روايات شيقة
رواية جعلتني مجرما الفصل العشرين 20 بقلم دينا عبدالله

رواية جعلتني مجرما الفصل العشرين 20 بقلم دينا عبدالله
“أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.
“
أسند ظهره إلى الباب، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم قال بنبرة هادئة زادت من رهبتها:
“أكيد… دلوقتي أول سؤال خطر على بالك… هو إزاي أنا بعرف مكانك؟”
ثم دفع جسده عن الباب، واتجه نحوها بخطوات بطيئة وثابتة، وأنزل ذراعيه واضعًا يديه داخل جيبي بنطاله، وقال بنبرة خبيثة:
“لكن السؤال الأهم بقى… أنا هعمل فيكي إيه.”
انكمشت مرام في نفسها، وارتعش جسدها خوفًا، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بصورة واضحة.
حاولت أن تنهض من فوق الفراش لتبتعد عنه، لكنه سبقها، ومد ذراعيه على جانبيها محاصرًا إياها، ثم اقترب بوجهه منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة.
تجمدت في مكانها، ونظرت إليه بعينين امتلأتا بالرعب، بينما راحت شفتاها ترتجفان، وصدرها يعلو ويهبط بعنف من شدة الخوف.
ظل يتأمل نظراتها المرتعبة للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة وهو يقول:
“خليكي شاطرة… وقومي معايا بكل أدب واحترام… عشان نخرج من هنا… ولينا بيت يلمنا.”
جمعت قبضتيها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وامتلأت عيناها بالدموع، ثم استجمعت ما تبقى لها من شجاعة، وقالت بصوت مرتجف:
“مش هرجع معاك… ولو مخرجتش من هنا… هصوت، وألم عليك الخلق كلها.”
ابتعد عنها ببطء، ثم انفجر ضاحكًا بسخرية، وكأن كلماتها لم تعنِ له شيئًا.
توقفت ضحكاته تدريجيًا، ثم زفر بهدوء، ونظر إليها طويلًا قبل أن يقول بثقة:
“لا… هتخرجي… وهترجعي معايا.”
مال برأسه قليلًا، وأكمل بنبرة غامضة أثارت الرعب في قلبها:
“إنتِ عارفة… هتخرجي معايا إزاي… وبكامل إرادتك.”
نظرت إليه بخوف، وقد بدأت تتوجس مما يدور في رأسه من أفكار شيطانية.
أخرج هاتفه من جيبه، وفتحه أمامها، ثم قال بابتسامة شيطانية:
“بصي… وركزي كده.”
ألقت مرام نظرة سريعة على الهاتف، فرأت معتز يقف في الخارج، منهمكًا في إنهاء إجراءات خروجها.
لكنها دققت النظر…فاتسعت عيناها بصدمة، وانحبس نفسها، بعدما رأت رجلًا يقف بالقرب من معتز، يخفي سلاحًا داخل ملابسه، ويراقبه في انتظار إشارة واحدة فقط من عصام.
رفعت عينيها إليه ببطء، وقد شحب وجهها تمامًا.
ازدادت ابتسامته اتساعًا، ثم أغلق الهاتف وأعاده إلى جيبه، وقال بهدوء مرعب:
“إنتِ لو متحركتيش دلوقتي معايا… وخرجنا من هنا… إشارة واحدة مني… وهخلصلك عليه.”
اقترب منها خطوة أخرى، وهمس:
“ووريني بقى… هتشوفيه تاني إزاي.”
هزت رأسها ببطء، بينما انهمرت دموعها، وقالت بغضب امتزج بالألم:
“إنت بتعمل معايا كده ليه؟… أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟… والبني آدم ده ذنبه إيه عشان تقتله؟”
نظر إليها طويلًا، ثم قال بنبرة ساخرة:
“خايفة عليه؟”
ابتسم باستهزاء، وأضاف:
“أكيد دلوقتي قلبك محروق عليه… وعايزة تفضلي معاه… صح؟”
نظرت إليه باشمئزاز واضح، وقالت بحدة:
“إنت كرهتني في صنف الرجالة كله… ومبقتش طايقة أبص في خلقة واحد فيكم.”
هز رأسه ببطء، وهو يشيح بنظره عنها للحظة، ثم قال:
“بتحاولي تلاوعي في الكلام… عشان تداري على خيانتك ليا.”
صمت ثانية، ثم التفت إليها من جديد.
وكانت النظرة التي ارتسمت في عينيه كفيلة بأن تبث الرعب اكثر في قلبها.
قال بصوت منخفض، لكنه يحمل تهديدًا صريحًا:
“بس أنا… مش هعدي خيانتك دي بالساهل كده.”
ابتسمت مرام ابتسامة ساخرة موجوعة، ومسحت دموعها بطرف كفها، ثم قالت:
“هو إنت فاكر إن الكل قذر وسافل زيك؟”
نظرت إليه بثبات رغم خوفها، وأردفت:
“ولا فاكر إني نايمة على وداني… ومش عارفة خيانتك ليا…”
توقفت لحظة، ثم قالت وهي تشدد على كلماتها:
“مع شمس… بنت أكبر عدو ليك.”
