رواية انذار بالعشق الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم مريم غريب
رواية انذار بالعشق الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم مريم غريب
( 24 )
_ عروس ! _
توقف سائق التاكسي علي مقدمة الشارع الجانبي المؤدي لمنطقة الريـس “هاشم” الحصينة …
أمرته “ساره” بذلك عندما رأت أحد جواسيس أخيها يقف هناك عند البوابة الحديدية الضخمة صاحيا و كأنه كان ينتظر عودتها ، كانت تعرفه مسبقا
مجرد فتي لم يتجاوز العشرون من عمره بعد ، شاهدته مرات عديدة بالحي القديم الذي كانت تسكنه ، قبل أن تنتقل مع “صلاح” إلي هنا تاركة منزل أبيها المجرم … “وصفي”
إرتبك الفتي حين رآها تنزل من سيارة الأجرة ، و فورا إستدار ماضيا للداخل ، فلم تعد تري ظله حتي …
هزت “ساره” رأسها يائسة من تصرفات أخيها ، و حقا لم تكن تعرف أيفعل هذا بدافع الخوف و القلق عليها أم لأن ثقته فيها ضعيفة !!
لعله تأثر بأحاديث الناس عنها ، ربما تذكر في الآونة الأخيرة أنها أضحت إمرأة مطلقة ، عرضة لأي أوغواء أو حتي إنتهاك …
-مساء الفل عالفل !
إرتعدت “ساره” بعنف عندما أتاها ذلك الصوت الغليظ من خلفها هكذا علي حين غرة
إلتفتت نحو المصدر ، لتصطدم برؤية وجها مألوف ، وجه لا يقل قساوة و إجراما عن الوجوه التي عهدتها منذ نعومة أظافرها .. لكنها عجزت عن تحديد هويته تماما …
-آ إنت مين و عايز إيه ؟؟ .. قالتها “ساره” بنبرة عدائية و قد حاولت أن تبدو شجاعة
شملها الأخير بنظرات وقحة يغلفها الإعجاب و قال :
-أنا وش السعد إن شاء الله . أنا إللي ربنا بعتني ليكي عشان أعوضك . عشان أشيلك علي كفوف الراحة و أستتك يا سـ آآ …
-إنت مجنون يا جدع إنت ؟! .. قاطعته “ساره” و هي تصيح بحدة ، و أردفت :
-إسمع . إنت شكلك ماتعرفش أنا مين .. بس إللي أنا متأكدة منه إنك تعرف صلاح وصفي . عشان كده نصيحة خدلك ساتر بعيد عني و ماتفكرش تعاكسني أو تتعرضلي تاني . و أنا أوعدك إني مش هجيبله سيرة عن إللي حصل
قهقه بإستفزاز و هو ينظر لها ، ثم قال بنبرته المتحشرجة :
-لأ كده يبقي شكل صلاح هو إللي ماجبلكيش سيرة عني خالص يا جميل .. و باين إن إنتي إللي ماتعرفنيش علي فكرة
ساره و قد أخذ الغضب منها كل مأخذ :
-إسمع أنا مش هصبر عليك كتير . ديتها أعلي صوتي شوية ألف مين يجي يعلمك الأدب إللي ماعداش عليك أصلا .. لأخر مرة بحذرك خليك في حالك يا شاطر … و همت بالرحيل
ليعترض طريقها قائلا بخبث :
-إتقلي براحتك . أنا بس حبيت أوصلك معلومة عشان ماتبقاش مفاجأة عليكي . يوم ما هتميلي لراجل يملا حياتك . هيكون العبدلله يا ست البنات .. و أشار إلي نفسه
-لأ إنت فعلا مجنون !! .. هتفت “ساره” بغضب شديد و قد صار وجهها كتلة من الجمر الملتهب
-عوني السروجي أعقل راجل ممكن تقابليه في حياتك يابنت وصفي !
هكذا أعلن “عوني” عن هويته محدقا فيها بنظرات واثقة دون أن يطرف له جفن … و تابع و هو يتقرب منها خطوة تلو الأخري :
-إنتي خلاص بقيتي علي إسمي . و أخوكي شاهد علي كده .. مش فاضل غير كلمتك إنتي . ياريت تقوليها بسرعة يا ساره .. و أضاف مزدردا لعابه بتوتر :
-أنا مش عارف لحد إمتي هفضل ماسك نفسي . إنتي قايدة النار جوايا من زمان .. مش عارف فلتي مني إزاي !!
