روايات شيقة
رواية جعلتني مجرما الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم دينا عبدالله
رواية جعلتني مجرما الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم دينا عبدالله
“أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.
“
فتح عصام الباب بعنف، ودلف إلى الداخل بخطواتٍ واثقة، بينما كانت نظراته الملتهبة تستقر على معتز .
وبإشارةٍ واحدة من يده، اندفع أحد رجاله نحو معتز، ووجه إليه ضربةً قوية أسقطته على ركبتيه.
كان جسده يحمل آثار التعذيب بوضوح؛ كدماتٌ داكنة غطت وجهه، وشفته المشقوقة تقطر دمًا، وأنفاسه متقطعة من شدة الضرب الذي تعرض له. ومع ذلك، لم تنكسر نظراته، ولم ينحنِ كبرياؤه.
رفع رأسه بصعوبة، وحدق في عصام بعينين تشتعلان غضبًا، ثم قال بصوتٍ أجش اختلط بالألم، لكنه لم يفقد حدته:
“أقسم بالله العظيم… لو ما قلتليش هي فين، لأقلب الدنيا فوق دماغك. وساعتها محدش هيعرف يحميك… ولا حتى شوية الكلاب اللي مستخبي وراهم، يا جبان.”
ظل عصام يتأمله في صمتٍ بارد، وكأن كلماته لم تمس فيه شيئًا. ثم تقدم خطوةً أخرى، وأشار بعينيه إلى أحد رجاله.
فهم الرجل الإشارة فورًا، فأمسك بمعتز من ذراعيه بعنف، وأجبراه على الوقوف. ترنح جسده المنهك، وكادت ساقاه تخذلانه من شدة ما تعرض له، لكنه قاوم بكل ما تبقى لديه من قوة حتى استقام واقفًا.
اقترب عصام منه أكثر، حتى لم تعد تفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة، وثبت بصره داخل عينيه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة شيطانية باردة.. قال بنبرةٍ امتلأت بالسخرية والشماتة:
“عايز تعرف مكانها ليه… وأنت أصلًا مش هتبقى عايش عشان تنقذها”
اشتعل الغضب في عيني معتز، وهمَّ أن يجيبه، لكن الكلمات تجمدت على شفتيه فجأة.
اتسعت عيناه في صدمة، وانقطع نفسه عندما شعر بشيءٍ حاد يخترق بطنه.
أنزل بصره ببطء، فرأى مقبض سكينٍ مغروسًا في جسده… بينما كانت يد عصام ما تزال تقبض عليه.
تجمد للحظة من هول المفاجأة، قبل أن ينتزع عصام السكين بعنف.
مزق الألم أحشاءه، وانطلق صراخه المدوي ليرتطم بجدران المكان، بينما اندفعت الدماء بغزارة من الجرح، وصبغت ملابسه والأرض تحته.
اهتز جسده بعنف، وشعر بأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله. فانهار على الأرض، واضعًا كلتا يديه فوق جرحه محاولًا إيقاف النزيف، بينما كانت ملامحه تنقبض بقسوة، وشفتيه ترتجفان من شدة الألم، وأنفاسه تخرج متقطعة ومتسارعة.
انحنى عصام بجزعه العلوي نحوه، وحدق فيه بعينين امتلأتا بالحقد، ثم قال بصوتٍ منخفض مليئ بالخبث :
“دي نهاية اللي يفكر يلعب معايا… هتموت هنا، وجثتك هتتعفن في المكان ده، ومحدش هيعرف يوصلك.”
ثم اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يضيف بتشفٍّ:
“ومتقلقش… حبيبة قلبك هتحصلك قريب.”
اشتعلت عينا معتز بجنونٍ مرعب، وانغرست أنامله في الأرض من شدة الغضب. وبكل ما تبقى لديه من قوة، اندفع فجأة وأمسك بعصام من عنقه، وضغط عليه بعنف، حتى برزت عروق يده.
وقال من بين أسنانه:
“لو قربت منها… هطلع روحك بإيدي.”
اتسعت عينا عصام، وراح يحاول انتزاع يد معتز عن عنقه، بينما بدأ وجهه يحمر، وأنفاسه تختنق شيئًا فشيئًا.
لكن أحد رجاله اندفع بسرعة، ووجه ضربةً قوية إلى موضع الطعنة.
شهق معتز شهقةً موجوعة، واتسعت عيناه بقوة، قبل أن تنفلت يداه من عنق عصام رغماً عنه.
انحنى على نفسه وهو يطلق صرخةً ممزقة، وضغط بكلتا يديه على جرحه، بينما التف جسده من شدة الألم حتى كاد يفقد وعيه.
تراجع عصام عدة خطوات وهو يلهث بعنف، واضعًا يده على عنقه، يحاول التقاط أنفاسه التي كادت تنقطع.
ثم رمق معتز بنظرةٍ مشتعلة بالغضب والوعيد، واستدار مغادرًا.
تبعه رجاله، وأغلقوا الباب الحديدي بإحكام، ثم أوصدوه بالقفل، قبل أن يغادروا المكان، لتتعالى بعد لحظات أصوات محركات سياراتهم وهي تبتعد تدريجيًا، حتى ابتلعها الصمت.
ساد المكان هدوءٌ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاس معتز المتقطعة.
رفع رأسه بصعوبة نحو الباب المغلق، بينما بدأت الرؤية أمام عينيه تتلاشى شيئًا فشيئًا، وشعر بأن الحياة تنسحب من جسده مع كل قطرة دم تسقط على الأرض.
غرس كفيه المرتجفتين في الأرض، وحاول النهوض بصعوبة بالغة. ارتجفت ذراعاه تحت ثقل جسده، لكنه أجبر نفسه على الوقوف، وأسند ظهره إلى الحائط قبل أن يسقط .
وضع إحدى يديه على الجرح النازف، بينما استند بالأخرى إلى الحائط، وأخذ يجر قدميه بخطواتٍ بطيئة ومترنحة، وكل خطوة كانت أشبه بطعنةٍ جديدة تمزق أحشاءه.
لكن جسده المنهك لم يعد قادرًا على المقاومة.. خارت قواه فجأة، وخانته ساقاه، فسقط بقوة على الأرض.
ارتطم جسده بالارض الباردة، وانطلقت من بين شفتيه آهةٌ مكتومة، بينما أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
أصبحت رؤيته ضبابية، وبدأت جفونه تثقل تدريجياً، حتى أخذت عيناه تنغلقان ببطء… بينما كانت الدماء تواصل الزحف من جرحه……
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
ركنت تقي سيارتها على جانب الطريق، وأغلقت الباب خلفها، ثم استدارت لتتابع طريقها، لكنها انتفضت في مكانها عندما وجدت مهران يقف أمامها فجأة.
شهقت بخفة، ووضعت كفها فوق صدرها تتحسس نبضات قلبها التي تسارعت من الفزع، ثم رمقته بنظرة مستاءة وقالت بحدة:
“الله يخرب بيتك! إنت بتطلعلي منين يا جدع إنت؟!”
لم يبدُ عليه أي ارتباك، بل بقي يتأملها بابتسامة هادئة، وكأن انفعالها لم يكن سوى مشهدٍ يحفظه عن ظهر قلب. كانت عيناه تستقران على ملامحها بحنانٍ صادق، قبل أن يقول بنبرة واثقة امتزجت بالمزاح:
“ستجدينني أمامك أينما ذهبتِ، عزيزتي. ولن أتركك وشأنك إلا بعدما تصبحي زوجتي… وقتها سترينني أمامك طوال الوقت.”
أطلقت زفرة طويلة، وأمالت رأسها إلى الخلف في نفاد صبر، ثم هزت رأسها وهي تتمتم بضيق:
“ياختييي… أنا أقولها لك بكام لغة عشان تفهم؟ أنا مش عايزاك، ومش هتجوزك. ارجع بلدك يا حبيبي، هناك أريح لك.”
ما إن نطقت بكلمة “يا حبيبي” حتى اتسعت ابتسامته تلقائيًا، ووضع يده فوق قلبه في حركة مسرحية، وكأنه تلقى أعظم اعتراف في حياته.
وقال بسعادةٍ لم يحاول إخفاءها:
“حبيبي… مجرد خروجها من بين شفتيكِ كانت كافية لتذيب قلبي.”
رمشت عدة مرات، ثم نظرت إليه وكأنها تشك في سلامة قواه العقلية، قبل أن تهتف باستنكار:
“هو ده كل اللي فهمته من كلامي؟!”
تنهد بخفة، واختفت ملامح المزاح من وجهه، ليحل محلها شيء من الجدية.. ثم قال بهدوء:
“بل أنتِ من لا تفهمينني. أخبريني… كم لغة يجب أن أحدثك بها حتى تصدقي حبي، وتمنحيني فرصة واحدة فقط؟”
أدارت عينيها في ملل، وصرفت بصرها عنه وهي تزفر بضيق، لكن فجأة لمع بريق المكر في عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة بعدما خطرت لها فكرة.
التفتت إليه مجددًا وقالت بنبرة متحدية:
“طيب… اسمع بقى. هديك اختبار، ولو نجحت فيه… ساعتها ممكن أفكر في الموضوع…و اديك فرصة.”
أضاء الحماس وجهه على الفور، حتى كاد يخطو نحوها من فرط لهفته، وقال بسرعة:
“موافق… ومستعد أن أفعل أي شيء.”
عقدت ذراعيها أمام صدرها، ورفعت حاجبًا وهي ترسم ابتسامة واثقة:
“ما تستعجلش أوي. المطلوب بسيط… هتقول كلمة بحبك بكل لغات العالم. ولو وقعت في لغة واحدة بس، أو معرفتش تكمل… يبقى من النهارده ما أشوفش وشك هنا تاني.”
ساد الصمت لثوانٍ.
راقبت ملامحه في ترقب، ولاحظت الدهشة العابرة التي ارتسمت على وجهه، فازدادت ثقتها بأنها وضعت أمامه مهمة مستحيلة.
ابتسمت بانتصار، ولوحت بيدها في استخفاف وهي تقول:
“شوفت؟ خسرت قبل ما تبدأ… يلا بقى، ابعد عني.”
واستدارت لتغادر، معتقدة أنها تخلصت منه أخيرًا.. لكنها لم تكمل خطوتها.
شعرت بيده تمسك معصمها برفق، فاستدارت نحوه على الفور، إلا أنه جذبها نحوه بخفة، حتى استند ظهرها إلى باب سيارتها.
تجمدت في مكانها.
وقف أمامها على مسافة قصيرة، لم تكن تفصل بينهما سوى أنفاسهما. رفعت رأسها إليه دون قصد، فالتقت عيناها بعينيه الخضراوين اللتين كانتا تلمعان بهدوءٍ غريب.
للحظة… نسيت أن تتحدث.
تسارعت دقات قلبها دون أن تعرف السبب، وشعرت بحرارةٍ خفيفة تتسلل إلى وجنتيها. ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما ارتفع صدرها وهبط مع أنفاسها المتلاحقة، وحاولت أن تبدو ثابتة، رغم الارتباك الذي بدأ يتسلل إليها.
أما هو، فاكتفى بالنظر إليها لثوانٍ، ثم أرخى قبضته عن معصمها، وتراجع خطوة إلى الخلف، تاركًا لها مساحتها كاملة، قبل أن يقول بابتسامة واثقة:
“بأي لغة تريدينني أن أبدأ؟”
راقبته تقي للحظات بصمت، وكأنها تحاول استيعاب أنه أخذ تحديها على محمل الجد فعلًا. لم تتوقع أن يوافق بهذه السرعة، ولا أن تبدو عليه تلك الثقة الغريبة.
تبدلت ملامحها سريعًا، وحلّ التحدي محل الدهشة، فرفعت حاجبها قليلًا وقالت بنبرة ساخرة:
“نبدأ بالسهل عشان تتحمس بس… وريني بقى هتعملها إزاي. أول حاجة بالفصحى… وبالإيطالية بلدك.”
هز مهران رأسه بابتسامة واسعة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، ثم قال بثقة:
“بالفصحى نقول أحبك… وبالإيطالية نقول Ti amo.”
راقبته تقي للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل مكرًا واضحًا:
“طيب… قولها بالهندي. بس استنى، هفتح تليفوني عشان أتأكد إذا كنت بتقول صح ولا بتألف.”
أخرجت هاتفها سريعًا، وفتحت أحد التطبيقات، ثم رفعت عينيها إليه منتظرة إجابته.
ساد صمت قصير.. راقبته وهي تحاول قراءة أي علامة تفضح تردده، وحين طال سكوته للحظات، لمعت عيناها بانتصار، وفتحت فمها لتعلن فوزه عليها… لكنه سبقها قائلًا بهدوء:
“Main tumse pyar karta hoon.”
