رواية بنكهة عشق الفصل السادس عشر 16 بقلم عائشة حسين
رواية بنكهة عشق الفصل السادس عشر 16 بقلم عائشة حسين
السادس عشر
جاء إليها حاملًا صندوق كبير، بينما كانت هي منشغلة بعض الشيء في هاتفها الذي أصبحت لا تتركه مؤخرًا، همس بإسمها (براء)
نظرت إليه بإستفهام بينما كانت ملامحه مغلقة كصندوق لا يتضح منها إلا الجمود (مبعوت لك)
ابتلعت ريقها قلقة متفاجئة ورغم ذلك لم تستطع إخفاء ابتسامة امتنان لأخر وعد وصدق.. نهضت تأخذه منه بإهتمام وبعدها هربت لحجرتها تاركة هاتفها مشغولة بما يحتوية الصندوق.
جلس يقلب فيه، سامحًا لنفسه بإقتحام سور خصوصياتها، ترك لفضوله أن يقوده ممسكًا بزمام الأمور.
لتعود بعدها باحثة عنها تحت نظراته، أعطاه لها وبعدها أشاح بعيدًا كي لا تلتقي نظراتهما.
تمالكت نفسها رغم التخبط والتوتر الذي اعتراها من إمساكه بهاتفها، تناولته وغادرت تسأل ماذا سيحدث إن عرف..؟ ربما يتركها فليفعل إذًا لكن ماذا ستفعل هي إن غادرت منزله.
—-
تسلل الأطفال الصغار للداخل بعد أن رحبت بهم جميلة وشجعتهم علي الدخول بإبتسامتها الحنون، أجلستهم في مكان قد خصصته لهم وعبارات الترحيب تنطلق من شفتيها محاطة بالسعادة
(اهلا بالشيوخ)
(ازيك يا مس جميلة) هتف بها الصغار يبادلونها السعادة لمجيئهم وقبولها بمساعدتهم..
مسحت السبورة بإهتمام مستعدة للتدريس.
دخلت تهاني مندفعة للداخل لكن وجود الصغار سرق انتباهها وفضولها لترمقهم بنظرة مستفهمة قبل أن تشير برأسها ناحية جميلة تطلب توضيحًا، لكن جميلة تجاهلت ذلك متعمدة مما أغاظ تهاني وجعلها توجه سؤالها للصغار (بتعملوا ايه هنا)
تطوع أحدهم يخبرها بإستياء واضح
(بناخد درس)
ضمت تهاني شفتيها بضيق مما يحدث، فدائما ما تفاجئها أختها غير ذلك أن جميلة سرعان ما تستعيد نفسها وتقف منتصرة بعد كل ما يحدث وها هي تسعى لرزقها دون مساعدة أو انتظار أحد..
سألتها تهاني مغتاظة (مش تقوليلي، تاخدي رأيي)
باشرت جميلة عملها غير مهتمة بالسؤال المطروح ولا يعنيها أن تريح الأخرى،انسحبت تهاني تجر خيبتها وحقدها خلفها.
*********
تكررت اتصالاته، رسائلة… التي تملأها اللهفة ويحفها التوسل.. مسحت وجهها بكفيها وهي لا تدري ماذا تفعل وكيف تتخلص من مطاردات محمود لها..؟ لن تستطيع فعلها وأخذ خطوة في سبيل رجوعهما من جديد فإن لم تفعلها الآن وتبتعد لن تبتعد عنه ستنغمس بكليتها في هذا الحلم القديم، وهي الآن ضعيفة وحيدة قد يدفعها ذلك لما يسبب لها المشاكل..
تلك المرة تكررت اتصالاته بشكل مثير لإشفاقها عليه فاضطرت لتجيبه
(:ايوه يا محمود)
نفذ صبره فصرخ بقسوة يأمرها بحسم
:(ربع ساعه وهاجيلك يا حنان ولازم نتقابل.)
حاولت الاعتذار والتهرب بلباقة
(لا…..)
قاطعها بغضب جعلها تنتفض فزعة من تلك الحالة التي تلبسته (مفيش لا ولو مجتيش يا حنان والله هجيلك البيت)
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة زعرًا من تهديده لها فلو علم والدها برجوع علاقتهما لن يصمت ستنال منه ما نالته قبلًا.