كانت تتراجع مواطئة خطواته تجاهها ، حتي فرغ من كلماته المرعبة … إستدارت و فرت هاربة بلمح البصر ، لتكتشف أن المنطقة عند البوابة كانت شبه خاوية ، و لهذا أمعن ذلك الـ”عوني” في مضايقتها و بث الذعر فيها دون أن يخشي شئ ….
و لكن كان هناك شيئا أكبر و أبلغ من الذعر كشفه لها
وصلت إلي البيت الآن فصفقت الباب خلفها ، و بدون مقدمات إنهارت فوق الأرض علي ركبتاها ….
-صلاح عايز يجوزني ؟؟ .. تمتمت “ساره” و هي ترجف من الرعب
-هو كمان عايز يعمل فيا كده !!!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند التقاطع التالي من الطريق الرئيسي ، أوقف “عمر” سيارته منتظرا حتي تتحول إشارة المرور إلي اللون الأخضر …
كان قد أنزل نوافذ السيارة الأربعة ، حين إنبعث صوت “عمرو دياب” ملعلعا و هو يغني ( كده عيني عينك ) تبثها محطة إذاعية شهيرة
و رغم أن غلق السيارة كان محكما ، إلا أن ذلك لم يمنع تسرب نغمات الأغنية بوضوح شديد للخارج ليسمعها مرافقيه المحاط بهم من كل إتجاه ، و بين مستنكر و متذمر و مؤيد لهذا الجو المرح الذي أشاعه بصخب ربما يصل لحد الإزعاج ، لم يبالي “عمر” بأي من ذلك و إنطلق فور إلتماع الضوء الأخضر دون أن يتلتفت حوله مرة
هاتفهه يدق بإلحاح منذ ثلث ساعة تقريبا ، و في كل مرة يضعه علي الإنتظار ، و ذلك ما فعله الآن أيضا مع أخيه المثير للحنق .. “معتز”
كان مطلع الطريق المؤدي إلي بيته منفرجا و سهلا في هذا الوقت ، فوجد نفسه و قد إسترخي إلي حد كبير ، و راق ذهنه كثيرا … راح ينقر علي المقود ، مرافقا “عمرو دياب” في الغناء :
و ريني لو ناسيني و هات عينك في عيني
يا حبيبي أنت خايف لتخونك الشفايف
و تقول أنك فاكرني و تسلم و تناديني
كده عيني عينك تنكر هوى كان بيني و بينك
كده عيني عينك تنسى عيون علطول فاكرينك
في هذه اللحظات لم تفتأ صورتها تلوح أمام ناظريه … هي دون غيرها ، جرح قلبه المفطور ، مرضه العضال الذي لا شفاء منه ، ما زال فؤاده يخفق بحبها ، بعد كل هذا .. ما زالت ذكرياتهما تطرق عقله كل ليلة
كل كلمة ، كل لمسة ، كل وعد بعشق أبدي لا تخمد نيرانه مهما حدث …. هراء ، إكتشف أن كل ما عاشاه سويا كان محض هراء ، عندما هجرته و إنصرفت لحب أخيه ، و الكارثة أنه لا زال يأمل لو أنها تكن له بعض المشاعر ، و لكن آماله محدودة الآن
فهو لا يطمح لإيثار روابط الود القديم ، إطلاقا ، إنما ينشد إنتقاما ، إنتقاما مدويا منها ، و من أخيه ، و من كل من كان عثرة في طريقه ، حتي لو كان سيدعس بقدمه أناس لا ذنب لهم ، فلماذا يهتم بغيره أصلا ؟
عندما كان يتألم وحده ، و ينزف ، و تتمزق رجولته إلي أشلاء .. هل إهتم أحدا به ؟ هل حاول فردا واحدا مواساته و التخفيف عنه ؟؟؟؟
من الآن فصاعدا لن يكترث إلا لنفسه ، و لن تتكرر تلك المأساة ثانيةً ، لن يسمح أبدا بذلك ….
-إف بقي ! .. تأفف “عمر” حين أفاق من أفكاره علي صوت الهاتف مجددا
مد يده إلي جوار المقود و تناوله بحركة عصبية ، لكن إستوقفته هوية المتصل ، عبس بغرابة و هو يرد :
-إيـه يا سليم !
جاء صوت “سليم” حاملا نبرات اللوم :
-إيه إنت يا عمر ! بنكلمك من بدري مش بترد ليه ؟؟
عمر بقلق :
-في إيه يا سليم ؟ جلنار هانم كويسة ؟!
-ماتقلقش نناه كويسة و معاها ساندرا كمان . بس أنا و معتز كنا بنتصل بيك عشان نقولك ياريت لو تتأخر شوية برا
عقد “عمر” حاجباه مستنكرا :
-أتأخر برا !!