ضيقت عينيها، وأضافت:
“سيف…”
ثم أكملت بنبرة حاسمة:
“أنا أعرف عنك كل حاجة… وأعرف إنك بتقربلها بس عشان توقع أبوها.”
تجمد عصام للحظة.
اتسعت عيناه بصدمة خفية، لكنه سرعان ما أخفاها خلف ملامح باردة، واستعاد ثباته سريعًا، حتى لا يمنحها فرصة تشعر بأنه ارتبك.
ظل ينظر إليها بصمت لثوانٍ، ثم قال بنبرة هادئة، على عكس ما كانت تتوقع:
“طيب… يلا قومي.”
وأشار إلى الباب برأسه، ثم قال ببرود:
“وبلاش شوشرة.”
ظلَّت مرام تنظر إليه، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت، وقلبها يخفق بعنف حتى شعرت أنه يكاد يخرج من صدرها.
أخفضت رأسها ببطء، وأغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تقنع نفسها بما ستفعله.
لم تكن تخشى نفسها…بل كانت تخشى أن ينفذ تهديده ويقتل معتز بسببها.
فتحت عينيها من جديد، ثم هزت رأسها باستسلام، وقالت بصوت مبحوح خرج بصعوبة:
“ه… هاجي معاك.”
ارتسمت على شفتي عصام ابتسامة انتصار باردة، وقال وهو يشير برأسه نحو الباب:
“كده تعجبيني… يلا.”
تحركت مرام ببطء، وقد أصبحت قدماها ثقيلتين كأنهما تحملان جبلًا فوقهما.
نزلت من فوق الفراش، لكن جسدها كان يرتجف بقوة، حتى إنها كادت تفقد توازنها.
وبينما كانت تخطو أولى خطواتها…انزلقت السلسلة التي كانت ترتديها من حول عنقها، وسقطت على أرض الغرفة دون أن تنتبه إليها إلا بعدما سمعت صوت ارتطامها بالأرض.
توقفت فورًا، واتسعت عيناها.
انحنت سريعًا محاولة التقاطها، لكن قبل أن تلامس أصابعها السلسلة…أمسك عصام بذراعها بعنف، وأوقفها.
رفعت رأسها إليه بسرعة، وقالت وهي تشير نحو الأرض، ونبرتها ترتجف:
“السلسلة… وقعت.”
ألقى نظرة سريعة عليها، ثم قال ببرود:
“سيبيها.”
هزت رأسها بسرعة، وقالت برجاء:
“لا… دقيقة واحدة بس… هجيبها.”
شد ذراعها نحوه بقوة أكبر، حتى تأوهت من الألم، ثم قال بنبرة حادة لا تقبل النقاش:
“قولت سيبيها.”
نظرت إلى السلسلة الملقاة على الأرض، ثم عادت تنظر إليه، وقد امتلأت عيناها بالدموع…وتجمدت مكانها رافضة الخروج.
رمقها بنظرة جامدة، ثم اقترب منها حتى أصبح وجهه مقابلًا لوجهها، وقال بتهديد:
“إنتِ ناسية إن في واحد واقف بره… مستني مني إشارة واحدة؟”
اختفى أي اعتراض كان على وشك الخروج من شفتيها.
أشاحت بنظرها عن السلسلة، وأغمضت عينيها بألم، بينما انزلقت دمعة جديدة على خدها.
أمسك عصام بذراعها، وسحبها معه نحو الباب دون أن يمنحها فرصة للنظر خلفها مرة أخرى…
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
فتحت خديجة عينيها ببطء، ونظرت حولها لتجد نفسها داخل غرفتها.
ظلت مستلقية في مكانها لثوانٍ طويلة، تحدق في السقف دون حركة، بينما أخذ عقلها يسترجع كل ما حدث، يحاول أن يجمع الخيوط المبعثرة ويصل إلى الحقيقة.
من الصادق؟
ومن الكاذب؟
أغمضت عينيها بألم، وهي تعصر الغطاء بين أصابعها.
تعرف نور جيدًا…تعرف أخلاقه، وتعرف مبادئه، ولم يكن يومًا من النوع الذي يفعل شيئًا كهذا.
لكن…كيف لها أن تشكك في أختها؟
زفرت بحرقة، وشعرت أن رأسها يكاد ينفجر من كثرة التفكير.
وبعد لحظات، فتحت عينيها فجأة عندما تذكرت اللحظة التي علم فيها نور بحبها له.. انقبض قلبها بقوة.
كيف أصبحت صورته عنها الآن؟
كيف سينظر إليها بعد أن عرف الحقيقة؟
وهل سيشعر بالشفقة… أم بالضيق… أم سيبتعد عنها تمامًا؟
وكيف ستستطيع هي أن تقف أمامه بعد اليوم؟
انزلقت دمعة دافئة على خدها، ثم تبعتها أخرى، بينما ظلت تحدق في السقف بعينين غارقتين بالحيرة.
لا تعرف كيف ستتصرف…ولا كيف ستنقذ والدها وأختها بعدما أصبحا خلف القضبان.
مسحت دموعها سريعًا بطرف كفها، ثم نهضت من فوق الفراش بتعب شديد، وشعرت بدوارٍ خفيف، لكنها تجاهلته.
اتجهت نحو الباب، وفتحته بهدوء، ثم خرجت من الغرفة ونزلت درجات السلم ببطء.
لكنها توقفت فجأة في منتصف الدرج…فقد وقع سمعها على صوت والدتها المرتفع.
نظرت إلى الأسفل، لتجد والدتها تجلس في غرفة الاستقبال، وأمامها المحامي الخاص بسيف، بينما كانت ملامح الغضب والانفعال تسيطر عليها بالكامل.
كانت تضرب بكفها على الطاولة بعصبية، ثم هتفت بغضب شديد:
“اتصرف… مش عايزة جوزي ولا بنتي يباتوا في السجن النهارده… إنت سامع ولا لأ؟”
كان المحامي يجلس في مكانه بهدوء، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، بينما شبك أصابع يديه أمامه فوق الطاولة، وترك نادين تفرغ غضبها كاملًا دون أن يقاطعها.
ظل يتابع انفعالاتها بعينين ثابتتين، حتى هدأت قليلًا، ثم تنهد بهدوء وقال بصوتٍ منخفض، لكنه حازم:
“يا مدام نادين… أنا مقدر انفعالك، لكن العصبية مش هتغير أي حاجة من الموقف القانوني.”
رمقته بنظرة حادة، واعتدلت في جلستها بعنف، ثم قالت بانفعال وهي تشير إليه بإصبعها:
“وأنا مش جاية أسمع محاضرة في القانون… أنا عايزة أعرف هتخرجهم إمتى!”
أطرق برأسه للحظة، ثم رفع عينيه إليها، وقد ازدادت ملامحه جدية، وقال:
“للأسف… الموضوع مش بالسهولة اللي حضرتك متخيلاها.”
ضربت الطاولة بكفها بقوة، حتى اهتزت الأكواب الموضوعة فوقها، وقالت بصوتٍ مرتفع:
“يعني إيه مش بالسهولة؟! إنت محامي سيف بقالك سنين.. ومن اكبر المحاميين في مصر يبقا ازاي مش سهل عليك تخرجهم”
ظل محتفظًا بهدوئه، ولم يظهر على وجهه أي انفعال، ثم قال بنبرة عملية:
“لو القبض عليهم كان مجرد اشتباه من الضابط، كان الوضع هيبقى مختلف، وكان عندي مساحة أتحرك فيها بسهولة.”
توقف لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إليها مباشرة:
“لكن اللي حصل غير كده تمامًا.”
عقدت نادين حاجبيها، ومالت بجسدها للأمام وهي تتابعه باهتمام رغم غضبها.
فقال:
” نور محررش محضر اعتمادًا على كلام أو شك بس… هو قدّم بلاغ رسمي، ومعاه مستندات وأدلة شاف إنها بتدعم أقواله.”
ثم أضاف وهو يحرك يده بهدوء ليشرح لها:
“البلاغ بعد كده راح للنيابة… والنيابة هي اللي راجعت الأوراق، ولما لقت إن فيه دلائل كافية، أصدرت إذن القبض عليهم.”
ساد الصمت للحظات، بينما كانت نادين تحدق فيه دون أن تنطق.
فأردف بهدوء:
“وده معناه إن الموضوع بقى في إيد النيابة.”
ضغطت نادين على أسنانها، وتشابكت أصابعها من شدة التوتر، ثم قالت بصوت خرج بين الغضب والقلق:
“يعني… مفيش حل؟”
هز رأسه ببطء، وقال:
“لا… فيه حلول، لكن مش سهلة.”
اعتدلت في جلستها بسرعة، وقالت بلهفة:
“اي هيا.”
فتح حقيبته الجلدية، وأخرج بعض الأوراق، ثم وضعها أمامه وقال:
“أول حاجة… إحنا نراجع كل الأدلة اللي النيابة استندت عليها، ونشوف هل فيها تناقض أو ثغرات قانونية نقدر نستغلها.”
قلب إحدى الأوراق أمامه، ثم تابع:
“ولو قدرنا نثبت إن دليل واحد من الأدلة دي غير صحيح، أو اتجمع بطريقة مخالفة للقانون، ده ممكن يفرق معانا.”
رفع عينيه إليها، ثم أكمل:
“الحاجة التانية… لو فيه شهود أو مستندات أو أي دليل يثبت إن سيف وشمس مظلومين، لازم يوصلني في أسرع وقت… اما الحل الاخير ان نور يتنازل عن القضية”
تنهد، ثم قال بوضوح:
“إنما فكرة إني أدخل النيابة وأخرجهم لمجرد إني محاميهم… ده مش بيحصل.”
قطبت نادين حاجبيها، وقالت بانفعال:
“يعني عايزني أقعد أتفرج عليهم وهما في السجن؟!”
نظر إليها بهدوء، ثم قال بنبرة ثابتة:
“أنا عايز حضرتك تساعديني… عشان اقدر اخرجهم باسرع وقت.”
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه بعدم فهم، وقالت:
“أساعدك إزاي؟”
أشار إلى الأوراق الموضوعة أمامه، ثم قال:
“أي معلومة تعرفيها… أي ورقة… أي شاهد… أي حاجة ممكن تهدم الأدلة اللي قدام النيابة… او نحاول نتكلم مع نور ونحل المشاكل بشكل ودي بعيد عن القانون”
ثم صمت لثوانٍ، وأضاف بجدية شديدة:
“غير كده… هتبقى مهمتي صعبة جدًا، ومش هقدر أوعد حضرتك بحاجة.”
نظرة نادين تنظر إلى الفراغ، بينما أخذت كلمات المحامي تتردد داخل رأسها.
أما خديجة…فكانت لا تزال واقفة في منتصف الدرج، تستمع إلى كل كلمة، وقد شحب وجهها تدريجيًا، بينما شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
وضعت يدها على سور الدرج تستند إليه، الأمر لم يعد مجرد خلاف بينهم…بل أصبح قضية ، وأن الصراخ… والنفوذ… والمال… قد لا يكون أيٌّ منها كافيًا هذه المرة….
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
نظر فارس إلى ياسمين النائمة بين ذراعيه، وقد غرقت في نومٍ عميق.
كان يعلم أنها لا تنام بهذه الطمأنينة إلا وهي داخل حضنه… وكأن ذراعيه هما المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان.
ظل يتأملها طويلًا، يتنقل ببصره بين ملامحها الهادئة، وابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيه… لكنها كانت ابتسامة مليئة بالحزن.
تجمعت الدموع في عينيه، وبدأ صدره يضيق شيئًا فشيئًا.
رفع يده ببطء، وأزاح خصلة من شعرها انسدلت فوق وجهها، ثم مرر أطراف أصابعه برفق على وجنتها، وهمس بصوت بالكاد يُسمع:
“سامحيني.”
ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، قبل أن يبتلع غصته بصعوبة ويقول بصوت مرتجف:
“عارف إني وعدتك قبل كده كتير… إني هفضل معاكي… وإننا هنكمل عمرنا سوا… ومش هسيبك.”
اختنق صوته، وانزلقت أول دمعة على خده، ثم أردف بحزنٍ مزق قلبه:
“لكن… مش بإيدي والله.”
تنهد بحرقة، وأغمض عينيه للحظة، ثم أكمل:
“كان نفسي أعيش وقت أطول معاكم… نفسي أعيش وأشوف اللحظة اللي يبقى فيها نور عريس… وأفرح بيه.”
ابتسم ابتسامة باهتة، سرعان ما اختفت، وقال:
“يا عالم… هعيش للحظة دي ولا لأ.”
تنهد مرة أخرى، وأخذ نفسًا مرتجفًا، ثم تابع:
“ونفسي أشوف ولاده… وأشيلهم بإيديا… وأفرح بيهم.”
أطرق برأسه، وانهمرت دموعه دون أن يحاول إيقافها:
“نفسي في حاجات كتير أوي… أعيشها وأنا معاكم.”
ضمها إليه برفق أكثر، حتى لا يوقظها، وأسند رأسه فوق رأسها، بينما راحت دموعه تنساب في صمت، وقلبه يعتصره الألم.
كان يدعو ربه في داخله…أن يمد في عمره قليلًا…فقط قليلًا…ليعيش معهم ما تبقى من أحلامه.
وفجأة…اهتز الهاتف الموضوع على الكومود بجواره، وانطلق رنينه المنخفض.
رفع فارس رأسه سريعًا، ومسح دموعه بكف يده، ثم مد يده والتقط الهاتف.
نظر إلى الشاشة، فوجد اسم نور.. تنفس بعمق، ثم رد محاولًا أن يجعل صوته طبيعيًا:
“مرجعتش لحد دلوقتي ليه؟”
جاءه صوت نور هادئًا من الطرف الآخر:
“حبيت أقولك أنا عملت إيه… عشان متتصدمش بعدين لما تعرف من غيري.”
ألقى فارس نظرة سريعة نحو ياسمين، التي ما زالت نائمة بسلام، ثم حرر نفسه من ذراعيها بحذر شديد حتى لا يوقظها.
نهض بهدوء، واتجه إلى شرفة الغرفة، ثم أغلق بابها الزجاجي خلفه برفق، وقال:
“قول… عملت إيه؟”
ساد الصمت للحظة من الطرف الآخر، قبل أن يقول نور بثبات:
“أنا حبست خالي… وبنته… بعد ما رفعت عليهم قضية على كل واحد فيهم.”
لم تتغير ملامح فارس، وكأنه كان يتوقع ذلك، ويعرف جيدًا كيف سيتصرف ابنه.
بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية خفيفة، وقال:
“جدع… ولد أبوك.”
ثم عقد حاجبيه قليلًا وأضاف:
“بس قولي… إيه علاقة بنته بالموضوع؟ وأنهي واحدة فيهم؟”
أجابه نور بهدوء:
“طبعًا مش خديجة… أنا بتكلم عن الزفتة شمس.”
ثم أردف:
“حبسته بتهمة الاعتداء على ظابط، ومحاولة قتله أثناء تأدية شغله… وكمان اتهامها لظابط باتهامات كاذبة كانت ممكن تضيّع حياته.”
استمع فارس في صمت، ولم يظهر عليه أي تعجب.
فهو يعلم جيدًا طباع شمس… ويعرف أنها تختلف عن أختها في كل شيء.. ثم قال ببرود:
“يستاهلوا… عشان يفكروا كويس هما بيتعاملوا مع مين.”
استغرب نور من ردة فعله، وقال:
“يعني… مش مدايق؟ ومش هتزعقلي وتقول ده صاحب عمرك والكلام ده؟”
رفع فارس كتفيه ببساطة، وقال:
“وأعمل كده ليه؟”
قال نور:
“عشان صاحب عمرك… ويبقى خالي… وأخو مراتك… يعني وكده.”
تنهد فارس، وأسند إحدى يديه على سور الشرفة، ثم قال بمنتهى البساطة:
“طز.”
انفلتت ضحكة من نور رغماً عنه، وقال وهو يضحك:
“طز؟!… يعني مش مدايق من اللي عملته؟”
ابتسم فارس، وما إن سمع ضحكة ابنه حتى شعر بشيء من الدفء يعود إلى قلبه، ثم قال بحزم:
“طز فيه… وفي بنته… وفي أي حد يفكر يمد إيده على ابني.”
ثم أكمل بصوتٍ امتلأ بالحب:
“أنا معنديش في الدنيا دي أغلى منك.”
ابتسم نور، وقد غمره شعور بالأمان الذي اعتاد أن يجده في والده، وقال:
“ربنا يخليك ليا يا رب… وما يحرمنيش منك أبدًا.”
اختفت ابتسامة فارس تدريجيًا، وحل محلها حزن عميق، لكنه أخفاه قدر استطاعته، ثم قال بخفوت:
“ولا يحرمني منكم.”
قال نور بهدوء:
“طيب… هقفل أنا دلوقتي… وأكلمك بعدين.”
هز فارس رأسه تلقائيًا، رغم أن ابنه لا يراه، ثم قال:
“ماشي… خلي بالك من نفسك.”
أغلق المكالمة ببطء.
وظل للحظات طويلة يحدق في اسم نور الظاهر على شاشة الهاتف، وكأنه يخشى أن يختفي.
ثم أنزل الهاتف ببطء، ورفع رأسه إلى السماء.
هبت نسمات الهواء الباردة، تعبث بخصلات شعره، بينما أغمض عينيه في صمت.
وانزلقت دموعه من جديد…هذه المرة… دون أن يحاول حتى أن يمسحها…
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وقف نور أمام باب مكتب رئيس قسم المباحث، ثم مرر كفه فوق وجهه في محاولة لإخفاء الإرهاق الذي بدا واضحًا على ملامحه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم طرق الباب بخفتين متتاليتين.
لم ينتظر طويلًا حتى جاءه الصوت الحاد من الداخل، كعادته:
“ادخل.”
فتح الباب، ودلف إلى الداخل، ثم أغلقه خلفه بهدوء.
تقدم بخطوات ثابتة، ووقف منتصب القامة أمام المكتب، وكاد أن يتحدث…
لكن رئيسه سبقه قائلًا بحدة، دون حتى أن يرفع عينيه عن الأوراق التي أمامه:
“أنا اديتك مدة قد إيه في القضية؟”
وقف نور واضعًا يديه خلف ظهره، وأجاب بهدوء:
“شهر، يا فندم.”
رفع رئيس المباحث رأسه ببطء، ثم هز رأسه بضيق، ونهض من مقعده.
دار حول المكتب بخطوات هادئة، حتى وقف أمام نور مباشرة، ثم قال بنفس النبرة الحادة:
“طيب… كويس إنك عارف.”
صمت لحظة، ثم أردف وهو يحدق في عينيه:
“تقدر تقولي بقى… إنت وصلت لحد فين؟”
ساد الصمت.
ظل نور واقفًا في مكانه، دون أن يجد كلمة واحدة يجيب بها.
فمنذ أن خرج من هذا المكتب في المرة السابقة…لم يفتح ملف القضية ولو لمرة واحدة.
كل تفكيره انشغل بما فعله خاله، ورغبته في استرداد حقه، حتى أهمل القضية تمامًا.
قرأ رئيس المباحث الصمت على وجهه، فتبدلت ملامحه إلى خيبة أمل واضحة.
