روايات شيقة

رواية بين الامس واليوم الفصل المئة وثمان 108 بقلم الكاتبة انفاس قطر

رواية بين الامس واليوم الفصل المئة وثمان 108 بقلم الكاتبة انفاس قطر

  

                              

ماعاد يسمع شيئا..

+

                              

وهو يخرج راكضا.. يركض كما لو أنه يحترق والنار مازالت تشتعل في جسده..

+

                              

وتذيب جلده بلهيبها..

+

                              

قبل أن يتوقف على باب المستشفى وهو يركع على ركبتيه..

+

                              

ويتقيأ ويتقيأ ويتقيأ..

+

                              

يعلم أنه لن يبكي.. فمثله عاجز عن البكاء..!!

+

                              

يتقيأ حسرته.. فلا تنتهي!!

+

                              

يتقيأ وجعه.. فلا ينتهي!!

+

                              

يتقيأ روحه… فلا يجدها!!

+

                              

فروحه ذهبت معها..

7

                              

وهو محض جسد لا روح فيه!!

+

                              

رحلت دون أن يراها..

+

                              

رحلت دون أن يخبرها كم يحبها..

+

                              

رحلت دون أن يخبرها أن أنفاسها ما كانت تمده بعبق الحياة ومعناها!!

+

                              

رحلت دون أن يقول لها أن الحياة بعدها لا تستحق أن تُعاش!!

+

                              

رحلت وهو لم يشبع بعد من ضمها لصدره..

+

                              

رحلت دون أن يخبرها كم من المخططات فكر فيها ليقوما بها سويا..

+

                              

مخططات لم تكن الحياة كلها لتكفيها..

+

                              

فلماذا رحلت قبل أن ينفذا شيئا منها حتى؟؟

+

                              

كان مستمرا في التقيء.. والتقيء.. حتى بدأ يتقيأ دما..

+

                              

دم قلبه.. شرايينه الممزقة!!

+

                              

خلاياه التي تهاوت!!

+

                              

” لو استطعت.. لتقيأت كبريائي الذي حال بيني وبينك!!

+

                              

لو استطعت.. لتقيأت قسوتي التي أبعدتكِ عني!!

+

                              

لو استعت.. لتقيأت الحياة كلها التي ماعاد لها معنى بعدك!!

+

                              

كنت أعلم أنكِ نعمة أكثر مما أستحق..

+

                              

رجل بقسوتي وسواد قلبي.. لا يستحق معجزة مثلكِ!!

+

                              

أعلم أني لا أستحق أن تبقي من أجلي..

+

                              

لكن لماذا ترحلين وتتركين صغيرنا يتيما؟؟

+

                              

لا تبقي من أجلي.. ابقي من أجله.. من أجله هو!!

+

                              

فأي تربية سأربيه أنا؟؟

+

                              

وأنا رجل أثخنتني الجراح وقسوة التجارب..

+

                              

كنت للتو بدأت أعالج جراحي من أجلكِ..

+

                              

فإذا بك تطعنيني بالجرح الذي لن يُشفى

+

                              

جراحي بعدكِ لا شفاء لها..

+

                              

لا شفاء لها!!! “

+

                              

أسرع نحوه المسعفون يريدون إسعافه.. انتزع نفسه منهم بقسوة..

+

وهو يعاود الركض..

+

ثم يعاود الانكفاء على ركبتيه والتقيء.. قريبا من سور المستشفى..

+

لا يعلم حتى أين سيارته أو أين مكانها؟؟

+

يوقف أحد المارة سيارته..

+

وينزل لإسعافه.. ثم يحمله معه خارج المستشفى..

+

*********************************

+

اليوم التالي ليلا..

+

.

+

.

+

” يمه كساب وينه؟؟ ليه ماجاء لين الحين..

+

عطيني التلفون أنا بأكلمه بنفسي!!”

+

مزنة تتنهد بحزن عميق وهي تمسح على شعرها:

+

بيأتي يأمش.. بيأتي..

+

مازالت دموعها تسيل بدون توقف.. لدرجة أن عينيها تورمتا من البكاء..

+

همست بصوتها المبحوح تماما: يمه تكفين عطيني التلفون..

+

خلني أكلمه..

+

أبيه يجيني الحين..

+

مزنة تحاول تهدئتها فهي لم تتوقف عن السؤال عنه مطلقا منذ فجيعتها بالخبر..

+

وكأن وجوده هو ما سيبعث القوة في روحها…

+

همست بثقة مصطنعة: قلت لش يأمش كلمته وبيجي.. ارتاحي الحين..

+

مزنة أشارت للممرضة أن تعطيها إبرة منومة..

+

فهي تعبت من وعدها بحضوره.. وهم لا يعلمون أين هو حتى.. بعد أن ترك سيارته في المستشفى.. وهاتفه بداخلها..

+

.

+

.

+

عودة لليلة الماضية

+

.

+

.

+

كانت الطبيبة توجه حوارها لكساب بتأثر: أنا ما أعرف شنو أقول لك..

+

بس والله العظيم حاولنا جهدنا ننقذها..

1

بس أنتو وصلتو متأخرين كثير..!!

+

لا تعلم ماذا حدث له وهو يركض ويتركها مازالت تتكلم:

+

كانت البنت خلاص اختنقت من قلة الأكسجين..

3

سبحان الله على صغر حجمها بس عمري في حياتي ماشفت مولودة أحلى منها..

+

كأنها ما تنتمي للأرض.. لازم تكون عصفورة من عصافير الجنة!!

+

زايد اقترب منها وهو ينظر لظهر كساب المغادر ركضا باستغراب.. ويسألها باهتمام:

+

والأم أشلونها؟؟

+

الطبيبة بذات التأثر: الأم منهارة بصراحة.. لأنه من أول مانزلت الطفلة وهي تصيح تبي تشوفها..

4

        

          

                

سمعت الممرضات يقولون الجنين ميت.. انهارت أكثر.. كنت أبي أبلغ الأب عشان يمتص الصدمة..

+

ويدخل يهديها شوي لما نطلعها الاستراحة..

+

بس مبدئيا وضع الأم كويس..

+

وممكن لو حبت.. تحمل بعد شهر شهرين.. لأن هذي ولادة مش تسقيط..

+

والله يعوض عليكم بطفل سليم تقر عيون أبوه وأمه فيه!!

+

لا يعلم لِـمَ كانت الأفكار السلبية هي ما تركزت في رأسه..

+

شعر أن حبا متعاظما كحبه لها.. لا يكتب له الحياة..

+

شعر أن الله عز وجل يريد أن يعاقبه ويحرمه منها لكثرة ما أرتكب من أخطاء..

+

شعر أن الله عز وجل يريد أن يتنزعها منه لأنه لم يعرف قيمتها..

+

لدرجة أنه شح عليها بكلمة واحدة كان يعلم جيدا لهفتها لها..

+

وحين قالتها هي له.. شعر أنها تودعه بها..

+

شعر أنها كلمة الوداع بينهما..

+

وما أكد له ذلك كله أن الطبيبة قالت (لم نستطع إنقاذها) وليس (إنقاذه)

+

وهو يعلم أن مافي بطنها هو صبي..

+

فهو ذهب معها بنفسه إلى موعد (التلفزيون) وهكذا أخبرتهما الطبيبة..

+

لذا لم يشك للحظة واحدة أن الراحلة المقصودة هي كاسرة..

+

روحـــه… ولا أحد سواها..

+

عقابا له أنه لا يعرف قيمة شيء حتى يفقده !!

+

وما أقسى هذا العقاب..!!

+

ما أقساه!!

+

فأنت حينما تعاقب شخصا.. تعاقبه حتى لا يكرر خطئه!!

+

لا تعاقبه لتأخذ روحه!!

+

.

+

.

+

.

+

” يمه.. مايصير مخليتها راقدة على طول كذا..

+

وكل ماصحت ساعتين خليتيهم يعطونها منوم!! “

+

مزنة تنهدت بروحها الممزقة وهي ترد على وضحى:

+

وش تبين أسوي يعني..

+

كل ما صحت رجعت تبكي على بنتها.. وتسأل عن كساب!!

+

على الأقل خلي كساب لين يجي.. يمكن يقدر يهديها..

+

وضحى تمسح دموعها وتهمس بسكون: والبنت متى بيدفنونها؟؟

+

مزنة اختنقت بعبرتها حين تذكرت رؤيتها للصغيرة البالغة الصغر:

+

زايد يدور لكساب.. كان يبيه يحضر دفنها والصلاة عليها..

+

لو مالقاه لين بكرة بيدفنها..

+

        

          

                

وضحى تنهدت باختناق حقيقي: يمه صدقيني أحسن يدفنها بدون مايشوفها إبيها…

+

أنا وتميم حالتنا حالة عقب ماشفناها.. أشلون إبيها وأمها؟؟

+

خلها تندفن قبل ما تقول كاسرة إنها تبي تشوفها بعد…

+

والله يعوض عليهم إن شاء الله.. ويجعلها حجاب لهم من النار!!

+

ثم تنهدت وهي تردف بألم: يمه لو ولدوها قيصري.. ماكان ممكن تعيش البنت؟؟

+

يمكن عشانها جابتها طبيعي انخنقت..

+

تنهدت مزنة بإيمان: يأمش اللي الله كاتبة مامنه مفر..

+

كاسرة يوم وصلت كان نبض البنت متوقف خلاص.. ورأسها صار في أسفل الحوض..

+

ماخذت حتى وقت جهزوها للولادة إلا البنت نازلة..

+

ياقلب أمها وش كثر تعذبت بنيتي.. بكرية ومالحقت حتى تأخذ أي نوع من المهدئات..

+

لا أكسجين ولا إبرة الفخذ حتى..

+

وضحى تقف لتطل عليها.. تطبع قبلة على جبينها وتهمس في أذنها من قرب بوجع عميق:

+

الله رحمته واسعة.. واللي مثلش ما يكسرها اختبار مثل ذا!!

+

أردفت بإبتسامة موجوعة: قومي ياقلب أختش.. شوفيني سمعت نصيحتش..

+

خليت البيت لنايف وخواته.. قومي عشان تقولين (عفية على أختي)..

+

شدي حيلش وقومي..ترا الدنيا ماتسوى من غيرش..

+

*********************************

+

” تميم حبيبي.. استهدي بالله..

+

هذي أختك طيبة… والله سبحانه له حكمة في كل شيء!!”

+

تميم يشير وهو يتنهد بوجع: كاسرة خاطري واجد أختي..

+

سنة كاملة وهي تنتظر ذا الحمل..

+

وعقبه تموت البنت ماحتى شافتها..

+

سميرة بحزن: يمكن الله يبغي لها الخير.. عشان ماتشوفها وتتعلق فيها..

+

لله عز وجل حكمة في كل شيء!!

+

تميم بتأثر متزايد: حارقة قلبي كاسرة.. الله يعوض عليها باللي يسر قلبها..

+

*************************************

+

يلقي غترته جواره وهو يسند ظهره بإرهاق للمقعد بعد أن أطل على كاسرة

+

ويهتف بإرهاق موجوع:

+

مزنة الله يهداش.. ليه مهوب أنتي اللي بلغتينا الخبر..

+

على الأقل كنتي لمحتي لي..

+

وأنا مهدت للولد.. الحين الولد هج..

+

        

          

                

ماخليت مكان مادورته أنا وعلي ومنصور.. وحتى موظفين شركتي كلهم.. ومالقيناه..

+

مزنة بإرهاق متزايد مغلف بالحزن: زايد من جدك.. أخلي بنتي وهي تبكي ومنهارة وأطلع عشان أبلغكم..؟؟

+

كاسرة كانت بتموت في يدي وهي تصيح خلوني أشوف بنتي..

+

كانت تحسبها ولد.. ويوم درت إنها بنت تأثرت زيادة..

+

خفت يصير لبنتي شيء الله يصبر قلبها..

+

أصلا الدكتورة ماطلعت عليكم إلا عقب ما يأست تهديها..

+

زايد تنهد بحزن: الله يصبر قلبها ويعوض عليها..

+

توهم صغار.. والدكتورة تقول وضعها زين..

+

وهي مؤمنة وعارفة قضاء ربي وقدرته!!!

+

مزنة صمتت.. فماباتت تعانيه أكثر من طاقتها بكثير.. تشعر أنها توشك على الانهيار فعلا..

+

وهي تستنزف كل طاقاتها الجسدية والنفسية!!

+

زايد هتف لها بحزم وهو يتذكر: مزنة ارفعي أرجيلش قدامش..

+

مزنة بحرج: زايد مافيها شيء؟؟

+

زايد تنهد: منحرجة مني؟؟ قمت أروح لبيت..

+

صمتت مزنة.. تعلم أنها تحتاجه لجوارها فعلا.. لكن لشدى استغراقها في مأساة ابنتها عاجزة حتى عن طلب المعونة…

+

ولكنها تعلم أنها لو رفضت تنفيذ أمره.. معنى ذلك أنها تقول له ضمنيا أنها تريده أن يغادر..

+

لذا استدارت قليلا لتمدد ساقيها أماما على الأريكة وهي تغطيها بعباءتها..

+

لولا أن زايد فاجأها بوقوفه وهو ينتزع العباءة عن ساقيها ليهتف بغضب حقيقي وهو يرى ساقيها وقدميها المتورمتين بشكل مأساوي:

+

كنت عارف إنها بتكون كذا.. أنتي ما ترحمين نفسش شوي..

+

حرام عليش اللي تسوينه في نفسش..

+

ليش ماخليتي وضحى تقعد عند أختها ورحتي للبيت..

+

مزنة تنهدت وهي تشد العباءة من يده بحرج لتغطي قدميها:

+

ما أقدر أخلي كاسرة.. ما أقدر.. مستحيل أرتاح لين ترتاح هي..

+

زايد تنهد وهو يعود لمقعده ويهتف بحزم: خلاص أنا قاعد عندش الليلة..

+

وياويلش تنزلين أرجيلش من مكانها..

+

اللي تبينه أنا بأسويه..

+

مزنة تنهدت بحرج عميق (ليتني خليت وضحى تقعد عندي بدل ما أحلف عليها تروح..

+

الحين وش السواة؟؟)

+

***********************************

+

” مزون حبيبتي مايصير اللي أنتي مسويته في نفسش؟؟

+

        

          

                

أنتي بروحش تعبانة..

+

اتقي اللي في اللي في بطنش!!

+

يعني البنت هذي حتى ماعاشت عشان تحزنين عليها كذا!!”

+

كان يمسح دموعها بأنامله وهو يتمدد جوارها مسندا ظهره لظهر الحائط..

+

بينما رأسها مسند للمخدة التي تضع رأسها عليه..وتنظر في الزاوية لباقة الورد الضخمة التي بدأت تذبل ومع ذلك لم تخرجها..

+

همست باختناق عبراتها وسيول عينيها: ياقلبي ياكساب.. ماتخيلت إنه ممكن يتأثر كذا عشان بنته ماتت..

+

لدرجة إنه ماحد يدري وينه..

+

دامني ماشفته قدامي وضميته لصدري..مستحيل أرتاح.. أو تجف دمعتي!!

+

ياقلبي وش كثر كان فرحان يوم درا إني حامل.. يعني مستكثر علي ذا الحين أتأثر معه..

+

ياقلبي يأخيي.. مالحق يفرح هو ومرته..!!

+

غانم يصمت وهو يمسح شعرها..

+

ففي الختام هي محقة.. ففرحة شقيقها بحملها جعلته يخجل من فرحته هو..

+

وهو ينظر مثلها لباقة الورد الضخمة التي توسطتها هدية ثمينة جدا..

+

مع سلة خاصة من الشكولاته وصلا كلاهما من كساب فور معرفته بخبر حملها…

+

تنهد بعد دقيقة صمت وهو يهتف بحزم: أوعدش بكرة أدور مرة ثانية..

+

وين بيروح؟؟

+

وبأسال عنه في المطار.. لو كان طلع برا الدوحة.. حتى لو طلع عن طريق البر..

+

بيكون واضح في الكمبيوترات عندنا في المطار..

+

غانم يشعر باستغراب عميق..

+

يعني حدوث أمر كهذا .. وفاة ابنته..

+

ليس بالأمر الذي قد يهز رجلا مؤمنا ككساب..

+

لدرجة أنه يهرب ويختفي بهذه الطريقة!!

+

**********************************

+

صباح اليوم التالي

+

.

+

.

+

” مِن مَن الورد ذا يأمش؟؟”

+

تنهدت وضحى وهي تعيد البطاقة لمكانها بعد أن قرأت الاسم:

+

من نايف يمه..

+

مزنة تنهدت بسكون: عادش منتي براضية تردين على تلفوناته..؟؟

+

وضحى بألم عميق: لا أبي أرد على تلفوناته ولا أشوفه..

+

موجوعة منه واجد.. واجد يمه..

+

تخيلي يمه قعدت في حوش بيته أكثر من 5 دقايق وأنا عيني على الباب..

+

أقول ماني بهاينة عليه..!!

+

        

          

                

مستحيل يخليني أطلع في ذا الليل!!.. بيلحقني الحين..!!

+

كسر نفسي يمه.. كسر نفسي..

+

مزنة تنهدت: يأمش المسكين كل شوي يدق عليش.. كلميه.. أكيد يبي يعتذر لش..

+

وضحى بألم: ما أبيه يعتذر لي وما أبي شيء منه..

+

يمه فيه شيء ينفع فيه الاعتذار.. وشيء ما ينفع..

+

وياكثر ماسمعت منه آسف وامسحيها في وجهي..

+

مابقى في وجهه مكان أمسح فيه..

+

بالفعل نايف أرسل لها الكثير من رسائل الاعتذار الهاتفية.. ثم طلب من عالية أن تكلمها..

+

حين رأى رفضها الرد على اتصالاته..

+

*************************************

+

” ها عالية.. وش قالت لش وضحى؟؟”

+

عالية نظرت بحدة إلى خالها الذي كان يستجوبها بلهفة.. وهمست بذات الحدة:

+

أنا بصراحة ماكنت أبي أكلمها.. بس من غلاك عندي..

+

أولا وضع أختها مايسمح كلش بكلام مثل ذا..

+

ثاني شيء لأنه لو أنا مكانها.. كان كسرت البيت فوق رأسك أنت وخواتك ثم طلعت!!

+

نايف بتأفف حازم: عالية ترا مهيب ناقصتش.. خلصيني..

+

عالية هزت كتفيها: طبعا مارضت حتى أفتح ثمي في الموضوع..

+

نايف بخيبة أمل: تقولينها وأنتي مبسوطة بعد؟؟

+

عالية تنهدت: وليش انبسط.. بس بصراحة غلطتك عليها مالها دوا..

+

ثم أردفت بنبرة أقرب للغضب: خلنا من إنك خليت خالتي نورة تجرح فيها وفي أهلها وأنت قاعد مثلك مثل الكرسي..

+

بس عيب عليك مخلي مرتك طالعة في نص الليل للشارع..

+

ولا تقول لي خالتي نورة حلفت.. لأنه الرجال ماترده حلوفة النسوان من المراجل!!

+

نايف قاطعها بغضب: تراش مسختيها.. عيب عليش..

1

عالية بغضب مشابه: الحين أنا اللي عيب علي..

+

تخيل إن إبي يدري بسواتك.. والله يا أقل شيء يسويه إنه يطردك من مجلسه..

+

وأزيدك من الشعر بيت.. سميرة بنت عمي تقول إن رجالها مصمم إنها ماعاد ترجع لك..

+

يقول اللي مايحافظ على أخته ما يستاهلها.. وهو خذها من بيت رجّال مهوب من الشارع..

+

سميرة تقول إن تميم مستوجع واجد.. إنه جا ولقاها واقفة في الحوش قريب من باب الشارع…

+

يعني لو أنك على الأقل وقفت معها لين يجي أخيها.. أو حلفت أنت توديها.. كان غلطتك ممكن تنبلع..

+

        

          

                

بس الحين.. خبز خبزتيه يا الرفلا اكليه…

+

عجزت أقول لك لازم تحط حد لخالاتي.. بس أنت كنت مبسوط بالوضع..

+

خلاص اشرب..

+

نايف تنهد بيأس حقيقي.. حياته كاملة تنهار أمامه.. وليس في يده أي حل..

+

فماذا يفعل؟؟

+

ماذا يفعل؟؟

+

**************************************

+

“دفنتوها خلاص؟؟”

+

علي يلقي غترته جانبا ويهمس بتأثر: دفناها.. جعلها تكون حجاب لأبيها وأمها من النار..

+

شعاع تمسح دمعة تأثر: ياقلبي ياكاسرة..

+

الله يعينها ويواجرها..

+

أنا وأنا حملت على طول.. لو يصير للبيبي حقي شيء بعيد الشر بأستخف..

+

أشلون هي .. وهي ماحملت إلا عقب سنة..

+

ويوم قربت خلاص.. يطلب الله أمانته..

+

علي يتنهد وهو يربت على كفها: الله له حكمة من كل شيء..

+

مهوب حارق قلبي الحين كثر أخي اللي ما أدري وين راح..

+

ماخليت مكان مادورت فيه.. لا هو في مستشفيات ولا سجون.. ولا طلع برا الدوحة..

+

وين راح؟؟ بأستخف.. بأستخف..

+

ثم أردف بتهيدة شاسعة: باتسبح وأرجع أدور له..

+

شعاع بتأثر رقيق: حبيبي أنت من أمس ما نمت ولا قعدت دقيقة في البيت وأنت تدور له..

+

علي يتجه للحمام وهو يهتف بحزم: ولاني بنايم لين ألاقيه..

+

تدرين وش اللي موجعني؟؟

+

إني مابعد احتجت كساب ومالقيته جنبي..

+

والحين يومه محتاجني ماقدرت أكون جنبه!!

+

حين خرج علي من الحمام..

+

همست شعاع وهي تناوله ملابسه: ترا تلفونك دق كم مرة..

+

لا يعلم لما شعر بتوتر مفاجئ وهو يركض نحو هاتفه..

+

حين وجد أن الاتصال من العامل المسئول عن المزرعة.. تزايد توتره ولهفته وهو يتصل باستعجال…

+

شعاع توترت معه لتوتره وهي تقترب منه وتسمعه يصرخ في الهاتف:

+

أشلون يكون عندكم وأنا سألتك بدل المرة ألف وتقول لي إنه مارجع عليكم..

+

……………………

+

متأكد إنه نايم؟؟

+

……………….

+

أنا جاي الحين.. لا تحركونه ولا تقومونه..

+

شعاع بتوتر ولهفة: لقوا كساب..؟؟

+

        

          

                

علي يرتدي ملابسه باستعجال وهو حتى لا يعلم كيف ارتداها ويهتف باستعجال مغلف بجزع ورعب حقيقين..:

+

عمال المزرعة لقوه نايم في غرفتي أنا.. يوم جاو يرتبون..

+

لأنهم أمس مارتبوا.. وماشافوه دخل.. ولا كان فيه سيارة..

+

يقولون إنه نايم.. والسرير عليه بقع دم..

+

الله يستر الله يستر..

+

لا تقولين لحد شيء.. لحد ما أروح بنفسي وأشوف السالفة..

+

.

+

.

+

.

+

علي لا يعلم كيف وصل إلى المزرعة حتى…

+

وهو يقفز من سيارته ويتركها تعمل.. ويركض نحو غرفته ليجد عمال المزرعة كلهم يتجمهرون على بابها..

+

طلب منهم جميعا المغادرة.. وبقي معه فقط المسئول عن المزرعة..

+

حين دخل.. كان كساب فعلا نائما..

+

والمرعب أنه كان هناك بقع دم لا يعلم من أين أتت..

+

وهو يدقق النظر في جسده فلا يجد إصابات..

+

اقترب منه ليجد أن هناك دم متخثر على أطراف فمه..

+

علي اقترب منه ليهتف له برفق قلق قبل أن يهزه: كساب.. كساب قوم يا أخيك..

+

فعلي يعلم جيدا أن كساب لا يحب أن يحركه أحد وهو نائم قبل أن يكلمه..

+

كساب انتفض بجزع وهو يقفز بتحفز ويمسح وجهه: بسم الله الرحمن الرحيم..

+

أعوذ با الله من الشيطان الرجيم..

+

علي بقلق: كساب الدم ذا من وين جاي؟؟

+

كساب عاجز عن النظر لأي وجه وهو يهتف بنبرة ميتة: يمكن من ثمي..

+

لأني البارحة زعت دم..

+

علي برعب حقيقي: زعت دم… قوم.. قوم نروح للمستشفى..

+

كساب رد عليه بقسوة: ما أبي أروح للمستشفى..

+

ثم أردف بنبرة ميتة تماما بالكاد استطاع إخراجها: أبي أروح أدفنها..

+

علي بتردد: دفناها خلاص..

+

كساب هتف بذهول: دفنتوها بدون ما أشوفها؟؟.. توها ماتت قبل الفجر.. تدفنوها بذا السرعة بدون ما أشوفها..؟؟

+

ثم بدأ يصرخ بشكل هستيري: تدفنونها ليه؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟

+

علي يحاول تهدئته: كساب أنت مختفي من فجر أمس.. وإكرام الميت دفنه..

+

ولكن كساب لم يهدأ وهو يصرخ بكل هستيرية الكون: مالحد منكم حق يدفنها..

+

أنا بس اللي لي الحق..

+

        

          

                

أشلون هان عليكم تنزلونها في القبر..؟؟

+

أشلون هان عليكم توسدونها القاع؟؟

+

من اللي نزلها؟؟ من اللي كشف عن وجهها؟؟ من آخر من شافها؟؟

+

حرام عليكم.. حرام عليكم.. ليه تسوون فيني كذا..؟؟

+

ماحتى خليتوا لي شيء أتذكره منها!!

+

علي يصرخ فيه بحزم: بس كساب.. تراك مزودها..

+

الحين فيه اللي محتاجك أكثر.. اسبح وأمش معي..

+

يا الله.. ما أضيق الدنيا في عينيه..!!

+

أ حتى جسدها اختفى من وجه الأرض قبل أن يراها ولو لمرة واحدة..؟؟

+

هتف بتبلد: الولد أشلونه؟؟

+

علي بعدم فهم: أي ولد؟؟

+

كساب بذات التبلد: ولدي!!

+

علي يحاول أن يفهم ويجمع الصور.. لتتضح الصورة بشكل مفاجئ في عينه..

+

هتف علي بنبرة مقصودة: الولد زين.. في الحضانة.. ماتبي تشوفه؟؟

+

كساب تنهد بألم شاسع: أكيد أبي أشوفه.. وش بقى لي من ريحتها غيره..

2

ثم أردف بالم أشد: تكفى علي جيب لي ملابس من حجرتي.. ما أقدر أدخلها عقبها..

+

” يا الله.. ما اكبر ألمك يا أخي!!

+

لأول مرة أراك تصرخ بإحساسك بالألم بهذه الطريقة!!”

+

علي قرر ألا يخبر كساب.. لأنه لا يعلم كيف ستكون ردة فعله..

+

هذا الذي نام لأكثر من يوم وهو يظن أنه نام لساعات..

+

وتقيأ دما..

+

وكأن جسده يتصرف نيابة عنه.. لأنه عاجز عن البكاء..

+

حين خرج من المستشفى فجر أمس..

+

لم يفكر أن يذهب إلى أي مكان إلا للمزرعة.. آخر مكان جمعهما سويا..

+

كان يريد أن يهدأ قليلا..

+

لم يستطع أن يدخل لغرفتهما.. لذا توجه لغرفة علي..

+

لا يعلم كيف نام كل هذا الوقت..

+

هل كان جسده يرفض أن يصحو بعدها؟؟

+

أو هي رحمة الله به الذي أراد أن يرحمه من كل هذا الضغط؟؟

+

يتنهد بوجع وهو يدخل للحمام ليستحم..

+

وهو يبصق دمـــــا..!!

+

” فمثلها لا يُبكى بمجرد ماء بارد.. دموع تنسكب من العين..

+

بل تُبكى بدم ملتهب يُبصق من القلب”

+

فأي عشق هذا الذي أورثه هذا الرجل لابنائه؟؟

+

يستند على جدران الحمام بضعف.. يشعر أنه بالفعل ماعاد يريد أن ينظر حتى للحياة من بعدها..

+

        

          

                

ولكنه يبقى رجلا قويا.. في إيمانه.. قبل كيانه!!

+

يعلم أن هذا اختبار رب العالمين له.. لابد أن يصبر من أجل ابنه على الأقل..

+

” ولكن من أين أتي بالصبر؟؟

+

من أين أتي به؟؟

+

وحالي معها كما قال الشاعر:

+

يامن صورت لي الدنيا كقصيدة شعر……. وزرعت جراحك في قلبي وأخذت الصبر

+

جرح فقدها في قلبي لا قرار له..

+

والصبر أخذته معها.. أخذته معها..!!

+

كل شيء أخذته معها.. ما أبقت لي شيئا..

+

ماذا بقي من الدنيا بعدك ياكاسرة!!

+

الدنيا باهتة..

+

والسماء اختفت نجومها..

+

والهواء بعدكِ بات ثقيلا يدخل لصدري كالخناجر..

+

أقسم أني عرفت قيمتكِ

+

أقسم أني حفظت الدرس..

+

فهل تعودين لي الآن؟؟

+

هل تعودين؟؟

+

سأقول لكِ أحبكِ ألف مرة في كل دقيقة..

+

سأقول لكِ أنني كنت غبيا لأني لم أصرخ لكِ بها كل ليلة حتى أصيبك بالصداع!!

+

أريد أن نسافر لمكان بعيد.. فقد وعدتكِ منذ أشهر طويلة أن نسافر..

+

أعلم أني تأخرت كثيرا لأفي بوعدي..

+

فلماذا ترحلين وتتركين وعدي معلقا..؟؟

+

كنت اريد أن ارى الدنيا بعينيك.. وتريها بعيني…

+

فأي عيون سترى الدنيا من بعدك؟؟

+

لو كنت أعلم أن الدنيا ستكون شحيحة بكِ هكذا..

+

لو كنت أعلم فقط!!”

+

طرقات علي تتصاعد على باب الحمام بقلق: كساب وش فيك تأخرت؟؟

+

كساب يصحو من غيبوبته والماء ينسكب بغزارة حرقته فوق رأسه هتف بتبلد:

+

دقيقة وأجيك..

+

حين خرج كساب هتف بذات التبلد الذي يغلف فيه مشاعره:

+

خلني أصلي الصلوات اللي فاتتني ونمشي..

+

.

+

.

+

.

+

يخرجان خارج المزرعة وعلي يسأل بنبرة مقصودة: وين تبينا نروح أول؟؟

+

كساب بحزم: قبرها..

+

علي برجاء: زين خلنا نأجل زيارة القبر شوي.. بأوديك المستشفى أول..

+

        

          

                

كساب بحزم أشد: قلت لك ودني قبرها.. ماتبي توديني نزلني هنا وبألاقي اللي يوديني مثل مالقيت اللي جابني..

+

علي باستسلام: إن شاء الله.. بأوديك!!

+

حين أصبحا قريبين من المقبرة.. همس كساب بإجهاد: ما أقدر.. ما أقدر..

+

خلنا نرجع ماني بمستعد..

+

بدت الدنيا سوداء تماما في عينيه.. ما أن شعر باقترابه من رائحة الموت الذي انتزعها منه..

+

لن يحتمل رؤية التراب يحول بينه وبينها..

+

لن يحتمل رؤية قبرها وهو يعلم أن ظلمته احتوت جسدها..

+

يخشى أن يتصرف تصرفا يكدر راحتها في قبرها..

+

ولكن هو كيف يرتاح؟؟ كيف يرتاح؟؟

+

حين بدأ علي يبتعد عن المقبرة مرة أخرى.. شعر أن قلبه يقفز من بين جنبيه وعيناه تتابعان بألم سور المقبرة:

+

بأرجع.. صدقيني بأرجع..

+

بس عطيني وقت أقدر أستوعب الخسارة اللي ما أظن إني في يوم من الأيام بأقدر أستوعبها..

+

خسارتش أكبر من قدرتي على الاحتمال..

+

أكبر بواجد!!

+

يقتربان من المستشفى..

+

يرسل علي رسالة لمزنة يخبرها أنه وجد كسابا..

+

وأنه يريد من الجميع أن يتركوها لوحدها وينسحبوا لغرفة الجلوس..

+

كان علي يعلم أن الاثنين مثقلان بالجرح..

+

ومن حقهما أن يعالجا جراحهما بنفسيهما دون أعين تراقب!!

+

كساب كان يتبع علي دون إحساس.. كما لو كان جثة تتحرك..

+

” ماذا بقي لي سواك يا بني ؟؟

+

أرجوك لا ترحل أنت أيضا..

+

أريدك أن تكون تشبهها..

+

أرجوك أن يكون لك التماعة عينيها أو ابتسامة شفتيها..”

+

حين وقفا عند باب غرفة كاسرة..

+

هتف علي لكساب: ادخل..

+

كساب انتبه من غيبوبته التي بات يغرق فيها كثيرا: بس هذي مهيب الحضانة..

+

علي يتنهد: أنت ادخل الحين وبتشوف بنفسك..

+

كساب دخل بخطوات مترددة.. وعلي تأكد من إغلاق الباب خلفه.. ثم توجه لانتظار الطابق..

+

مازال عاجزا عن الاستيعاب.. هناك سرير وهناك من ينام على السرير..

+

(وش السالفة؟؟)

+

شعر بتثاقل أنفاسه وهو يقترب من النائم…

+

        

          

                

يقسم أن رائحتها قريبة.. قريبة جدا!!

+

(الظاهر إني استخفيت!!)

+

اقترب أكثر وهو يشعر بتزايد إجهاده..

+

يشعر كما لو كان يصعد لقمة جبل.. والهواء لشدة نقائه وكثافته بدأ يؤلمه بعد اختناق صدره ..

+

يصعد القمة مع اقترابه من السرير.. أضلاعه تؤلمه أكثر وأكثر..

+

شهق بحدة وهو يراها ممدة على سريرها نائمة بسكون..

+

استند على حافة السرير حتى لا يسقط.. وهو ينظر لها كالمجنون..

+

“حلم.. أحلم أنا..

+

أكيد أحلم..

+

بس الحلم ما يكون حلو كذا..

+

لأمه مافيه حلم يقدر يصورها..

+

هي أكثر من كل الأحلام وأجمل!!”

+

مال برفق وهو يستند على حافة السرير بثقل..

+

مال ليتنفس عبق رائحتها من قرب.. (هي.. هي.. هي!!)

+

مد أنامله المرتعشة ليتحسسها ( مافيه غيرها.. لا لمسته حسيت أناملي ترتعش مع رعشة قلبي!!)

+

كان يريد أن يتنزعها من سريرها انتزاعا بدون تفكير ليضمها لصدره بكل قوته ليدخلها بين ضلوعه ويخفيها هناك..

+

لولا أنه بقي في رأسه بعضا من عقل ينبئه أنها للتو أنجبت..

+

وأي حركة غير محسوبة ستؤلمها..

+

شعر أن جسده منهك منهك تماما.. وهو ينهار على المقعد قريبا منها..

+

ينظر لها بيأس ولهفة..

+

” يا الله يا ربي ما أوسع رحمتك!!

+

ما أوسع رحمتك!”

+

لا يعلم كم مضى له من الوقت وعيناه تلتهمان تفاصيلها الساكنة..

+

رؤيتها تبعث في روحه جرح السعادة..

+

جرح لا يعلمه إلا من عرفه!!

+

قبل أن يجرؤ أن يمد يده ليمسك بيدها..

+

كان يريد أن يقبل أناملها قبلة رقيقة.. قبلة واحدة فقط..

+

فإذا به بغمرها بعشرات القبلات المبللة باليأس والسعادة..

+

لم يخرجه من فوضى المشاعر التي اجتاحته.. إلا أنة ضعيفة صدرت عنها..

+

حينها أفلتها وهو يقفز ليقف قريبا منها..

+

همست بضعف دون أن تفتح عينيها: يمه.. كساب جاء..؟؟

+

كان الجواب هو شفتيه اللتين لم تجدا طريقة للتعبير عن حزنه عليها سوى ببصقهما دما..

1

لتنفثا في روحها الحياة الآن..

+

كاسرة شهقت وهي تفتح عينيها لتطوق عنقه بذراعيه وهي مازالت ممدة..

+

        

          

                

أفلت شفتيها.. ليلصق خده بخدها وهو يرفعها برفق..

+

انتحبت بشفافية وهي تغرق عنقه بدموعها: وين كنت ذا كله؟؟

+

أنت تعاقبني عشان بنتنا ماتت بدل ما تكون جنبي..

+

كساب عاجز عن التفكير لا يستوعب أي شيء سوى أنها بين يديه الآن..

+

وهو من كان يظن أنه لن يحتضن سوى مرارة الأيام بعدها..

+

همس في أذنها بكل وجع العالم: أحبش وأحبش وأحبش

14

وسامحيني على على كل شيء.. على كل شيء..

+

سوي فيني اللي تبين بس تكفين لا تفكرين تخليني مرة ثانية!!

+

***********************************

+

” يمه كساب وين راح؟؟”

+

مزنة همست بإبتسامة متأثرة: أكيد قريب يأمش.. راح عشان النسوان اللي جاوو يسلمون عليش..

+

وأكيد بيرجع..

+

مازالت عاجزة عن تخفيف فيض دموعها التي تأبى التوقف وهي تهمس بصوتها المبحوح الممزق:

+

تكفين يمه كلميه يجي..

+

تشعر في غيابه كما لو كانت محض طفلة فقدت أنامل والدها في خضم زحام كبير..

+

ولن تشعر بالأمان حتى تعود للاطباق على أنامله..

+

حينها ستسكن روحها من القلق والخوف والجزع..

+

همست مزنة بحنان: باتصل له يأمش.. مع إني ما أدري تلفونه معه وإلا لا..

+

قبل أن تتصل مزنة كان هو من يتصل يسأل هل مازال عندهم زائرات..

+

ويخبرهما أن معه مفاجأة..

+

مزنة أنزلت نقابها ووضعت عباءتها على رأسها.. لتخرج وترى.. حين رأت مفاجأة كساب ابتسمت بشفافية وهي تفتح الباب على اتساعه..

+

دخلا مع باب غرفة الجلسة ليتوجها لكاسرة التي كانت ترفع ظهرها قليلا..

+

حين رأت القادم تزايدت دموعها وهي تحاول النزول لتقف..

+

هتف لها كساب بحزم: والله ما تنزلين أنا بجيبه عندش..

+

اقترب الجد وهو يستند لكف كساب.. ويحاول أن يتبين ما أمامه ويهمس بتأثر عميق: وينش يأبيش؟؟

+

كان الرد على جوابه أن كاسرة طوقت خصره وهي تقبل كتفه بتأثر عميق حين أوقفها كساب جوار سريرها..

+

احتضن رأسها بحنان وهو يهمس بذات تأثره الرقيق المتجذر كجذور شخصيته وهو يشعر بتبلل كتفه من دموعها:

+

ياويل حالي من ذا الدموع كلها.. اذكري الله يأبيش..

+

الله يأخذ ويعوض بأكثر منه وأحسن..

+

        

          

                

قبل ما تجيني مزنة.. مات علي خمسة ماحد منهم كمل شهر..

+

ولو يخيروني بينهم كلهم وبين مزنة.. ما تخيرت حد عليها..

+

همست كاسرة باختناق: الحمدلله على كل حال يبه.. ما نعترض على عطاه..

+

بس الوجع غصبا عني..

+

كان كساب ينظر للمشهد.. ويشعر أن الألم يغوص في ثنايا روحه مع إحساسه بالندم من أجله..

+

تأثرها يهز أعماقه.. لا يعرف كيف يستطيع التعويض عليها إلا بمشاعره المنهمرة من أجلها.. وهو يبحث عن كل ماقد يرضيها أو يسعدها!!

+

*********************************************

+

” أشلون كاسرة الحين؟؟”

+

تميم يشير بهدوء: الحمدلله أحسن.. بكرة الصبح بتطلع من المستشفى إن شاء الله..

+

ابتسم فاضل: ماتبي تمرن جنحان طيورك..؟؟ خاست من القعاد في مركز الطيور..

+

ابتسم تميم: نمرنها هنا في الدوحة ماعليه.. بس قنص ذا السنة ما أقدر..

+

ثم أردف بإشارة غامضة: عندي شغل..ما أقدر أخليه..

+

تنهد فاضل بإبتسامة شاسعة: والله حتى أنا ماودي أطلع من الدوحة ذا السنة..

+

خايف مرت عبدالرحمن تولد وأنا ماني بهنا..

+

ذا البنات ماعاد مسكوا غرانهم في بطونهم شوي..

+

وأنا من شفقتي عليه ما أبي حد يشله قدامي!!

+

ابتسمت أم عبدالرحمن التي كانت تقطع للاثنين صحنا من الفاكهة وهي تخاطب أبا عبدالرحمن:

+

خاطري أدري أشلون تسولفون.. على أنه ولد أخي أنا.. أشياء واجد ما أعرف أقولها لها.. ولا أفهم عليه..

+

ابتسم أبو عبدالرحمن: طول العشرة خلته يفهم علي ولو أني داري إن إشاراتي كلها غلط..

+

أشار أبو عبدالرحمن لتميم بشيء.. فاتسعت ابتسامة وهو يشير برفض قاطع..

+

أم عبدالرحمن ضحكت: والله أنك منت بخالي.. إشارتك ماجازت لي..

+

ضحك أبو عبدالرحمن: أقول له عمتك تقول تدور لي بنية مزيونة من هل الكمبيوترات اللي يجونك..

+

كود نجدد الصبا..

+

ابتسمت أم عبدالرحمن بغيظ رقيق.. يبقى موضوعا مهما كبرت المرأة تشعر بالغيظ منه:

+

ومابه من صبي مزيون بعد عشان إذا خليتك أنت وبنيتك المزيونة..

+

أبو عبدالرحمن ضاحكا: أفا يا الصيتي.. اللي خربت الدعوى..

+

يا بنت الحلال.. ما أبي إلا أنتي وحسن الخاتمة..

+

**************************************

+

        

          

                

اليوم التالي

+

.

+

.

+

يدخلون أربعتهم للبيت..

+

كساب يحمل كاسرة التي تفجر وجهها احمرارا وهي تحاول اقناعه بإنزالها وهو يرفض بإصرار: بسش حنة.. ماني بمنزلش إلا على سريرش..

+

أردف بوجع: لو علي اصلا ماخليتش تبعدين من حضني دقيقة..

+

بينما زايد يهتف بصوت عال وبمودة غامرة: الحمدلله على سلامتش يابيش.. نورتي بيتش..

+

مزنة باستعجال تتجه لجناحها الذي أصبح في الأسفل:

+

كساب يأمك جيبها عندي..

+

كساب برفض قاطع وهو مازال يحملها: اسمحي لي يمه.. كاسرة بتقعد عندي..

+

مزنة باستغراب: يأمك مايصير.. كاسرة تبي من يراعيها.. ونفاس.. مايصير تقعد عندك..

+

كساب بإصرار حازم: ماعلي من ذا الكلام كله.. كاسرة بتقعد عندي..

+

كاسرة ستموت من الحرج وهي تهمس في أذنه: كساب خلاص نزلني..

+

كساب بخفوت: بس اسكتي.. ماني بمنزلش الحين..

+

مزنة تتنهد: يأمك ما أقدر أطلع فوق.. أشلون تقعدها فوق بروحها..

+

مزنة تشعر بالحرج أن تخبرهم أن زايدا حلف عليها ألا تصعد للأعلى مرة أخرى..

+

حينها هتف كساب بخبثه الذي لا يستطيع تركه:

+

خلاص روحي اقعدي مع شيبتش في جناحه.. وعطينا جناحش..

+

مزنة صمتت بحرج بالغ.. ليهتف زايد الذي لا يرضى أن يشعرها أحد بالحرج:

+

خلاص خذوا جناحي أنا.. أنا اللي بأطلع فوق..

+

مزنة لم تستطع إلا أن تنظر له بامتنان وكساب يتجه بكاسرة لجناح والده ويهتف بنبرة مقصودة:

+

كثر الله خيرك يبه.. من يومك جنتل..

4

خصوصا لا حضرت عمتي مزنة في السالفة..

+

حين أنزلها كساب على سريرها.. همست بذبولها الذي يلازمها منذ ولادها:

+

كساب الله يهداك أحرجتني واجد..

+

كساب هز كتفيه بثقة: وين الإحراج؟؟ ماشفته!!

+

كاسرة تاخرت قليلا بألم لتضع مخدة خلف ظهرها وهي تهمس بألم حقيقي:

+

ياشينه إحساس الألم وما في يدي شيء ينسيني الوجع..

+

كساب جلس على طرف السرير قريبا منها وهو يمسح خدها:

+

اذكري الله .. ربي بيعوض علينا إن شاء الله..

+

سالت دموعها بصمت مجروح وهي تتحسس ثديها بحرقة: تدري إن صدري فيه حليب..

+

همس كساب بندم عميق: أنا آسف.. كله مني!! أنا السبب أنا وسالفتي اللي كنها وجهي..

+

وضعت كاسرة أطراف أناملها على شفتيه: لا تقول كذا.. هذا اللي كتبه رب العالمين لنا.. وماحد يعترض على اللي ربي يكتبه..

+

اقترب ليحتضنها برفق وهو يهمس بحنان: سامحيني حبيبتي.. ما تخيلين وش كثر ندمان على أشياء واجد..

+

همست كاسرة بألم: كان لازم نخسر ذا الخسارة.. عشان اسمع ذا الكلمة..؟؟

+

همس وهو يغمر شعرها بقبلاته: فيني ذا الطبع الخايب على قولت إبي..

+

ما أعرف قيمة الشيء لين أخسره..

+

والحمدلله إني ما خسرتش..

+

ما تتخيلين وش اللي صار فيني… أنا كنت باستخف يوم تخيلت الشمس بتشرق علي من غير شوفة وجهش!!

+

ويمكن ياقلبي إن الله سبحانه يبي يطوي صفحة من حياتنا ونبدأ صفحة جديدة..

+

نجيب طفل قلت لش قبل ما تحملين فيه ألف مرة أحبش واحبش واحبش..

1

المئة وتسعة من هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى