روايات شيقة
رواية بين النفوذ والقلب الفصل السابع عشر 17 بقلم نسرين نادر
رواية بين النفوذ والقلب الفصل السابع عشر 17 بقلم نسرين نادر
الفصل السابع عشر: عاصفة الصباح
صلي على النبي ي سكر 
دلف آسر الحديدي من الباب الزجاجي الرئيسي للشركة بخطواته العسكرية المهيبة التي تجعل الجميع يقفون انتباهاً بمجرد مروره. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة تبرز عرض كتفيه وجاذبيته الطاغية، لكن ملامح وجهه كانت صارمة، وعيناه تحملان نظرة حادة لم تجرؤ سكرتيرة الاستقبال على النظر إليها مباشرة.
توجه نحو مكتب السكرتارية الخاص به، ووقف أمام مكتب مها، وسألها بنبرة جافة ورخيمة دون أي مقدمات:
“البشمهندسة هنا وصلت؟”
نظرت إليه مها بتوتر وقالت بسرعة: “لأ يا مستر آسر.. لسه ما جتش.”
بقلمي نسرين نادر
عقد آسر حاجبيه بضيق لم يستطع إخفاءه، ثم قال بنبرة آمرة وقاطعة: “لما تيجي.. تخليها تدخلي على مكتبي علطول، مفهوم؟”
أومأت مها برأسها بخوف: “حاضر يا مستر آسر، أول ما توصل هبلغها علطول.”
تحرك آسر ودخل مكتبه الفخم، وأغلق الباب خلفه. توجه نحو مكتبه الخشبي الكبير، لتجذب انتباهه فوراً تلك القائمة البيضاء القابعة في منتصف المكتب.. إنه الملف الكامل الذي طلبه من عمر ليلة أمس.
جلس على كرسيه الجلدي، وسحب الملف بحدة وعيناه تتفحصان الأوراق بشغف غاضب. بدأ يقرأ السطور المكتوبة بدقة.. “سامي العز.. كبير مهندسي شركة المقاولات الحديثة.. السيرة الذاتية ممتازة.. السكن القديم: نفس البناية التي تقطن بها عائلة المهندسة هنا عبد العظيم”.
استمر آسر في القراءة حتى وصلت عيناه إلى تقرير التحريات الجانبية، وهنا تيبست عروقه واشتعلت عيناه بكتلة من اللهب وهو يقرأ الكلمات التالية: “طبقاً للمعلومات المحيطة، فإن المهندس سامي كان بمثابة الأخ الأكبر لـ زياد شقيق هنا، وكان يحظى بمكانة خاصة جداً لدى العائلة، كما أشارت بعض المصادر المقربة في الحي القديم أنه كان يحمل إعجاباً كبيراً وقديماً بـ هنا قبل انتقال عائلته، وكان الجميع يتوقع ارتباطهما مستقبلاً”.
“ارتباطهما مستقبلاً؟!”
تمتم آسر بالكلمة بصوت منخفض حاقد، وشعر بغيرة عمياء تنهش صدره، وتملك مرعب يسيطر على عقله. أغلق الملف بعنف شديد أحدث صوتاً دوى في أرجاء المكتب، وضغط على حافة المكتب بقبضته وعروق يده تبرز بشكل مخيف. لم يحتمل الجلوس ثانية واحدة، فقام واقفاً وعدّل جاكيت بدلته، وقرر الخروج فوراً ليتفقد المكان، فهو لن يظل جالساً والنار تأكله.
فتح باب مكتبه وخرج وعلامات الغضب والوعيد ترتسم على كل إنش من وجهه. نظر إلى مها وقال بصوت جهوري: “هنا جت؟”
انتفضت مها من مكانها وقالت بتلعثم: “لأ لسه يا فندم.. بس أنا كلمتها في التليفون والمفروض إنها دخلت مبنى الشركة حالياً وطالعة في الأسانسير.”
لم يرد عليها، بل تحرك بخطوات سريعة وواسعة نحو الخارج وهو يمسك بكوب القهوة الساخنة الخاص به، وقرر أن ينزل ليرى بنفسه سبب هذا الاستهتار والتأخير.
وفي تلك الأثناء، كان باب الأسانسير يفتح في الدور الخاص بمكتبه، لتخرج منه هنا وهي تمشي بسرعة وتحمل حقيبتها، وبجانبها نسمة التي كانت تلتفت يميناً ويساراً بمنتهى الفضول والانبهار، تتأمل الديكورات والأسقف واللوحات الفخمة المعلقة.
كانت هنا تسير وتتحدث بنبرة منخفضة ومحذرة: “بوس إيدك يا نسمة.. إحنا في شركة الحديدي، يعني الانضباط والبرستيج رقم واحد، اتقلي كده وامشي معايا بهدوء ورسمية عشان شكلي قدام الموظفين، ده أول يوم ليكي!”
لوحت نسمة بشنطتها الكبيرة في الهواء وقالت بعفوية وخفة دم وهي تمضغ العلكة: “يا بنتي عيب عليكي! ده أنا هبهرك، هو أنا أي حد؟ بعدين المكان يفتح النفس صراحة، تحسي إننا داخلين متحف مش شركة مقاولات.. شوفي النجفة دي شبه اللي…”
لم تكمل نسمة جملتها، لأنها كانت تلتفت للخلف وتنظر للسقف، وفي نفس اللحظة كان آسر يخرج من الممر الجانبي بسرعة وعيناه مثبتتان في الأرض بغضب..
وفجأة.. “بوم!”
اصطدمت نسمة بجسد آسر الصلب بقوة. ومن شدة الصدمة، اختل توازن آسر واندفعت يده، لينسكب كوب القهوة الساخن بالكامل على قميصه الأبيض الناصع وجاكيت بدلته الفخم!
تسمرت هنا في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة ورعب حقيقي، وشعرت أن دمها تجمد في عروقها وهي ترى بقعة القهوة الكبيرة تنتشر على قميص آسر، الذي وقف مكانه كالصنم وعيناه تشتعلان بجحيم مستعر، ونظراته يمكنها أن تقتل.
بقلمي نسرين نادر
أما نسمة، فتحت فمها بذهول، وبدلاً من أن تتراجع أو تخاف، دفعتها عفوية طيبة و”لخمة” غير مبررة إلى أن تفتح شنطتها بسرعة وتخرج علبة “مناديل مبللة”، وامتدت يدها مباشرة لتضع المنديل على صدر آسر وتبدأ في مسح القهوة بحماس قائلة بتلقائية وخفة دم:
“يا نهار أبيض! يا نهار مش فايت! متأسفة جداً يا مستر آسر، والله مكانش قصدي.. فداك ألف قميص يا يا راجل كبر مخك، بس ما تقلقش القهوة ريحتها حلوة بن غامق صح؟ والوايبس ده بريحة الخوخ هيضيع البقعة علطول!”
أبعد آسر يد نسمة عنه بجفاء وعنف وهو يزفر بأنفاس حارة من شدة الغيظ، وثبّت عينيه التي تطلق شراراً على هنا، ثم تحرك خطوتين بطيئتين نحوها، وقال بنبرة منخفضة كفحيح الأفعى تحمل وعيداً مرعباً:
“البشمهندسة هنا.. أنا قولت لما تيجي تدخلي مكتبي علطول، مش تجيبي معاكي إعصار يهد الشركة ويبوظ لي يومي من أوله! ورايا على المكتب.. حالاً!”
تحرك آسر ودخل مكتبه بخطوات غاضبة، ودلف مباشرة إلى الحمام الداخلي الملحق بمكتبه ليبدل قميصه بآخر بديل يحتفظ به للطوارئ. في تلك الأثناء، كانت هنا تقف في منتصف المكتب ووجهها يشتعل خجلاً وضيقاً، بينما نسمة بدأت تتنقل في المكتب بفضول وتتحسس الأثاث الفخم
قائلة: “يخرب بيتك يا هنوش، المدير بتاعك ده هيبته تخوف، بس صراحة هيبة تجنن.. تفتكري هيرفدني من أول يوم؟”
ردت هنا بغيظ مكتوم: “اسكتي خالص يا نسمة، مش عايزة أسمع صوتك لحد ما نشوف المصيبة دي هتقفل على إيه!”
بعد دقيقتين، خرج آسر بكامل أناقته وهيبته بعدما ارتدى قميصاً أسود فخماً برزت معه عضلات صدره وجاذبيته الطاغية، وجلس خلف مكتبه بجمود. نظر إلى هنا ونسمة بنظرات حادة، ثم قال بنبرة جافة وعملية تحمل أمراً قاطعاً:
“البشمهندسة الجديدة دي عقاباً ليها على استهتارها من أول يوم.. وأنتِ كمان يا بشمهندسة هنا عقاباً ليكي على عنادك ومجرد تفكيرك في اللي كنتِ عايزة تعمليه إمبارح.. فالمشروع ده مش هتراجعوه في قاعة الاجتماعات بره.”
عقدت هنا حاجبيها باستغراب وسألته: “أمال هنراجعه فين يا فندم؟”
ارتسمت على شفتي آسر ابتماس باردة تحمل غموض وتملّك أعمى، وهو يربت بيده فوق ملف سامي وقال بثقة:
“هنا.. في مكتبي أنا، وتحت إشرافي الشخصي! الباشمهندس سامي وتيمه هيجوا بعد ساعة، والشغل كله هيبقى قدام عيني على الترابيزة الجانبية دي.. وممنوع منعاً باتاً أي كلام جانبي بره حدود الأرقام والمشروع.. وأظن كلامي واضح ومفهوم؟”
رفعت هنا رأسها بكبرياء وقالت بثبات: “تمام يا مستر آسر، الشغل شغل وأنا مابتعداش حدودي.”
وقبل أن تتحرك، سحب آسر من درج مكتبه كارتين دعوة فخمين جداً باللون الأسود والذهبي، وألقاهما على المكتب ببرود وقال: “بالليل.. حفلة عيد ميلاد جيجي في القصر.. الحضور إجباري ليكم أنتوا الاتنين، عشان تصلحوا اللخبطة اللي عملتوها الصبح، وأظن اسم آسر الحديدي سبب كافي جداً ومبيتردش عليه.”
هنا كانت لسه هتعتذر وترفض، بس نسمة عيونها لمعت أول ما شافت الكروت الفخمة، ونسيت الرعب تماماً واندفعت قائلة بعفوية وخفة دم: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! الحفلة دي فيها بوفيه مفتوح صح يا مستر آسر؟ أصل أنا بموت في السواريهات اللي فيها عشاء فخم!”
نظر إليها آسر بنظرة حواجب معقودة من شدة الذهول من جرأتها وعفويتها، بينما هنا شدت نسمة من يدها بسرعة وقالت بكسوف شديد: “عن إذنك يا فندم.. هنجهز الشغل.” وسحبتها وجريت بها خارج المكتب قبل ما نسمة تنطق بكلمة تانية.
خرجت هنا وسحبت نسمة خلفها بسرعة حتى دخلتا مكتب التيم وأغلقتا الباب، والتفتت هنا إليها وعيناها تتطايران بالشرار والغيظ، وقالت بنبرة حادة ومنخفضة:
“إيه اللي أنتِ عملتيه جوه ده يا نسمة؟! بوظتي قميص الراجل، ونازلة فيه تمسيح بالوايبس، وفي الآخر بتسأليه عن البوفيه المفتوح؟! أنتِ كنتِ واعية لنفسك؟!”
نظرت إليها نسمة بنبرة حزينة ومصطنعة بخفة دم، ولوت شفتيها قائلة:
“أنا عملت إيه بس يا هنوش؟ يعني أنا حسيته من كلامكِ إمبارح إنه متنشن قوي من اللي حصل، فحبيت ألطف الجو وأهزر معاه وأفك الشد ده.. بس هو صراحة شكله وشه خشب قوي يا هنا، ومحدش ينفع يهزر معاه خالص، ده بيبص بالنظرة بيموت!”
ضخمت هنا عينيها وقالت بقلة حيلة:
“وشه خشب؟! أنتِ مش فاهمة أنتِ عملتِ إيه اصلاً! بغبائك ده دلوقتي هيخليني أنا وسامي والتيم كله تحت عينيه وفي مكتبه.. والله أعلم هيعمل إيه تاني! كفاية الإحراج اللي أحرجني فيه إمبارح، وأحرج سامي قدام الوفد اللي كان قاعد كله!”
بقلمي نسرين نادر
لوحت نسمة ببراحة بملامح واثقة وقالت بخبث ومرح:
“ولا يهمك يا بنتي.. الراجل ده شكله أصلاً جاب دي في دي! طب بذمتكِ، مش كان الأسهل له كمدير إنه يعاقبني ويرفدني؟ أو يديني شغل كتير فوق دماغي؟ لكن يعاقبنا بإنك تقعدي تحت عينيه هو وسامي في نفس المكتب؟! يا بنتي ده بيغير، ده لاقاها حجة أصلاً عشان يراقبكم وميديش لسامي فرصة يتنفس معاكي.. جاب دي في دي وفهمتكِ خلاص!”
اتسعت عيناها هنا بذهول وخجل من كلام نسمة المباشر، وحاولت التملص وهربت عيناها بعيداً وهي تفتح ملفات المشروع على المكتب وتقول بتوتر:
“طب يا نسمة.. طيب يا ستي، ماشي ماشي.. يلا بقى تعالي هنا وركزي معايا خلينا نشوف شغلنا، الباشمهندس سامي والتيم بتاعه خلاص ميعادهم كمان عشر دقائق ولازم نكون جاهزين بكل حاجة.”
بالفعل، لم تمر سوى عشر دقائق حتى أعلنت مها سكرتيرة آسر عن وصول وفد الشركة الثانية. تحرك الجميع نحو مكتب مستر آسر، ودلف سامي العز ومعه تيم المهندسين بكامل أناقتهم ورسميتهم.
وقف آسر خلف مكتبه بهيبته الطاغية، وتقدم نحوهم بخطوات واثقة، وقابلهم بترحيب رسمي جاف، وعندما مد يده ليسلم على سامي، كان سلاماً باقتضاب شديد وقبضة قوية تحمل تحدياً صامتاً، وهو يقول بنبرة رخيمة: “أهلاً باشمهندس سامي.. اتفضلوا.”
في تلك اللحظة، دلفتا هنا ونسمة إلى المكتب وهما تحملان ملفات التصاميم. تقدمت هنا بابتسامة مهذبة وعملية وقالت لسامي والتيم: “أهلاً بحضراتكم، نورتوا الشركة وإن شاء الله نطلع بنتيجة ممتازة للمشروع النهارده.”
دخلت نسمة وراءها، وما إن وقعت عيناها على سامي حتى اتسعت عيناها بذهول وقالت بتلقائية وخفة دم: “إيه ده؟ الباشمهندس سامي! عاش من شافك يا باشمهندس!”
التفت إليها سامي بابتسامة وفرحة حقيقية قائلًا: “نسمة؟! هو أنتِ كمان بتشتغلي هنا؟ يا محاسن الصدف.. إزايِك وعاملة إيه؟”
ردت نسمة بضحكة خفيفة: “بخير الحمد لله، في قلب الحدث أهو!”
سأله سامي باهتمام عائلي: “إزاي الحاج محمود عامل إيه وصحته إيه دلوقتي؟”
قالت نسمة: “الحمد لله بنعمة، بيسلم عليك كتير والله.”
تابع سامي بابتسامة: “الله يسلمه.. وأحمد خطيبك عامل إيه وأخباره إيه في الشغل؟”
ردت نسمة: “تمام الحمد لله، كله تمام.”
في هذه الأثناء، كان آسر واقفاً يتابع الحوار وعيناه تتنقلان بينهما بوجوم شديد، وشعر وكأن عائلة هنا بالكامل وصديقاتها يملكون تاريخاً مشتركاً مع هذا الرجل! ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وباردة، وقال بنبرة متهكمة وتحمل ضيقاً مكتوماً:
“ما شاء الله يا باشمهندس سامي.. واضح إنك عارف العيلة كلها وبطاقات التعارف جاهزة! ناقص نعرف أسامي الجيران كمان.. مش يلا بينا نبدأ الاجتماع ولا إيه؟”
شعر سامي بنبرة آسر الهجومية، لكنه حافظ على هدوء مهندس محترف، ونظر إليه بثبات قائلاً: “أوي أوي يا مستر آسر.. اتفضل، الشغل أهم طبعاً.”
تحرك الجميع نحو طاولة الاجتماعات الجانبية الفخمة. وبطبيعة الحال، تحركت هنا لتجلس على المقعد المجاور لسامي بحكم أنهما يناقشان نفس اللوحة، وقبل أن تسحب المقعد، جمدها صوت آسر الرخيم وهو يقول بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش:
“البشمهندسة هنا.. اتفضلي اقعدي هنا.”
التفتت هنا لتجده يشير بيده إلى المقعد المجاور له تماماً على رأس الطاولة! نظرت إلى المقعد ثم إليه بعناد، وقالت بنبرة خافتة ومستغربة:
“بس يا فندم، هو حضرتك هتقعد معانا وإحنا بنناقش الملفات الهندسية والتفاصيل الصغيرة دي؟”
رفع آسر حاجبه ببرود ونظر في عينيها مباشرة قائلًا بثقة مستفزة: “ودي حاجة تضايقك يا بشمهندسة؟ مش ده شغلي ودي شركتي، ولا وجودي هيعطل المراجعة الشخصية؟”
أحست هنا بالإحراج أمام التيم، فتلونت وجنتاها باللون الوردي وقالت برسمية: “لأ طبعاً يا فندم.. العفو.” وتحركت مجبرة لتجلس بجانبه.
طوال الاجتماع، كان آسر يتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخص نقاش هنا وسامي، ويقاطع كلماتهما بحدة عملية وتحكم واضح، حتى انتهى الاجتماع أخيراً بعد ساعات من الشد والجذب.
وقف سامي والوفد المرافق له ليستأذنوا بالرحيل، لكن قبل أن يخرج سامي من باب المكتب، التفت نحو هنا وقال بتهذيب: “معلش يا باشمهندسة هنا.. ممكن كلمة على انفراد؟”
تصلب جسد آسر فوراً، ونظر إلى سامي بنظرة حادة كالسيف، وتدخل بصوته الرخيم القاطع قبل أن تنطق هنا: “معلش يا باشمهندس.. كلمة على انفراد ليه؟ الشغل هنا مفيش فيه انفراد، أي كلام يخص المشروع يتقال قدام الكل.”
التفت إليه سامي بهدوء وثبات وقال: “لا يا مستر آسر، هي حاجة شخصية خارج حدود الشغل تماماً، وملهاش علاقة بالمشروع.”
نظرت هنا إلى آسر، ولمحت في عينيه شرار الغيرة المشتعلة، فقررت في سريتها أن تستغل الموقف وتثير غيرته لتكسر كبرياءه الغبي، فالتفتت إلى سامي بابتسامة رقيقة وقالت بنبرة ناعمة ومسموعة: “آه طبعاً يا سامي.. اتفضل.”
تحركت هنا مع سامي خطوات مبتعدة عن مكتب آسر وقريباً من الباب، بينما كان آسر واقفاً في مكانه يغلي كبركان على وشك الانفجار، وعيناه تلاحقانهما كالصقر.
قال سامي بصوت منخفض: “معلش يا هنا تعبتك معايا، بس كنت عايز رقم بابا عشان أكلمه وأنسق معاه، لأني حابب آجي أزوركم في البيت في أقرب وقت إن شاء الله.”
ابتسمت هنا وقالت بتلقائية: “طبعاً أكيد اتفضل.. بابا كمان بيسلم عليك كتير ومبسوط جداً إني شفتك، ومبسوط أكتر إنه هيشوفك قريب.” وأخرجت هاتفها وأملته الرقم.
تابع سامي بنبرة دافئة: “أنا اللي مبسوط جداً إني شفتك وإني بشتغل معاكي يا هنا، وماما كمان بتسلم عليكِ جداً ونفسها تشوفكِ قوي.”
ردت هنا برقة: “سلم لي على طنط جداً، وأنا منتظرة زيارتكم أكيد.”
كل هذا وآسر يتابع همساتهما وضحكاتهما وعصبيته وصلت لذروتها وقبضتا يديه تضغطان بعنف. استأذن سامي والوفد ورحلوا أخيراً.
التفتت هنا وبدأت تلملم لوحاتها وحقيبتها وتستعد للخروج وراء نسمة، وقبل أن تخطو خطوة نحو الباب، جاءها صوته الجهوري الحاد الذي هز أركان الغرفة:
“هنا!!”
توقفت مكانها، ثم التفتت إليه ببرود مصطنع وثبات وقالت: “نعم يا فندم؟”
تحرك آسر نحوها بخطوات سريعة وعروق جبهته بارزة من كتمان الغضب، ووقف أمامها مباشرة يسألها بنبرة مخيفة:
“هو إيه الوضع بالظبط بينك وبين الباشمهندس سامي؟!”
عقدت هنا حاجبيها وقالت بتعجب: “يعني إيه؟ مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟”
صاح آسر بحدة ونفاذ صبر: “يعني إيه كل شوية تهمسوا، وعايز يجي يزوركم، وأنتِ واقفه تضحكي وتكلميه، وطالب رقم باباكي ومنتظرة زيارته؟! عرفنا إنكم كنتوا جيران زمان، بس مش كل شوية يجي يتكلم معاكي بالطريقة دي والمسخرة دي قدام الموظفين وفي مكتبي!”
نظرت إليه هنا بذهول وضيق وقالت: “أنا مش فاهمة قصدك يعني إيه مسخرة؟ وفيها إيه أصلاً؟ إيه الغلط في اللي حصل حضرتك؟”
بقلمي نسرين نادر
اقترب آسر منها خطوة إضافية، ونبرة صوته أصبحت كفحيح مرعب من شدة التملك: “إيه الغلط؟! أنتِ مش شايفه نظراته؟ مش شايفه إنه بيتعدى حدوده معاكي وبيتكلم في حاجات شخصية في وسط الشركة؟”
رفعت هنا رأسها بكبرياء وعزة نفس، وقالت بصوت قاطع وثابت تضع حداً لتحكمه:
“مستر آسر.. أولاً الكلام اللي حضرتك بتقوله دوت مش مظبوط خالص، وثاني حاجة سامي كان جارنا ومن بقية أهلنا، وطبيعي يحصل بيننا أي مناقشات عائلية من ديت عادي جداً، لأننا نعرف بعض من وإحنا صغيرين وبيننا ذكريات كتير.. وثالث حاجة بقى.. حضرتك مالكش أي حق إنك تتكلم معايا بالأسلوب ده ولا بالطريقة دي!”
ضاقتا عينا آسر، وضغط على أسنانه بغيظ طاغٍ وقال بصوت منخفض يحمل تحذيراً أخيراً: “هنا.. ما تستفزنيش!”
ردت هنا وعيناها العسلية تتحدى عيناه المشتعلتين: “أنا مش بستفزك.. ومفيش أصلاً حاجة تستدعي إن أنا أستفزك.. عن إذنك يا فندم.”
ولم تنتظر رداً منه، بل سحبت حقيبتها والتفتت بخطوات واثقة وسريعة، وخرجت من المكتب وأغلقت الباب خلفها بقوة. سارت في الممر والادرينالين يتدفق في جسدها، ودخلت مكتب التيم لتجد نسمة قاعدة على المكتب تنتظرها على نار.
أول ما شافتها نسمة، وقفت وقالت بلهفة وفضول: “إيه اللي حصل جوه؟ وشك أحمر كده ليه؟”
جلست هنا على الكرسي وأنفاسها متلاحقة، وقالت بنبرة صدمة وخوف خفيف: “أنا عملت مصيبة يا نسمة.. أنا أكيد آسر هييجي يقتلني كمان شوية!”
توقعاتكم يا حبايب قلبي لقَفلة الفصل الـ 17:
بقلمي نسرين نادر 
حبايبي 
قبل ما أقفل الفصل، حابة أقول لكم حاجة من قلبي…
أنا بفرح جدًا بكل تعليق وكل رأي منكم، لأن تفاعلكم هو اللي بيديني طاقة أكمل وأكتب وأطلع أفكار جديدة.
بجد كل فصل بكتبه وأنا بحط فيه جزء من وقتي ومجهودي وخيالي، وبحاول دائمًا أقدّم لكم أحداث تشدكم وتخليكم تعيشوا مع الشخصيات لحظة بلحظة.
لكن زعلت شوية من قلة التفاعل الفترة دي، مش عشان الأرقام، لكن عشان بحب أحس إنكم معايا في الرحلة دي، أسمع توقعاتكم وآراءكم عن الأحداث والشخصيات.
مستنية أشوف رأيكم في الفصل ده 
مين أكتر شخصية شدتكم؟ وإيه توقعاتكم للفصل الجاي؟
وجودكم وتعليقاتكم بيفرقوا معايا جدًا 
1. تفتكروا آسر هيعدي رد هنا وكبريائها اللي كسر تحكمه قدام نفسه، ولا رده هيكون قاسي في حفلة بالليل؟
2. نسمة هتعمل إيه لما تعرف إن هنا وقفت آسر عند حده عشان سامي؟
3. إيه اللي هيحصل في الحفلة بالليل في قصر الحديدي لما هنا وسامي يتقابلوا هناك تاني؟
مستنية كل تعليقاتكم وتوقعاتكم النارية!