وأشار إليه بإصبعه، وقال بنبرة امتزج فيها الغضب بالاستياء:
“إنت خيبت ظني… خيبت ظني أوي يا نور.”
اقترب منه خطوة أخرى، ثم أكمل:
“ده أدهم نفسه شغال على القضية أحسن منك.”
هز رأسه بعدم تصديق، وقال:
“إنت من إمتى ومستواك بقى بالشكل ده؟”
فتح نور فمه محاولًا الرد، لكن رئيسه لم يمنحه الفرصة، وقال بصوت صارم:
“سلّم أوراق القضية… هيستلمها ظابط غيرك.”
اتسعت عينا نور بصدمة، وأنزل يديه من خلف ظهره لا إراديًا، وقال بسرعة:
“يا فندم… محدش هيكملها غيري.”
ثم أكمل بإصرار:
“حضرتك اديتني شهر… والشهر لسه مخلصش.”
ارتفعت نبرة رئيس المباحث أكثر، حتى دوّى صوته داخل المكتب:
“وأنا مش هستنى لما الشهر يخلص… وتيجي تقولي إنك لسه مبدأتش فيها أصلًا! نفذ اللي بقولك عليه… وسلّم أوراق القضية.”
ثم أشار بيده نحو الباب وقال:
“الظابط اللي هيستلمها واقف بره… ومستني إذني يدخل.”
قبض نور على يديه بقوة حتى برزت عروقها، وقال بضيق حاول كتمه:
“بس أنا…”
قاطعه رئيسه للمرة الثانية، وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش:
“نفذ الأوامر… يا حضرة الظابط.”
ساد الصمت داخل المكتب.. خفض نور رأسه للحظة، ثم ابتلع اعتراضه.. كان يعلم أن أي كلمة أخرى لن تغير القرار.
وفي تلك اللحظة…صدر طرق خفيف على الباب.
قال رئيس المباحث بحدة:
“ادخل.”
فُتح الباب، ودخل أحد الضباط.
كان طويل القامة، عريض المنكبين، أسمر البشرة، وتكسو ملامحه صرامة وجمود .
تقدم بخطوات منتظمة، ثم وقف باحترام أمام رئيس المباحث.
التفت نور إليه، وما إن وقعت عيناه عليه، حتى اشتدت قبضته أكثر، وبرزت عضلات فكه من شدة الغضب.
أما الضابط…فنظر إليه بابتسامة جانبية ساخرة، حملت بين طياتها تحديًا واستفزازًا واضحين.
أشار رئيس المباحث إليه دون أن يحول بصره عن نور، وقال بلهجة آمرة:
“خلال ساعة… تكون كل أوراق القضية اتحولت لمكتب الظابط مجدي.”
ازداد غضب نور، حتى ابيضت مفاصل أصابعه من شدة قبضته.. لكنه لم ينطق بكلمة.
اكتفى بهز رأسه في صمت، ثم استدار وغادر المكتب بخطوات ثابتة، محاولًا إخفاء الغضب الذي كان يشتعل داخله.
وقبل أن يُغلق الباب خلفه…رمقه مجدي بنظرة خبيثة، كانت تخفي وراءها الكثير من المعاني…
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان عصام يسحب مرام خلفه بقوة، بينما كانت خطواتها متعثرة، وعيناها تتحركان في كل اتجاه بقلق ورعب، تبحثان عن أي أثر لذلك الصعيدي الذي كان معها…
لكنها لم تجده.
توقفت عيناها على الممرضة التي كانت تعتني بها طوال فترة وجودها بالمستشفى.
تعلقت بها نظراتها في صمت، امتلأت بالتوسل والاستغاثة.
أرادت أن تصرخ…أن تطلب منها المساعدة…لكنها تذكرت تهديد عصام.
تصلبت في مكانها للحظة، ثم ابتلعت صرختها خوفًا من أن يعطي إشارة لذلك الرجل المسلح، فيقتل معتز.
لاحظت الممرضة مرام وهي تُسحب خلف رجل غريب، لم تستطع رؤية وجهه بسبب سيره أمامها، لكنها رأت ملامح مرام الشاحبة، ونظراتها المرتعبة التي كانت تستغيث بها في صمت.
عقدت حاجبيها بعدم فهم لثوانٍ…ثم اتسعت عيناها، وأدركت على الفور أن مرام تُجبر على الرحيل معه.
ترددت لحظة…ثم استدارت مسرعة تبحث عن معتز.
لم تجرؤ على التدخل بنفسها، خوفًا من أن يؤذي الرجل مرام أو يؤذيها هي أيضًا.
في تلك الأثناء، شد عصام ذراع مرام بقوة أكبر، حتى تأوهت من الألم، وقال بحدة وهو يقترب من الباب الخلفي للمستشفى:
“خلصي… امشي بقى.”
كانت مرام تسير معه مجبرة، بينما تلتفت خلفها بين الحين والآخر، علّها ترى معتز…أو أي شخص ينقذها.
وفي الجهة الأخرى…
كانت الممرضة تهبط الدرج مسرعة، حتى لمحته يقف في الردهة بعدما انتهى من إنهاء إجراءات خروج مرام.
ركضت نحوه، وتوقفت أمامه وهي تلهث بشدة.
نظر إليها معتز باستغراب، لكن ملامحه سرعان ما تبدلت إلى القلق، وقال:
“مالك؟… في حاجة؟”
قالت الممرضة بصعوبة بين أنفاسها المتلاحقة:
“المدام مرام… شفتها خارجة مع واحد… بس كان باين عليها إنها مغصوبة… كانت بتبصلي كأنها بتستنجد بيا… فجريت أقول لحضرتك… يمكن تعرفه.”
اتسعت عينا معتز بصدمة، واشتد فكّه، ثم قال بسرعة:
“راحوا منين؟”
أشارت الممرضة بيدها نحو الباب الخلفي.. ولم ينتظر ثانية واحدة…بل انطلق راكضًا بأقصى سرعة في الاتجاه الذي أشارت إليه.
في الخارج…
فتح الحارس باب السيارة الخلفي.. دفع عصام مرام إلى الداخل بقوة، ثم أغلق الباب بعنف.
انتفض جسدها من أثر الدفعة، وسرعان ما التفتت تنظر إلى مبنى المستشفى بعينين غارقتين بالرجاء…لعل معتز يظهر…ويلحق بها قبل فوات الأوان.
استدار عصام، ثم ركب بجوارها في المقعد الخلفي.. وما إن أغلق الباب، حتى رن هاتفه.
أخرج الهاتف، ثم أجاب بهدوء.. جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر:
“عرف إنها خرجت معاك… أخلص عليه؟”
رد عصام ببرود، دون أن ينظر حتى إلى الهاتف:
“لا… سيبه.”
ثم أردف:
“ارجع إنت.”
أنهى المكالمة، وأعاد الهاتف إلى جيبه.. ثم التفت إلى مرام.
كانت قد التصقت بباب السيارة، مبتعدة عنه قدر استطاعتها، وكأنها تحاول أن تضع أكبر مسافة ممكنة بينهما.
نظر إليها بابتسامة خبيثة، دون أن ينطق.
وفي تلك اللحظة…أدار السائق المحرك، وانطلقت السيارة بسرعة مبتعدة عن المستشفى.
وبعد ثوانٍ…اندفع معتز خارج الباب الخلفي للمستشفى، وهو يلهث من شدة الركض.
لكن السيارة كانت قد ابتعدت بالفعل.
وقف مكانه للحظة، يحدق فيها بعينين امتلأتا بالغضب، ثم استدار سريعًا، وركض نحو موقف السيارات.
استقل سيارته في ثوانٍ، وأدار المحرك بعنف…وانطلق خلفهم بأقصى سرعة، عازمًا على اللحاق بهم قبل أن تضيع .
ضغط معتز بقوة على عجلة القيادة، بينما كانت عيناه لا تفارقان سيارة عصام التي تشق الطريق بسرعة.
وفجأة…انحرفت سيارة الحراسة التي كانت تسير أمام سيارة عصام، لتصبح بمحاذاته.
نظر معتز إليها بطرف عينه، فعقد حاجبيه:
“هيعملوا إيه؟”
لم تمضِ ثانية…حتى انخفض زجاج النافذة الخلفية للسيارة.
ظهر أحد الرجال، وأخرج مسدسًا مزودًا بكاتم للصوت.. اتسعت عينا معتز، وفهم نيتهم في اللحظة نفسها.
ضغط بقوة على المكابح، فانحرفت سيارته قليلًا إلى الجانب.
وفي اللحظة التالية…انطلقت عدة طلقات متتالية.
ارتطمت إحداها بالزجاج الأمامي، بينما اخترقت أخرى غطاء المحرك، وتناثرت شظايا الزجاج داخل السيارة.
انخفض معتز برأسه سريعًا، ثم ضغط على دواسة الوقود من جديد، وانحرف بين السيارات بسرعة كبيرة.
بدأ يناور باحتراف، متنقلًا من حارة إلى أخرى، مستغلًا السيارات المارة كحاجز يمنعهم من إصابته.
ارتفعت أصوات أبواق السيارات من حوله، بينما تعالت صرخات السائقين بعد أن كادت السيارات تصطدم ببعضها.
أعاد الرجل إطلاق النار مرة أخرى…لكن جميع الطلقات أخطأت هدفها.
جزّ معتز على أسنانه، ثم دار بعجلة القيادة فجأة، فاصطدمت مقدمة سيارته بمؤخرة سيارة الحراسة.
اهتزت السيارة بعنف.فقد السائق السيطرة عليها للحظات.
استغل معتز الفرصة، واصطدم بها مرة ثانية بقوة أكبر.
انحرفت سيارة الحراسة نحو جانب الطريق، ثم ارتطمت بالحاجز الأسمنتي، قبل أن تتوقف.
أما سيارة عصام…فواصلت الهروب دون أن تتوقف.
فتح رجال الحراسة أبواب السيارة بسرعة، وقفزوا إلى الخارج.
وفي اللحظة نفسها…ترجل معتز من سيارته.
ما إن أغلق الباب…حتى اندفع أول رجل نحوه، موجهًا إليه لكمة قوية.
لم يتمكن معتز من تفاديها بالكامل.ارتطمت بوجنته بقوة، فأدار وجهه مع الضربة.
وقبل أن يستعيد توازنه…ركله رجل آخر بقوة في جانبه.
تراجع عدة خطوات إلى الخلف، واضعًا يده على موضع الضربة، بينما خرجت منه آهة مكتومة.
لم يمهلوه.اندفع الثلاثة نحوه دفعة واحدة.
تفادى أول لكمة بانحناءة سريعة، لكن الثانية أصابته في كتفه، أما الثالثة فارتطمت ببطنه، فاضطر للتراجع أكثر.
تنفس بقوة…ثم مسح الدم الذي سال من طرف شفتيه بظاهر كفه.
رفع عينيه إليهم…وتبدلت ملامحه تمامًا.. اختفت آثار الألم…وحل محلها هدوء مخيف.
اقترب أول رجل منه وهو يلوح بقبضته.وفي اللحظة التي أوشك أن يوجه إليه اللكمة…ابتعد معتز نصف خطوة فقط، ثم وجه ضربة سريعة بمرفقه إلى عنق الرجل.
اختنق الرجل، ووضع يده على رقبته وهو يتراجع للخلف.
استدار معتز فورًا، وغرس كعب قدمه في ركبة الرجل الثاني.
صدر صوت صرخة مكتومة، وسقط الرجل على ركبته متألمًا.
أما الثالث…فاندفع نحوه من الخلف.. استشعره معتز قبل أن يلمسه.. استدار بسرعة، وأمسك ذراعه، ثم جذبه بقوة، موجهًا إليه ضربة قوية بركبته في منتصف بطنه.
انحنى الرجل وهو يلهث من شدة الألم.. لكن أحدهم باغته من الخلف…وضربه بقضيب حديدي على ظهره.
اتسعت عينا معتز من شدة الألم، وسقط على إحدى ركبتيه.
تنفس بصعوبة…ثم قبض على القضيب الحديدي قبل أن يرفعه الرجل مرة أخرى.
شده بقوة من يده، حتى اختل توازن خصمه.نهض معتز بسرعة، وانتزع القضيب منه، ثم ألقاه بعيدًا.
وبحركتين خاطفتين…وجه لكمتين متتاليتين إلى أنف الرجل وفكه.
تراجع الرجل مترنحًا، قبل أن يسقط أرضًا فاقدًا وعيه.
وقف معتز يلهث بقوة، بينما كانت أنفاسه متقطعة، وشعر بألمٍ حاد ينتشر في كامل جسده.
نظر إلى الرجال الممددين على الأرض، ثم رفع رأسه سريعًا نحو الطريق.. لكن…لم يعد هناك أي أثر لسيارة عصام.
اشتعل الغضب داخل صدره، وضغط على أسنانه بقوة، ثم استدار مسرعًا نحو سيارته، متجاهلًا الألم الذي ينهش جسده.
لكن خلفه…تحرك أحد رجال الحراسة بصعوبة، متأوهًا من شدة الألم.
مد يده المرتجفة داخل سترته، وأخرج مسدسًا.
فتح خزنة السلاح بسرعة، ثم أدخل مخزن الذخيرة وهو يلهث، قبل أن يرفع يده ويوجه فوهة المسدس مباشرة نحو ظهر معتز.
ضيق عينيه، ثم ضغط إصبعه ببطء على الزناد…
….
في السيارة الأخرى…
كانت مرام تنظر من الزجاج الخلفي، تحاول عبثًا أن ترى ما يحدث.. لكن المسافة ازدادت.. واختفت سيارة معتز تمامًا عن ناظريها.
شحب وجهها، وتسارعت أنفاسها، بينما بدأ الخوف يلتهم قلبها.
ظلت تحدق في الطريق الفارغ، وهي تهمس بصوت مرتجف:
“يا رب…”
وفجأة…شق سكون الطريق صوت إطلاق الرصاص.
تجمد جسدها بالكامل.. واتسعت عيناها في ذهول.
هزت رأسها بعنف، وهي ترفض الفكرة التي اقتحمت عقلها.
“لا…”
همست بها بصوتٍ مخنوق.. ثم وضعت يدها على فمها، وانفجرت في البكاء.
بدأ جسدها يرتعش بعنف، بينما راحت الدموع تنهمر بلا توقف.. لا تصدق أنهم قتلوه.. وأنه مات…بسببها.
أما عصام…فأغمض عينيه للحظة وكأنه يستمتع بصوت الرصاص، ثم فتحهما من جديد، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
رفع يده في حركة ساخرة، وقال بنبرة امتلأت بالشماتة:
“الله يرحمه…”
ثم مال برأسه قليلًا، وأضاف بابتسامة خبيثة:

