة
لما وصلت بيتها في إمبابة، فتحت الباب بشويش عشان ما تزعجش حد، بس واضح إن الهدوء ما كانش موجود أصلًا.
“ما تقلقش يا محمود، أنا عارفة بنتي! أكيد مش هتعمل حاجة غلط.”
“إنتِ دايمًا بتقولي كده، وآديها كل يوم راجعة متأخر! ده اسمه شغل برضه؟!”
أخدت نفس عميق، قفلت الباب ووقفت في الصالة.
“مساء الخير…” قالتها وهي بتقلع شالها.
أمها كانت واقفة في المطبخ، وعينيها مليانة قلق، أما أبوها فكان قاعد على الكنبة، بيشرب الشاي وباين عليه الضيق.
“إنتِ فين طول اليوم؟” سألها والدها محمود بصوت حاد.
“كنت في الشغل يا بابا، عادي يعني.”
“عادي إيه بس؟ بنت ترجع بيتها بالليل بالشكل ده؟! ده عيب! الصحافة دي إيه غير وجع دماغ؟!”
أمها حاولت تهدي الموقف: “يا محمود، كبر دماغك. البنت بتجتهد وعايزة تثبت نفسها.”
“تثبت نفسها في إيه؟! بدل ما تدور على شغل محترم، تفضل تجري ورا ناس مالناش دعوة بيهم؟!”
جنة عضّت شفايفها، لكنها ما ردتش. النقاش ده كان بيتكرر كل يوم تقريبًا، ومهما حاولت تقنعهم، عمرهم ما هيقدروا يفهموا ليه الصحافة كانت كل حياتها.
لكنها مش هتتراجع. مش هتكون بنت تقليدية تتجوز وتعيش حياة مملة. كان عندها طموح، وكان عندها هدف، وده كان أهم عندها من أي حاجة.
الفرصة اللي لازم تقتنصها
بعد العشاء، دخلت أوضتها، فتحت اللاب توب وبدأت تدور أكتر عن آدم الرشيدي.
كل حاجة عنه كانت غامضة، كأن حياته كتاب حد مسح نص صفحاته. مفيش غير شوية صور قديمة، وأخبار عن شركته اللي بقت واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في الوطن العربي.
لكن إزاي واحد في مكانته يكون بعيد عن الإعلام كده؟
ليه مفيش أي حد بيتكلم عنه؟
حست إن الموضوع فيه سر، وسر كبير كمان. وهي… بتحب الأسرار.
اللقاء الأول… والرفض الأول
تاني يوم، وصلت لمبنى “الرشيدي تِك” الساعة 3 العصر. المبنى كان ضخم، ناطحة سحاب بواجهات زجاجية، تحس إنه مش مجرد مكتب، بل قلعة حصينة.
دخلت عند الاستقبال، ابتسمت وقالت بصوت واثق:
“أنا جنة ناصر، عندي معاد مع الأستاذ خالد عبد الرحمن.”
الموظف بص في الشاشة قدامه وقال: “لحظة واحدة، يا فندم.”
بعد دقايق، حد وصلها للمصعد، وبعدها لمكتب خالد في الطابق العشرين. دخلت وهي ثابتة في خطواتها، عشان تلاقي خالد قاعد بيشرب قهوته، وبصّ لها بابتسامة مهذبة.
“أهلًا بيكِ يا أستاذة جنة، سمعت إنكِ مهتمة تعملِي تقرير عن الشركة؟”
قعدت قدامه، طلّعت النوتة بتاعتها وقالت بثقة:
“بصراحة، كل الناس مهتمة بالشركة، بس أنا مهتمة بشخص واحد… آدم الرشيدي نفسه.”
تعابير خالد اتغيرت للحظة، كأنه ما توقعش الجملة دي. مال لقدام وقال بهدوء:
“آدم مش بيعمل مقابلات صحفية.”
“وده اللي مخلي القصة مثيرة، مش كده؟” ردت وهي رافعة حاجبها.
قبل ما خالد يرد، صوت هادي لكنه حاسم قطع الحوار تمامًا:
“ومين قالكِ إني هسمح لكِ بمقابلة أصلاً؟”
جنة اتجمدت في مكانها.
التفتت ببطء… ولأول مرة، شافت آدم الرشيدي بنفسها.
راجل طويل، لابس بدلة سودا متفصلة عليه بإتقان، شعره أسود مرتب، وعينيه سودة حادة بطريقة تخلي أي حد يحس إنه مكشوف قدامه. ما كانش فيه أي انفعال على وشه، بس الهالة اللي حواليه كانت كفيلة إنها تخلي المكان كله ساكت.
ابتلعت ريقها، بس بسرعة استجمعت نفسها وقالت بثبات:
“لإني مش جايه أعمل حوار عادي، أنا جايه أدور على الحقيقة.”
آدم رفع حاجبه شوية، كأنه مهتم للحظة، بس بسرعة رجع لبروده المعتاد. لفّ وراح عند مكتبه جنب الشباك، وقال بصوت هادي لكنه حاد:
“الحقيقة؟ الصحافة ما تعرفش حاجة عن الحقيقة.”
جنة تقدمت خطوة، عقدت دراعها وقالت بجرأة:
“الحقيقة مش ملك حد، لكل واحد وجهة نظره، وأنا هنا عشان أسمع وجهة نظرك.”
لحظة صمت سادت في الغرفة، وبعدين آدم قال بهدوء:
“أنا ما بعملش مقابلات، ولو كنتِ فاكرة إنكِ هتكسري القاعدة دي… يبقى أنصحكِ تدوري على قصة غيري.”
ثم التفت لخالد وقال: “لغِ أي مواعيد تانية، عندي اجتماع مهم.”
جنة عرفت إن اللقاء خلص قبل ما يبدأ، لكنها مش هتستسلم.
آدم الرشيدي ممكن يكون رفض يكلمها النهارده… لكن السر اللي مخبيه، هي تلاقيه.
يتبع…