(حاضر…)
بعد دقائق كانت أمامه مرتعشة خائفة من أن يراهما أحد فما توقعت أن يكون قريبًا منها للغاية، أرادت أن يتقابلا بعيدًا لكن وجوده عند والدته منعهما من أن يخرجا في نفس التوقيت مما قد يجلب الشك إلى النفوس ويثير الأقاويل فاختارت أن تقابله أمام شقة والدته حيث كان الدور خاليًا إلا من شقة والدته، ارتخت ملامحه المتصلبة ما إن وقعت نظراته عليها، لان لها وأقترب يطمئنها (معلش ياحنان بس كان لازم نتكلم)
هزت رأسها بهدوء متفهمة حتى لا تثير حنقة وتستحضر غضبة ثانية (في حاجه)
جافة متقطعة لفظتها من بين شفتيها المرتعشتين ليقترب منها أكثر (لا بس كنت عايز أشوفك وأفهم)
نظراتها اعتنقت كل شيء عداه، رقصت علي الجدارن المظلمة والأبواب وتركته، شجاعه واهيه اعترفت بها لينتهي كل شيء
(بصراحة يامحمود أن حاسة إن وجودي ممكن يعمل مشاكل وأنا محبش حياتك تتخلبط بسببي)
نظراته الحانية قفزت إليها ليهمس متبعها بصدق مشاعره (مين قالك هتأذي..؟ أنا روحي ردتلي برجوعك)
هبطت دموعها توترًا وشعورًا بالضغط، خيبة ورثاء علي حالها واحتياجًا له ولتلك المشاعر التي حُرمت منهاوقربه الذي تمنه وحلمت وها هو يأتيها علي طبقٍ من ألم.
توسلته وقد بدأ انهيارها وشيك (ارجوك يا محمود إنت دلوقت متجوز احنا اتفرقنا معدش في رجوع)
سلب نفسًا قويًا قبل أن يهمس لها برغبته، يشاركها لوعته واحتياجه لها (أنا عايزك ياحنان ومش هقدر ابعد تاني خلاص خلينا نرجع وننسى كل حاجه)
صرخت منفعله، مثقلة بحزنها وخيبتها (لا.. أنا مش هقبل ده ارجوك خلاص سيبني ومتخلنيش اندم إني طلبت مساعدتك)
سألها غير متفهم (مش هتقبلي ليه علشان مراتي..؟ بنبرة متحشرجة بالحنين منغمسة في العاطفة اخبرها (انا عمري ما حبيت ولا شوفت غيرك)
نفذ صبرها، مسحت دموعها وسألته ببقايا هدوء خرج متعثرًا في الانزعاج (عايز ايه دلوقت)
اقرّ بما فكر فيه كثيرًا واتخذ قراره فيه (نتجوز)
شهقة خرجت من فمها، لترفع إليه نظراتها المتفاجئة فيهز رأسه مؤكدًا (ايوه نتجوز)
شعرت بالخطر يحيطها، قدّم الشيطان قربان استسلامها، اغراها بما تمنته ومازال عالقًا في صدرها كأمنية منسية، لكنها واعية لتختار و تملك قرارها، وجدت نفسها فريسة داخل فخ نُصب مزين، زوجة ثانية ومعاناة أخرى، حياة خاطفة ولذة منقوصة بالخوف والحذر.. رفضها خرج بقوة ما لاقته في أفكارها (لا)
خطواتها سبقت الرفض ابتعدت ليظهر انزعاجهه وتصرخ خيبته (استني)
نفضت كفه التي قيدتها ومنعتها الهرب (زوجة في السر طبعًا)
(فالعلن لو تحبي)
صدمها مرة أخرى، لتصرّح بما يدور بعقلها(دا جنون)
حاول استمالتها (دا كان حلمنا نبقى مع بعض)
شردت قليلًا قبل أن تفيقه وتوقظ نفسها من فخ الوهم المزين (كان زمان، فاتت سنين)
شاركته خوفها وفزعها (مش هكون سبب في تعاسة واحدة ملهاش ذنب)
انهمرت دموعها في تتابع تتوسله أن يتركها ويبتعد، هي فريسة لن ينال من تذوقها إلا المرار والوجع
(انسي كل حاجه أنا عايزك)
قُطع الحوار بهتافه المنزعج الغاضب (بتعملي ايه هنا يا حنان.؟ )
حملقت مزهولة في وجه والدها المصدوم ونظراته التي تتنقل بينها وبين محمود بشكٍ وخيبة.
اجاب هو بعد أن فرش الاطمئنان ملامحه وعاد إليه هدوئة كمن تيقن الفوز (كنت بتكلم مع حنان فموضوع)
رفع الرجل صوته غاضبًا (موضوع ايه ده الي يخليكم تقفوا فالليل فالضلمة كده زي الحرامية..؟)
بكت بصوت مكتوم لا تدري بما تُجيب، احترقت قوتها في خضم معارك الحياة الشرسة التي تركتها ضعيفة
أجاب هو بثقة وثبات (أنا وحنان متجوزين..)
شهقت بصدمة وهي تنظر إليه متفاجئة متوسلة ألا يفعل ويخذلها لكنه تجاهل وأكمل متحديًا (من أسبوع)
تراجعت خطوتين مذهوله مما نسجه محمود من أكاذيب وبعدها استدارت وهبطت الدرج بسرعة هاربة من حصار والدها رامية ندائه خارج الذاكرة، بينما حملق الرجل في وجه الآخر مغتاظًا غاضبًا لا يدري ماذا يفعل الآن رمى تهديده وركض خلف ابنته متوعدًا
(راجعلك تاني بس أشوف الأول الي جايه علشان تفضحنا)
دار محمود حول نفسه متخبطًا مشاعره تتأرجح بين النقمة والرضا، يلوم نفسه ويجلدها بسوط الندم بينما الرضا عما فعله يزاحم داخله ليتربع، فها قد تحقق ما أراده نال من الرجل ومنها، يريدها وسيأخذها
**************
(بعدين يا عماد عايزين نخلص قبل ما حد يشم خبر المصلحة)
نظراته تدور حول عماد بقلق واضطراب ليجيب الآخر بشرود (بفكر)
استاء والده أخبره بحنق هازئًا (كل شوية بفكر ومبتعملش حاجه والوقت خلاص)
زعق عماد بنفاذ صبر وغضب تسلل إليه من كلمات والده وسخريته المبطنة(بدبرها بهدوء)
حذره والده وهو يربت علي كتفه مؤازرًا (خلي بالك أخوك ومراته مش لازم يعرفوا دلوقت)
نفخ عماد مؤكدًا بغيظ (عارف)
هتف والده بإهتمام (الشيخ عايز يشوف البيت يا عماد والمكان الي هنحفر فيه)
أطاع عماد بشرود (حاضر)
وفي الناحية الأخرى كان زوج تهاني يميل سائلًا زوجته بعد أن رمق جميلة تعود لحجرتها هاربة منهما (وبعدين عايز نهد ونبني)
لوحت تهاني بضجر وهي تنظر لباب حجرة جميلة بغيظ(مش هتوافق)
(أساليها وشوفي)
أوضح بحدة وهو يشير إليها، لتقف مبتعدة تؤكد بهزة رأس يائسة(متأكدة أختي وعرفاها)
ضرب كفًا بكف ورأسه تهتز يمينًا ويسارًا في استنكار قائلًا (بقولك روحي شوفيها)
تأفف خرج من فمها رافضًا الضغط عليها لينهض من مكانه مندفعًا مقررًا الحديث مع جميلة، حاولت تهاني إيقافه لكنه دفعها مستمرًا في طريقه عازمًا أشد العزم علي إنهاء الأمر.. طرق علي بابها مستأذنًا
(يا جميلة يا جميلة)
فتحت الباب تقابله بوجه خُضبت ملامحه بالغضب بينما تنظر إليه برفض واستنكار سألته وهي تشمله بنظرة مستهينة متوجسة(في ايه عايزين ايه.؟)
اتكأ علي ايطار الباب قائلا وهو يواجه نظراتها بأخرى لا مباليه باردة (عايزك فموضوع)
رفعت حاجبها مع جانب فمها ليستطرد هو بإستهزاء (نزليلنا حواجبك دي دلوقت وتعالي بره..)
تخطت عتبة حجرتها، سارت حيث باحة المنزل، جلست علي أقرب مجلس تسأله (ها خير)
ابتسم وسار ناحيته تتبعه تهاني بصمت وترقب، وقف متحفزًا يخبرها (بقا المثل بيقول الحي ابقا من الميت…
قاطعته جميلة متأففة (خلصوا….
حك جانب فمه متجاهلًا يقول بعينين صارمتين (احنا عايزين نصيبنا فالبيت)
واجهته بقوة تنظر لعينيهما بثبات (ما أنتوا اخدتوه.. اهو)
هتف وهو يشمل المنزل القديم الهالك بنظرة مشمئزة (احنا ميلزمناش البيت الخرابة ده)
نهضت من مكانها تحاول التماسك وابتلاع كلماتها الحادة تحاول المهادنة، ابتسمت (براحتكم اتفضلوا امشوا)
ضحك ساخرًا قبل أن يهتف بما يريده (بصريح العبارة يا تشيلي نصيبك يا نشيل احنا يا اما يا بنت الناس نهد ونبني وتاخدي احلى شقة..)
فهمت الآن سبب تمسكهم بالبيت، يحاصرونها بما يرغبونه، صرخت بهما رافضة متحدية (لا مش هيحصل) اكملت بتمسك وفخر لاح طيفه وهي تنظر لأختها بقوة (بيت أبوي هيفضل زي ما هو والي مش عاجبه هو حر)
دفة الحديث أمسكت بها تهاني تقول متصدرة لأختها (مش بمزاجك)
احتدم الخلاف بينهما ما بين صراخ تهاني وهتاف جميلة حتي تطور لاشتباك بالأيدي مما جعل زوج تهاني يدفع جميلة لداخل حجرتها ويغلق الباب عليها بينما أمسك بيد تهاني وجرجرها خلفه لحجرتهما ليتحدثا بعيدًا ويقررا ما سيفعلانه.
أما جميلة فدارت بحجرتها لاعنه حتى هدأت وجلست لتشعر بعدها بحجم ما يحدث وتلك الحروب التي عليها دائمًا التصدي لها، والمنازعات التي تمتليء بها حياتها.. حتي هو أملها تخلى وابتعد وعلى ذكره بكت بحرقة افتقادًا له.
**********’
زمت شفتيها بنفور واضح برئ من النفاق فسألها جلال الذي لاحظها علي الفور (مالك يا بركة هانم.؟ ايه مش عاجبك.؟)
تصنعت الخجل ثم قالت متحدية مواجهة، كمن أخذ علي عاتقة قول الحق دون خوف أو تفكير
(إنت مبتحلقش شعرك ليه.؟)
اجابها ببساطة دون أن يوليها اهتمامًا
(كسلان احلقه أو بربيه علشان كفاية أنا ناقص رباية )
رماها بنصف عين فهي دايما ما تنعته في خلوتها (ناقص رباية)
ما اهتمت اكملت بتغافل، تعلن اندهاشها عبر ملامحها لتصدمة بتعجبها وسؤالها الذي اختتمته بضحكة متقطعة(مش خايف تقمل)
كلماتها أصابته بالبلاهة، في حركة عفوية حك خصلاته لتصرخ بركة بضحكة مجلجلة
(اهو مش قولتلك هتقمل)
هربت نظراته لتلك الواقفة تتابعهما بإبتسامة واسعة، اخفضت نظراتها بخجل حين لمحها، ابتسم لها بحنو تشجيعًا لها وامتصاصًا لارتباكها وخجلها لكنها تقهقرت متراجعة للخلف في رغبة للهرب.
تعالت ضحكات بركة الخجلة بعد أن سألته وهي تنقل نظراتها بينما(أنتوا مبتكلموش بعض ليه.؟)
أجابها جلال عينيها تركض خلف الهاربة (اصلا لسه مخطوبين)
ظهرت البلاهة علي بركة قبل أن تهمس مفكرة (مش متجوزين..؟)
رمقها جلال بنظرة خاطفة قبل أن يقترب هامسًا بسر (اصلا بنلعب لعبة المخطوبين.؟)
التمعت عينا بركة بإستمتاع قبل أن تهز رأسها متحمسة تلقي بقنبلتها (زي لعبة عروسة وعريس.؟) اختتمت كلماتها بضحكة خجلة وتخبئة لملامحها خلف كفيها.
أكد جلال (ايوة جدعة فهمتيني)
ضربها علي كتفها وغادر من أمامها لتشيع ذهابه بضحكة مجلجلة ورجاء عفوي ساذج مثلها (متبوسهاش قدامي علشان بتكسف والنبي)
نال نصيبة من الضحك لا يدري أسخرية أم حزنًا لكنه مضى للداخل حيث توجد وداخله يقسم بتحدي سينال البوسة (القُبلة) أمام بركة.
وجدها بالحجرة جالسة تضم ساقيها المثنيان الي صدرها، نظراتها متعلقة بالسقف في شرود، اقتحم الحجرة مكتفيًا بطرقتين تمهيدًا للدخول ولم ينتظر الأذن منها أو الخروج.
جلس أمامها ينحني مستندًا علي ذراعية المثبتتان على الفراش.
شاركها النظر للسقف وهو يقول (عاصم اتصل وطالب اننا نيجي علشان تقسيم الميراث)
مالت نظراته فجأة ناحيتها يسرق رد الفعل قبل أن تخبئه عنه، اهتزت نظراتها بثقل الدموع، اضطربت كلماتها (هنروح.؟ اقصد ينفع…) ثم صمتت تنتظره أو تتخبط في مشاعرها لا يدري لكنها مهزوزه.
أكد بملامح جامدة متأهبة (هنروح، متخافيش من حاجه طول ما أنا معاكي)
لكنها خائفة تشعر بالغربة ناحية الجميع، تخاف لسان عمتها وهزرها، تشفي مروة وتوعد مروان وجمود عاصم وغرابته.. خيانة عمها، وتخافه هو غريب الطباع زوجها.
نهض يأمرها بأفكار حبيسة عقله تتعارك (قومي استعدي يلا)
هكذا أقر هو ونفذت هي بصمت متجهة للمجهول بقلبٍ هالك وظنون تشتتها وتخيفه هو.
اعتنقت نظراته الصندوق بزوايا الحجرة قبل أن يخرج ويترك خلفه أذيال تنهيدة محطمة باليأس والحزن.
***********
تمدد مروان بساقه المكسورة على أقرب مقعد طويل وصل إليه، وضع عصاه جانبًا ودار بنظراته في وجوه الجميع، عينا مروة المعلقة بالباب في ترقب وخوف لا يفهمه وعاصم بملامحه الباردة وعمته المتحفزة بالكثير، شفتيها ترتعشان بكلمات مبهمة يقسم داخله أنه سُباب يخص براء وأبيه والجميع… أما هو فعدّل نظراته ينتظر مثلهم حضور صاحبة الجلالة وزوجها ولم يكن بأقل منهم ترقبًا..
رن جرس الباب فنظر الجميع إلى بعضهم بإستغاثة خفية وتوسل لينهض عاصم ويفتح
ضم أخيه كأنه يستمد منه العون وبعدها رحب بتلك المنكمشة بزعر.
أدخلهما عاصم مرحبًا فأشاحت العمة معترضة ساخطة بينما التهمت نظرات مروة براء وجلال، تُعذب نفسها برؤيتهما وتفحصهما جيدًا علها تجد ما تجلد به ذاتها يوميًا وتنعي به حظها وتنغمس فالبكاء هكذا عهدها في تلك الأيام المنصرمة..
أما عاصم فكما هو لاتعرف بما يفكر ولا ماذا يريد هو بائس من يراه يظنه فقد كل غالي ولم يعد يعنيه شيء، ملامحه متراخيه بعبوس طفيف يزاحمه الأرهاق.. أما هو فلم يعتدل وظل يحدق فيهما بنظرة مستهينة وبسمة تعلن بتبجح لجلال (جيم أوفر)
هكذا فهمها جلال مما دفعه لأن يمسك بكف براء ضاغطًا عليها ويشدها إليه في حمايه معلنًا له أنها له ولو أراد فليفعل.
جلس بها جانبًا منزويين منبوذين مروة تكاد تتحول لوحش وتلتهمهما غيرة وعمتها تزجرها بنظرة كارهة مستهزئة وبعدها تشيح وعاصم يحيطهما بنظرات عطوفه حانية من وقت لأخر.. بعدها دخل بنفسه للمطبخ يحضر لهما ما يضيفاهما به..
وضع جلال ساقًا فوق أخرى وهو يقول بإبتسامة خبيثة (احنا اصحاب مكان مفيش داعي)..
التقط الكوب وارتشفه تحت نظرات زوجة ابيه ودعائها الخافت عليه (بالسم الهاري)
غُص جلال في المشروب ليتركه وهو يقول لزوجة أبيه مبتسمًا ليزيد استفزازها (خفي يا أنوار)
سعل بشدة مما دفع براء أن ترفع ذراعها من الخلف وتضربه ضربات خفيفة مهزوزه بالتوتر والخجل، نظر إليها يجمع غنائمة من عينيها المهزومة، ارتبكت أكتر وابعدت كفها علي استحياء سحب كفها وضمها بكفه في مؤازرة يطمئنها ويرجوها أن تهزم خوفها وترتكن بضعفها إليه وهو لن يتركها. استرخت قليلًا وهدأت ليلتفتا علي ضحكة مروان الساخرة
ختم المشهد دخول المحامي المنوط بفتح الوصية التي تركها الرجل،والتي اعلن فيها أن نصف ما يملك يؤل لأخيه وقد كتبه بيع وشراء لابنته براء.
شد فتيل القنبلة فانفجرت مدوية فوق رأس الجميع.. أولهما أنوار التي ضربت صدرها متفاجئة بالمصيبة، أخفت براء وجهها بين كفيها تشهق حزنًا علي عمها وامتنانًا لمعروفه وفرحة لاسترداد حقها دون جهد
أقترب منها جلال جذبها إليه يضمها لأحضانه ولم ترفض احتمت بذراعيه من نيران نظراتهم الغاضبة، اغمض عينيه يقبل مقدمة رأسها في دفء لاهيًا نائيًا بنفسه عن حقدهم سعيدًا لأجلها.
ابتسم عاصم بعينين مبللتين بالدموع لأجلهما، أما مروان فاسودت ملامحه كمن خرج من جحيم.
ابتعدت براء تمسح دموعها وتبتلع شهقاتها خجلة من مشاركته بكائها ولجوئها لأحضانه وسط هذا الجمع من المتربصين بها شرًا..
مد جلال انامله يمسح عنها دموعها بحنو بالغ، ويرتب حجابها لتبدو بشكل أفضل..
نهض يمسك بكفها فوقفت مثله مستفهمة هتف مستأذنًا (كده هاخد مراتي وامشي وابقا نيجي تاني، ثم وجه نظراته لزوجة ابيه يستأذنها بإبتسامته الخبيثة التي تغيظها وتأكلها(بعد اذنك يا مرات ابويا هنروح نريح من السفر أنا ومراتي)
قبل أن ترفض وتصرخ بوجهه معترضة هتف عاصم وهو يرمي بشر نظراته الزاجرة لوالدته (البيت بيتك يا جلال خدوا راحتكم)
رغم الخيبة التي رمته بها نظرات والدته إلا انه كان مرتاحًا يشارك جلال وبراء سعادتهما.
ترك جلال كف براء واتجه ناحية مروان ببطء مدروس، ابتسم لمروان بانتصار ثم التقط من جيب قميصه قلمًا وانحنى يهمس بمودة زائفة (حبيبي يا ابو نسب الف سلامة عليك)
خط اسمة علي ساق مروان المكسورة وهو يهمس مستفزًا شامتًا (دي للذكرى)
حملق فيه مروان بقوة قبل ان يتخذ الجمود واجه ويجابهه بلامبالاته.
أعاد جلال القلم مكانه وهو يصدر صوتًا من فمه مستاءًا ليقول بنبرة زائفة الأسف (دي حادثة ولا مقصودة.؟)
ازدات نظرات مروان تعمقًا في وجه جلال وملامحه التي تمرر له شيئًا لم يفهمه ليقول جلال محذرًا (ابقا خلي بالك المرة الجاية لاتموت)
التقط عاصم المغزى فابتسم؛ سرعان ما اتسعت ابتسامته أكثر حين فهم مقصد جلال وتنبه لسبب ما حدث لمروان ها هو يضع تهديده نصب عين الأخير ليرتدع بعد أن رأي المكر يطل من عينيه والتوعد يتوسد نظراته لبراء. هذا هو جلال ليته مثله بكل تلك القوة
*****************
دخل المطبخ يصنع لنفسه كوبًا من القهوة ويختلي بنفسه بضع دقائق قبل أن يذهب إليها ويقتحم عزلتها التي فرضتها منذ رجوعها من بيت عمها.. لا ضرر من سيجار حشيش يظبط له موازين أفكاره المختلة ويساعده علي التماسك،لا توجد فكرة برأسه ولا كلمات هو يريد مؤازراتها بوجوده وكفى، يومًا ما كان مثلها لا يريد أقولًا فارغة ولا وعودًا كاذبة كان يريد أفعالًا تسانده… صنع لها كوبًا من الليمون بالنعناع وذهب به إليها بحث بعينيه داخل الحجرة لم يجدها، استدار للصالة الواسعة يبحث فيها حتي وجد باب الشرفة مفتوحًا.. أخذ نفسًا عميق واتجه إليها وجدها جالسه علي كرسي تستند بذراعيها ورأسها علي حافة الشرفة، حمحم منبهًا لها ثم وضع كوب العصير أمامها هامسًا (اشربيه)
أومأت بعدم رغبة لكنها سلكت طريق المهادنة حفاظًا علي سلامها النفسي من إلحاحه، غادر وعاد إليها بجاكته الخاص انحنى يدفئها به وهو يطبع قبلة نشرت في جسدها الدفء والاطمئنان، اشتبكت نظراتها لثانيه قبل أن يعود ليجاورها متسائلًا (زعلانه ليه)
رغم غموضه نظراته كانت تطمئنها،تحتضنها بحماية، كانت تلمح خوفه عليها
فيهما جليًا
(كنت خايفة بس اطمنت)
(كويس إنه عمل حاجه كويسه قبل ما يموت)
احتدت نظراتها الموجهة إليه بإستفهام، تهجمت ملامحها سخطًا من كلماته (ليه بتقول كده…؟ )
هز كتفيه صعودًا وهبوطًا غير مباليًا وهو يهمس بإقرار (العيلة دي مفيهاش غيرك ..وجودك معايا هو الي خفف الي ليهم جوايا )
لانت ملامحها بشفقة كرهها وتهرب منها لتسأله بإهتمام وعينيها تحاول اصطياد نظراته المشتته (مكنتش بشوفك مع عاصم)
نهض يتكأ بساعدية علي حافة الشرفة قائلًا وأفكاره تغوص لمجهول الذكريات (عمتك مشتني أو أنا مقدرتش اتحمل بعد موت أبويا وبعدها جوز خالتي أخدني عنده لما رجع من السفر)
ارتعشت شفتاها بسؤال تخشاه ولم تستطع أن تتخطاه (دخلت السجن ليه..؟)
أجابها ببساطة وكأن ما يقوله لا يعنيه (سرقت علشان اجيب علاج لأختي)
ارتخت ملامحها بإشفاق ورحمة ليقول مبدلًا الحديث هاربًا من نظرتها له (بقولك ايه هنطلب عشا ولا هتعملي حاجه عالسريع.؟)
أجابته وهي تنهض ملبية (هدخل أعمل حاجه) قالتها وابتعدت خارجه متجهة للمطبخ
دخل خلفها للصالة وتمدد على أقرب كرسي مريح يمكن من خلاله رؤيتها في المطبخ لم يشعر أن النوم تسلل إليه وسرق انتباهه علي غفلة وادخله دوامته إلا حينما همست بإسمه (جلال… جلال)
غمغم متلذذًا بإسمه من بين شفتيها رافضًا الإستيقاظ لكنها صرخت في نبرة معاتبة (جلال)
فتح عينيه ببطء لتكون الصدمة من نصيبه ويعتدل محملقًا فيها بإستكشاف ودهشة، تقف أمامه متمايلة ترتدي منامة قطنية بحمالات رفيعه تصل لأسفل ركبتها بقليل مليئة بالرسوم الكرتونية، ضفيرتها تستند علي أحد كتفيها في نعومة وعلي جبهتها بضع خصلات متناثرة في عشوائية اضفت علي ملامحها الناعمة عذوبة وجمال رغمًا عنه انفلت سؤاله المرتبك(في إيه..؟)
سارت أمامه بخطوات متمايله جعلت عيناه تجحظ بإندهاش وهي تقول بعتاب (قوم يلا نتعشى)
نهض خلفها مترنحًا بفعل المفاجآة وبقايا النعاس يرمقها متفحصًا وقد تبدلت.. جلس أمامها حول السفرة الصغيرة لتقول بإهتمام)(اعملك ساندوتش)
هز رأسه ببلاهة وهو يتمتم بينما كفه ترتفع تتلمس جبهته(هو انا بحلم ولا تعبان ولا موت وهيدخلوني الجنة ولاايه..؟)
ثم تسائل بهمس خافت وهو يتأمل ابتسامتها اللذيذة وملامحها الناعمة بإغراء و…. هنا صمت ليكرر (الحشيش مغشوش يا ولاد الكلب مش للدرجة دي مفيش ضمير)
ناولته الطعام مندهشة من صمته وشروده لكنها تخطت كل ذلك وسألته بإبتسامة منتصرة راضية (إيه رأيك..؟)
هز رأسه مؤكدًا ونظراته تتفحصها كأنه يعرفها من جديد ليكرر الهمس (هو في أحلى من كده)
شاكسته بنصف ضحكة (دا سؤال ولا إجابة..؟)
غص بالطعام وسعل بشدة لتنهض من مكانها متجهة له تميل ناحيته بقلق تناوله كوب الماء الذي غص فيه أيضًا وهو يراها هكذا أمامه بكل تلك الفتنة والإغراء، أبعدها رافضًا (خلاص روحي)
ثم سألها بجدية (براء إنتِ حطالي سم صح..؟و قررتي تلبي رغباتي قبل الموت )
ضحكت علي كلماته وهي تسأله بنفس الجدية وكأن ما يحدث ليس بغريبًا (ايه الدراما دي في ايه.؟ للدرجة دي الأكل حلو..)
تنهد قائلًا بدقات تخطت المعقول (والله إنتِ اللي حلوه)
ابتسمت ترد مجاملته (شكرًا…)
بحث بجيوبه عن كيس النسكافية الي حشاه ببعض حبات من حشيشه الطازج، استاء قليلًا فما يحدث الآن يحتاج سيجارًا فاخرًا ليفيق أو ليغيب لا يهم.. نظر حوله ليجده علي طاولة المطبخ خلفها، تنهد براحه قبل أن يطلب منها (براء هاتي كيس النسكافية ده.؟)
(كنت مصدعة وشربته)
هكذا ببساطة قالتها ثم مدحت قائلة تحت نظراته التي أصابتها الفاجعة (اول ما شربته خفيت بجد)
مط شفتيه السفلى يائسًا وقد أدرك ما يحدث لها وسبب تغيرها (لازم تخفي أمال.. دا صنف غالي وشكلهم عندهم ضمير)
همست بدلال تخرجه من شروده الذي طال (جلال)
(روح جلال) همسها مستجيبًا لنبرتها التي دغدغته وأصابت قلبه بسهمها.
(بتحبني..؟)
(العب دي هتحلوا بقا ) هتف بها ضاحكًا وهو يميل مهديًا لها اهتمامه ورغبة في مشاركتها تلك اللحظات الدافئة والتي يظنها حلمًا يربت به الله علي قلبه وفيضًا من سعادة تمناها.. وجرعة مهداة من القدر يكمل بها طريقة دون يأس.
*******’
عادت متأخرة مبكرًا تلك المرة فقد اكتفى الطبيب بعدد محدد من المرضى لتعبه ولكم أراحها ذلك كثيرًا فيمكنها الآن العودة دون خوف أو يخالج شعورها شيئا من ضيق..
الجميع يركض امامها فزعًا مما جعلها تسرع الخطى لترى لما كل هذا الارتباك حولها وتلك الأصوات العالية الصارخة بإستنجاد وإستغاثه، انخلع قلبها حين رأت التجمهر حول منزلها والدخان يلف الجميع بغمامة داكنه.. ركضت تفسح الجميع عن طريقها بذراعيها.. حتى وقفت امام المنزل الذي تلفه النيران وتلتهمه بتلذذ، حاولت الذهاب متغيبة تهذي بجزع (أما…)
تصدر يوسف أمامها يمنعها من الركض والذهاب، حاولت دفعه بعيدًا أو التملص لكنها لم تفلح مما جعلها تتوسله بالبكاء الذي شق قلبه (خليني يا يوسف اجيب حاجة أمي)…
ليضمها مبعدًا لها وهو يرفض بحزن نال من قساماته(لا ياجميلة)
بعدها غرقت في الإغماء فور أن انتهت النيران من طعامها وفشلت هي أن تغوص داخلها
1
+