توقفت الكلمات عند شفتيها.. اتسعت عيناها بدهشة، ثم أسرعت تنقل بصرها بينه وبين شاشة هاتفها، لتتأكد من النطق… وكانت الصدمة أنه كان صحيحًا.
ظهرت على وجه مهران ابتسامة أكثر اتساعًا وهو يلاحظ دهشتها، بينما ضغطت تقي على شفتيها بضيق.
مستحيل أن تجعله يفوز بهذه السهولة.. رفعت رأسها من جديد وقالت بتحدٍ:
“الفرنسية.”
أجاب دون تردد:
ـ “Je t’aime.”
ـ “الإسبانية.”
ـ “Te amo.”
ـ “البرتغالية.”
ـ “Eu te amo.”
ـ “الألمانية.”
ـ “Ich liebe dich.”
ـ “التركية.”
ـ “Seni seviyorum.”
ـ “الروسية.”
ـ “Я тебя люблю.”
ـ “اليونانية.”
ـ “S’agapo.”
ـ “الصينية.”
ـ “我爱你.”
كانت كل إجابة تزيد دهشتها أكثر.. في البداية كانت تتعامل مع الأمر كلعبة، لكنها بدأت تشعر بالقلق حين أدركت أن مهران لا يخطئ ولو مرة واحدة. حاولت أن تحافظ على ثباتها، ثم هزت رأسها وكأنها ترفض الاعتراف باستسلامها.
قالت بسرعة:
ـ “اليابانية.”
رد عليها ببساطة:
ـ “愛してる.”
تجمدت للحظة.. ثم قالت:
ـ “الكورية.”
ـ “사랑해.”
ضيقت عينيها قليلًا، وكأنها تبحث عن لغة أخيرة تنقذها.
ـ “الفارسية.”
ابتسم مهران وأجاب:
ـ “Dooset daram.”
خفضت تقي هاتفها ببطء.
لقد انتهى الأمر… لم تجد ثغرة واحدة.. وقف مهران أمامها، يراقب صمتها بابتسامة هادئة، ثم قال بصوت منخفض يحمل كل صدقه:
“ولو كانت هناك ألف لغة أخرى… لتعلمتها كلها، فقط لأقول لكِ كلمة واحدة… أحبك.”
تراجعت تقي خطوة إلى الخلف دون أن تشعر، وكأن كلماته أربكتها أكثر من كل الإجابات السابقة.
أما هو، فوضع يده في جيب بنطاله، وظل محتفظًا بتلك الثقة الهادئة وهو يقول:
“أظن أنكِ الآن ستمنحينني الفرصة التي وعدتِني بها… وأنا أعرفك جيدًا، عندما تعطين كلمة فإنكِ تلتزمين بها، أليس كذلك؟”
بقيت صامتة للحظات، تراقب عينيه اللتين كانتا تحملان إصرارًا لا يشبه إصرار أي شخص آخر قابلته.. ثم قالت بتردد لم تستطع إخفاءه:
“أنت تعرف عني إيه عشان تحبني وتبقى متمسك بيا بالشكل ده؟”
تغيرت ملامحه قليلًا، وكأن سؤالها أعاده إلى شيء أعمق من المزاح.. قال بهدوء:
“أعرف عنكِ الكثير… أعرف الأشياء التي تحبينها وتلك التي تكرهينها. أحفظ ملامحك، تفاصيلك، طريقة حديثك… حتى ضحكتك أصبحت أعرفها. أنا مغرم بكل شيء يخصك.”
سكتت تقي، وبقيت تنظر إليه بدهشة حقيقية.
كيف استطاع أن يعرف عنها كل هذا، بينما هي لا تعرف عنه سوى اسمه وبعض كلماته. قالت بصراحة:
“بس أنا معرفش عنك أي حاجة.”
ظهرت في عينيه لمحة عتاب، لكنه حافظ على هدوئه:
“لأنكِ لم تفتحي لي أي باب لأخبرك عن نفسي… لم تمنحيني فرصة لتعرفيني، أو لتري مدى حبي وتمسكي بكِ. أرجوكِ… أعطيني فرصة واحدة فقط. ربما يتغير كل شيء بيننا.”
توقف قليلًا، ثم أكمل بجدية:
“وبعدها، إذا لم ترتاحي لي، وإذا بقي رفضك كما هو…سأتركك وأعود إلى بلدي. هذا وعد مني.”
للمرة الأولى، لم تجد تقي ردًا ساخرًا.. شعرت بشيء بداخلها يدفعها لتصديقه، رغم أنها لم تكن مستعدة للاعتراف بذلك.
خفضت نظرها قليلًا، ثم قالت:
“عاداتنا في مصر مختلفة عن بلدك… مينفعش نخرج ونتقابل كده، ومفيش بينا أي حاجة.”
ما إن سمع كلماتها حتى أضاءت ملامحه بشيء من الفرح، فقد كانت تلك أول مرة لا ترفضه فيها مباشرة.
قال بابتسامة ممتنة:
“أعلم ذلك. حددي موعدًا مع والدك، وسأذهب إليه وأطلبك منه. ستكون فترة الخطوبة فرصة لنتعرف على بعضنا أكثر، وبعدها إذا وثقتِ بي نتزوج.”
ثم أضاف بهدوء:
“وإذا لم يحدث ذلك، فلا بأس… يكفيني أنكِ منحتِني فرصة.”
هزت رأسها بالموافقة:
“تمام… هبعتلك عنوان بيتنا.”
قاطعها بابتسامة صغيرة:
“أعرفه جيدًا… أنتِ فقط حددي الموعد.”
نظرت إليه باستغراب للحظة، ثم قالت:
“هتكلم مع بابا وأحدد معاد وأبلغك.”
مدت هاتفها نحوه:
“اكتبلي رقمك.”
أخذ مهران الهاتف منها، وكانت الفرحة واضحة على وجهه لدرجة أنها لم تستطع منع نفسها من مراقبته.
نظرت له ومن الساعدة التي ظهرت عليه فقط لانها اعطته فرصه.. اذا كيف ستكون فرحته إن وافقت علي الزواج.. هل هو لهذه الدرجة يحبها.
أنهى كتابة رقمه وأعاد الهاتف إليها.. نظرت إليه قليلًا، ثم قالت بنبرة تحذير خفيفة:
“من دلوقتي لحد ما أرن عليك… مش عايزة أشوفك، وإلا هغير رأيي.”
ضحك بهدوء ورفع يديه باستسلام:
“حسنًا، لن أفعل. سأبتعد حتى تتصلي بي… لكن لا تتأخري عليّ.”
نظرت إليه للحظة، ثم استدارت وغادرت لتكمل ما جاءت من أجله.
ظل واقفًا مكانه يتابع ابتعادها، حتى اختفت من أمامه… وفجأة، لم يستطع السيطرة على فرحته.
رفع يده في الهواء، وبدأ يرقص بحماس وهو يغني بسعادة، غير قادر على تصديق أنها وافقت أخيرًا على منحه فرصة.
لكن فرحته توقفت فجأة عندما لاحظ نظرات الناس حوله.
تجمد مكانه، ثم تذكر أن ما يفعله قد يكون طبيعيًا في إيطاليا، لكن هنا… ربما سيظنه الجميع فقد عقله.
ابتلع إحراجه، وفرك مؤخرة رأسه وهو يطلق ضحكة خافتة.. ثم غادر المكان بخطوات سريعة، بينما بقيت ابتسامته لا تفارق وجهه..
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت مرام تضم بطنها بكلتا يديها. لم يتوقف النزيف، وكانت تشعر مع كل دقيقة أن قواها تتسرب منها قطرةً بعد أخرى.
اكتسى وجهها شحوبٌ قاسٍ، وغارت ملامحها حتى بدت كورقةٍ ذابلة لفظها غصنها قبل أوانها. ارتجف جسدها النحيل، وتعالت أنفاسها المتقطعة، بينما كانت آهاتها المكتومة تتحول بين الحين والآخر إلى صرخات تمزق سكون المكان.
ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأغمضت عينيها بقوة وهي تبكي. كان الظلام يطبق عليها من كل اتجاه، حتى خُيل إليها أن شيئًا يزحف في الأركان، وأن عشرات الحشرات ستخرج من بين الشقوق لتلتهمها. حاولت أن تقنع نفسها بأنها مجرد أوهام، لكن الرعب كان أقوى من قدرتها على المقاومة.
انتفضت عندما انشق الصمت بصوت الباب وهو يُفتح.
رفعت رأسها بصعوبة، وأرهفت سمعها لوقع خطواتٍ تقترب ببطء… خطوة تلو الأخرى.
توقف القادم لثوانٍ، ثم أضاء المصباح.
اندفعت الإضاءة إلى عينيها فجأة، فأغمضتهما بسرعة، ورفعت يدها تحجب الضوء عن وجهها. احتاجت بضع لحظات حتى اعتادت عيناها السطوع، ثم أنزلت ذراعها تدريجيًا.
كان عصام يقف أمامها.. تجولت عيناه فوق هيئتها البائسة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة خلت من أي ذرة رحمة.
انهمرت دموعها وهي تقول بصوتٍ متقطع بالكاد خرج من بين شهقاتها:
“أرجوك… خرجني من هنا… أو خدني مستشفى… أنا بموت… والله ما بقيتش قادرة أستحمل… أرجوك.”
انطلقت منه ضحكة ساخرة قصيره. ثم قال ببرودٍ أثار القشعريرة:
“وده بالضبط اللي أنا مستنيه… أوصلك للمرحلة اللي تتمني فيها الموت من الوجع.”
أخرج يده من خلف ظهره ببطء.. تعلقت أنظار مرام بما يحمله، وسرعان ما شحب وجهها أكثر عندما رأت السكين الملطخة بالدماء.
تقدم منها بخطوات هادئة، وقال وكأنه يزف إليها خبرًا سعيدًا:
“بالمناسبة… حبيب قلبك عرف يهرب من رجّالتي، والرصاص اللي سمعتيه مكانش هو اللي أصابه.”
ارتعشت شفتاها، وظهر بصيص أملٍ في عينيها. لكن ذلك الأمل لم يعش سوى لحظات.. مال برأسه قليلًا، وأكمل بابتسامة متشفية:
“أنا اللي قتلته بإيدي… والدم اللي على السكينة ده… دمه.”
تجمدت ملامحها.. بدت وكأنها لم تستوعب ما سمعته.. ثم هزت رأسها بعنف، والدموع تنهمر على وجنتيها وهي تردد بصوتٍ مختنق:
“لأ… لأ… مستحيل…”
ابتسم ابتسامة واسعة، واستمتع بإنكارها قبل أن يقول:
“حصل… ومش بس مات… حبسته بعد ما خلصت عليه، زي ما حبستك هنا. هيقضي عليه الزمن، وجثته هتتعفن… ومحدش هيعرف حتى يدفنه.”
انفجر صوتها وسط بكائها:
“إنت وحش… إنت مش بني آدم… حسبي الله ونعم الوكيل فيك… حسبي الله ونعم الوكيل…”
لم يبدُ عليه أي تأثر.. بل ضحك وهو يناول السكين للرجل الواقف خلفه، فأخذها الأخير وغادر بصمت.
تقدم عصام خطوة أخرى.. أما مرام، فانكمشت إلى الخلف تلقائيًا، حتى اصطدم ظهرها بالحائط، وأخذت تهز رأسها في ذعر.
راقب خوفها باستمتاع، ثم صفق بأصابعه مرة واحدة.. انفتح الباب مجددًا، ودخل أحد رجاله يحمل علبة صغيرة.
انتقلت نظراتها المرتبكة بين الرجل والعلبة، بينما أخذ عصام يفتحها بهدوء، ثم أخرج منها حقنة مجهزة.
ارتعشت شفتاها وهمست بصوتٍ مرتجف:
“إيه ده…؟ هتعمل فيَّ إيه؟”
لم يجبها.. اقترب الرجل منها، وأمسك بذراعيها بقوة، مثبتًا حركتها رغم مقاومتها اليائسة.
حاولت الإفلات، لكنها كانت أضعف من أن تقاوم. خانتها قواها، ولم تستطع سوى البكاء وهي تهز رأسها برجاء.
اقترب عصام أكثر، وغرس الإبرة في ذراعها.
شهقت بقوة، وانكمش جسدها من الألم، بينما سالت دموعها بصمت هذه المرة.
ما إن انتهى حتى نزع الحقنة، وأعادها إلى الرجل الذي خرج بها من الغرفة.
رفعت مرام يدها المرتجفة تتحسس موضع الوخز، وقلبها يخفق بعنف.
لم تكن تعلم ما الذي حُقنت به…لكن جهلها بما ينتظرها كان أشد رعبًا من الحقنة نفسها.
بقي عصام ينظر إليها لحظةً أخيرة، ثم استدار نحو الباب.
انطفأ الضوء.. وعادت العتمة تبتلع المكان من جديد.
أُغلق الباب، ودوى صوت القفل كأنه الحكم الأخير عليها.
زحفت بصعوبة فوق الأرضية الباردة، تجر جسدها المنهك حتى وصلت إلى الباب.
رفعت قبضتيها المرتجفتين، وبدأت تطرق عليهما طرقاتٍ واهنة، بينما كانت شهقاتها تسبق كلماتها:
“متسبنيش هنا… أرجوك… خرجني… هعمل أي حاجة… أي حاجة بس متسبنيش لوحدي…”
لم يجبها أحد.. خارت آخر ذرة قوة داخلها، فانزلقت ببطء حتى استلقى جسدها أسفل الباب مباشرة.
أسندت جبينها إلى الخشب البارد، وأغمضت عينيها وهي تهمس بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
“أرجوكم… خرجوني من هنا…”
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
ظلَّ معتز ممددًا في مكانه، غارقًا في بركةٍ من دمائه التي امتدت حوله حتى صبغت الأرض بلونٍ قاتم. لم يعد جسده يستجيب لشيء، ولم يبقَ سوى أنفاسٍ واهنة تتسلل من بين شفتيه، وجفنين يثقلان شيئًا فشيئًا، يقاومان الاستسلام الأخير.
وفجأة…شقَّ الصمت صوتٌ مكتوم صادر من خلف الباب.
في البداية ظنه مجرد وهمٍ صنعه عقله المنهك، لكن الصوت تكرر، هذه المرة كان أوضح… كانت هناك محاولة شديدة لفتح الباب من الخارج.
بذل جهدًا هائلًا ليرفع جفنيه. استقرت عيناه على الباب، بينما تسلل إلى قلبه خيطٌ رفيع من الأمل… ربما لم تنتهِ حياته بعد.
في الخارج، كانت مريم تدفع الباب بكل ما تملك من قوة، تحاول كسر القفل بأي وسيلة. كانت أنفاسها تتلاحق، ويداها ترتجفان من فرط التوتر، لكنها لم تتوقف.
وأخيرًا…انكسر القفل بصوتٍ حاد.
اندفع الباب إلى الداخل، فهرعت مريم بخطواتٍ متعجلة، لكن ما إن وقع بصرها على معتز حتى تجمدت في مكانها.
شحب وجهها، واتسعت عيناها بصدمة، قبل أن يخرج اسمه من بين شفتيها ممزوجًا بالخوف:
“معتز!”
أسرعت نحوه، وارتمت إلى جواره على ركبتيها، ثم وضعت يدها المرتجفة على وجنته وربتت عليها برفق، وهي تحاول أن توقظه:
“معتز… افتح عينيك… أرجوك رد عليا.”
تحركت أجفانه بصعوبة، وتمكن أخيرًا من فتح عينيه قليلًا.
كانت رؤيته مشوشة، ولم يستطع تمييز ملامحها بوضوح، لكنه أدرك من صوتها أنها مريم.
انحنت نحوه أكثر، وقالت وهي تكافح دموعها:
“متخافش… إنت هتبقى كويس… أنا معاك.”
بعد لحظات، دوّى وقع خطواتٍ مسرعة في المكان.
اندفع أدهم إلى الداخل، وقد ارتسم الذعر على وجهه، وهو ينادي بصوتٍ مرتفع:
“مريم!”
توقفت قدماه عندما رآها جاثيةً بجوار معتز.. أسرع إليها، ثم أمسك كتفيها يتأكد بعينيه من أنها لم تُصب بأذى.
“إنتِ كويسة؟ قلقتيني… مكالمتك خوفتني.”
أشارت بيدها إلى معتز، ولم تستطع إخفاء ارتجافة صوتها وهي تقول:
” هقولك بعدين… دلوقتي لازم ننقذه بسرعة، خدنا على المستشفى… وهحكيلك كل حاجة في الطريق.”
لم يضيع أدهم ثانية واحدة.. أومأ برأسه، ثم انحنى سريعًا، وساعدته مريم في رفع معتز بحذر، خشية أن يزداد نزيفه.
كان جسده متراخيًا تمامًا، ورأسه يتدلى بلا مقاومة، بينما كانت قطرات الدم تتساقط خلفهم مع كل خطوة.
أخرجاه من المكان بأقصى ما استطاعا من سرعة، ثم وضعاه في المقعد الخلفي للسيارة.
انطلقت السيارة تشق الطريق نحو أقرب مستشفى…
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
عاد لؤي إلى المول، ثم أنزل حسن برفق، وبقي ينظر إليه للحظات وقد بدأ شعورٌ ثقيل بالذنب يزحف إلى داخله.
رفع حسن رأسه إليه، وكانت عيناه الصغيرتان تلمعان بالدموع، بينما ارتجفت شفتاه وهو يقول بصوتٍ خافت امتزج بالخوف:
“هتسيبني هنا لوحدي؟… المكان ضلمة أوي… وأنا خايف.”
تنهد لؤي بضيق، ووضع كلتا يديه على خصره، ثم أشاح ببصره بعيدًا كأنه يحاول التهرب من الموقف بأكمله.
عاد يرمق الصغير وقال متذمرًا:
“بص يا ابني… أنا اللي فيا مكفيني، مليش دعوة بحوارات أمك دي.”
ما إن سمع حسن كلماته حتى انخفض رأسه، وبدأت دموعه تنساب في صمت، قبل أن يهمس برجاءٍ مزق قلب لؤي رغم محاولته التماسك:
“متسبنيش لوحدي… أرجوك.”
أطبق لؤي على فكيه في ضيق، ثم ضرب الأرض بطرف حذائه بعصبية، وأخذ يلتفت حوله باحثًا بعينيه عن أي أثر لأسيل.
تمتم وهو يزفر بحرارة:
“طيب… أمك راحت فين؟ وهترجع إمتى؟”
هز حسن رأسه بالنفي، وعيناه لا تزالان معلقتين بالأرض.
مرر لؤي يده بين خصلات شعره في توتر، وقال بضجرٍ امتزج بالحيرة:
“وأنا المفروض أعمل إيه دلوقتي؟”
ساد الصمت للحظات…ثم توقفت سيارة سوداء غير بعيدة عنهما.
انعقد حاجباه تلقائيًا، واتجهت أنظاره نحوها في ترقب.
أما حسن، فما إن وقعت عيناه على باب السيارة حتى أضاء وجهه فجأة، وصاح بفرحة غامرة:
“ماما!”
اندفع بأقصى سرعته نحوها.. كانت أسيل قد ترجّلت للتو من السيارة، وما إن وصل إليها حتى ارتمى بين ذراعيها، يحيط خصرها الصغير بكل ما يملك من قوة، وهو يبكي:
“متسبنيش تاني… متروحيش وتسيبيني.”
أغمضت أسيل عينيها للحظة.. اجتاح كتفها المصاب ألمٌ حاد كاد يفقدها توازنها، وشحب وجهها حتى بدا خاليًا من الحياة، لكن رغم ذلك… ضمته إليها بحنان، ومررت كفها المرتجفة فوق شعره.
قالت بصوتٍ متعب بالكاد سُمع:
“مش هسيبك تاني… أبدًا.”
كان لؤي قد اقترب بخطواتٍ سريعة، والغضب يملأ ملامحه، فقد كان ينوي أن يواجهها على ما فعلته.
لكن…ما إن أصبح على مقربة منها حتى خمد غضبه .
وقعت عيناه على بقع الدم التي لوثت ملابسها الداكنة، ولم يكن حسن قد انتبه إليها لصغر سنه.
رفع بصره إلى وجهها، فرأى الشحوب الذي غطى ملامحها، والتنفس المتقطع، والجهد الواضح الذي تبذله حتى تبقى واقفة.
توقف أمامها مباشرة.. ابتعدت أسيل قليلًا عن حسن، ورفعت رأسها نحوه، ثم أسندت ظهرها إلى السيارة بعدما خانتها ساقاها، وقالت بابتسامة باهتة حاولت أن تخفي بها إنهاكها:
“كنت واثقة… إنك هتاخد بالك منه… لحد ما أرجع.”
ظل ينظر إليها لثوانٍ، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.. ثم خرج سؤاله دون أن يشعر:
“إنتِ كويسة؟”
انتبه حسن أخيرًا إلى شحوب والدته، فاقترب منها وهو ينظر إليها بقلق:
“مالك يا ماما؟”
حاولت أن تطمئنه، لكنها لم تستطع.. أغمضت عينيها بقوة، ووضعت يدها فوق كتفها المصاب، بينما ارتسم الألم بوضوح على وجهها.
ارتفع صوت حسن باكيًا:
“ماما… في إيه؟ ردي عليا.”
حاولت أن ترفع رأسها، لكن جسدها لم يعد قادرًا على الاحتمال.. ترنحت فجأة…وفقدت وعيها.
وقبل أن يرتطم جسدها بالأرض، اندفع لؤي نحوها والتقطها بين ذراعيه.
جثا على ركبته، وربت على وجنتها بخفة، وقد تبدلت نبرة صوته تمامًا:
“أسيل… افتحي عينك… أسيل!”
تعالت شهقات حسن، وأخذ يبكي في هلع.
التفت إليه لؤي سريعًا، محاولًا تهدئته رغم القلق الذي بدأ يسيطر عليه:
“اهدى… مفيهاش حاجة… هتبقى كويسة.”
لكن عينيه عادتا إلى موضع يدها.. أزاح طرف ملابسها بحذر…فتجمد مكانه.
كانت رصاصة قد اخترقت كتفها، والدماء ما زالت تنزف منها.
اتسعت عيناه في صدمة، ولم يمنح نفسه فرصة للتفكير.. حملها بين ذراعيه على الفور، ثم التفت إلى حسن وقال بحزم:
“افتح الباب بسرعة!”
أسرع حسن يفتح باب السيارة، فوضعها لؤي برفق في المقعد الخلفي، ثم جلس الصغير بجوارها، ورفع رأسها على ساقيه، وأخذ يهزها بيديه الصغيرتين وهو يقول:
“ماما… ردي عليا… بالله عليكِ ردي.”
أغلق لؤي الباب بعجلة، واستقل مقعد القيادة، ثم شغّل المحرك وانطلق بأقصى سرعة نحو أقرب مستشفى، بينما كان قلبه يخفق بعنف… ولم يكن يعلم إن كان سيصل بها في الوقت المناسب أم لا…
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وقفت ياسمين عند سور السفينة، تستقبل نسمات البحر التي كانت تعبث بخصلات شعرها، بينما وقف فارس خلفها يحتضن خصرها بذراعٍ واحدة، وأسند ذقنه برفق فوق رأسها.
ظل يتأمل الأفق الممتد أمامه في صمت،وبعد لحظات، قطع السكون بصوتٍ هادئ:
“إيه رأيك في نهاية الفيلم؟”
التفتت إليه باستغراب، وعقدت حاجبيها وهي تقول:
“نهاية الفيلم؟”
أومأ برأسه، وظلت عيناه معلقتين بالأفق:
“آه… نهاية جاك وروز… لما هو مات، وقصتهم مكملتش.”
تبدلت ملامحها في الحال، وانطفأت الابتسامة التي كانت تزين وجهها.. قالت بأسى:
“وحشة أوي… أنا بكره النهايات دي. ليه واحد يمشي… والتاني يفضل طول عمره يتعذب بفراقه؟”
ثم رفعت بصرها إلى البحر، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حالمة وهي تسترسل:
“أنا بحب أي اتنين بيحبوا بعض يفضلوا مع بعض لآخر العمر… ولما ييجي وقتهم، يمشوا سوا… بعد ما يعيشوا كل لحظة كانوا بيتمنوها.”
أدار فارس وجهه نحوها ببطء، وتأمل ملامحها طويلًا، قبل أن يسأل بصوتٍ خافت اختلطت فيه المرارة بالخوف:
“طيب… ولو كانت نهايتنا زيهم؟”
التفتت إليه، ولم تفهم قصده في البداية.. قالت وهي تراقب تعبيرات وجهه:
“زيهم إزاي؟… أنهي نهاية؟”
ابتلع غصته بصعوبة، ثم أجاب بعد تردد:
“الأولى…”
ظلت تنظر إليه لثوانٍ، تحاول أن تستوعب ما يقوله إليها.. ثم اتسعت عيناها ، وهمست بصوتٍ مرتجف:
“قصدك… نهاية الفيلم؟”
لم يجب.. واكتفى بالنظر إليها.. كان صمته أبلغ من أي كلمة.. شعرت بانقباضٍ حاد في صدرها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها دون إرادة.. هزت رأسها بالنفي، وقالت بصوتٍ مخنوق:
“إنت بتهزر… صح؟”
تألم قلبه لرؤية دموعها.. أراد أن يتراجع، أن يمحو السؤال كله، فقال محاولًا التخفيف عنها:
“أنا بس بقول… افرضي إن…”
لكنها قاطعته بعصبية، وخرجت كلماتها ممزوجة ببكائها:
“لا… مش هفترض أي حاجة!”
ارتفع صوتها وهي تهز رأسها بعناد، والدموع تنهمر على وجنتيها.
“إوعى حتى تفكر تبعد عني… فاهم؟! إنت عارف أنا متعلقة بيك قد إيه؟… أنا من غيرك مش هعرف أعيش… ولا هعرف أكمل حياتي.”
لم يعد يحتمل.. رفع كفيه وأحاط وجهها برفق، ثم أخذ يمسح دموعها بإبهاميه، بينما كانت عيناه تمتلئان بالدموع هو الآخر.
وفي اللحظة التالية، جذبها إلى صدره بقوة.. أغمض عينيه، وشدد ذراعيه حولها. كان صدره يضيق مع كل فكرة تمر بعقله…
كيف ستعيش إذا رحل؟
تشبثت به أكثر، وكأنها تخشى أن يختفي إن تركته للحظة.. قالت وسط بكائها:
“إوعى في يوم تبعد عني… إنت وعدتني كتير إنك هتفضل معايا… وإننا هنكمل سوا.”
ازدادت قبضتها حوله، ودفنت وجهها في صدره وهي تردد برجاءٍ موجع:
“مش عايزة نهايتنا تبقى زيهم… مش عايزة.”
أغمض فارس عينيه بقوة.. انسابت دمعة ساخنة على خده، فسارع إلى مسحها قبل أن تشعر بها.
ثم أبعدها عنه برفق، وأعاد ترتيب خصلات شعرها المبعثرة، وهو يرسم ابتسامة شاحبة حاول أن يخفي بها كل ما بداخله.
قال بصوتٍ حنون:
“وأنا مش هبعد عنك… كنت بس بفرض احتمال، مجرد كلام.”
نظرت إليه بعتابٍ امتزج بالخوف، ثم قالت:
“مش عايزة نتكلم في الحاجات دي تاني… اتكلم معايا في أي حاجة غيرها.”
اتسعت ابتسامته قليلًا، رغم الألم الذي ينهش قلبه:
“حاضر… خلاص. فكي بقى.”
لكن القلق لم يفارق عينيها.. مد يده، وأزاح خصلةً من شعرها كانت الرياح تدفعها فوق وجهها، ثم قال برقة:
“اطمني… نهايتنا هتبقى زي ما بتتمني… إن شاء الله.”
عادت إلى حضنه مرة أخرى، وأسندت رأسها إلى صدره، بينما بقي هو يربت على ظهرها في هدوء، يخفي ارتجافة يده بصعوبة.
وبعد دقائق، ابتعد عنها مبتسمًا وقال:
“الجو بدأ يبرد… ادخلي اعمليلنا حاجة سخنة من إيدك الحلوة دي “
أومأت برأسها في صمت.. سارت ببطء نحو الداخل، لكنها كانت تلتفت إليه بين الحين والآخر.. كان هناك شيء في عينيه لم تطمئن له.
إحساسٌ غامض ظل يلاحقها… وكأن فارس يخفي عنها حقيقةً يخشى البوح بها.. ظلت تنظر إليه حتى اختفت .
وما إن غابت عن ناظريه…حتى سقط القناع.. ارتخت كتفاه، وانحنى بجسده مستندًا إلى سور السفينة، وكأن القوة التي كان يتشبث بها طوال حديثه قد تلاشت دفعةً واحدة.
أغمض عينيه، وانسابت دموعه في صمت، دون أن يحاول إيقافها.
رفع بصره إلى السماء، وشفتيه تتحركان بدعاءٍخافت بأن يمد بعمره اكثر..
أطرق فارس برأسه، وما زال دعاؤه يهمس به بين شفتيه، قبل أن ينتفض جسده فجأة حين شعر بكفٍ تستقر فوق كتفه.
توقف الزمن بالنسبة إليه.. لم يلتفت.. كان يعرف لمسة ياسمين جيدًا… كانت دائمًا رقيقة، دافئة، تبعث في قلبه سكينةً غريبة. أما هذه اللمسة، فكانت ثقيلة، خشنة، تحمل قوة رجل وليست امرأه.
انعقد حاجباه، وتسارعت أنفاسه.. كيف…؟ لا يوجد على متن السفينة سواهما.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم استدار ببطء شديد، وكأنه يخشى رؤية ما ينتظره خلفه.
وما إن استقرت عيناه على الوجه المقابل له، حتى تجمدت ملامحه، وشحب وجهه بصورة ملحوظة.
كان هاني.
يقف أمامه بهيئته المعتادة، وعلى شفتيه ابتسامة باردة تبعث القشعريرة في الأجساد، بينما راحت عيناه تتأملانه باستمتاعٍ واضح.
قال بصوتٍ خرج أشبه بفحيح أفعى:
“إزيك يا أخويا… وحشتني.”
ظل فارس يحدق فيه دون أن ينبس بحرف، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
رفع هاني بصره نحو السماء، ثم تنفس بعمق وقال بنبرةٍ هادئة أثارت الرعب في نفس فارس:
“حاسس إن الجو بدأ يتغير… مش كده؟”
دون وعي، رفع فارس رأسه إلى الأعلى.
كانت السماء الصافية قد اختفت، وحلت محلها غيومٌ سوداء كثيفة، أخذت تتجمع فوق السفينة بسرعة مخيفة، بينما اشتدت الرياح حتى راحت تعصف بثيابه وتبعثر شعره، وبدأت الأمواج ترتطم بجسم السفينة بعنف، فتأرجحت تحت قدميه.
أنزل بصره إليه من جديد.
مال هاني برأسه قليلًا، واتسعت ابتسامته وهو يقول بصوتٍ خافت حمل سمًّا قاتلًا:
“وابنك… نور… عامل إيه؟”
ارتجف جسد فارس.. ظل ينظر إليه بعدم استيعاب، بينما أخذت أنفاسه تتسارع شيئًا فشيئًا.
عاد…عاد ذلك الكابوس من جديد.. همس لنفسه بصوتٍ بالكاد سمعه:
“مستحيل… لا.”
لكن هاني لم يتوقف.. بدأ يقترب منه بخطواتٍ بطيئة، وكل خطوة كان يخطوها كانت تدفع فارس للتراجع دون شعور، حتى أصبح ظهره يلامس سور السفينة، بينما كانت الرياح تزداد عنفًا، والسماء تزداد ظلمة.
وفجأة…مزق صراخٌ حاد سكون المكان.
“فاااارس!”
اتسعت عينا فارس، وانقبض قلبه بقوة حتى كاد يتوقف.. كان صوت ياسمين.
استدار في لمح البصر، وانطلق نحو باب السفينة بكل ما يملك من قوة.
لكن قبل أن يصل…دوى انفجارٌ هائل هز السفينة بأكملها.
ارتج المكان من تحته، واندفعت ألسنة اللهب من الداخل كوحشٍ مفترس، لتلتهم الممرات والأثاث وكل ما يقابلها في ثوانٍ معدودة.
تراجع فارس خطوة بفعل شدة الانفجار، ثم اندفع مرة أخرى غير عابئ بالنيران التي كانت تعترض طريقه.
صرخ بأعلى صوته، حتى بحَّ صوته من شدة الفزع:
“ياسمين!”
حاول اقتحام المدخل، لكن ألسنة اللهب كانت أعلى من أن تسمح له بالمرور، وحرارتها كادت تحرق وجهه.
مد ذراعه نحو الداخل في محاولة يائسة، ثم تراجع مرغَمًا.
أخذ يطرق الباب ويضربه بقبضتيه بعنف، وهو يصرخ بجنون:
“ياسمين!… ردي عليا!… ياسمين!”
لم يجبه أحد.. لم يسمع سوى هدير النيران وهي تزداد اشتعالًا، وصوت الأخشاب وهي تنهار في الداخل.
اهتز رأسه بعنف، وانهمرت دموعه دون أن يشعر بها، بينما أخذ يردد اسمها بصوتٍ مبحوح، وكأن مجرد سماع صوتها سيعيد إليها الحياة:
“ياسمين… بالله عليكِ ردي… ردي عليا…”
ظل فارس واقفًا أمام النيران، عاجزًا عن استيعاب الصمت الذي حلَّ فجأة.
لا صراخ…لا صوت لياسمين…ولا أي حركة تأتي من الداخل.
هز رأسه بعنف، وكأنه يرفض تصديق المشهد أمامه..
“لا… لا “
خرجت منه بصوتٍ ضعيف، بينما راحت عيناه تبحثان بجنون عن أي علامة تدل على أنها ما زالت هناك.
وفجأة…تردد خلفه صوت ضحكة… ضحكة باردة، ساخرة.
استدار فارس ببطء.. كان هاني يقف خلفه، يراقبه بابتسامة مليئة بالشماتة.
اشتعل الغضب داخل فارس، واختلط بألمه، فصرخ نحوه بصوتٍ مرتجف:
“كدب!… كل اللي بشوفه دلوقتي مش حقيقي! إنت عايز مني إيه؟! مش كفاية اللي عملته فيا زمان؟! لسه عايز تعمل فيا إيه تاني؟!”
ظل هاني ينظر إليه بهدوء مستفز، ثم أطلق زفرة طويلة وكأنه يستعيد ذكرى قديمة.. قال بصوتٍ منخفض:
“فاكر آخر حاجة قلتها لك يا فارس؟”
صمت للحظة، ثم ارتسمت ابتسامة باردة على وجهه:
“قلتلك… مش هسيبك. هقتلك… وهدمر حياتك.”
خرجت من فارس ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي سعادة.. كانت ضحكة شخص أنهكه الألم حتى لم يعد يملك سوى السخرية من وجعه.. انسابت دموعه وهو يقول:
“تدمر حياتي؟…”
خفض عينيه للحظة، ثم رفعهما إليه:
“ما هي اتدمرت أصلًا.”
لم يتغير تعبير هاني.. تقدم نحوه بخطواتٍ بطيئة، وصوته يزداد وضوحًا مع كل خطوة:
“وأنا مش هسيبك يا فارس… وهقتلك.”
تراجع فارس للخلف، لكن سرعان ما توقف.. لم يكن هناك مكان ليتراجع إليه.. كانت ألسنة اللهب قد بدأت تنتشر حوله، تلتهم أجزاء السفينة، وتقترب منه أكثر فأكثر.
استدار للحظة نحو النار، ثم عاد ببصره إلى المكان الذي كان يقف فيه هاني…لكنه لم يكن هناك.
اختفى.. تجمد فارس في مكانه.. أخذ يبحث بعينيه في كل الاتجاهات، يحاول العثور عليه.
لا شيء.. لا أثر له.وفجأة…شعر بيدٍ تستقر على كتفه.
انتفض جسده بالكامل.. استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.. اتسعت عيناه، وبدأ صدره يعلو ويهبط بعنف.
نظر حوله… النيران…. العاصفة…هاني…كل شيء كان ينهار داخل رأسه.
وعاد الصوت من جديد.. صرخات ياسمين.. كانت تصل إلى أذنيه كأنها قريبة منه، كأنها تناديه من وسط الجحيم.
هز فارس رأسه بعنف، ووضع كفيه فوق رأسه، وضغط عليهما بقوة.
لم يعد يحتمل.. كان يشعر أن العالم يدور من حوله، وأن عقله سينفجر من شدة الألم والارتباك.
صرخ بصوتٍ محطم:
“كفاية!… خلاص كفاية!… ابعد عني!”
ظل يضغط على رأسه، يحاول إسكات الأصوات التي تلاحقه.
لكنها لم تتوقف.. وفجأة…. عاد الإحساس نفسه.. يد على كتفه.. هذه المرة لم يفكر.. نفد صبره تمامًا.
استدار بعنف، وأمسك بصاحب اليد من عنقه بكل قوته، ودفعه للخلف وهو يصرخ بغضب:
“قولت خلاص كفايه”
لكن صوته اختنق فجأة.. تجمدت يداه.. توقفت أنفاسه.. لم يكن هاني.. كانت ياسمين.
اتسعت عيناه في رعب، وكأنه استيقظ من كابوسٍ مرعب.
ترك عنقها فورًا وتراجع خطوة، بينما بدأت هي تسعل بعنف، واضعة يدها على رقبتها وهي تحاول التقاط أنفاسها.
“فارس…”
خرج اسمه بصوتٍ ضعيف من فمها.
ظل ينظر إليها غير قادر على الحركة.. ثم بدأ يلتفت حوله ببطء.
لا نيران.. لا عاصفة.. لا هاني.. كانت السفينة هادئة كما كانت منذ لحظات.. كل شيء في مكانه.
الخامس والعشرين من هنا