إشمعنا ؟؟
بدا الصغير “سليم” نافذ الصبر و هو يقول :
-إتأخر و خلاص يا عمر . I guess إنك مش هتحب تشوف خناقات آسر و مامي يسرا يعني
وبخه “عمر” بحدة :
-ماسمهاش مامي يا سليم . دي مش أمك فاهم ؟ .. ثم سأله بحماسة مبطنة :
-و بيتخانقوا ليه بقي ؟؟
سليم بصوت يعتريه الضيق :
-ماعرفش يا عمر إتأخر و خلاص
عمر و هو يضحك :
-طيب سلام . سلام يا سولي ! .. و أغلق معه متجها باللحظة التالية صوب منعطف مفضي إلي قصر عائلة “الراوي”
و ها قد وصل في الوقت المناسب تماما ….
……………………………………………………………………….
الآن و قد حمي وطيس النقاش بين كلا من “آسر” و أمه “يسرا” ..
كانت غرفة الطعام عبارة عن ساحة شجار ، و رغم تواجد “نصر الدين” إلا أنه لم يعيرهم أدني إهتمام و جلس في هدوء بإنتظار أن ينتهي هذا بأي لحظة ، فلابد و أن يكفا بالنهاية
أخذ يهتم بالتسامر مع ولده الصغيره فقط ، بينما “معتز” و شقيقه ذي القدم المتماثلة للشفاء يجلسان جنبا إلي جنب لم يفتأ الضجر يملؤهما معا …
-يعني إيه تبقي مراتك سايبة البيت من إمبارح و أنا ماعرفش إلا إنهاردة !! .. قالتها “يسرا” بزعيق غاضب ، ليرد “آسر” عبر أسنانه :
-المطلوب مني إيه يعني ؟؟؟ إنتي عايزه مني إيه دلوقتي ؟؟!!
يسرا بصرامة :
-عايزاك تروح حالا و تجيبها هنا . إنت ناسي إنها حامل ؟!
صاح “آسر” بشراسة :
-مش هاروح أجيب حد أنا . زي ما مشيت لوحدها ترجع أنا مايتلويش دراعي .. و كانت في يده حقيبة عمله
رماها بعنف و حل ربطة عنقه بأصابع نزقة و قد أحمـّر وجهه بصورة خطيرة …
تراجعت دفاعات “يسرا” بعض الشئ و هي تتأمل ما آلت إليه حالة إبنها ، إعتراها القلق عليه ، فإقتربت منه خطوة و وضعت كفها علي صدره الخافق قائلة بلطف حازم :
-آسر . حبيبي .. لازم تفهم إنك إنت الراجل و مهما حصل بينك و بين مراتك هتكون بتدلع عليك مش أكتر . مش المفروض تبقي Aggressive علطول كده
آسر بعناد :
-مش رايحلها .. و خليها قاعدة كده في بيت أبوها مستنية . لحد ما يبانلها صاحب . و بعينها لو كان أنا
-هـاي يا جماعة !
و هنا إلتفت الجميع نحو صاحب الصوت ، كان وجه “عمر” مشرقا بالإبتسام ، خاصة بعد أن سمع جزء لا بأس به من جدال أخيه و زوجة أبيه .. يري أن الحظ حليفه منذ البداية ، و يمهد له طريقه بمنتهي السلاسة …
علي الطرف الأخر ، إكتنفته نظرات العداء من كل حدب و صوب ، و كأنه دخيل إقتحم خصوصية عائلة ، لم يكن سوي “نصر” الذي شمله بنظرات متلفهة و هو يهتف :
-عمر ! تعالي يابني . تعالي جيت في وقتك الأكل بقي بارد أووي
مضي “عمر” بإتجاهه و هو يقهقه بمرح ، كان يعلم قصده جيدا … أخذ يمرر عينيه بشغف علي الأطعمة التي تمتلئ بها المائدة و قال :
-ليه بس يا بابا ؟ ده حتي الأكل شكله حلو إنهاردة . و سخن أوووي باين عليه .. ثم مد يده إلي جرة صغيرة مليئة بأصابع اللحم المتبلة
إلتهم إحداهم مغمغما بتلذذ :
-إممم . Tasty ( شهي ) .. ثم قال معتذرا :
-بس للأسف مش هقدر أتغدا معاكوا . لسا واكل مع ناس مهمين أووي !
نصر الدين بإستغراب :
-ناس مين دول ؟ حد من العملا بتوعنا ؟؟
هز “عمر” رأسه نافيا ، و قال بلهجة ماكرة :
-لأ يا بابا . دول ناس من نوع تاني خالص . هقولكوا ماتقلقش .. و كويس إن كلكوا موجودين و آسر رجع بدري إنهاردة كمان … و قذف أخيه بنظرة سديدة لا تخلو من الشماتة
ردها “آسر” له رامقا إياه بنظرات ساخرة ، فأثاره أكثر …
-إوعي تقولي إنك عايز تمشي تاني ! .. قالها “نصر الدين” بصوته الخشن ، و أكمل :
-الموضوع ده أنا قفلته و قولتلك مافيش مشي من هنا . ده بيتك و هتفضل قاعد فيه زي إخواتك
نظر له “عمر” و رد بإبتسامة :
-ماتخافش يا بابا .. أنا مش همشي . خلاص غيرت رأيي و قاعد معاك . و مع إخواتي . مش هبعد تاني حتي لو حاولت تبعدني إنت
إرتخت تعابير “نصر” و شاهده “عمر” يهز رأسه متنهدا براحة ، فأضاف بخبث :
-بس مش هينفع أقعد لوحدي كده . لازم يبقي معايا حد يهتم بيا و يملا حياتي .. بدل ما هي فاضية و كئيبة كده
نصر الدين بتساؤل :
-قصدك إيه يعني ؟!
تنفس “عمر” بعمق و إنتصب في وقته قائلا بصوته القوي :
-أنا قررت أتجوز
و جمد كل شئ لبرهة .. حتي قال “نصر” :
-هتتجوز !!
مين ؟ و إمتي ؟؟
شعر “عمر” بالإثارة تغمره و تتزايد مع إمعان النظر بوجوه عائلته التي وجمت فجأة ، أجاب سؤال والده و هو ينظر مباشرةً بأعين “زياد” الذي قبض علي ملعقته الآن بطريقة ملفتة :
-مين ؟ ده أكيد هتعرفوه قريب . إمتي ؟ لسا محدتش . بس هيكون قريب بردو
نصر الدين بإستنكار :
-هو سلق بيض ؟ إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ عايز تتجوز بالطريقة دي منغير ما نعرف مين إللي هتتجوزها و كمان مقرر كل حاجة من نفسك !!
-معلش يا بابا . أصل إللي هتجوزها عندها ظروف . و أنا عارف إنت بتفكر في إيه .. بس أنا آسف مش هقدر أعمل فرح و لا أي حاجة من دي . أنا أساسا مش بحب الجو ده و أعتقد إن هي كمان زيي . من فضلك ماتضغطش عليا بقي أنا واخد قرارتي كلها و بعدين أنا مش صغير يعني
أطلق “نصر” تنهيدة مقتضبة و قال :
-طيب تبقي مين عروستك دي ؟ بنت مين و إتعرفت عليها إزاي ؟؟
إبتسم “عمر” و قد حانت منه إلتفاتة أخري نحو “زياد” .. أجاب و هو يرفع كأس من الماء إلي فمه :
-خليها مفاجأة أحسن يا بابا . أنا واثق إنها هتبقي مفاجأة عظيمة جدا .. ثم أعاد الكأس ثانيةً و قال و هو يستدير مغادرا للأعلي :
-يلا أشوفكوا علي العشا بقي . و إبقي إستناني يا ميزو عشان ندخل لتيتة سوا زي ما إتفقنا !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت “ساره” ساكنة طيلة الساعات القليلة المنصرمة .. إلي أن عاد “صلاح” من الخارج ، طفقت تتصرف بآلية شديدة ، مثيرة للأعصاب
حتي أنها لم تهتم بإفراغ الحقائب و الأكياس التي آتي بهم ، توجهت مباشرةً نحو المطبخ و بدأت بإعداد وجبة الغداء لأجله ، لم يستغرقها الأمر طويلا و إنتهي كل شئ تقريبا
ليخرج “صلاح” من الحمام في اللحظة التالية مطوقا عنقه بمنشفة صغيرة ، كان الماء يقطر من وجهه و لحيته ، عندما إتجه صوب الخزانة و رأي في طريقه الأغراض التي جلبها لا زالت علي نفس الحالة
عبس بغرابة و إلتفت نحو “ساره” …
-إنتي ماشوفتيش الحاجات دي يا ساره ؟! .. هتف “صلاح” من موضعه ، لتجيب “ساره” بآليتها المزعومة دون الإلتفات إليه :
-ماشوفتش يا صلاح . لو جايب بقالة سيبها و أنا هبقي أجي أرصها في التلاجة
صلاح بتبرم :
-بقالة إيه ياختي ! تعالي أما أوريكي أنا جايبلك إيه يا فقرية
ساره بنبرة خالية من الحماسة .. خالية من أي شعور :
-مش وقته يا صلاح . تعالي إتغدا الأول .. الأكل خلص خلاص … و وضعت أخر صحن فوق الطاولة المتواضعة
زم “صلاح” شفتاه بنفاذ صبر و توجه إليها ، أمسك برسغها و شدها خلفه قائلا :
-لما أقول الكلمة تتسمع يابت . فاهمة ؟
زفرت “ساره” و هي تقول بضيق شديد :
-عايز مني إيه يا صلاح ؟ أنا مش فايقة دلوقتي و الله
-ليه ياختي مين معكر مزاجك ! .. تمتم و هو يفتح كيسا من البلاستيك المصقول ، ليخرج بمنامة حمراء لامعة حريرية الملمس
ألقاها علي كتفها قائلا بإبتسامة واسعة :
-شوفي جبتلك إيه ! علي الله ذوقي يعجبك بقي و لسا في حاجات كتير هنا هدوم للبيت و للخروج كمان .. و أشار إلي كومة الحقائب البلاستيكية
أمسكت “ساره” بالمنامة و تأملت شكلها ، كانت عادية ، حتي أنها تتسم بالحشمة و ليست فاضحة كما تبدو … لكن عقلها أخذها إلي طريق أخر ، طريق لم تتخيل أن يلقي بها أخيها _المخلص _ فيه ، بيديه ….
-و إنت بقي جايبلي الحاجات دي بمناسبة إيه ؟؟!! .. تساءلت “ساره” بنبرة خشنة
صلاح و قد تلاشت إبتسامته :
-بمناسبة إيه إزاي يعني ؟ منغير مناسبة يا ساره . و لو لازمك مناسبة يعني أنا لسا قابض مبلغ محترم من الريس هاشم . مش قولتلك إني شريكه في شوية شغل كده ؟ قلت بقي لازم أهاديكي قبل ما أصرف جنية من الفلوس .. غلط أنا و لا إيه ؟!
نظرت له بخيبة أمل لم يستطع تبينها ، ثم قالت بجفاء :
-أنا ماكنتش محتاجة الحاجات دي .. رجعها و أستنفع بالفلوس أحسن يا صلاح
رفع حاجباه و هو يؤنبها بغلظة :
-أرجع إيه يا هبلة إنتي ؟ إوعي تكوني فكراني زي الريس وصفي . إنتي ماتعرفيش أنا أحتكم علي إيه .. ثم إجتذبها من ذراعها قائلا و هو يباعد طرفي سترتها عند منطقة الصدر :
-تعالي كده بس و قيسيلي الحاجات دي عايز أشوفهم مظبوطين و لا لأ !
شهقت “ساره” حين شعرت بملمس يده علي جلدها ، قفزت للخلف صائحة بعصبية :
-إنت إتجننت يا صلاح ! إيدك ماتتمدش عليا لو سمحت
شحب “صلاح” و هو يقول بدهشة :
-في إيه يا ساره !!
إحتدت نبرتها و هي تحذره مشيرة بسبابتها :
-أنا مابقتش صغيرة علي كده .. ياريت تاخد بالك من تصرفاتك معايا
-و أنا عملتلك إيـه أصلا ؟؟ .. صاح بإنفعال و قد إسودت نظراته
ضمت “ساره” طرفي سترتها قائلة بصرامة :
-أنا مش عايزة حاجة . عندي هدوم بيت كتير و كده كده مش بخرج .. مالهمش لازمة رجعهم أحسن
و تركته ماضية نحو الحمام ، أغلقت الباب بقوة ، فإلتفت محدقا بالطلاء المتآكل عليه
إبتلع ريقه بصعوبة و هو يحس بجفاف مفاجئ بفمه ، لا يعرف لماذا إعتراه هذا الشعور ، لكنه يخشي لو أنه أفرط في التقرب منها علي هذا النحو ، يخشي لو أنه أثار شكوكها بأفعاله … و لكن كيف تشك من الأساس ؟؟؟
إنه لم يكن لها سوي أخا ، لطالما كان كذلك ، علي الأقل هذا ما تعرفه هي .. لا يمكنها أن تدحض تلك الفكرة أو تساورها الشكوك تجاهه لمجرد تصرف عفوي لم يقصد من ورائه شئ ، حقا لم يكن يقصد شئ ……… !!!!!!!!!!!!!!
يتبـــع …

